عزمي بشارة

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
عزمي بشارة
عزمي أنطون بشارة
Azmi Bishara, 2013.JPG
مدير عام المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
في المنصب
2010 – لازال في المنصب
نائب في الكنيست
في المنصب
1996 – 2007
المعلومات الشخصية
مواليد 22 أغسطس 1956 (العمر 58 سنة)
الناصرة، إسرائيل
الجنسية فلسطيني إسرائيلي
القومية عربي
الحزب السياسي التجمع الوطني الديمقراطي
الأبناء وجد، عمر
الإقامة الدوحة، قطر
المدرسة الأم جامعة حيفا
الجامعة العبرية في القدس
جامعة هومبولت
الديانة مسيحي
الموقع الإلكتروني azmibishara.com

د. عزمي بشارة (بالعبرية: עזמי בשארה) مفكر وناشط وروائي وكاتب سياسي فلسطيني قومي عربي من عرب 48 وقائد التجمع الوطني الديمقراطي ومؤسسه في اسرائيل ونائب سابق في الكنيست الإسرائيلي عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي ومدير عام المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. كان أبرز الأعضاء العرب في البرلمان، وجرت عدة محاولات لنزع حصانته البرلمانية[1]، وجهت له تهمة "مساعدة العدو في زمن الحرب" وكان المقصود دعم المقاومة اللبنانية خلال حرب لبنان 2006[2]، كما وجهت له عدة مرّات تهمة التحريض على التظاهر خلال الانتفاضة الثانية[3] من مواليد 22 تموز 1956 في مدينة الناصرة.

بدأ حياته السياسية والنضالية طالباً ثانوياً في الناصرة من خلال مشاركته في تأسيس اتحاد الطلاب الثانويين العرب الذي أسسه في المؤتمر الأول للثانويين العرب يوم 6 نيسان/ابريل 1974 وترأسه مدة عامين، وبعد التحاقه في جامعة حيفا ثم الجامعة العبرية شارك في قيادة الحركة الطلابية الفلسطينية في الجامعات الإسرائيلية لسنوات عدة حتى مغادرته إلى ألمانيا لدراسة الفلسفةعام 1980 في جامعة هومبولت في برلين.وعمل محاضرا للفلسفة وتاريخ الفكر السياسي في جامعة بير زيت في الضفة الغربية 1986-1996.ترشح للكنيست لأول عام 1996 على قائمة تحالفية بين الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والتجمع الوطني الديمقراطي. ترشح لمنصب رئاسة الوزراء كتحد للديمقراطية الإسرائيلية, ولكي لا يصوت العرب لباراك أو نتنياهو المرشحين في ذلك الوقت [4] ، وهو من أبرز المنتقدين لسياسة إسرائيل التي يصفها ب"العنصرية" ويدعو بأن تكون إسرائيل "دولة لجميع مواطنيها" في إشارة إلى وصف إسرائيل ب"الدولة اليهودية"، كما ينتقد الفكر الصهيوني المسيطر في الدولة مشيرا إلى أن ذلك تمييز ضد الفلسطينيين، وأن تعامل الدولة الإسرائيلية مع السكان العرب الفلسطينيين الأصليين يتعارض مع ادعاءات إسرائيل بأنها دولة ديمقراطية[5]. ويرتبط به التنظير لمفهوم دولة المواطنين، وتحويله إلى برنامج سياسي. وقد تحصل على جائزة ابن رشد للفكر الحر في العام 2002 لإسهامه في تشجيع حرية الرأي والديموقراطية في العالم العربي[6]. وتحصل على جائزة حقوق الإنسان من مؤسسة Global Exchange في العام 2003 كما شغل كرسي جمال عبد الناصر في مركز دراسات الوحدة العربية بين الأعوام 2007-2009. ومع انطلاقة الربيع العربي كان عزمي بشارة مناصرًا للجماهير العربية التي نزلت للشوارع محتجة بطريقة سلمية في آواخر العام 2010 وبدايات 2011 في العديد من الدول العربية للمطالبة بالعدالة الاجتماعية وبالحرية والكرامة، وقد كان له دور مهم في تحليل الثورات العربية واستشراف مصيرها من خلال اللقاءات التلفزيونية التي تجري معه. ومنذ العام 2010 يدير عزمي بشارة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات وهو مؤسّسة بحثيّة فكريّة مستقلّة للعلوم الاجتماعية والإنسانية، وبخاصّة في جوانبها التطبيقية. ويُعنى المركز بتشخيص الأوضاع في العالم العربيّ، دولًا ومجتمعاتٍ، وتحليلها، وبتحليل السياسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وبالتحليل السياسي العقلاني. ويطرح التحدّيات التي تواجه الأمّة على مستوى المواطنة والهويّة، والتجزئة والوحدة، والسيادة والتبعيّة والركود العلمي والتكنولوجي، وتنمية المجتمعات والدول العربيّة والتعاون بينها، وقضايا الوطن العربيّ بصورة عامّة.

حياته المبكرة[عدل]

ولد عزمي بشارة في عائلة عربية مسيحية فلسطينية عام 1956، درس في المدرسة المعمدانية في الناصرة. خلال دراسته الثانوية نشط في صفوف الشبيبة الشيوعية وفي عام 1974 انتخب رئيسا لمجلس الطلاب في مدرسته كما أنه ساهم في تأسيس اللجنة القطرية للثانويين العرب وانتخب أول رئيس لها في المؤتمر القطري للطلاب الثانويين العرب يوم 6 نيسان 1974. وخاضت هذه معركة ضد تهويد مناهج التعليم وضد التمييز اللاحق بالمدارس العربية من قبل وزارة المعارف الاسرائيلية. انتسب إلى جامعة حيفا عام 1975، وفي العام 1976 مثل اتحاد الطلاب الجامعيين العرب الذي شارك في تأسيسه في لجنة الدفاع عن الأراضي العربية التي أعلنت يوم الارض يوم الثلاثين من آذار . كما شارك في تأسيس اتحاد الطلاب الجامعيين العرب ونشط في الحركة الطلابية العربية وأعتبر أحد رموزها البارزين في السبعينات. واعتقل مرتين في تلك الفترة التي عرفت بمظاهراتها الصدامية ضد اليمين الاسرائيلي في الجامعات. عام 1977 درس الحقوق في الجامعة العبرية في القدس. عام 1980 درس في جامعة هومبولت Humboldt برلين وتخرج بشهادة دكتوراة في الفلسفة بامتياز عام 1986. وقد كان عنوان رسالة الدكتوراة: المنطقي والتاريخي في منهج البحث في كتاب رأس المال لكارل ماركس.

بعد عودته من ألمانيا عام 1986 عمل في جامعة بيرزيت حيث شغل منصبي أستاذ ومدير قطاعات الفلسفة والعلوم السياسية بنفس الجامعة. عام 1990 عمل باحثا في معهد فان لير الإسرائيلي في القدس الغربية، ومنسق مشاريع الأبحاث فيه واستمر بالعمل هناك حتى عام 1996 حينما ترشح للكنيست.

عام 1995 شارك بتأسيس التجمع الوطني الديموقراطي وانتخب عضوا للكنيست عام 1996 بعد ترشحه في قائمة مشتركة بين الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة والتجمع الوطني الديموقراطي. وأعيد انتخابه عام 1999 مرشحا عن التجمع الوطني الديموقراطي وذلك في قائمة تحالفية مع أحمد الطيبي مندوب الحركة العربية للتغيير ثم أعيد انتخابه عام 2003. في الدورة البرلمانية الحالية فإنه عضو في لجنة الدستور والقانون والقضاء وفي لجنة تحقيق برلمانية لفحص عمليات التنصتات السرية.

عام 1997 قام بعملية زرع كلية إثر فشل كلوي ، وفي عام 1999 أصيب برصاصة مطاطية أثناء اشتراكه بمظاهرة دفاعا عن بيت ضد امر الهدم في مدينة اللد وتعرض بيته في الناصرة العليا إلى اعتداء من مئات العنصريين المنظمين بعد أن اتهم بالمسؤولية عن مظاهرات أكتوبر 2000.

مساره الفكري[عدل]

يمكن رصد المسار الفكري لدى عزمي بشارة من خلال المسار السياسي والعملي، فهما متداخلان بشكل عضوي، ويمكن تتبع المسار الفكري من لحظات الصدام الفكري والعملي مع التيارات الفكرية التي انخرط فيها أو نشاة في بيئة تسيطر عليها أو تسود فيها، وصولا إلى طروحه الفكرية الخاصة مرتبطة بالنشاط السياسي والمسار العملي والحركي.

