فيودور دوستويفسكي

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
فيودور دوستويفسكي
Fyodor Dostoyevsky
(بالروسية: Фёдор Михайлович Достоевскийتعديل قيمة خاصية الاسم في اللغة الأصلية (P1559) في ويكي بيانات
لوحة شخصيّة لِـ دوستويفسكي من رسم فاسيلي بيروف عام 1872.
لوحة شخصيّة لِـ دوستويفسكي من رسم فاسيلي بيروف عام 1872.

معلومات شخصية
الاسم عند الولادة فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي
الميلاد 11 نوفمبر 1821
موسكو، الإمبراطورية الروسية
الوفاة 9 فبراير 1881 (59 سنة)
سانت بطرسبرغ، الإمبراطورية الروسية
سبب الوفاة صرع،  ونفاخ رئوي  تعديل قيمة خاصية سبب الوفاة (P509) في ويكي بيانات
مواطنة Romanov Flag.svg الإمبراطورية الروسية  تعديل قيمة خاصية بلد المواطنة (P27) في ويكي بيانات
العرق روس  تعديل قيمة خاصية مجموعة عرقية (P172) في ويكي بيانات
الديانة الكنيسة الروسية الأرثوذكسية  تعديل قيمة خاصية الديانة (P140) في ويكي بيانات
عضو في أكاديمية سانت بطرسبرغ للعلوم  تعديل قيمة خاصية عضو في (P463) في ويكي بيانات
مشكلة صحية صرع  تعديل قيمة خاصية حالة طبية (P1050) في ويكي بيانات
الزوجة ماريا ديمترييفنا إساييفا (1857–1864)
آنا دوستويفسكايا (1867–1881)
أبناء سونيا(1868)
ليوبوف (1869–1926)
فيودور (1871–1922)
ألكسي (1875–1878)
الحياة العملية
النوع رواية، قصة قصيرة، مقالات
المواضيع علم نفس، فلسفة، مسيحية
الحركة الأدبية الواقعية
المهنة مترجم،  وشاعر،  وروائي،  ومقالاتي،  وكاتب قصص قصيرة،  وصحفي،  وفيلسوف[1][2][3]،  وكاتب سير،  ومهندس  تعديل قيمة خاصية المهنة (P106) في ويكي بيانات
اللغة الأم الروسية  تعديل قيمة خاصية اللغة اﻷم (P103) في ويكي بيانات
لغة المؤلفات الروسية
أعمال بارزة الجريمة والعقاب
الإخوة كارامازوف
الإنسان الصرصار
الأبله
تأثر بـ تشارلز ديكنز، فيكتور هوغو، امانويل كنت، أفلاطون، وليام شيكسبير
أثر في أنطون تشيكوف، سيغموند فرويد، إرنست هيمنغواي، توماس مان، غابرييل غارسيا ماركيز، جان بول سارتر، ليو تولستوي، فرجينيا وولف
التيار واقعية أدبية  تعديل قيمة خاصية التيار (P135) في ويكي بيانات
التوقيع
فيودور دوستويفسكي
المواقع
IMDB صفحته على IMDB  تعديل قيمة خاصية معرف IMDb (P345) في ويكي بيانات
السينما.كوم صفحته على السينما.كوم  تعديل قيمة خاصية معرف السينما.كوم للأشخاص (P3136) في ويكي بيانات
P literature.svg بوابة الأدب

فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي (بالروسية: Фёдор Миха́йлович Достое́вский); أص‌د: [ˈfʲɵdər mʲɪˈxajləvʲɪtɕ dəstɐˈjɛfskʲɪj]  ( سماع)؛ (11 نوفمبر 1821 - 9 فبراير 1881). هو روائي وكاتب قصص قصيرة وصحفي وفيلسوف روسي. وهو واحدٌ من أشهر الكُتاب والمؤلفين حول العالم. رواياته تحوي فهماً عميقاً للنفس البشرية كما تقدم تحليلاً ثاقباً للحالة السياسية والاجتماعية والروحية لروسيا في القرن التاسع عشر، وتتعامل مع مجموعة متنوعة من المواضيع الفلسفية والدينية.

بدأ دوستويفسكي بالكتابة في العشرينيّات من عُمره، وروايته الأولى المساكين نُشِرت عام 1846 بعمر الـ25. وأكثر أعماله شُهرة هي الإخوة كارامازوف، والجريمة والعقاب، والأبله، والشياطين. وأعمالُه الكامِلة تضم 11 رواية طويلة، و3 روايات قصيرة، و17 قصة قصيرة، وعدداً من الأعمال والمقالات الأخرى. العديدُ من النُقّاد اعتبروه أحد أعظم النفسانيين في الأدب العالمي حول العالم.[4] وهو أحد مؤسسي المذهب الوجودي حيث تُعتبر روايته القصيرة الإنسان الصرصار أولى الأعمال في هذا التيّار.

ولِد دوستويفسكي في موسكو عام 1821، وبدأ قراءته في الأدبية في عُمرٍ مُبكّر من خلال قراءته في القصص الخيالية والأساطير من كُتّاب روس وأجانب. توفّيت والدته عام 1837 عندما كان عُمره 15 سنة، وفي نفس الوقت ترك المدرسة والتَحق بمعهد الهندسة العسكرية. وبعد تَخرّجه عَمِل مُهندساً واستمتع بأسلوب حياةٍ باذِخ، وكان يُترم كُتباً في ذلك الوقت أيضاً ليكون كدخلٍ إضافيّ له. في مُنتَصف الأربعينيات كَتب روايته الأولى المساكين التي أدخلته في الأوساط الأدبية في سانت بطرسبرغ حيث كان يعيش. وقد أُلقيَ القبض عليه عام 1849 بانتمائه لمجموعةٍ أدبية سريّة تُناقِش تُناقِش الكتب الممنوعة التي تنتقد النظام الحاكِم في روسيا وحُكِم عليه بالإعدام، ولكن تم تخفيف الحُكم في اللحظات الأخيرة من تنفيذه، فقضى 4 سنوات في الأعمال الشاقّة تلاها 6 سنوات من الخدمة العسكرية القسرية في المنفى.

