انتقل إلى المحتوى

جرمندرة

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
كيف يمكن أن يؤثر التلاعب (الجرمندرة) في الدوائر الانتخابية على نتائج الانتخابات على كما هو موضح في الولاية التي فيها 3 مقاطعات مساوية بحيث يوجد 15 ناخباً وحزبين: الأرجواني يوضح حزب المربع والبرتقال بالدوائر.

الجَرمندرة[1] أو الجريماندر[2] (بالإنجليزية: Gerrymandering) تعبير مطروق بكثرة في السياسة الديمقراطية الغربية يشير إلى التلاعب بالحدود الانتخابية بتقسيم مدينة أو ولاية أو قطر إلى مناطق أو دوائر انتخابية مصطنعة لمصلحة الحزب الحاكم أو المهيمن من أجل تأمين فوز الحزب الحاكم في الانتخابات. إذ قبل الانتخابات تقوم السلطة الحاكمة لكي تضمن النجاح لبعض المرشحين الموالين لها بإعادة رسم الدوائر الانتخابية بطريقة غير متساوية بتصغير دوائر الموالين لها وتكبير دوائر المعارضة حتى تشتت أنصار الحزب أو الأحزاب المنافسة وتضمن لها تحقيق أغلبية بين الناخبين في هذه الدوائر.[2][3]

تعتبر هذه مناورات انتخابية غير نزيهة في تقسيم الدوائر الانتخابية ولذلك لكي توصف العملية الانتخابية بالنزاهة يجب تقسيم الدوائر الانتخابية تقسيمًا عادلاً لا يخضع إلى مثل هذه الحيل.[4]

أصل الكلمة جرمندرة من الإنلكليزية Gerrymandering نسبة إلى إلبردج جيري حاكم ماساشوسيتس بالولايات المتحدة الأمريكية الذي اشتهر في القرن التاسع عشر بالقيام بحيل التلاعب بحدود الدوائر الانتخابية بهدف مساعدة فريقه للوصول إلى السلطة، ونتيجة للتقسيم، بدى شكل الإقليم يشبه شكل حيوان السلمندر أو السمندل فأطلق عليه «جرمندرة» تهكماً.[5]

تؤدي هذه الطريقة إلى إنشاء دوائر مصطنعة، غالباً ما تكون لها أشكال غريبة، مما يثير المشاكل بين الأحزاب السياسية التي تحاول توظيف عملية التقسيم لصالحها، خاصة في ظل عدم وجود اتفاق على المسائل الجوهرية المتعلقة بمعايير التقسيم وأهدافه.[6]

التأثيل

[عدل]

استُخدمت كلمة جيريماندَر gerrymander (كُتبت أساسًا جيري-ماندر Gerry-mander؛ وهي نحتٌ من اسم جيري Gerry وحيوان السلمندر Salamander) لأول مرة في جريدة بوسطن غازيت في 26 مارس عام 1812 في بوسطن، ماساتشوستس، الولايات المتحدة. ابتُكرت هذه الكلمة ردًّا على إعادة رسم الدوائر الانتخابية لمجلس شيوخ ماساتشوستس في عهد الحاكم إلبردج جيري، الذي أصبح نائب رئيس الولايات المتحدة لاحقًا. وقّع جيري، الذي رفض شخصيًا هذه العملية، على مشروع قانون أعاد تقسيم ماساتشوستس لصالح الحزب الجمهوري الديمقراطي. عندما رُسمت الخارطة، قيل إن إحدى الدوائر الانتخابية الملتوية في منطقة بوسطن تشبه السلمندر الأسطوري. ظهر إلى جانب المصطلح، ما ساعد في انتشار شعبيته والحفاظ عليها، رسمٌ كرتوني سياسي يُصوِّر حيوانًا غريبًا يملك مخالبَ وجناحَين ورأسًا كرأس التنين، يُفترض أنه كان يشبه الدائرة الانتخابية ذات الشكل الغريب.[7]