بين الماركسية والأحزاب الشيوعية[عدل]

ويمكن اعتبار لحظة السعي لإنشاء حزب التجمع العربي الديمقراطي تكثيفا للتصورات الفكرية والسياسية وصداما مع السائد السياسي والفكري في الداخل المحتل سنة 1948 ، فيرى بشارة أن إنشاء حزب عربيّ ديمقراطيّ في دولةٍ غير عربيّة ومن دون أفقِ الوصول إلى الحكم، والسعي للحفاظ على الهويّة العربيّة في ظروفٍ إسرائيليّة تؤسرِلُ الاقتصادَ والحاجات وسُبُلَ سدِّها، كلُّ ذلك شكّلَ مشروعا متكامل تتجلى فيه الصعوبات والعقبات المختلفة عن تلك الموجودة في أي ساحة عربية أخرى. ومنها أن الحزبُ الحديث يحتاج إلى مركز مدينة، إلى أفراد، ولا يستطيع أنْ يقوم على عشائرَ لأنّه اتّحادٌ طوعيٌّ بين أفراد. ويقول بشارة نحن انطلقنا من مجتمعٍ ريفيّ غير زراعيّ، يفتقر إلى الزراعة كنشاطٍ اقتصاديّ حقيقيّ، وتحوّل إلى مراكزَ ريفيّةٍ للعمل المأجور. وهذا أشبهُ بأحياء الفقر في المدن، لكنْ من دون مدن! وقد تعاملتُ مع هذا الموضوع بتوسّع في كتابي: الخطاب السياسيّ المبتور. وكما كان هذا التحليل ضروريّاً لفهم طبيعةِ التحرّك، فقد شكّل زاويةً جديدةً في التحليل الاجتماعيّ للمجتمع العربيّ في الداخل[7].

وعن الموقف من الحزب الشيوعي يقول بشارة في مقابلة مطولة مع مجلة الآداب اللبنانية: في مرحلةٍ مبكّرة من شبابيٍ، قرّرتُ أنّني لم أعُدْ مستعدّاً للبقاء فيه، ولو لم تسمحِ الدولةُ الإسرائيليّةُ لحزبٍ آخرَ بأن ينظّمَ نفسَه. فلقد وصلتُ إلى قناعةٍ عميقة، وهي أنّ الفَرقَ بين النظام الشيوعيّ والأنظمة الشموليّة الأخرى ضئيل؛ إنّه فَرقٌ في القِيَم الأصليّة التي تآكلتْ، لا في الممارسة. كما أنّ الادّعاء بأنّ القيمَ يمْكن أن تخدمَها الأساليبُ نفسُها ـ وإنْ كانت قيمَ سعادةِ الإنسان ـ يُنشئُ نظامًا شموليّاً مُماثلاً. ومع الستالينيّة، عَمَّرَ هذا الادّعاءُ مدّةً أطولَ، ولعب دورًا أخطر، وأدّى إلى ضحايا يفوقون ضحايا النازيّة التي لم تستطعْ أنْ تنشئَ دينًا جديدًا واختفت كأنّها لم تكن. وكما ذكرتُ، فإنّ الجاذبَ لشابٍّ مثلي إلى الشيوعيّة قد كان القيمَ الأصليّةَ التي على أساسها قامتِ الإيديولوجيا الشيوعيّة، فماذا يتبقّى منها في ما سمّاه لينين "الشيوعيّةَ العلميّة" ثم في الدولة الشموليّة؟! وعن برنامج الحزب يقول بشارة: كان برنامج الحزب الشيوعي بحد ذاته مشكلة فقد تضمّنَ دولةً يهوديّةً ودولةً فلسطينيّةً في الضفّة والقطاع (وهذا الطرح نفسُه جاء متأخرًا)، ولم يعرِّفْ مفهومَ المساواةِ في دولة المواطنين، ولم يعرِّف الحقوقَ القوميّةَ للعرب كسكّانٍ أصليين، واعتبرَ نفسَه في دستوره "حزبَ الوطنيّة الإسرائيليّة والأمميّة البروليتاريّة،" وغير ذلك من الأمور.

ويركز بشارة على فصله بين الماركسية والأحزاب الشيوعية، فالماركسية بالنسبة له ظلت أحدَ المصادر الفكريّة الرئيسة، ولا سيّما في النظريّة الاجتماعيّة وفي نظريّة التاريخ. غير أنّ الشيوعيّة كادت أنْ تكوِّن دينًا جديدًا؛ وهذا ما لم تنجحِ النازيّةُ فيه: فقد بقيتْ محاولاتُها لإقامةِ دينٍ جديدٍ موضوعًا للسخرية، وهنالك دراساتٌ تبيّن أنّ التوتاليتاريّة لم تدخلْ في عمق الحياة اليوميّة في ألمانيا، وقد هُزِمَتْ في النهاية ولمْ تتركْ أثرًا. وأما النظام الشيوعيّ، فلأنّ قِيمَه (كالمساواة والحريّة) أرقى وذاتُ صبغةٍ كونيّة، فقد دام فترةً أطول، وانضمّ إليه الكثيرون للأسباب الصحيحة، ومنهم مَن قضى في سيبيريا وغيرها، ومنهم مَن عاش في الغرب والعالم الثالث، لا في ظلّ الأنظمة الشموليّة ذاتها، فكان لديه هامشٌ لخداع الذات حول ما يجري لأنّه لم يعش في ظلّ هذه الأنظمة. وعن تلك الاستنتاجات المبكرة المتعلقة بالموقف من الشيوعية وأحزابها يقول بشارة إنه بالاضافة إلى القراءة والاطلاع الواسع في شبابه، فقد توفرت له تجربة عملية وحياتية في ألمانيا الشرقية، يعلق بشارة على تلك المرحلة: "هناك وجدتُ النظامَ، بلا مبالغة، أسوأَ ممّا استنتجتُه من القراءة. وقد استغربتُ كيف لعاقلٍ أن يرى هذا، ثمّ يعودَ ليدافعَ عنه، وهو يعرف أنّه يكذب! لقد كانت الفلسفةُ التي اكتشفتُها بلا أخلاق (ethics)، ولا أعرف ما هي الفلسفة المجرّدة من الأخلاق! والقولَ "إنّ الأخلاق نسبيّةٌ طبقيّةٌ حسب المصلحة" يعني كارثةً حضاريّةً وتشويهًا فظيعًا. إلاّ أنّ الأهمّ من هذا الإشكال الفلسفيّ كان الاعتقادَ الشيوعيَّ السائد بأنّ الديمقراطيّة "تقليعة برجوازيّة،" بينما رأيي كان أنّ الاشتراكيّة غيرُ ممكنةٍ بلا ديمقراطيّة، وإلاّ تحوّلتْ إلى رأسماليّةِ دولةٍ فاسدةٍ وبيروقراطيّةٍ وغيرِ مُنتِجة. وكنتُ في تلك الفترة قد باشرتُ قراءةَ أمثال الفرد روزنبرغ (تاريخ الديمقراطية)، الذي نظر إلى ماركس من زاوية كونِه ديمقراطيّاً متأثّرًا بالحركة الديمقراطيّة الفرنسيّة".

صدام مع الشيوعية والشيوعيين[عدل]