في السنوات اللاحقة، عَمِل دوستويفسكي كصحفيّ، ونَشر وحرّر في العديد من المجلّات الأدبية، وعُرِفت تلك الأعمال بـ مذكرات كاتب وهي عبارة عن مجموعة مُجمّعة من كتاباته خلال أعوام 1873-1881. وقد واجة صعوباتٍ مالية بعد أن سافر لبلدان أوروبا الغربية ولعب القِمار. ولبعض الوقت، اضطر فيودور للتسوّل من أجل المال، لكنه في نهاية المطاف أصبح واحداً من أعظم الكُتّاب الروس وأكثرهم تقديراً واحتراماً، وقد تُرجِمت كتبه لأكثر من 170 لغة. وقد تأثر بعدد كبير من الكُتّاب والفلاسفة في ذلك الوقت منهم: كيركغور، وبوشكين، وغوغول، وأوغسطينوس، وشكسبير، وديكنز، وبلزاك، وليرمنتوف، وهوغو، وآلان بو، وأفلاطون، وثيربانتس، وهيرزن، وكانت، وبلنسكي، وهيغل، وشيلر، وباكونين، وساند، وهوفمان، وميتسكيفيتش. وكانت كتاباته تُقرأ على نطاق واسع داخل وخارج موطنه روسيا، وأثّرت على العديد من الكُتّاب الروسيين والغير روسيين منهم جان بول سارتر، وفريدريك نيتشه، وأنطون تشيخوف، وألكسندر سولجنيتسين.

حياتُه[عدل]

أصلُه[عدل]

والدته ماريا فيودوروفنا دوستويفسكايا
والده ميخائيل أندريفيتش دوستويفسكي

كانا والِدا دستويفسكي جُزءاً من عائلة ليتوانية نبيلة مُتعدّدة الأعراق والمذاهب الدينيّة من مدينة بينسك، مع جذور يرجع تاريخها للقرن السادس عشر. وشَمِلت عائلته أفراداً مسيحيين من الكنيسة الروسية الأرثوذكسية، والكنيسة الرومانية الكاثوليكية، والكنيسة الكاثوليكية الشرقية.[5] عائلته من جهة والده كانوا رجال دين، أما من جهة أمه فكانوا تُجّاراً.[6][7] كان من المتوقّع أن يُصبِح والده ميخائيل كاهناً أيضاً، ولكنّه كسر قاعدة العائلة وفرّ بعيداً.[8]

في عام 1809 التحق ميخائيل دوستويفسكي البالغ من العمر 20 عاماً بأكاديمية موسكو الطبية الجراحية. ومن هناك تم تعيينه في مستشفى موسكو، حيث عَمِل كطبيب عسكري، وفي عام 1818، صار كبير الأطبّاء. وفي 1819 تزوج ماريا نيشاييفا. في العام التالي، تولى وظيفة في مستشفى ماريانسكي للفقراء. وبعد ولادة أولى أبنَيه الاثنين ميخائيل وفيودور، تمت ترقيته لمساعد جامعي، وهو اللقب الذي جَعله من طَبقة النُبلاء ومكّنه من شراء عقار صغير في داروفوي، وهي بلدة على بُعد 150 كم من موسكو، حيث كانوا يستجّمون في الصيف هناك.[9] كان فيودور الابن الثاني لأبويه، وكان هناك 7 أبناء آخرين هم: ميخائيل (1820-1864)، فارفارا (1822-92)، أندريه (1825-97)، ليوبوف (ولد وتوفي عام 1829)، فيرا (1829-96)، نيكولاي (1831-83) وألكساندرا (1835-1889).[6][7][10]

طفولته 1821–1835[عدل]

ولد فيودور دوستويفسكي في 11 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1821 بموسكو، وهو الابن الثاني لوالديه. وترعرع في منزل العائلة قرب مستشفى ماريانسكي للفقراء والذي يُعتَبر حيّاً فقيراً من الطبقة الدنيا على طرف موسكو.[11] كان دوستويفسكي خلال لعبه في حديقة المستشفى يشاهد المرضى المُتألّمين، والذين يُعتَبروا أسوأ المرضى حظاً حيث أنهم من الطبقة الدنيا.[12]

اطّلع دستويفسكي على الأدب منذ صغره. في الثالثة من عمره، كان قد طالَع الملاحم البطولية والحكايات والأساطير الخرافية، كُلّ هذا كان عبرَ مُربيتِه ألينا فرولوفنا التي أثّرت عليه كثيراً في طفولته.[13] وعندما بلغ الرابعة، قامت أمّه بتدريسه الكتاب المقدس ليتعلم من خلاله القراءة والكتابة. وقد عرّفه والداه بمختلف أنواع الأدب، من ضمنهم الأدباء الروس مثل كرامزين وبوشكين وديرزهافين؛ والأدب القوطي مثل آن رادكليف؛ والأدب الرومانسي لأعمال شيلر وغوته؛ والحكايات البطولية لـ ثيربانتس ووالتر سكوت؛ وملاحم هوميروس.[14][15] وقد ذكَر دوستويفسكي ذلك، بأن والديه كانا السبب الرئيسي لتعلّقه بالأدب وذلك بسبب قصص ما قبل النوم الذين كانا يقرآنها له.[16][12] بعض تجارِبه في طفولَته أثّرت على كتاباتِه لاحقاً، عندما كان بالتاسعة من عمره، تعرّضت فتاة للاغتصاب من قِبَل رجلٍ مخمور، تلك الحادثة عَلِقت في ذهنه، وظهر موضوع الرجل الذي يعتدي على الفتيات في الإخوة كارامازوف والشياطين وغيرها من المؤلّفات.[17]

وعلى الرغم من كون جسد دستويفكسي كان نحيفاً وغير قوي، فقد وصفه والداه بكونِه متهوّراً وعنيداً ووقحاً.[18] في عام 1833، والد فيودور الذي كان مُتديّنا بطبعه، أرسَله لمدرسة داخليّة في فرنسا ومن ثم إلى مدرسة تشيرماك الداخلية. ووصف هناك بأنه ذو وجهٍ شاحب وانطوائي ورومانسي.[19] ولدفع الرسوم المدرسية، اقترض والده المال ووسّع عمله الطبي الخاص. شعر دوستويفسكي بالخروج من مكانه بين زملائه الأرستقراطيين في مدرسة موسكو، وانعكست التجربة لاحقاً في بعض أعماله، ولا سيما رواية المراهق.[20][15]

شبابه 1836–1843[عدل]

فيودور دوستوفيسكي عام 1859.