من المرجح أن هذا الكرتون قد رُسم بيَدِ إلكاناه تيسديل، وهو رسام ومصمم ونقَّاش من أوائل القرن التاسع عشر عاش في بوسطن في ذلك الوقت.[8] امتلك تيسديل مهارات النقش لقطع القوالب الخشبية من أجل طباعة الكرتون الأصلي. لا تزال هذه القوالب الخشبية موجودة ومحفوظة في مكتبة الكونغرس. على أي حال، لم يُحدَّد الشخص الذي ابتكر مصطلح جيريماندر بصورة حاسمة قط. يعتقد المؤرخون على نطاق واسع أن محرِّري صحيفة الحزب الفيدرالي ناثان ويليام هيل وبنجامين وجون راسل هم من صاغوا المصطلح، ولكن لا يوجد دليل قاطع على هوية من ابتكر الكلمة أو نطق بها لأول مرة.[9]

شكّلت إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية نجاحًا ملحوظًا لحزب جيري الجمهوري الديمقراطي. في انتخابات عام 1812، فاز الفيدراليون بسهولة بمجلس نواب ماساتشوستس ومنصب حاكمها، ما أدى إلى فقدان جيري لمنصبه، لكن بقي مجلس شيوخ الولاية المعاد تقسيمها بقوةٍ بين أيدي الجمهوريين الديمقراطيين.[7]

ذُكرت كلمة جيريماندَر من جديد لعدة مرات في الصحف الفيدرالية في ماساتشوستس وإنجلترا الجديدة وفي سائر البلاد طيلة ما تبقى من عام 1812، ويشير هذا إلى نشاط منظم من قبل الفيدراليين لتشويه سمعة جيري خصوصًا والحزب الجمهوري الديمقراطي المتنامي عمومًا. سرعان ما بدأ استخدام مصطلح الجِرمندرة لوصف حالات التلاعب بشكل الدوائر الانتخابية لتحقيق مكاسب حزبية في ولايات أخرى. وفقًا لقاموس أكسفورد الإنجليزي، تميز قبولُ الكلمة بنشرها في القاموس (1848) والموسوعة (1868). لما كان مانحُ الاسم جيري أو غيري Gerry يُنطق بالجيم الخشنة غير المعطشة /غ/ /g/ كما في كلمة غيت get، كانت كلمة gerrymander تُنطق أساسًا /غِيريمَاندَر/ /’gɛrimændər/، لكن أصبح الأمر السائدُ هو نطقها /جِيريمَاندَر/ /’dʒɛrimændər/ بالجيم الخفيفة المعطشة /ج/ /dʒ/ كما في كلمة جِنتل gentle، وما يزال سكان ماربلهيد، ماساتشوستس مسقط رأس جيري يستعملون النطق الأصلي.[8]

أُضيفت اللاحقة -ماندَر -‍mander إلى أسماء أخرى بين الحين والآخر لربط مساعٍ معينة بسياسي معين أو بجماعةٍ ما. ومن الأمثلة على ذلك مصطلح عام 1852 «الهِنرِمندَرة أو الهِنريماندر Henry-mandering»، و«الجيرِمندَرة أو الجيريماندر Jerrymander» (نسبةً إلى حاكم كاليفورنيا جيري براون)، و«البِِرِمندَرة أو البيريماندَر Perrymander» (نسبةً إلى حاكم تكساس ريك بيري)، و«التُلِمندَرة أو التوليماندَر Tullymander» (نسبةً إلى السياسي الأيرلندي جيمس تولي)، و«البييلكِمندَرة أو البييلكيماندَر Bjelkemander» (نسبةً إلى السياسي الأسترالي جو بييلكي-بيترسون).[8]

التكتيكات

[عدل]

إن الهدف الرئيس للجرمندرة هو تعظيم تأثير أصوات المؤيدين والحدّ من تأثير أصوات المعارضين. ويتجلى الهدف الرئيس للجرمندرة الحزبية بالتأثير في قانون تقسيم الدوائر الانتخابية وأيضًا في مجمل القرارات التشريعية الصادرة في سياقه.[10]

يمكن تحقيق ذلك عبر عدة طرق:

  • يتضمن «التكسير Cracking» توزيع ناخبين من لون معين على عدة دوائر انتخابية لحرمانهم من الكتلة التصويتية الكافية في أي دائرة انتخابية. قد تُنشئ الأحزاب السياسية المسؤولة عن إعادة رسم حدود الدوائر الانتخابية المزيدَ من الدوائر «المكسَّرة أو المتصدِّعة» لتكون وسيلةً للاحتفاظ بسلطتها التشريعية وربما توسيعها حتى. يمكن للحزب السياسي من خلال «تكسير» الدوائر الانتخابية الحفاظُ على السيطرة التشريعية أو اكتسابها، وذلك عبر ضمان ألا يكون ناخبو الحزب المعارض هم الأغلبية في دوائر انتخابية محددة. على سبيل المثال، يمكن تقسيم الناخبين في منطقة حضرية ما على عدة دوائر انتخابية بحيث تكون أغلبية الناخبين في كل منها من سكان الضواحي، بافتراض أن المجموعتين ستصوِّتان بصورة مختلفة وأن ناخبي الضواحي سيكونون أكثر حظًا في الانتخابات.[8][11]
  • تتمثل «التعبئة Packing» بعملية تجميع عدد كبير من الناخبين المتشابهين في دائرة انتخابية واحدة، ما يحد من تأثيرهم في الدوائر الأخرى. يمكن استخدام هذا النهج أحيانًا لضمان تمثيل مجتمعٍ ما، مثل إنشاء «دائرة أغلبية أقلية انتخابية». ومع ذلك، يمكن استخدامه أيضًا لتقليل التأثير الانتخابي العام لمجموعة ما. عندما يشكل الحزب المسيطر على إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية أقليةً على مستوى الولاية، يمكن استخدام التعبئة استراتيجيًا للتنازل عن بعض الدوائر مع الحفاظ على سيطرة أكبر على الدوائر المتبقية.[10][11]
  • «السرقة بالإكراه Hijacking» هي تكتيك لإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية من خلال دمج دائرتين معًا، ما يجبر اثنين من شاغلي المناصب على التنافس من أجل المقعد ذاته، ويضمن خسارة أحدهما.[10]
  • «الاختطاف Kidnapping» هو نقل عنوان المنزل الخاص بأحد شاغلي المنصب إلى دائرة انتخابية أخرى. قد تُصبح إعادة الانتخاب أصعب عندما لا يكون شاغل المنصب مقيمًا في الدائرة أو يواجه إعادة الانتخاب في دائرة انتخابية جديدة ذات قاعدة ناخبين جديدة. غالبًا ما يُستخدم هذا الأسلوب ضد السياسيين الذين يُمثلون مناطق حضرية متعددة: تُزال المدن الكبرى من الدائرة الانتخابية لجعلها ريفيةً أكثر.

تُدمج هذه الأساليب عادةً بشكلٍ أو بآخر، ما يُؤدي إلى «خسارة» بعض المقاعد للناخبين ذوي الحضور الكثيف واللون الواحد، وذلك لضمان مقاعد أكثر وتمثيلٍ أكبر للناخبين من لون آخر. ينتج عن ذلك فوز مرشحي أحد الأحزاب (المسؤول عن الجرمندرة) بأغلبيات ضئيلة في معظم الدوائر، بينما يفوز حزب آخر بأغلبية كبيرة لكن في القليل من الدوائر فقط. عندما يسعى أي حزب إلى جعل إحدى الدوائر الانتخابية أكثر ملاءمةً للتصويت لحسابه بناءً على الحدود الجغرافية، فهذا يُعدّ جرمندرة.[8]

التأثير

[عدل]