يقول بشارة: "الصِّدامُ الأوّلُ مع الشيوعيّة كان مع فكرها الفلسفيّ، ولا سيّما الأخلاقيّ الفلسفيّ؛ فلم أتمكّنْ من تقبّل أنّ الأخلاقَ هي مصلحةُ "الطبقة،" التي تحوّلتْ إلى مصلحة الجماعة العصبويّة (وكأنّنا في حركةٍ باطنيّة!). ولم أر الأخلاقَ انصياعًا إلى حتميّات الطبيعة والتاريخ، كما ورد في "الشيوعيّة العلميّة،" بل هي عكسُ ذلك: إنّها ما يحرّر النفسَ الإنسانيّةَ بفصل الحريّة عن الضرورة. وهذا الأمرُ بالنسبة إليّ هو كالحدّ الفاصل بين الخير والشرّ، ولا نقاشَ فيه. فالحسمُ الأخلاقيّ حسمٌ حرٌّ، وإلاّ فلن تقوم مجتمعاتٌ بشريّةٌ تستحقّ الذكر، ونكونَ همَجًا. وهذا ما أَعدُّه الجانب التنويريّ في الفكر السياسيّ. أمّا الصِدام الثاني مع الشيوعيّين فكان، يدور حول القضيّة القوميّة، وعدم فهمهم لأهميّةِ البُعد الحضاريّ الإسلاميّ أيضًا. وهذا الخلاف لم يكن نظريّاً؛ فقد صدرتْ تصريحاتٌ وأبحاثٌ لهم تحْمل هذا الموقف. والأهمُّ من ذلك كان قيامهم بممارساتٍ واضحة تنفي وجودَ أمّةٍ عربيّة. يقول بشارة: " كان مهمّاً لي، كَشابٍّ، الصدامُ السياسيّ مع المسألة القوميّة داخل الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ، وكان ذلك مبكّرًا، أيْ قبل البريسترويكا والانهيار بسنوات. فقد خلّفَ موقفُ الحزب من المسألة القوميّة جروحًا في فترة "طفولتي السياسيّة": فحقُّ العودة لم يذكرْه الحزبُ قطّ، بل كان عزمي بشارة الوحيد الذي ذكّرَ مرارًا بحقّ العودة في الكنيست الإسرائيليّ (منذ العام 1948 وحتّى العام 1996)، وهو ممثّلُ "التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ،" وكان هو أيضًا أوّلَ مَن أدخل كلمةَ "نكبة" في بروتوكولات البرلمان"[8]. ومن نقاط الخلاف مع الشيوعيين الإسرائيليين رهانُهم في البداية على المشروع الإسرائيليّ كمشروعٍ "اشتراكيّ" وكنظامٍ "تقدّميّ،" في مقابل الرجعيّات العربيّة. لم يكن نقاشنا معهم للتسلية، ولا كان يجري تكبّرًا أو ترفّعًا، بل كان عاطفيّاً وجدانيّاً إلى حدٍّ كبير، لأنّه وقع مع جيلٍ من الآباء، ومنهم والدي. فوالدي كان ناشطًا شيوعيّاً قديمًا، وكان مثقّفًا وقارئًا؛ وخلافًا لما نُشر، فإنه لم يكنْ قائدًا حزبيّاً، بل مناضلٌ نقابيّ. وبوصفه عضوًا في اللجنة القوميّة فقد دافعَ عن قريته بالسلاح حين احتلّتها عصاباتُ الهاجاناه؛ لكنْ ألقيَ القبضُ عليه وهو يوزِّعُ مناشيرَ "عصبة التحرّر الوطنيّ" التي ضمّتِ الشيوعيين العربَ وكانت تدعو إلى قبول قرار التقسيم وتنفيذه، وتدعو الجيوشَ العربيّة إلى الانسحاب. والمهمّ أنّ المنشور ذاته دعا الفلسطينيّين إلى البقاء في بيوتهم، خلافًا لموقف الأنظمة المتساهل مع خروجهم ريثما يتحقّق النصر ضدّ الصهاينة. كلّ هذا تمّ بعد خطاب غروميكو في الأمم المتحدة الذي أيّدَ التقسيمَ، وقد كان الشيوعيون ضدّ قرار التقسيم قبل الخطاب بليلةٍ واحدة! واعتقله جيش الإنقاذ وأطلق سراحه مع إخوانه في ما بعد. ولم يكن والدي في الحزب الشيوعيّ الفلسطينيّ بل في عصبة التحرّر الوطنيّ، وقد انتمى إلى جيل اعتبر موقفَه إلى جانب السوفييت أهمَّ نضالٍ ممكن، وكان ورفاقه مستعدّين للتضحية بحياتهم لأنّهم رأوْا أنفسَهم جزءًا من مشروعٍ كونيٍّ اشتراكيٍّ صاعد. وفي نهاية الأمر، كان عليه أنْ يناقشَ قناعاتِه هذه مع ابنه، لذلك كان نقاشًا عاطفيّاً. وتستطيع أنْ تتخيّلَ موقفي من ذلك، مع محبّتي لأعضاء ذلك الجيل، ومن دون تخوينهم طبعًا: فأخطاؤُهم نسبيّة، وهم لم يحْكموا بلدًا. طبعًا هم مازالوا يؤكّدون الآن "أنّ الأيّام أثبتتْ صحّة" موقفهم بقبول التقسيم في حينه، ولكنّ ذلك كان موقفًا خاطئًا في رأيي. وكان يجب أن يكونَ مطلبُهم هو أنْ يحاربَ العربُ الصهيونيّةَ، لا أن ينسحبوا من مواجهتها؛ وأنْ يرفضوا قرارَ التقسيم، لا أن يقبلوه (وليس صحيحًا أنهم لو قبلوه لنفّذتْه إسرائيلُ أصلاً). وكملاحظةٍ شخصيّةٍ، فإني أعتقد أنّ والدي توفّي وهو على رأيي. وكان ثمة خلافٌ مع الشيوعيين حول القضيّة الوطنيّة أيضًا. فقد كانوا يروْن أنّ التقسيمَ هو الحلُّ الواقعيُّ الوحيدَ لانسحاب الاستعمار البريطانيّ، ثمّ حوّلوا "الحلَّ الواقعيَّ الوحيد" إلى أمرٍ فكريٍّ مبدئيّ هو: "حقُّ تقرير المصير للشعبين،" و"مبدأُ دولتين لشعبين" الذي يهتفون به حاليّاً في اجتماعاتهم. ولم يكن دافع الشيوعيّين العرب، على الأقلّ عند موافقتهم على قرار التقسيم، مبدأَ "دولتين لشعبين،" بل الواقعيّة السياسيّة وأولويّة خروج الإنجليز؛ لكنْ تمّ تبنّي العنصر الصهيونيّ في الفكر الشيوعيّ، الأمرُ الذي جعلهم يؤيّدون قانون العودة الصهيونيّ في البرلمان، ويعتبرون الاستيطانَ الكولونياليّ مسألةَ "حق تقرير المصير للشعب اليهوديّ"! ثمّ كان موقفُهم من عبد الناصر حين لم يكنْ على وِفاق مع السوفييت؛ فموقفُهم في قرارات ومؤتمرات الحزب من المقاومة الفلسطينيّة التي اعتبروها ـ حين نشوئها ـ حركاتٍ برجوازيّةً صغيرةً وفاشيّةَ الطابع. وفي هذا السياق لا أُغفل بعضَ الأمور الرمزيّة أيضًا، كوقوفهم عند عزف "نشيد هاتيكفا" [النشيد الوطنيّ الإسرائيليّ] في افتتاح المؤتمرات، أو قول دستورهم إنّ الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ هو حزبُ الوطنيّة الإسرائيليّة والأمميّة البروليتاريّة[9]! ويصف بشارة فترة الشباب وبداية تشكل مساره الفكري وموقفه من الحزب الشيوعي: "هذه هواجسُ شابٍّ في السابعة عشرة من عمره، جاء إلى الحزب الشيوعيّ بشكلٍ يكاد يكون طبيعيّاً من البيت، ولأنّه لم يكن ثمة خيارٌ حزبيٌّ آخرُ أمام اندفاعه الوطنيّ، إذ مُنِعَتْ في حينه التنظيماتُ العربيّةُ، فاكتشفَ أنّه ملزمٌ برفع العلم الإسرائيليّ في الأوّل من أيّار! أنا الفلسطينيّ، المسلوبةُ أرضُه، ملزَمٌ برفع العلم الإسرائيليّ، أو السيرِ خلفه في مظاهرة؟! ثمّ يقولون إنّهم [الشيوعيين] حافظوا على اللغة العربيّة هناك، علمًا أنّ العربيّة لم تكن في خطر الانقراض يومًا: فتعليمُ الإنسان العربيّ كان، منذ اليوم الأوّل في إسرائيل، باللغة العربيّة، لأنّ إسرائيل لم ترغبْ أصلاً في دمجِ العرب! وإذا كان الحزبُ قد أعطى مِنبرًا لبعض الأدباء العرب (وهذا صحيح)، إلاّ أنّه اضطلعَ بمهمةٍ تاريخيّة خطيرة، هي تكييفُ العرب في إسرائيل مع وجودِ هذه الدولة ومع وضعهم الجديد. ومن هنا امتلأتُ بالرفض حتى الانفجار، وتبلوَرتْ مواقفي أكثرَ فأكثرَ في الحركة الطلابيّة في الجامعات والنقاشات والتجربة، ثمّ في نقاش الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة وأخطاء التيّار القوميّ العربيّ... إلى أنْ وصلتُ إلى طرحي هذا". والمقصود هو الطرح الديمقراطي في إطار الهوية العربية.

الموقف من القومية[عدل]

أما عن القومية فيقول بشارة: " يتمّ التعاملُ مع القوميّة كانتماءٍ حديثٍ يسيّسُ الثقافةَ، وأساسُها اللغة. وإنني أودّ أن أرسمَ خطّاً أحمرَ عند تحويلِ القوميّة إلى إيديولوجيا اجتماعيّة، مثل أنْ يكونَ الموقفُ من المرأة موقفًاً قوميّاً، فماذا يعني هذا؟ إنّ هذه الممارسة تحوّلُ القوميّةَ إلى إيديولوجيا شموليّةٍ، أو إلى تقاليدَ أهليّةٍ فولكلوريّةٍ من النوع الذي يَستنتِج من "روح الشعب" موقفًا متعلّقًا بالعامل وبالمرأة وبالرجل وبالذكوريّة... إلخ. هنا أرسم الخطَّ الأحمرَ: المشكلةُ ليست في القوميّة، بل في تحويلها إلى منظومةٍ إيديولوجيّةٍ لديها أجوبةٌ عن كافة القضايا. يكمن الخطر في الأيديولوجية القومية وليس في القومية ذاتها[10].