في 27 سبتمبر من عام 1837، توفّيت والدة فيودور بالسل. وفي مايو من العام نفسه، أرسَله والداه برفقة أخيه ميخائيل للدراسة في معهد نيكولايف للهندسة العسكرية في مدينة سان بطرسبرغ، فاضّطر بسبب ذلك ترك الدراسة الأكاديميّة والتركيز على مستقبله في تقوية حياته المهنية العسكرية. وقُبِل في المعهد وبدأ بالدراسة فيه في يناير 1838، أما أخوه ميخائيل فقد تم رفضه لأسبابٍ صحيّة فانتقل للدراسة في مدينة رفال في أسيتونا.[21][22]

كَرِه فيودور الأكاديمية، وذلك بسبب عدم اهتمامه بالعلوم والرياضيات والهندسة العسكرية وتفضيله للرسم والهندسة المعمارية. كما وصفه صديقه كونستانتين تروتوفسكي مرّة.[23] شخصيّة فيودور واهتماماته جعلت منه شخصاً غريباً بين زملاء دراسته الـ120. وقد أظهر شجاعةً وحسّاً بالعدالة، وحماية للقادمين الجدد، وانحيازاً للمعلّمين منه للطلاب، ونقداً للضُبّاط الفاسدين، ومساعدةً للفلاحين الفقراء. وعلى الرغم من كونِه كان منعزلاً ويعيش في عالمه الأدبي الخاص، إلا أنه كان يلقى احتراماً من زملاءه الطُلّاب، وقد لقّبه الطلاب بأنه الكاهن فوتيوس.[24][25]

ظهرت علامات الصرع على فيودور لأول مرة عندما عَلِم بوفاة والده في 16 يونيو 1839.[26] على الرغم من كونِ مصدر هذه المعلومة ابنته لوبوف التي يعتَبِرها الكثير من المؤرّخين غير موثوقة، وقد عَمِل عليها فرويد فيما بعد.[27] توفّي والده بشكل أساسيّ من سكتةٍ أصابته، بيدَ أن جاره بافل كلوشانتسيف ادّعى أنه مات مقتولاً من قِبَل أقارِبه، وفي حال تم إثبات التهمة بأنّه قُتِل، كاد كلوشانتسيف ليستطيع شراء الأراضي التي تم إخلاؤها، وقد انتهت القضية بتكذيب الادّعاء في محاكمة في تولا، ولكن شقيقه أندريه دافع عن القصة.[28] على العموم، بعد وفاة والده أكمَل فيودور دراسته وتخرّج من الأكاديمية وأعطيَ لقب مهندس عسكري، مما خوّله الذهاب والعيش بعيداً عن الأكاديمية. فذهب وزار أخوه ميخائيل في رافل، وحضر المسرحيات وعروض الأوركسترا والباليه. وخلال تلك الفترة، اثنين من أصدقاءه عرّفوه على المقامرة.[29][25]

في 12 أغسطس 1843، عَمِل فيودور باعتباره مُهندس ملازم وعاش مع أدولف توتليبن في شقة يملكها الدكتور ريسنكامف، وهو صديق ميخائيل. وصفه ريسنكامف بقوله: "ليس أقل لطفاً أو أقل تهذيباً من أخوه، ولكن عندما لا يكون في ما جيّد كثيراً ما يُحدّق في الفراغ، وينسى الأخلاق الفاضلة، بل وأحياناً يصل لدرجة الوقاحة وفقدان وعيه بذاته".[30] في ذلك العام أنهى فيودور أولى أعماله الأدبية، وقد كانت ترججمة لرواية أوجيني غراندي من تأليف أونوريه دي بلزاك، وقد نُشِرت في عدد شهر يونيو ويوليو في مجلّة Repertoire and Pantheon.[31][32] تَبِعها عددٌ من الترجمات الغير ناجحة، وصعوباته الماليّة قادته في البدء لكتابة الروايات.[33][25]

حياته المهنية المُبكّرة 1844–1849[عدل]

دوستويفسكي عام 1847.

أنهى فيودور دوستويفسكي روايته الأولى المساكين في مايو 1845 بعد عامَين من نشر ترجمته الأولى لـِ بلزاك. صديقه ديمتري غريغوروفيتش، الذي كان زميله في السكن في ذلك الوقت، أخذَ النُسخة الأولية للشاعر نيكولاي نيكراسوف مدير تحرير مجلة Sovremennik، وهو بدوره عرضها على الناقد الأدبي ذو التأثير فيساريون بلنسكي. وقد وصفها بلنسكي بكونها أول رواية اجتماعية روسيّة.[34] صدرت المساكين في 15 يناير 1846 كجزءٍ من مجموعة دوريّة سانت بطرسبرغ ولاقت نجاحاً تجارياً.[35][36]

أدرك فيودور أن مهنته العسكرية ستعرض حياته الأدبية المزدهرة الآن للخطر، لذلك كتب خطاباً يطلب فيه الاستقالة من منصبه. بعد فترة قصيرة، كتب روايته الثانية الشبيه ونُشِرت في مجلة Notes of the Fatherland في 30 يناير 1846، قبل أن تُنشَر في فبراير من العام نفسه. وفي الوقت نفسه، تعرّف دوستويفسكي على الاشتراكية وأفكارها من خلال قراءته للمفكرين الفرنسيين مثل فورييه وكابيه وبرودون وسايمون. وخلال معرفته بـ بلنسكي توسّع في فلسفة الأفكار الاشتراكية. وكان مُنجذباً لمنطق الاشتراكية، والحس بالعدالة واهتمامها بالفقراء المُعدَمين والمحرومين. وقد توتّرت علاقته مع بلنسكي بشكل متزايد خاصّة بعد إفصاحه بكونِه ملحداً مما يتعارض مع معتقدات فيودور الأرثوذكسية الروسية، ولكن في نهاية الأمر تقبّله فيودور وانحرف معه.[37][38]