تُعد الجرمندرة فعالةً بسبب «تأثير الأصوات المُهدَرة». الأصوات المُهدَرة هي الأصوات التي لم تُسهم في انتخاب مرشحٍ ما، إما لأنها تجاوزت العدد المطلوب لفوزه أو لأنه قد خسر في الانتخابات. من خلال نقل الحدود الجغرافية، يُجمِّع الحزب الحاكم الحالي الناخبين المعارضين في بضع دوائر انتخابية سيفوز فيها بالفعل، وبذلك يهدر الأصوات الإضافية. تُشكَّل الدوائر الأخرى بصورة أكثر صرامة، إذ يُتاح للحزب المعارض عدد ضئيل من أصوات الأقلية، وبذلك تُهدَر جميع أصوات الأقلية لصالح المرشح الخاسر. تشكِّل هذه الدوائر أغلبيةَ الدوائر الانتخابية، وتُرسَم حدودها للحصول على نتيجة تصبّ في مصلحة الحزب الحاكم.[8]

مراجع

[عدل]
  1. ^ منير البعلبكي؛ رمزي البعلبكي (2008). المورد الحديث: قاموس إنكليزي عربي (بالعربية والإنجليزية) (ط. 1). بيروت: دار العلم للملايين. ص. 490. ISBN:978-9953-63-541-5. OCLC:405515532. OL:50197876M. QID:Q112315598.
  2. ^ ا ب العجارمة، د. محمد محمود العمار (2017). الوسيط في القانون الدستوري الأردني - ضمانات استقلال المجالس التشريعية. دار الخليج. مؤرشف من الأصل في 2020-05-06.
  3. ^ عبد الله، عبد الغني بسيوني (2000). انطمة الانتخابات في مصر والعالم بين الإنتخابات الفردي والانتخابات بالقائمة. القاهرة: منشأة المعارف. مؤرشف من [www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=egb79666-5079644&search=books الأصل] في 2019-12-17. {{استشهاد بكتاب}}: تحقق من قيمة |مسار= (مساعدة)
  4. ^ الزائدي، د. محمد فرج (1997). مذكرات في النظم السياسية. الجزائر: الجامعة المفتوحة. مؤرشف من الأصل في 2019-12-17.
  5. ^ Dealey، J. Q. (1908-05). "The Rise and Growth of the Gerrymander. By Elmer C. Griffith. (Chicago: Scott, Foresman & Co. 1907. Pp. 124.)". American Political Science Review. ج. 2 ع. 03: 480. DOI:10.2307/1944832. ISSN:0003-0554. مؤرشف من الأصل في 2019-12-17. {{استشهاد بدورية محكمة}}: تحقق من التاريخ في: |تاريخ= (مساعدة)
  6. ^ لرقم، رشيد (2006). النظم الانتخابیة وأثرھا على الأحزاب السیاسیة في الجزائر (PDF). قسنطينة: جامعة منتوري قسنطينة - كلية الحقوق. مؤرشف من الأصل (PDF) في 2019-01-02.
  7. ^ ا ب Griffith، Elmer (1907). The Rise and Development of the Gerrymander. Chicago: Scott, Foresman and Co. ص. 72–73. OCLC:45790508.
  8. ^ ا ب ج د ه و No evidence has been found that famous American portrait painter Gilbert Stuart had any involvement with either the design, drawing, or naming of the cartoon or with the coining of the term. Detailed biographies and academic journal articles about Stuart make no reference to gerrymandering. The myth of Stuart's association with the original gerrymander has been reproduced and spread without verification or sources, from one reference book and Internet site to another. Modern scholars of Stuart agree that no proof has been found to credit him with the term or cartoon, and that he tended not to be involved with such issues. Martis، Kenneth C. (2008). "The Original Gerrymander". Political Geography. ج. 27 ع. 4: 833–839. DOI:10.1016/j.polgeo.2008.09.003.
  9. ^ Martis، Kenneth C. (2008). "The Original Gerrymander". Political Geography. ج. 27 ع. 4: 833–839. DOI:10.1016/j.polgeo.2008.09.003.
  10. ^ ا ب ج Pierce، Olga؛ Larson، Jeff؛ Beckett، Lois (2 نوفمبر 2011). "Redistricting, a Devil's Dictionary". ProPublica. اطلع عليه بتاريخ 2017-12-25.
  11. ^ ا ب "A Deeper Look at Gerrymandering | PolicyMap". PolicyMap (بالإنجليزية الأمريكية). 1 Aug 2017. Archived from the original on 2018-04-11. Retrieved 2018-04-12.