إنّ تحويلَ الثقافة إلى قوميّة، ومنها إلى أمّة، هي خطوةٌ كبيرةٌ في التاريخ تكون اللغةُ فيها هي الأساس. هنا وَجَبَ التحديدُ: هل أنتَ قوميٌّ ديمقراطيٌّ، أمْ قوميٌّ فاشيٌّ، أمْ قوميٌّ اشتراكيٌّ، أمْ غير ذلك؟ أرى أنّه حالَ التحوّل من قوميّةٍ إلى أمّةٍ ذاتِ سيادة، وَجَبَ أنْ تصبح هذه الأمةُ أمّةَ المواطنين بغضِّ النظر عن قوميّاتهم. من هنا أبحث في الديمقراطيّة والعلمانية والاشتراكية وغيرها، لا بوصفي قوميّاً بل كباحثٍ بأدواتٍ علميّة، وكديمقراطيّ يؤمنُ بالعدالة الاجتماعيّة. إنّ رفضَ تحويل الفكر القوميّ إلى إيديولوجيا شموليّةٍ هو ما يميّزنا كقوميين ديمقراطيين ذوي نزعةٍ مساواتيّةٍ نأخذها من تراث اليسار وتقاليده وفكره ونطوّرها (كما طُوّرَتِ الليبراليّةُ من ليبراليّةٍ اقتصاديّةٍ إلى حقوقٍ سياسيّة وفُصِلتْ عن النيوليبرالية). ولا أرى مانعًا (بل أرى واجبًا) في تبنّي فكرة العدالة الاجتماعيّة، أو الفكرةِ الديمقراطيّة الليبراليّة، وتطويرهما. ففي الفكرة القوميّة في حدّ ذاتها، لا جوابَ عن سؤال المساواةِ والعدالةِ الاجتماعيّة وغيرهما؛ وإذا حاولنا مثلاً إيجادَ جوابٍ "قوميّ خالص" لقضيّةِ المرأة، من دون فكرٍ ديمقراطيّ أو تقدّميّ، فلن يكونَ أكثرَ من فكرةٍ ذكوريّةٍ تتحدّث عن "دور المرأة القوميّ في الحمْل أو في دعم الرجل في الدفاع عن الوطن"! ولا ننسى أنّ الفكرَ القوميّ لا يعتمد على نصٍّ يؤسِّس لأصوليّة، أو يُتيح ـ عبرَ إعادةِ قراءته ـ استنباطَ أحكامٍ ومعاييرَ جديدةٍ، كما قد يحصل مع الفكر الدينيّ. يقول بشارة في إجمال مركزي لتصوره الفكري والعملي: ما إنْ تحسم المسألةَ القوميّةَ كنهجٍ حديثٍ في تنظيم المجتمع، فيجب ألاّ يستحوِذَ عليكَ الموضوعُ في كلّ مسألة. عليكَ أنْ تفكّر بالديمقراطيّة كديمقراطيّ، وبالعدالة الاجتماعية كمَن يؤمِنُ بها، وعليكَ تطبيقُهما في هذا الإطار السياسيّ القوميّ وفي إطار الحضارة الإسلاميّة ـ هذا الإطار الذي ما لم تحقّقْه الشعوبُ العربيّةُ، في الوعي على الأقلّ، فسوف تبقى فريسةَ التخلّف من جهة، والتدخّل الاستعماريّ من جهة أخرى. ويخلص أيضا إلى بلورة موقف حاد من العلاقة بين الثقافي والسياسي بقوله: من المهمّ أنْ يعْلم الزملاءُ المثقّفون العربُ أنْ لا أُفق لتطوّرٍ ثقافيّ حقيقيّ من دون مشروعٍ سياسيّ، وأنّهم "لا يُسْدون معروفًا" للسياسة بعملهم على مثل هذا المشروع لأنّ وجودَه مسألةٌ مصيريّةٌ لتطوّر الثقافة العربيّة نفسها. ومن الواضح أن التحدي الرئيس في سيرته الفكرية هو كيفية الجمع بين الديمقراطية واللبرالية السياسية والعدالة الاجتماعية في السياق الحضاري العربي الإسلامي [11].

مواقع أكاديمية وبحثيّة[عدل]

بعد عودته من ألمانيا عام 1986 عمل بشارة محاضرا للفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بير زيت حتى عام 1996 ومديرا لقطاع الفلسفة والدراسات الثقافية مدة عامين. وفي عام 1990 عمل باحثا في معهد فان لير الإسرائيلي في القدس الغربية، ومنسق مشاريع الأبحاث فيه. وشارك عزمي بشارة في تأسيس "مواطن" المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية وترأس مجلس أمنائها من عام 1994-2007عرب 48، من هو عزمي بشارة؟. وعزمي بشارة عضو في مجلس أمناء المؤسسة العربية للديمقراطية وهي منظمة مدنية عربية دولية مستقلة للدعوة للديمقراطية كثقافة، وطريقة حياة وكنظام أمثل للحكم الصالح تأسست في العام 2007. كما أنه ومنذ العام 2010 يشغل منصب المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومركزه الرئيس في الدوحة قطر مع فروع في بيروت وتونس وغيرهما. والمركز مؤسّسة بحثيّة فكريّة مستقلّة للعلوم الاجتماعية والإنسانية، وبخاصّة في جوانبها التطبيقية. وقد صدر عن المركز منذ العام 2010 أكثر من مائة كتاب إضافة إلى ثلاث مجلات علمية محكمة يرأس بشارة تحريرها، وهي تبين وعمران وسياسات عربية ويُعنى المركز بتشخيص الأوضاع في العالم العربيّ، دولًا ومجتمعاتٍ، وتحليلها، وبتحليل السياسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وبالتحليل السياسي العقلاني. ويطرح التحدّيات التي تواجه الأمّة على مستوى المواطنة والهويّة، والتجزئة والوحدة، والسيادة والتبعيّة والركود العلمي والتكنولوجي، وتنمية المجتمعات والدول العربيّة والتعاون بينها، وقضايا الوطن العربيّ بصورة عامّة. ويُعنى أيضًا بدراسة علاقات العالم العربيّ ومجتمعاته مع محيطه المباشر في ، ومع السياسات الأميركية والأوروبية والآسيوية والأفريقية المؤثّرة فيه، بجميع أوجهها السياسية والاقتصادية والإعلامية. كما أن لعزمي بشارة عشرات المحاضرات التي ألقاها في جامعات ومؤتمرات مختلفة[12]. ويرأس عزمي بشارة أيضا مجلس أمناء تأسيسس معهد الدوحة للدراسات العليا في العلوم الاجتماعية والإنسانية والإدارة العامة والذي سيفتتح للدراسة في أكتوبر [13].

فكره[عدل]

الصهيونية[عدل]

شكلت الصهيونية أحد المجالات الرئيسة في الجهد الفكري لعزمي بشارة، وانتشرت مقولاته في الصهيونية وتحليلها ضمن عدة كتب ومنشورات ومداخلات. ولا سيما كتابه المرجعي عن الدولة والمجتمع في إسرائيل "من يهودية الدولة حتى شارون". ومن حيث النشأة والفكرة المؤسسة يرى بشارة في مداخلته المركزية "مائة عام من الصهيونية، من جدلية الوجود إلى جدلية الجوهر" أن "الحداثة الأوروبية الشابة أفرزت عداءً حديثًا للساميّة يستثمر تراث العداء الديني القديم للساميّة، ولكنه يختلف عنه جوهريًا. فاليهودية الاوروبية تشكل بنظر التنوير عائقاً أمام الاندماج في العقد الاجتماعي الواحد بين الأفراد، وبنظر الرومانسية عائق بل نقيض لتبلور الأمّة وعضويتها بطرحها لخيار اللا/أمّة. والصهيونية محاولة لحلّ هذا الصراع بدمج الأفراد اليهود الأوروبيين في عقد اجتماعي وطرح اليهودية كأمّة لليهود فقط. إنها محاولة لتجاوز العداء للساميّة وليس لمواجهته، ولذلك لم تضع نُصب أعينها تغيير المجتمعات التي تنتج العداء للساميّة، بل تغيير اليهود وتحويلهم من طوائف دينية إلى قومية، ومن "جماعة مقدّسة" إلى أمّة حديثة. صراع الصهيونية مع أوروبا صراع خارجي لا تناقض فيه، فهي تدير ظهرها لأوروبا ليكون بإمكانها أن تمثل أوروبا أمام الشرق. فخارج أوروبا تسنح لها الفرصة التي طالما تاقت إليها بأن تصبح أوروبية.[14] تتجلى حالة المنفى اليهودية نقيضًا مباشرًا للفكرة الصهيونية في وجودها المجرّد كفكرة. وحالة المنفى مستقطَبة بين طائفة دينية مقدّسة وبين تحلّل وذوبان علمانيين في القوميات الأوروبية القائمة والحركات الراديكالية الاشتراكية والفوضوية المعارضة للرأسمالية المنظمة في دول قومية. والصهيونية إذ تنفي حالة الطائفة الدينية تجد نفسها تنفي علمانية الأفراد اليهود الذين تقودهم العلمانية إلى الاندماج. الصهيونية إذًا نفي للعلمانية والتديّن في آن معًا. ولأنها تنفي النقيضين فإن فكرتها المجردة تحمل في ذاتها تناقضًا: عندما تنفي العلمانية تكون دينًا أو طائفة، وعندما تنفي التديّن تكون علمانية. إنها دين علماني، أو علمانية دينية. ولأن الفكرة الصهيونية تقف بوعي تام على قاعدة الهُويات اليهودية التي سيُعاد إنتاجها كهُوية يهودية واحدة تتجاوز الدين، يكون تناقضها الأول، على مستوى الطوائف الدينية المنظمة، تناقضًا وجوديًا. ففي نفي هذه الحالة الأخيرة تتميز الصهيونية كحركة قومية. ولكن الوجود المجرد للفكرة لا يعي ذاته، وبالتالي لا تدري الفكرة أن نفيها للطائفة اليهودية يتمّ بتأكيد حدودها، فهو يشترك معها في معارضة الاندماج، ويعيد صياغتها على أساس حدودها الطائفية بلغة قومية علمانية. الصهيونية في مرحلتها المجرّدة تيار في اليهودية يدعو إلى إعادة صياغة اليهودية. وعندما تنتصر الصهيونية ستصبح اليهودية تيارًا في الصهيونية. ولكي تتحول اليهودية إلى أمّة تحتاج الفكرة إلى دولة. وخلافاً للاعتقاد السائد، لا تنشأ الصهيونية (كحركة قومية) من وجود الأمّة اليهودية، ولا حتى من الاعتقاد بوجودها، بل من الإيمان الراسخ لدى مثقفي الطبقة الوسطى الذين اكتشفوا يهوديتهم - إبان موجات العداء للسامية في أزمات الحداثة الأولى – بالحاجة تحويل اليهود إلى "أمّة كباقي الأمم". وذلك بأن تسنح لهم الفرصة وينالوا حق فلاحة الأرض وحمل السلاح. اعتقد بعض ممثلي الفكرة الأوائل أن الأمّة ممكنة دون دولة، وذلك بتشييد صَرح أمّة يهودية ثقافية في مستوطنات زراعية في فلسطين. ولكن، كما في الفكر الأوروبي بشكل عام كذلك في الصهيونية، ارتبطت فكرة الأمّة في النهاية بفكرة السيادة في دولة. لم ينهمك مفكرو الصهيونية بالبحث عن إثباتات نظرية لقومية اليهود، بل انطلقوا مباشرة لبناء الأمّة اليهودية في الممارسة وطرحوا برنامج الدولة. الدولة تثبّت الأمّة والحركة من أجل الدولة تباشر صنعها. [15]