لاقت رواية الشبيه بعد نشرها نقداً سلبيّاً، وكانت صحّة فيودور تزداد سوءاً ونوبات الصرع أكثر من ذي قبل، ولكنّه واصل الكتابة. خلال الفترة من 1846 إلى 1848 أصدر عدّة قصص قصيرة نُشِرت في مجلة Annals of the Fatherland، من هذه الروايات السيد بروخارشين وربة البيت وقلب ضعيف والليالي البيضاء. تلك القصص لم تلقَ نجاحاً ومعظمها قوبلت بأراء مختلفه، مما أوقع فيودور في مشاكل ماليّة مرة أخرى، لذلك انضمّ إلى رابطة بيتيكوف الاشتراكية الطوباوية التي ساعدته للنجاة من حالته البائسة. عندما انتهت الرابطة، كان فيودور قد صادق أبولون مايكوف وشقيقه فاليريان مايكوف. وفي 1846، وبتوصية من الشاعر أليكسي بليششيف انضمّ إلى رابطة بيتراشيفسكي التي أسّسها ميخائيل بيتراشيفسكي الذي طالب بإصلاحات في المجتمع الروسي.[39] كتب ميخائيل باكونين مرة إلى ألكسندر هيرزن يصف أن المجموعة كانت: "أكثر رابطة عديمة الضرر" وأعضائها كانوا "معارضين مُنظّمين لجميع الأهداف والمعاني الثورية".[40] واستخدم فيودور مكتبة الرابطة يومَي السبت والأحد، وشاركَ في بعض الأحيان في المناقشات التي تتم بشأن التحرر من الرقابة وإلغاء العبودية.[41][42]

في 1849 نُشِر الجزء الأول من رواية نيتوتشكا نزفا نوفنا في المجلة، وقد كان يُخطّط لها منذ عام 1846، ولكن نفيه أنهى المشروع. ولم يحاول إكمال الرواية بعد ذلك.[43]

النفي إلى سيبيريا 1849–1854[عدل]

رسم توضيحي تَخيُّلي لإعدام أعضاء مجموعة بيتراشيفسكي.

كانت مجموعة رابطة بيتراشيفسكي مجموعَة مناقشة أدبيّة فكريّة تُناقش قضاياها المُعاصرة في ذلك الوقت بشكلٍ شبه سرّي. وضمن المجموعة مُهندسين وأطباء وكُتّاب ومعلمين وطُلّاب ومسؤولين حكوميين وضبّاطٍ في الجيش. وقد اختَلفوا في وجهات نظرهم السياسية، بيد أن مُعظَهم كانوا مُعارضين للاستبداد القيصري والعبودية الروسية. قام أعضاء المجموعة باستنكار وتنديد أفعال إيفان ليبراندي وهو مسؤول في وزارة الشؤون الدولية. وقد اتُهمِ دوستويفسكي بقراءة الكتب والأعمال المحظورة والمساعدة في نشرها وتعميمها، بالأخص كتاب بلنسكي رسالة إلى غوغول. وكيل الحكومة والرجل الذي كتب تقريراً عن المجموعة، ذكر في بيانِه أنهم دائماً ما ينتقدون السياسة الروسيّة والدين. وقد ردّ فيودور عن هذا الدّعاء بقولِه أنه كان يقرأ مقالاتٍ وحسب وهي تتحدّث عن الشخصيّة والأنانية البشرية بشكلٍ عام ليس عن السياسة. في النهاية اعتُقِلَ هو وأعضاء المجموعة المُتآمرون على حدّ وصف الحكومة في 23 أبريل 1849 بناءً على طلب الكونت أ. أورلوف وأمر القيصر نيكولاي الأول خوفاً من تَبِعات ثورة 14 ديسبمر في روسيا وثورات الربيع الأوروبي عام 1848. وقد احتَجِزَ الأعضاء في معقل بيتر وبول والتي كانت بدورها تضمّ أخطَر المُدانين.[44][45][46]

استمرّت القضيّة محل تحقيق لأربع شهور من قبل لجنة تحقيق برئاسة القيصر مع الجنرال ايفان نابوكوف وعضو مجلس الشيوخ الكونت بافيل جاجارين والكونت فاسيلي دولجوروكوف والجنرال ياكوف روستوفتسيف ووالجنرال ليونتي دوبيلت رئيس الشرطة السرية. وحكموا على أعضاء المجموعة بالإعدام بإطلاق النار، وأُخِذَ السجناء إلى سيميونوف بلاس في سان بطرسبرغ لتنفيذ الحكم في 23 ديسمبر 1849 حيث انقسموا إلى مجموعات من ثلاثة أفراد، وكان دوستويفسكي الثالث في الصف الثاني وبجانبه وقف بليششيف ودوروف جاهزين للإعدام. ولكن في آخر لحظة وقبل تنفيذ الحكم بحقه صدر مرسوم قيصري يقضي باستبدال الإعدام بأربعة أعوام من الأعمال الشاقة في مقاطعة اومسك بسيبيريا.

خدم فيودور أربع سنين من السجن والأعمال الشاقة في معسكر سجن كاتورغا في أومسك، سيبيريا، تليها فترة الخدمة العسكرية الإلزامية. وبعد رحلة مدتها أربعة عشر يوماً وسط العواصف والثلوج، وصل السجناء إلى توبولسك المحطّة التي يرتاح فيها السُجناء، كان السُجناء بائسين مُعدَمين، وحاول فيودور مواساتِهم، مثل إيفان ياسترزيمبسكي الذي فوجئ بطيبة دوستويفسكي وتخلى عن قراره بالانتحار. وفي توبولسك، تلقى الأعضاء الطعام والملابس من النساء اللاتي كُنّ هناك، فضلاً عن عدة نسخ من العهد الجديد مع ورقة نقدية من عشرة روبل داخل كل نسخة. وبعد أحد عشر يوماً، وصل السجناء إلى أومسك وكان مع فيودور عضوٌ واحد من أعضاء رابطة بيتراشيفسكي هو الشاعر سيرغي دوروف.[47][48][49] بعد سنين شرح دوستويفسكي إلى أخيه المعاناة التي تعرض لها ووصف له الثكنات العسكرية المتداعية:[50]

«في الصيف، أجواء لا تطاق. في الشتاء، برد لايحتمل. كل الأرضيات كانت متعفّنه. القذاره على الأرض يصل ارتفاعها إلى بوصه -مايعادل 2.5 سنتمتر-. من السهل أن ينزلق الشخص ويقع ... كنا محزومون كالسردين في برميل ... لم يكن هناك مكان تذهب إليه ... من المغرب إلى الفجر، كان من المستحيل ان لا نتصرف كالخنازير ... البراغيث، القمل، الخنافس السوداء كانت متواجده بمكيال الحبوب ...»

وقد كانَ فيودور يُعتَبر من أخطر المُدانين، حيث كانت يديه وقدميه مقيدتين حتى تاريخ إعتاقه. ولم يسمح له إلا بقراءة كتاب العهد الجديد. وبالإضافة لنوبات الصرع التي كانت تأتيه، فقد أُصيبَ كذلك بالبواسير، وفقدان الوزن، وحمّى قوية. وكان رائحة المرحاض منتشرة بأرجاء المبنى، حيث كان هناك حمامٌ واحد يستخدمه أكثر من 200 شخص. كان فيودور يُنقَل للمشفى بين الحين والآخر حيث يتمكّن من قراءة الصحف الإخبارية وقراءة روايات ديكنز. وقد نال احترام معظم السجناء، واحتقار بعضهم الآخر بسبب تصريحات كراهيته للأجانب.[51][52]

الخروج من السجن وزواجه الأول 1854–1866[عدل]

بعد إطلاق سراحه في 14 فبراير 1854، أرسل فيودور لأخيه ميخائيل طالباً منه مساعدةً ماليّة، وأن يُرسِل له تب ومؤلّفات كل من فيكو وجيزو ورانكه وهيغل وكانت.[53] وقد وصف حياته وهو يقضي حكم الأعمال الشاقة في روايته بيت الموتى التي صدرت في 1861 في مجلّة Vremya وتُعتَبر أول رواية تتناول السجون الروسية والسجناء كموضوعٍ لها.[54] لم تنتهي محكوميّة فيودور عندد هذه الحد، فقد أُجبِر على الخدمة العسكرية والعمل في فيلق الجيش السيبيري من كتيبة الخط السابع، وقبل رحيلِه إلى سيميبالاتينسك حيث سيخدم هناك، التقى مع الجغرافي بيوتر سيميونوف والإثنوغرافي شوكان واليخانولي. وفي نوفمبر 1854 التقى البارون الكسندر إيغوروفيتش رانجل، وهو أحد الذين حَضروا عملية الإعدام المُحبطة. وقد استأجر كلاهما منزل في حديقة القوزاق خارج سيميبالاتينسك. وقد وصف رانجل فيودور في تلك الفترة بأنه: "بدا عابساً مُتهجّماً، وجهه الشاحب مغطّى بالنمش ... كان متوسّط الطول، وينظر إليّ نظرة حادّة ثاقبة بعيونه الزرقاء الرماديّة تلك، كان كما لو كان يحاول النظر في روحي واكتشاف أي نوع من الرجل كنت."[55][56][57]

خلال خدمته في سيميبالاتينسك، أعطى فيودور دروساً خصوصيّة للعديد من الأطفال، وتواصَل مع عدد من عائلات الطبقة العليا، بما في ذلك أسرة المقدم بيليكوف الذي كان يدعوه لقراءة مقاطع من الصحف والمجلات. وخلال زيارته لعائلة بيليكوف، التقى دوستويفسكي عائلة الكسندر ايفانوفيتش إساييف وماريا دميتريفنا إيساييفا ووقع في حبّها. عُيّن ألكسندر ايزايف في وظيفة جديدة في كوزنتسك وتوفّي هناك في أغسطس 1855. انتقلت ماريا وابنها الوحيد مع فيودور إلى بارناول. وقد حصل بطريقة ما على تصريح له بالزواج ونشر الكتب، بيد أنه سيبقى تحت مراقبة الشرطة لبقية حياته. تزوجت ماريا دوستويفسكي في سيميبالاتينسك في 7 فبراير 1857، على الرغم من أنها رفضت في البداية اقتراح زواجه، وذكرت أنه لا يعني لها شيئاً، وأن وضعه المالي السيء يحول دون ذلك. كانت حياتهما بشكلٍ عامٍّ معاً غير سعيدة، فقد كانت تجد صعوبة في التعامل مع نوباتِه التي تزداد بمرور الوقت. وفي وصفٍ لعلاقته معها، كتب فيودور: "بسبب شخصيّتها الغريبة والمرتابة والرائعة، لم نكن سُعداء معاً، ولكن لم يتوقّف الحب بيننا. وكلّما كنا أكثر تعاسة، كان الحب بيننا يزداد قوة".[58] في عام 1859، خرج من الخدمة العسكرية بسبب تدهور صحّته، وسُمِحَ له للعودة إلى روسيا، فعاد بدايةً إلى تفير حيثُ التقى بأخيه لأول مرة منذ 10 سنوات، ثم توجّه لسانت بطرسبرغ.[59][60]

فيودور دوستويفسكي في باريس عام 1863.

خلال فترة اعتقاله، كتب فيودور قصة واحدة كاملة فقط، وهي بطل صغير ونُشِرت في مجلة. حلم العم وقرية ستيبانشيكوفو لم تنشر حتى عام 1860. كما نُشِر في ذلك العام رواية بيت الموتى كذلك في مجلة Russky Mir. لتليها رواية مذلون مهانون التي تُشِرت في مجلة فريميا الجديدة، المجلّة التي كانت من تحرير فيودور نفسه ومن تمويل وشراكة أخيه ميخائيل.[61][62][63]

سافَر فيودور إلى أوروبا الغربيّة لأول مرة في 7 يونيو 1862، زار خلالها كولونيا، وبرلين، ودرسدن، وفيسبادن، بلجيكا، وباريس، ولندن. وقد قابل ألكسندر هيرزن في لندن وزار قصر الكريستال. وسافر مع نيكولاي ستراخوف في سويسرا مروراً بالعديد من مدن شمال إيطاليا بما فيها تورينو وليفورنو وفلورنسا. وقد دوّن انطباعاته عن تلك الرحلة في ذكريات شتاء عن مشاعر صيف، حيث انتقد في تلك المقالة الرأسمالة والتحديث والمادية والكاثوليكية والبروتستانتية، وظهر فيها مُقدِّمات أهم مبادئ فلسفته التي خلَّدها برواياته لاحقاً.[64][65]

بدءاً من أكتوبر 1863، بدأ فيودور رحلةً أخرى إلى أوروبا الغربية. وقابل حبيبته الثانية بولينا سوسلوفا في باريس، وخسر تقريباً كُل أمواله التي راهن عليها في المقامرة في فيسبادن وبادن بادن. في عام 1864 توفيت زوجته ماريا وشقيقه ميخائيل، وأصبح دوستوفيسكي الوالد القانوني الوحيد لابن زوجته، والمنفق الوحيد لعائلة شقيقه. بعد فشل مجلّة Epoch التي أسّسها مع شقيقه وذلك بعد منع مجلة فريميا، ساء وضع فيودور المالي، وكان يحصل على مشاعدات بسيطة من أقاربه وأصدقاءه منعاً للإفلاس الكامل.[66][67]