وفي كتابه "الصهيونية من يهودية الدولة حتى شارون" حلل بشارة بنية الديمقراطية اليهودية إلى عناصرها المكونة. وتتناولت عملية التفكيك أوجهاً متعددة لنشاط الدولة كعملية بناء للأمة من خلال الاقتصاد، والعناصر والأفكار المكونة للايديولوجيا السائدة.

المجتمع المدني[عدل]

يبحث عزمي بشارة في كتبه ومحاضراته في تطوّر مفهوم المجتمع المدني (أي في تعريفه التاريخيّ) عبر مراجعة تاريخ الفكر السياسيّ الغربيّ، وما يوازي ذلك من تطورات اجتماعيّة. محاولا تفكيك حالة الاستهلاك الرائج لهذا المفهوم في الوسط الثقافيّ والسياسيّ العربيّ، والتي قامت على التعامل معه جاهزًا من المنتج إلى المستهلك. لقد انتشر تعامل صنميّ مع المفهوم، إلى درجة إفراغه من قدرته التفسيريّة ومفعوله النقديّ. وبيّن بشارة في كتابه "المجتمع المدني دراسة نقدية" [16] أصل المصطلح فلسفيًّا، في بدايات الحداثة، وذلك قبل أن يتلبّس هذا البعد المعياريّ المنسوب له بعد انهيار المعسكر الاشتراكيّ. كما تابع في كتابه التأسيسي تطور المصطلح في الفكر السياسيّ حين كان مقابلًا للمجتمع الطبيعيّ، وحين أصبح متطابقًا مع الدولة، إلى أن استخدم مشوّهًا للدلالة على كلَّ ما ليس دولةً في نظر بعض اتجاهات الفكر الرومانسي العربيّ في تجميل المجتمع وشيطنة الدولة، وهو ما جرَّده من وظيفته النقديّة والديمقراطيّة وجعله مطابقًا للمجتمع الأهليّ، لأنّه ليس "دولةً" وحسب.

العلمانية والدين[عدل]

يضع بشارة تصوره الفكري والفلسفي حول العلمانية في مشروعه البحثي المستفيض "الدين والعلمانية في سياق تاريخيّ"[17] وهو مشروع معرفيّ تراكميّ، بدأ البحث فيه منذ عقدٍ ونصف ولا يزال الحفر والإغناء فيه قائمين. وصدر منه حتى الآن جزآن في ثلاث مجلدات. ويقترح بشارة صيغة مغايرة للسائد في تناول تثنائيات مثل الدين والعلمانية، فهو يرى أن إشكاليّة البحث لا تكمن في الدين (كدينٍ بذاته)، بل في "أنماط التديّن"، وليس في هذا الأمر اجتهاد في اللّغة فحسب، بل جهد معرفيّ لمقاربة ما يجب مقاربته وإدراكه على مستوى التاريخ الفعليّ، أي على مستوى "ما جرى وما يجري" فعلًا في السياقات التاريخيّة لحالات تمثّل الدين، باعتبارها ظواهر اجتماعيّة، متغيّرة ومتبدّلة ومتحوّلة. على أنّ أنماط التديّن كظواهر متحوّلة لا تنفصل أبدًا عن أنماط العلمنة المتداخلة معها كبنيةٍ قائمة بذاتها في مجتمعٍ ما. فالفرق بين أنماط التديّن في دولٍ ومجتمعات معيّنة، يتحدّد بنسبةٍ كبيرة، بأنماط العلمنة التي تمّت والتي تعرّض لها المجتمع، وكما أنّ أنماط العلمنة يتحدّد فعلها بدرجات التديّن وأنواعه. ويشمل الجزء الأول من المشروع معالجة جدلية للعلاقة بين ما هو مقدّس وأسطوريّ، وبين ما هو دينيّ وما هو أخلاقيّ. ففي موضوعة علاقة الدين بالأخلاق، وهي العلاقة الأكثر تعقيدًا "يصعب فصل الدين عن طاعة ما يمليه، ولكن لا بدّ من التعامل معه (الدين) كظاهرة باتت مختلفة عن الأخلاق. ويتناول بشارة مسألة التديّن من منطلق أنّ "الدين هو ظاهرة لا تقف وحدها من دون تديّن... على أنّ التديّن بصفته ظاهرة اجتماعيّة لها دينامية تطوّر وحيّز دلالي واجتماعيّ كافٍ يسمح بوجود تديّن من دون إيمان". ويتطرّق بشارة إلى نقد محاولات دحض الدين (في نقد نقد الدين)، إذ يتطرّق بالتحديد إلى نقد محاولات دحض الدين التي يعدّها بعض المنظّرين العرب "جهدًا تنويريًّا تقدميًّا". ويعرض أيضا للمحاولات المختلفة لفهم الدين، وتحديدات الدين والتديّن نظريًّا، ليصل إلى اعتبار جهد تعريف الدين وتحديده جهدًا علمانيًّا حتّى لو قام به باحثون غير علمانيّين، وإلى النتيجة التي تقول "إنّ فهمنا للدين يتغيّر بحسب العلمنة وأنّ أنماط التديّن في مجتمعٍ من المجتمعات تتأثّر بأنماط العلمنة التي تمرّ بها". ويحمل الجزء الأول من المشروع انتقالا من مبحث الدين والتديّن إلى مبحث العلمانيّة ليكون بمثابة الجسر الواصل ما بين الجزء الأوّل والجزء الثاني من مشروع عزمي بشارة. ويتلخص المجلد الأول من الجزء الثاني بدراسة لتاريخ الفكر الغربي وتولد الفكرة العلمانية من تيارات فكرية مختلفة، بما في ذلك تطور العلمانية من داخل الفكر الديني ذاته. فيما يستعرض في المجلد الثاني من الجزء الثاني (أي المجلد الثالث من العمل كله) نظريات العلمنة المختلفة ونقدها قبل أن يطرح في نهاية المجلد محاولته هو في نظرية العلمنة وتطبيقاتها في المجتمعات المختلفة.

القضية الفلسطينية[عدل]

طيلة حياة عزمي بشارة كان جزءًا من مقاومة المشروع الصهيوني، ساعيا نحو دولة ديمقراطية علمانية تقوم على المساواة، ومنذ أن كان طالبا في المدرسة الثانوية سعى مع زملائه من أجل محاربة تهويد مناهج التعليم التي كانت تقوم بها وزارة المعارف الاسرائيلية وضد التمييز اللاحق بالعرب، وفي المرحلة الجامعية عمل على تأسيس اتحاد الطلاب العرب، وشارك ممثلا للاتحاد في اجتماع لجنة الدفاع عن الأراضي العربية، واعتقل مرّتين خلال المظاهرات الصدامية مع اليمين الإسرائيلي وكانت موضوعاتها مصادرة الأرض، والنضال ضد الاستيطان في المناطق المحتلة،ـ والتعذيب في السجون الاسرائيلية، والتصدي لدعوات عنصريين مثل مئير كهانا لإلقاء محاضرات في الجامعة، والدفاع عن حرية التعبير في الجامعة. وقد سبق له أن شبه تاريخ الصراع مع الصهيونية في فلسطين بالمثال التالي: 1. يعتدي (أ) على ملك (ب)، أو حتى على بيته. 2. إذا لم يتمكن (ب) من دحر (أ) يتطور "نزاع". 3. يقترح (أ) على (ب) أن يقتسما الملك، أو البيت حقنا للدماء والأرواح، وأن ينسى (ب) التاريخ وأن يركز على الواقع الحاضر. في حين أن (أ) يؤلف رواية تاريخية أقدم من رواية (ب) لإثبات أحقيته، فهو ينصح الآخرين بالتنازل عن التاريخ، لكي يحتكره هو. فهو منشغل بالتاريخ وكتابة الأساطير بشكل استحواذي. 4. إذ رفض (ب) يصبح رفضيا، ويصبح (أ) المعتدي معتدلا وواقعيا 5. إذا تواصل الصراع وربح الأقوى فأنه يدعي ليس فقط أنه صاحب حق، بل صاحب الحق، وأن (ب) هو المعتدي تاريخيا. طبقت إسرائيل هذا النهج على فلسطين بشكل عام، ولكنها تطبقه على كل قطعة أرض، وعلى كل قضية. لقد طبقته بحذافيره على الحرم الابراهيمي لكي تقتسمه. وهي تفعل ذلك بمثابرة على كل بيت وقطعة أرض في القدس. [18] وعن البعد العربي للقضية الفلسطينية يقول بشارة: لن يتحرر العرب ما لم يتحرر الفلسطينيون، ولن يتحرر الفلسطينيون دون أن يتحرر العرب.[19]