زواجه الثاني وشهر العسل 1866–1871[عدل]

أوّل جزئين من الجريمة والعقاب نُشِرا في يناير وفبراير على التوالي في 1866 في دورية The Russian Messenger. مما أضاف على الأقل 500 مشترك جديد للدورية.[68][69]

عاد فيودور إلى سان بطرسبرغ في منتصف سبتمبر، وقابل رئيس التحرير فيودور ستيلوفسكي ووعده بأنه سيكمل المقامر وهي الرواية القصيرة التس كتبها عن مشاكل إدمان القمار. أحد أصدقاءه اقترح عليه بتوظيف سكرتيرة لديه، فتواصل فيودور مع بافل أليخين وهو كاتِبٌ اختزالي الذي أوصى بتلميذته البالغة 20 عاماً آنا غريغوري سنيتكينا، وساعدته على إنهاء المقامر خلال 26 يوماً من العمل.[70][71] آنا تُعتَبر من اهم المؤرّخين لحياة فيودور، حيث أصدرت كتابين اثنين لحياته. تقول هي في مذكراتها، أن فيودور شاركها في حبكة رواية جديدة تخيليه، كما لو انه كان يحتاج إلى نصحها في فهم نفسية الأنثى.[72] في تلك الرواية، رسام كبير في السن يتقدم لخطبة فتاة صغيرة كان أسمها آنيا. سألها فيودور عما إذا كان من الممكن لفتاة صغير في السن مختلفة في الشخصية أن تقع في حب رسام. اجابت آنا أن ذلك ممكن جداً. ومن ثم قال فيودور لآنا: "ضعي نفسكِ في مكانها للحظة. تخيلي أني أنا الرسام، أنا أعترف وأطلب منك ان تكوني زوجتي. ماذا سيكون جوابك؟" أجابت آنا: "سأجيب بأني أحبك وسأحبك للأبد".[73][74]

لوحة تذكاريّة لدوستويفسكي في بادن بادن الألمانية.

في 15 فبراير 1867 تزوج دوستويفسكي سنيتكينا في كاتدرائية الثالوث في سانت بطرسبرغ. الـ7000 روبية التي جمعها دوستويفسكي من الجريمة والعقاب لم تُغطّي ديونهم، مما دفع آنا لبيع ممتلكاتها الثمينة. في 14 أبريل 1867، بدأوا شهر عسلٍ متأخر في ألمانيا بالمال الذي كسبوه من البيع. أقاموا في برلين، وزارا معرض جيمالديغاليري ألت مايستر في درسدن الزيارة التي كانت محلّ إلهامٍ لكتاباته. وأكملوا رحلتهم عبر ألمانيا وزارا فرانكفورت ودارمشتات وهايدلبرغ وكارلسروه. وقضيا خمسة أسابيع في بادن بادن حيث تشار هناك مع إيفان تورغينيف ومرة أخرى خَسِر معظم أمواله في لعب الروليت.[75]

في سبتمبر 1867، بدأ فيودور بالعمل على الأبله، وبعد قضاءه فترة طويلة للتخطيط بحبكة الرواية، تمكّن من كتابة أوّل 100 صفحة في 23 يوماً فقط، وبدأت تُنشر في مجلة The Russian Messenger في يناير 1868.

انتقلوا بعد بادن بادن إلى جنيف وعاشوا فيها لأكثر من سنة، وعمل فيودور بجد لإستعادة ثروته. في 22 فبراير 1868 ولدت إبنتهما الأولى صوفيا، ولكنها توفّيت بالالتهاب الرئوي بعد ثلاثة أشهر في 22 مايو.[76] ثم غادرا جنيف متوجّهين نحو فيفي ثم إلى ميلانو قبل أن يواصلا سيرهم إلى فلورنسا، حيث أنهى رواية الأبله هناك في يناير 1869 ونُشِرت في المجلة في فبراير 1869.[77][78] في 26 سبتمبر 1869، في مدينة درسدن، رزقوا بإبنتهم الثانية، والتي أسموها لوبوف دوستويفسكي. وقد تخلص فيودور دوستويفسكي من إدمانه للقمار بعد ولادة ابنته الثانية.

بعد أن سمع أنباء أن جماعة الثورية الاشتراكية قتلت أحد أعضائها وهي إيفان إيفانوف، في 21 نوفمبر 1869، بدأ دوستويفسكي كتابة الشياطين.[79] في 1871، سافرت المجموعة بالقطار إلى برلين. في النهاية عادت العائلة إلى سانت بطرسبرغ في 8 تموز/يوليو، وهو ما يمثل نهاية شهر العسل الذي كان من المقرر أن يكون 3 شهور واستغرق أكثر من 4 سنوات.[80][81]

العودة إلى روسيا 1871–1875[عدل]

بالعودة إلى روسيا في سانت بطرسبرغ عام 1871، واجهت العائلة من جديد مشاكِلَ ماليّة فاضّطروا لبيع ممتلكاتهم المُتبقية. في ذلك العام في 16 يوليو، وُلِدَ الابن الثالث فيودور، ثم انتقلوا بعد ذلك بفترة للسكن في شقة بقرب المعهد التكنولوجي. وقد أَمِلوا بانتهاء ديونهم عن طريق بيع بيتهم في بيسكي، إلا أن انخفاض سعر العقار في ذلك الوقت أدّى لانخفاض سعر البيت، واستمرّت المشاكل مع الدائنين. واقترحت آنا جمع أموال حقوق الطبع والنشر لزوجها والتفاوض مع الدائنين لتسديد ديونها على أقساط.[82][83]

قوّى دوستويفسكي صداقاته مع مايكوف وستراخوف وكوّن علاقات ومعارف جديدة، بما في ذلك سياسي الكنيسة تيرتي فيليبوف والإخوة فسيفولود وفلاديمير سولوفيوف. وقد أثر كونستانتين بوبيدونوستسيف، المفوض السامي الإمبراطوري المستقبلي للمجمع المقدس، أثّر على تطور وتقدّم دوستويفسكي السياسي لمبادئ المحافظين. وفي أوائل 1872، قضت الأسرة عدّة أشهر في ستارايا روسا وهي مدينة سياحيّة معروفة بمياهها المعدنيّة. وقد تأخر دوستوفيسكي في عمله بسبب وفاة شقيقة آنا إما بالملاريا أو التيفوس.[82][84][85]