القومية العربية[عدل]

يقول عزمي بشارة: لا وعد في الأفق للأجيال العربية القادمة من دون الإجابة على إمكانية تطوير عروبة منفتحة وإنسانية ضد الاستعمار وضد الطائفية، ضد الانغلاق والتعصب، وضد العدمية على حد سواء"[20] كما يرد على الزعم القائل بأن القومية العربية مطلب أقلياتي بالقول: لم تكن فكرة القومية العربية كما يدعي المستشرقون وبعض الإسلاميين نتاج جهد أقلياتي للانتماء إلى الأكثرية العربية في بلاد العرب ضد الهوية الإسلامية للإمبراطورية العثمانية. فالعروبة كانت قائمة على شكل لغة وثقافة وعصبية قبل المرحلة القومية في الدول الإسلامية المتعاقبة، بما فيها العثمانية. أما العروبة كقومية فلم تنشأ عن عناصر أقلياتية في مصر بل عن الإصلاح التعليمي الرسمي الذي قاده محمد علي وإسماعيل وعن نشوء الوطنية المصرية ذاتها ضد الانجليز وتفاعل هذه الوطنية مع ثقافة بلاد الشام ثم تَعَرُّبها سياسيا في الصراع مع الصهيونية على أرض فلسطين. أما في المشرق فلم تكن النزعة العربية عند مسلمي ومسيحيي بلاد الشام انفصالية بداية، بل ثقافية تطالب بالمساواة للعرب أو الحكم الذاتي في إطار العثمانية ضد التتريك، ثم انفصالية في تفاعلها مع حركة عروبية غير قومية بل تقليدية الطابع تسعى إلى خلافة عربية في الثورة العربية 1916. لقد فاقت عروبة الكواكبي سياسيا عروبة اليازجي العربي المسيحي العثماني سياسيا، كما جمعت العروبة السياسية ادموند رباط وعبد الرحمن الشهبندر ثم ساطع الحصري وقسطنطين زريق. وكانت العملية طبيعية ومتدرجة ومعتدلة الطابع ومتنورة اجتماعيا وسياسيا. كما كان طابعها العام إسلامي أو علماني مرتاح في إطار الحضارة الإسلامية مؤكدا عموما على عدم الفصل بين العروبة والإسلام. وبهذا المعنى اعتبر القوميون المسيحيون في هذه المرحلة الرسول الكريم والخلفاء الراشدين رموزا وأبطالا قوميين تماما كما اعتبر المسلمون والمسيحيون العرب صلاح الدين بطلا قوميا بغض النظر عن أصوله غير العربية. ويرى أن: الهوية العربية هي حاجة عملية لتوحيد غالبية الشعب حتى في الدولة القطرية لكي لا ينهار إلى طوائف، وهي ليست مجرد "إثنية" مختلقة مركبة بل جامع ثقافي من الدرجة الأولى يقوم على اللغة المشتركة، وجامع سياسي وتعبير عن تطلعات سياسية لها تاريخ حديث وقديم.[21] ليست القومية العربية حالة رومانسية إذن بل حاجة عملية ماسة وبراغماتية في الوصول ليس فقط إلى مجتمع حديث قائم على الانتماء الفردي، بل أيضا لتزويد المواطن بهوية ثقافية جامعة تحيد غالبية الطوائف والعشائر، العربية على الأقل، عن التحكم بانتماء الفرد السياسي.

الثورات العربية[عدل]

وقف عزمي بشارة في صف الثورات العربية، منطلقا من أن المثقف العضوي (أو كما يسميه هو المثقف العمومي) مرتبط بطموحات الناس، وخصوصا جيل الشباب الذي فجر الربيع العربي[22]. ورافق بشارة هدير الميادين، ليس فقط عبر إطلالته الإعلامية في تحليل الثورات، بل -وقبل ذلك- من خلال تطوير خطاب ديمقراطي وعقلاني في الوقت نفسه، استطاع فيه أن يعمل المبضع في التراكيب الاجتماعية السياسية والفكرية العربية. وليس غريبا والحالة هذه أن من تابع الثورات العربية يستطيع أن يلمس أن كتبه الأخيرة مثل "أن تكون عربيا في أيامنا" و"المسألة العربية"، إضافة الى مقالاته وخطابه المعروف منذ نهاية التسعينيات مما روج لفكرة "دول المواطنين"، كانت في العديد من الحالات مراجع وبيانات للتغيير استند لها المنتفضون في تحليل الأوضاع التي ثاروا عليها. واعتبر الانتفاضات الأولى في نهاية عام 2010 وبداية عام 2011 صرخة وجودية من أجل الحرية والكرامة[23].

الثورة التونسية[عدل]

انشغل بشارة منذ بداية الربيع العربي في مشروع بحثي يواكب الثورات تباعا، فبدأ مع الثورة التونسية في كتابه "الثورة التونسية المجيدة" متعقّبا الأسبابَ الجوهريّةَ التي أدت إلى الثورة التونسيّة، وعاقدا مقارناتٍ علميّةً بين بعض المظاهر الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي سادت في تونس قبل الثورة، وبين مثيلاتها من المظاهر في دول عربيّة أخرى مرشحة للثورة. وشكّل الكتابة محاولة تحليليّة لفهم بنية الثورة التونسيّة، وصيرورتها من خلال يومياتها. بالإضافة إلى قراءةً نقديّةً معمّقةً لأشكال التسلط التي شهدتها بعض البلدان العربيّة؛ ولا سيّما في طور اندماج فئة رجال الأعمال بمنظومة الجهاز الاستبدادي، وظهور جيل جديد من أبناء المسؤولين العسكريين والأمنيين الذين اتجهوا نحو الاستثمارات، ولجأوا إلى طريقة عيش مُترفة، وإلى الاستهلاك المبتَذَل كسلوك استعراضي. وكان ذلك كله محاولة لتغطية روائح الجرائم المرتكَبَة في أقبية التحقيق والتعذيب بعطور مزيّفة قوامها جيش من المثقفين والكتاب والفنانين وروّاد الصالونات الثقافيّة المكرّسة لهذه الغاية.[24] يرصد الكتاب تاريخ الانتفاضات، ويشرح خريطة الأحزاب في تونس عشيّة نشوب الثورة. ثم يعرض تفاصيل الوقائع في يوميّات الانتفاضة، وكيف تطورت الأحداث تدريجيًّا حتى لم يبقَ أمام زين العابدين بن علي غير الهرب. أما الدرس التاريخي الذي يستخلصه بشارة في خضم الثورات العربيّة المندلعة، فيقدمه في صيغة اقتراح للمجتمعات متعددة الهويّات، والتي تتضامن بعض هويّاتها مع النظام القائم (مثل حالة سوريّة والعراق)؛ فيقترح أن يتم الإصلاح بالتدريج، وأن يجري انتقال السلطة سلميًّا، والأفضل أن يكون الانتقال بمشاركة النظام القائم خوفًا من أن يشُق أي تحرك ثوري المجتمع شاقوليًّا. لكنّ بشارة يتساءل: ما العمل إذا ما رفض النظام نفسُهُ الإصلاح، وأصرَّ على تأجيج سياسة الهويّات كوسيلة لتعبئة أنصاره، هل يمكن لتغيير النظام بالقوة في بعض الحالات أن يتحول إلى تفكيك الكيان السياسي؟ ويحيل بشارة -في سياق الإجابة عن هذا التساؤل- الأمر إلى الديمقراطيين العرب، ويعرض عليهم خيار السعي إلى الديمقراطيّة على أساس المواطنة المتساوية، وتجنُّب صراع الهويات؛ ذاك الذي يؤدي بالضرورة إلى التحول نحو الصراع ضد جماعات متماهية مع النظام. ويرى أن الثورة الديمقراطيّة تعني، أولًا وأخيرًا، ممارسة الشعب لسيادته باعتباره شعبًا موحَّدًا، وأي ثورة تجزّئ الشعب إلى هويّات جزئيّة ليست ثورة ديمقراطيّة.

الثورة المصرية[عدل]

واكب عزمي بشارة الثورة المصرية بمقولاته الفكرية وتنظيره السياسي وتحليلاته، وأنجز مجموعة من المقالات والدراسات عن الثورة المصرية، وكان بشارة من أبرز المعلقين السياسيين على أحداث الثورة المصرية ومواكبا لها يوما بيوم. وبرز في هذا السياق تعليقه المباشر لحظة إعلان بيان الجيش المصري رقم واحد الذي سبق تنحي مبارك بساعات في العاشر من شباط 2011/فبراير 2011، حين قال بشارة: "نحن لسنا أمام بيان مجلس قيادة الثورة رقم واحد، لسنا أمام ذلك. الجيش المصري اختطف اللحظة التاريخية وقبض عليها بشكل جيد. المرحلة دقيقة جدا وهو يعرف أنه لم يقم بالثورة.. من صنع التغيير هو الشعب وليس الجيش".[25]

الثورة السورية[عدل]

كما صبغ الجهد التأريخي والاستشرافي معالجة بشارة للثورتين التونسية والمصري، شمل أيضا الثورة السورية التي أرّخ لها في كتابه "سورية درب الآلام نحو الحرية" ضمن مرحلتيها: المدنية السلمية والمسلحة. مع رصد دقيق بالوثائق والشهادات لمظاهر الإستراتيجية التي اتبعها النظام السوري القائمة على قمع الثورة بالعنف الدامي والمتمادي، الأمر الذي أدى إلى توليد أنماط من العنف لم تكن مألوفةً قط في سورية. ويتناول الكتاب الوقائع المتحركة التي شبّت في المدن الرئيسة في سورية، وكيف بدأت الحوادث سلميةً ثم انتقلت إلى العسكرة وحمل السلاح لاحقًا. كما يبين الكتاب على نحوٍ دقيق وموثّق مسؤولية النظام المباشرة عن انزلاق الثورة إلى الكفاح المسلح كإستراتيجية، بعدما كان استخدام السلاح مقتصرًا على حالات متفرقة من الدفاع عن النفس أو غيره. وفي سياق هذا العرض يدحض بشارة المقولة الشائعة عن أن الثورة السورية هي ثورة أرياف مهمشة، ويبرهن أنّها بدأت أولًا في المراكز المدينيّة للأطراف، ثم امتدت إلى الأرياف المهمشة في ما بعد.[26] ولعل قراءة بشارة اللافتة للقاعدة الاجتماعية التي استند إليها حزب البعث هي من أعمق القراءات في هذا الحقل المعرفيّ، فقد تناول عملية الترييف وما نتج عنها من "لبرلة" اقتصادية، ما أدى، في ما بعد، إلى انقلاب هذه القاعدة على البعث نفسه. ويعرض عزمي بشارة في هذا الكتاب/المرجع حصاد عشر سنوات من حكم بشار الأسد، إذ بدأت إرهاصات الاحتجاجات تتبرعم في هذه الحقبة، ثم ينتقل إلى الشرر الذي اندلع في مدينة درعا وسرعان ما تحوّل لهيبًا، بعد أن جرة في إطار سلميّ في البداية. أيد عزمي بشارة الثورة السورية بالكتابة والظهور الإعلامي، ولكنه حذر منذ البداية من هشاشة الدولة والمجتمع في المشرق العربي، وعبر عن خشية واضحة من أن اختيار النظام الخيار الأمني في قمع الحركة الشعبية سوف يقود سورية وربما المشرق العربي إلى المجهول أخذا بعين الاعتبار الأوضاع في العراق ولبنان، وبنية سورية الاجتماعية.

نشاطه السياسي[عدل]

موقفه من القضية الفلسطينية[عدل]

يركز عزمي بشارة على طابع الفصل العنصري في الصهيونية، وعلى ضرورة وجود مشروع وطنية فلسطيني ديمقراطي في مواجهتها. ويدعم حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال. وقد كتاب دراسات مطولة حول مأزق فكرة الدولة الفلسطينية بعد اتفاقيات أوسلو التي عارضها منذ توقيعها باعتبارها تستبدل الحقوق الوطنية الفلسطينة بإنقاذ منظمة التحرير في "بنتوستان" فاقد السيادة على الأرض. وقد كتب في أسبوع توقيع اوسلو أن القيادة الوطنية الفلسطينية سوف تصبح بذلك رهنية التزامتها في أوسلو من دون مقابل، ورهينة التفاوض بدون أساس متفق عليه للمفاوضات يضمن حقوق الشعب الفلسطيني. ما يبقى قضية فلسطين مسألة توازن قوى بين المحتل والواقع تحت الاحتلال. كما أن الاتفاق حرر الدول العربية من التزاماتها في إطار توازن القوى هذا.[27] [28]

إنشاء حزب التجمع[عدل]

يمكن اعتبار لحظة السعي لإنشاء حزب التجمع العربي الديمقراطي تكثيفا للتصورات الفكرية والسياسية وصداما مع السائد السياسي والفكري في الداخل المحتل سنة 1948. فقد كتب بشارة أن تأسيس حزب عربي ديمقراطي في دولةٍ صهيونية يعني تأسيس حزب من دون أفقِ الوصول إلى الحكم. وبطرح فكرة المساواة سعى هذا الحزب لطرح تحديات متعلقة ببنبة الدولة، والحفاظ على الهويّة العربيّة في ظروفٍ إسرائيليّة تؤسرِلُ الاقتصادَ والحاجات وسُبُلَ سدِّها، كلُّ ذلك شكّلَ مشروعا متكاملا تتجلى فيه الصعوبات والعقبات المختلفة عن تلك الموجودة في أي ساحة عربية أخرى. ومنها أن الحزب الحديث يحتاج إلى مركز مدينة، إلى أفراد، ولا يستطيع أنْ يقوم على عشائرَ لأنّه اتّحادٌ طوعيٌّ بين أفراد. ويقول بشارة نحن انطلقنا من مجتمعٍ ريفيّ غير زراعيّ، يفتقر إلى الزراعة كنشاطٍ اقتصاديّ حقيقيّ، وتحوّل إلى مراكزَ ريفيّةٍ للعمل المأجور، أشبة ببلدات جنوب أفريقيا العنصرية. وهذا أشبهُ بأحياء الفقر في المدن، لكنْ من دون مدن! وقد تعاملتُ مع هذا الموضوع بتوسّع في كتابي: الخطاب السياسيّ المبتور. وكما كان هذا التحليل ضروريّاً لفهم طبيعةِ التحرّك، فقد شكّل زاويةً جديدةً في التحليل الاجتماعيّ للمجتمع العربيّ في الداخل .


في عام 1995 شارك بتأسيس التجمع الوطني الديموقراطي، ولكنه في الواقع كان واضع فكره وقائده ومؤسسه الفعلي، وانتخب عضوا للكنيست عام 1996 بعد ترشحه في القائمة المشتركة بين الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة والتجمع الوطني الديموقراطي. وأعيد انتخابه عام 1999 مرشحا عن التجمع الوطني الديموقراطي ثم أعيد انتخابه عام 2003، وكذلك أعيد انتخابه في العام 2006،[29] وكان عضوا في لجنة الدستور والقانون والقضاء وترأس أول لجنة للتحقيق في مصير أملاك الغائبين. في عام 1999 أصيب برصاصة مطاطية أثناء اشتراكه بمظاهرة دفاعا عن بيت ضد أمر الهدم في مدينة اللد،[30] وتعرض بيته في الناصرة العليا إلى اعتداء من مئات العنصريين المنظمين بعد أن اتهم بالمسؤولية عن مظاهرات أكتوبر 2000 في الداخل في بداية الانتفاضة الثانية.[31]

الملاحقة والخروج إلى المنفى[عدل]

جرت عدة محاولات لمحاكمة بشارة ونزع الحصانة البرلمانية عنه، ومنعه من خوض الانتخابات. وفي العام 2001 سافر عزمي بشارة إلى سوريا،[32] وألقى هناك خطابا فسّر على أنه خطاب متعاطف مع حزب الله، ولدى عودته إلى اسرائيل تم اتهام بشارة بدعم منظمة إرهابية بحسب التعريف الإسرائيلي للإرهاب .[33] وفي العام 2006 قام بزيارة سوريا مرّة أخرى، وكذلك زار يرافقة أعضاء من حزبه لبنان حيث صرّح أن مقاومة حزب الله قد رفعت الروح المعنوية للشعب العربي، وإثر ذك قام وزير الداخلية الإسرائيلي روني بار اون بالطلب من المدعي العام الاسرائيلي ببدء تحقيق مع قادة حزب التجمع عزمي بشارة، جمال زحالقة، واصل طه [34]، حيث أنه وبعد زيارة بشارة الأولى إلى سوريا كان الكنيست الإسرائيلي قد مرّر قانونا يقضي بمنع أعضاء الكنيست من زيارة أي بلد عدو.[35] في 6 أبريل/نيسان 2007، وبينما كان بشارة في سفرة خارجية، نشرت الصحافة خبرا مفاده نية أحد أعضاء الكنيست العرب الاستقالة ولمحت إلى وجود سبب خفي .[36] أثار هذا النشر ضجة إعلامية وسط تكهنات حول نيته بالعودة إلى إسرائيل وقد أصدر أمر منع نشر حول القضية. في 22 نيسان/أبريل قدم عزمي بشارة استقالته من عضوية الكنيست الإسرائيلي [37]، وصرح بشارة بأنه قرر عدم العودة لإسرائيل على المدى المنظور وذلك لملاحقته ومحاولة سجنه لمدة طويلة بسبب مواقفه السياسية الداعمة للقضايا العربية والمقاومة العربية والمثيرة للجدل في الأوساط الإسرائيلية [38]. من ناحية أخرى أكد بأن استقالته من الكنيست لا تعني اعتزاله العمل السياسي، وفي 22 أبريل/نيسان تمت إزالة جزئية لأمر منع النشر وتبين وجود تحقيق مع بشارة بسبب شبهات بأنه قام بنقل معلومات إلى ومساعدة حزب الله حرب 2006. وكانت التهمة هي تقديم العون للعدو في زمن الحرب، وإدخال أموال إلى الداخل بواسطة صراف [39]. وفي أبريل من العام 2007 تحدث بشارة للآلاف من أنصاره في مدينة الناصرة هاتفيا قائلا أن ذنبه الوحيد هو أنه وطني فلسطيني يحب بلاده، فيما ردد المتظاهرون: بالروح بالدم نفديك يا بشارة، و"تحيتنا بحرارة للقائد عزمي بشارة" [40]. وفي الرابع عشر من فبراير\شباط 2011 تم إقرار قانون خاص لنزع الجنسية عن بشارة وآخر من أجل إلغاء صندوق تقاعد عزمي بشارة.[41]