أنهى دوستويفسكي كتابَة الشياطين 26 نوفمبر، وكانت الأسرة قد عادت إلى سانت بطرسبرغ سابقاً في سبتمبر، وقد صدرت الشياطين من قِبَل "شركة دوستويفسكي للنشر" التي أسّسها مع زوجته. كانت الطباعة تتم في شقّتهم، وكانوا لا يقبلون سوى المدفوعات النقدية المباشرة، وقد نجح عملهم هذا وباعوا حوالي 3000 نسخة من الرواية حيث أدارت آنا الشؤون المالية. واقترح فيودور إنشاء مجلّة جديدة تُسمّى مذكرات كاتب وتتضمن مجموعة مقالات، بيد أنّهم لم يستطيعا تحمذل كلفتها، فاتّفق فيودور مع فلاديمير ميششيرسكي على نشر المقالات في مجلة المواطِن بدءاً من يناير 1873 مقابل 3000 روبلة سنوياً. في صيف 1873، عادت آنا إلى ستارايا روسا مع الأطفال، وبَقي فيودور في سانت بطرسبرغ يعمل على المذكرات.[86][87]

فيودور دوستويفسكي عام 1876.

في مارس 1874، ترك فيودور مجلة المواطِن بسبب ضغط العمل الذي واجهه، وبسبب تدخل الحكومة الروسية البيروقراطية. وخلال الـ15 شهراً التي قضاهم في المجلّة، استُدعيَ لبلاط الحاكم مرّتان، في 11 يونيو 1873 للإشارة إلى الأمير مشرشكي دون إذن، والثانية في 23 مارس 1874. عرض دوستويفسكي بيع رواية جديدة لم يبدأها بعد لمجلّة الرسول الروسي ولكنّهم رفضوا. وقد اقترح عليه نيكولاي نيكراسوف نشر مذكّراته في مجلة وطن الآباء، وقال أنّه سيحصل على 250 روبلة عن كل مقال، وهو أكثر بـ100 روبلة مما كان سيجنيه في مجلة الرسول الروسي وهذا ما حدث. بدأت صحّة فيودور بالتدهور في ذلك الوقت، ونصحه أطباء سانت بطرسبرغ بالخروج من المدينة للعلاج فهو غير متوفر فيها. وفي يوليو تقريباً، التقى بطبيبٍ في إمس شخّص حالته بأن لديه التهاباً في القناة التنفسية. بدأ رواية المراهق، وعاد إلى سانت بطرسبرغ في أواخر يوليو.[88][89]

اقترحت آنا قضاء الشتاء في ستارايا روسا ليرتاح فيودور هناك، على الرغم من أن الأطباء قد اقترحوا زيارة ثانية إلى إمس لأن صحته قد تحسنت سابقا هناك. في 10 أغسطس 1875 ولد ابنه أليكسي في ستارايا روسا، وفي منتصف سبتمبر عادت الأسرة إلى سانت بطرسبرغ. أنهى روايته المراهق في أواخر عام 1875 وكانت بعض أجزاءها نُشِرت مسبقاً في مجلة Notes of the Fatherland في يناير من نفس العام. يتمحور سرد الرواية حول العلاقة بين الابن وأبيه والصراع بينهما، خاصةً الصراع الفكري، الذي يُمثِّل المعركة بين الفكر الروسي التقليدي في الأربعينيات من القرن التاسع عشر والفكر العدمي الصاعد بين  الشباب الروسي في الستينيات وهو الموضوع الذي تكرّر في أعمال دوستويفسكي اللاحقة.[90][91]

سنواته الأخيرة ووفاته 1876–1881[عدل]

في أوائل عام 1876، واصلت دوستويفسكي العمل على مذكراته. تضمن الكتاب العديد من المقالات والقصص القصيرة عن المجتمع والدين والسياسة والأخلاق. باعت المجموعة أكثر من ضعف عدد نسخ كتبه السابقة. وقد راسله عدد من القُرّاء أكثر من أي وقتٍ مضى، وزاره جميع الناس من جميع الطبقات والأعمار والمهن، وزادت شهرته في كامل روسيا. وبمساعدة من شقيق آنا، اشترت الأسرة منزلاً في ستارايا روسا. في صيف عام 1876، بدأ دوستويفسكي يُعاني من ضيق في التنفس مرة أخرى. وقد زار إمس للمرة الثالثة وأخبره الطبيب أنه قد يعيش لمدة 15 عاماً آخر في حال انتقل لبيئة صحيّة أكثر. وعندما عاد إلى روسيا، طلب القيصر ألكسندر الثاني من دوستويفسكي زيارة قصره لمناقشة واستعراض مُذكّراته، كما طلب منه المكوث وتأديب وتعليم ابنَيه سيرغي وبولس. زادت هذه الزيارة من معارِف فيودور، وكان ضيفاً معتاداً في العديد من الصالونات الأدبية في سانت بطرسبرغ والتقى العديد من الناس الشهيرة، بما في ذلك الأميرة صوفيا تولستايا وياكوف بولونسكي وسيرجي ويت وأليكسي سوفورين وأنتون روبنشتاين وإيليا ريبين.[92][93]

تدهورت صحّة فيودور أكثر فأكثر، وفي مارس 1877 أصابته أربعة نوبات صرع. وبدلاً من العودة إلى إمس، زار مالي بريكول وهي مزرعة بالقرب من كورسك. أثناء عودته إلى سان بطرسبرغ لإنهاء مذكراته توقّف قليلاً في بلدة داروفوي المكان الذي نشأ فيه. وفي ديسمبر من نفس العام، حضَر جنازة نيكراسوف وألقى خطبة التأبين الرئيسية، والتي أكد فيها أن نيكراسوف كان أعظم شاعر روسي منذ ألكسندر بوشكين وميخائيل ليرمنتوف. وقد عُيّن عضواً فخرياً في الأكاديمية الروسية للعلوم، وحصل على شهادة فخرية منها في فبراير 1879. انتقلت العائلة لاحقاً إلى الشقة التي كتب دوستويفسكي فيها أعماله الأولى. وفي تلك الفترة، انتخب عضواً في مجلس إدارة الجمعية السلافية الخيرية في سانت بطرسبرغ. وفي ذلك الصيف، انتخب عضواً في اللجنة الفخرية لرابطة ليترير وأرتيستيك إنترناتيونال والتي تضمّ أعضاءً مثل فكتور هوغو وإيفان تورغينيف وبول فون هايس وألفريد تنيسون وأنتوني ترولوب وهنري وادزورث لونغفيلو ورالف والدو إمرسون وليو تولستوي. وقد كانت زيارة دوستويفسكي الرابعة والأخيرة لـِ إمس في أوائل أغسطس 1879. وقد شُخّص بأن لديه انسداداً رئوياً مزمن، وقد اعتقد طبيبه بإمكانية علاجه، ولكن لم يتم ذلك.[94][95]

وفاته[عدل]

فارق دوستويفسكي الحياة عام 1881 فمشى في جنازته ثلاثون ألف شخص تقريباً, وعم الحزن روسيا كلها.