مناصب يشغلها[عدل]

تولى بشارة إطلاق جملة مشاريع معرفية وأكاديمية وثقافية بالإضافة إلى اشتغاله السياسي، ومنها: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات و معجم الدوحة التاريخي و معهد الدوحة للدراسات العليا وأسس صحيفة العربي الجديد الصادرة في لندن. كما أسس صحيفة فصل المقال في الناصرة عام 1996 كمنبر للحركة الوطنية. وشارك في تأسيس مواطن المؤسسة العربية لدراسة الديمقراطية في رام الله، ومركز مدى للعلوم الاجتماعية التطبيقية في حيفا. وهوعضو مجلس أمناء المؤسسة العربية للديمقراطية.

الجوائز[عدل]

حصل عزمي بشارة على جائزة ابن رشد للفكر الحر في العام 2002، وكذلك على جائزة حقوق الإنسان من مؤسسة Global Exchange في 22 مايو أيار 2003

مؤلفاته المنشورة[عدل]

لعزمي بشارة مئات المقالات المنشورة في العديد من الصحف العربية ومن بينها صحيفة العربي الجديد والتي يكتب فيها بشكل دوري منذ تأسيسها في العام 2014. ويكتب عزمي بشارة أساسًا بالعربية لكن له كذلك مؤلفات بالإنجليزية والعبرية والألمانية. تشمل مجالات مختلفة من بينها الرواية وحقوق الإنسان وتاريخ الفكر السياسي والفلسفة وغيرها.

السنة اسم الكتاب الناشر ISBN ملاحظات
2013 سورية: درب الآلام نحو الحرية..محاولة في التاريخ الراهن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 978-9953-0-2765-4
2012 الدين والعلمانية في سياق تاريخيّ -الجزء الأول المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 978-9953-0-2542-1
2012 هل من مسألة قبطية في مصر؟ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 978-614-01-0395-5
2012 في الثورة والقابليَّة للثورة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 978-9953-0-2947-4
2012 الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 978-9953-0-2272-7
1996 المجتمع المدني: دراسة نقدية امركز دراسات الوحدة العربية 9781781924778
2010 فلسطين وثقافة الحرية أبواب للدراسات والنشر
2009 أن تكون عربيا في أيامنا مركز دراسات الوحدة العربية 9789953822518
2009 فصول المركز الثقافي العربي رواية
1998 العرب في إسرائيل رؤية من الداخل مركز دراسات الوحدة العربية الاسم الأصلي هو قراءة في الخطاب السياسي المبتور (صدر في بيروت بعد ذلك بعام تحت عنوان العربي في أسرائيل رؤية من الداخل)
2008 نشيد الأنشاد الذي لنا المركز الثقافي العربي
2007 في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي مركز دراسات الوحدة العربية 9789953821511
2006 حب في منطقة الظل دار الشروق رواية
2004 الحاجز المركز الثقافي العربي
2004 من يهودية الدولة حتى شارون: دراسة في تناقض الديمقراطية الإسرائيلية دار الشروق
2003 طروحات عن النهضة المعاقة رياض الريّس للكتب والنشر
2002 الانتفاضة والمجتمع الإسرائيلي: تحليل في خضم الأحداث مركز دراسات الوحدة العربية

انظر أيضاً[عدل]

قائمة الأعضاء العرب في الكنيست

وصلات خارجية[عدل]

لقائاته علي قناة الجزيرة[عدل]

مقالاته[عدل]


  1. ^ على خلفية تصريحاته في دمشق.. متطرفون اسرائيليون يدعون لسحب الجنسية من بشارة ومحاكمته
  2. ^ صحيفة السفير، 12/5/2007: الاتهامات لبشارة عقوبتها المؤبد أو... الإعدام!
  3. ^ قضية عزمى بشارة. الأمن الإسرائيلى وملف الأقلية العربية
  4. ^ chicago tribune A Challenge For Israeli Democracy
  5. ^ مقال رمضان عمر: قراءة في فكر الدكتور عزمي بشارة
  6. ^ بيان صحفي صادر عن مؤسسة ابن رشد للفكر الحر الدكتور عزمي بشارة يفوز بجائزة ابن رشد للفكر الحر لسنة 2002
  7. ^ حوار خاصّ وشامل مع د. عزمي بشارة
  8. ^ لطفي العبيدي: في الديمقراطية والقابلية للديمقراطية
  9. ^ مبادئ الحزب الشيوعي الاسرائيلي الاساسية
  10. ^ مقال عزمي بشارة: المواطنة الديموقراطية وجماعات الهوية والتوافقية
  11. ^ مجلة الآداب: حوار خاص شامل مع الدكتور عزمي بشارة]
  12. ^ الموقع الرسمي لعزمي بشارة، صفحة المحاضرات والمقابلات.
  13. ^ هسبريس: معهد الدوحة يفتح أبوابه.. وبشارة يراهن على منارة علمية
  14. ^ إبراهيم غرايبة: عرض كتاب من يهودية الدولة إلى شارون.
  15. ^ مجلة الكرمل، العدد 53، خريف 1997
  16. ^ معهد العربية للدراسات والتدريب: عزمي بشارة ونقد المجتمع المدني عربياً]
  17. ^ صقر أبو فخر: عزمي بشارة في 'الدين والعلمانية': أنثروبولوجيا عربية جديدة
  18. ^ الجزيرة برنامج في العمق مع علي الظفيري، حلقة قضية فلسطين في ذكرى النكبة
  19. ^ فخر الدين فيّاض: عزمي بشارة قراءة في فكره.
  20. ^ صحيفة الخليج، عزمي بشارة: وعيد الحاضر ووعد الأجيال القادمة.
  21. ^ عزمي بشارة مقال بعنوان: بديل المشروع القومي هو الاحتراب الطائفي
  22. ^ مقابلة حسين جلعاد مع عزمي بشارة، الجزيرة.
  23. ^ المفكر العربى عزمى بشارة للديمقراطية: الربيع العربى صرخة وجودية من أجل الحرية والكرامة
  24. ^ موقع البوابة: "الثورة التونسية المجيدة" للمفكر العربي عزمي بشارة.
  25. ^ الجزيرة، عزمي بشارة: جيش مصر اختطف اللحظة.
  26. ^ حسين عبد العزيز، عرض كتاب سورية درب الآلام نحو الحرية.
  27. ^ بشارة: "أوسلو" هو مقدمة الخلاف الحالي وهو نكبة حركة التحرر الفلسطيني 2008
  28. ^ من الممكن معرفة المزيد حول موقف عزمي بشارة من القضية الفلسطينية عن طريق قراءة الفصل المتعلق بفلسطين في كتاب أن تكون عربيا في أيامنا.
  29. ^ قائمة باسماء أعضاء الكنيست السابعة عشر
  30. ^ NY Times: Police Shoot Israeli Lawmaker, an Arab, During Protest
  31. ^ Azmi Bishara: Attack on my House was a Racist Act
  32. ^ زيارة عزمي بشارة إلى سوريا تثير عاصفة في إسرائيل
  33. ^ Atty. Gen. Orders Investigation of MK Azmi Bishara
  34. ^ Mazuz to investigate Arab MKs who went to Syria
  35. ^ Knesset Bill Would Bar MKs Who Visit Enemy States
  36. ^ Report: MK Azmi Bishara to resign in coming days
  37. ^ Bishara resigns from Knesset
  38. ^ بي بي سي: بشارة يستقيل من الكنيست ولن يعود
  39. ^ Israel Accuses Arab Politician of Helping Enemies
  40. ^ Haaretz: Thousands protest in Nazareth in support of former MK Bishara
  41. ^ اقتراح قانون إسرائيلي جديد يتيح إقالة عضو الكنيست من منصبه وتجريده من امتيازاته المالية