من أعماله[عدل]

  • الإخوة كارامازوف (Братья Карамазовы) وهي الرواية التي عرّبها الكاتب المصري محمود دياب ومثلت في فيلم مصري باسم (الأخوة الأعداء)و تعتبر هذه الرّواية من قبل الكثير قمّة عطاءات الكاتب، وهي الرّواية الأخيرة له حيث فارق الحياة بعدها.
  • الجريمة والعقاب (Преступление и наказание) (روايه طويله -1866)(روايه طويله - 1881)عربت ومثلت في فيلم مصري باسم (سونيا والمجنون)
  • ذليلون مهانون (Униженные и оскорбленные) (روايه طويله - 1861)
  • المساكين (Бедные люди) (روايه طويله - 1846)
  • الشياطين (Бесы) (روايه طويله - 1872)
  • الأبله (Идиот) (روايه طويله - 1867-1869)
  • المراهق (روايه طويله-1875)
  • ذكريات من منزل الأموات (Записки из Мёртвого дома) (روايه - 1862)
  • في قبوى (Записки из подполья) (روايه طويله - 1864)
  • الليالى البيضاء (Белые ночи) (روايه قصيره - 1848)
  • المقامر (Игрок) (روايه طويله - 1867)
  • الإنسان الصرصار (Записки из подполья) أو رسائل من أعماق الأرض (رواية - 1864)
  • حلم العم (Дядюшкин сон) (روايه طويله - 1859)
  • الزوج الأبدي (Вечный муж) (روايه طويله - 1870)
  • التمساح (Крокодил) (قصه قصيره - 1865)
  • المثل (قصه قصيره)
  • قلب ضعيف (Слабое сердце) (قصه قصيره - 1848)
  • شجرة عيد الميلاد والزواج (Елка и свадьба) (قصه قصيره - 1848)
  • قصة أليمة (Скверный анекдот) (قصه قصيره - 1862)
  • زوجة آخر ورجل تحت السرير (قصه قصيره)
  • ذكريات شتاء عن مشاعر صيف (سرد قصصي - 1863)
  • مذكرات كاتب (Дневник писателя) (سرد قصصي - 1873–1881)
  • حلم رجل مضحك )the dream of a ridiculous man)قصة قصيرة-1877)

يمكنك تحميل جميع اعمال الكاتب من خلال هذا الرابط موقع روائع الكتب

المصادر[عدل]

المراجع[عدل]

  1. ^ http://muse.jhu.edu/journals/journal_of_the_history_of_philosophy/summary/v041/41.4raymond.html
  2. ^ http://muse.jhu.edu/journals/journal_of_the_history_of_philosophy/v041/41.4raymond.html
  3. ^ https://muse.jhu.edu/journals/journal_of_the_history_of_philosophy/v041/41.4raymond.pdf
  4. ^ Scanlan, James Patrick (2002). Dostoevsky the Thinker: A Philosophical Study. Cornell University Press. رقم دولي معياري للكتاب 978-0-8014-3994-0.
  5. ^ "Достоевский в биографическом справочнике"Klassika.ru.
  6. ^ أ ب Kjetsaa 1989, pp. 1–5
  7. ^ أ ب Frank 1979, pp. 6–22.
  8. ^ Breger 2008, p. 83
  9. ^ Kjetsaa 1989, p. 11
  10. ^ Terras, Victor (1985). Handbook of Russian Literature. Yale University Press. p. 102. رقم دولي معياري للكتاب 0-300-04868-8.
  11. ^ Bloom 2004, p. 9
  12. ^ أ ب Breger 2008, p. 72.
  13. ^ Leatherbarrow 2002, p. 23
  14. ^ Kjetsaa 1989, pp. 6–11.
  15. ^ أ ب Frank 1979, pp. 23–54.
  16. ^ Mochulsky 1967, p. 4.
  17. ^ Lantz 2004, p. 61.
  18. ^ Kjetsaa 1989, p. 6.
  19. ^ Kjetsaa 1989, p. 39.
  20. ^ Kjetsaa 1989, pp. 14–5.
  21. ^ Kjetsaa 1989, pp. 17–23.
  22. ^ Frank 1979, pp. 69–90.
  23. ^ Lantz 2004, p. 2.
  24. ^ Kjetsaa 1989, pp. 24–7.
  25. ^ أ ب ت Frank 1979, pp. 69–111.
  26. ^ Sekirin 1997, p. 59.
  27. ^ Reik, Theodor (1940). "The Study on Dostoyevsky." In From Thirty Years with Freud, Farrar & Rhinehart, Inc., pp. 158–176.
  28. ^ Lantz 2004, p. 109.
  29. ^ Kjetsaa 1989, pp. 31–6.
  30. ^ Frank 1979, pp. 114–5.
  31. ^ Breger 2008, p. 104.
  32. ^ Leonid Grossman (2011). Достоевский [Dostoyevsky]. Astrel. p. 536.
  33. ^ Kjetsaa 1989, pp. 36–7.
  34. ^ Sekirin 1997, p. 73.
  35. ^ Frank 1979, pp. 113–57.
  36. ^ Kjetsaa 1989, pp. 42–9.
  37. ^ Frank 1979, pp. 159–82.
  38. ^ Kjetsaa 1989, pp. 53–5.
  39. ^ Mochulsky 1967, pp. 115–21.
  40. ^ Kjetsaa 1989, p. 59.
  41. ^ Frank 1979, pp. 239–46, 259–346.
  42. ^ Kjetsaa 1989, pp. 58–69.
  43. ^ Mochulsky 1967, pp. 99–101.
  44. ^ Mochulsky 1967, pp. 121–33.
  45. ^ Frank 1987, pp. 6–68.
  46. ^ Kjetsaa 1989, pp. 72–9.
  47. ^ Frank 1987, pp. 6–68.
  48. ^ Kjetsaa 1989, pp. 79–96.
  49. ^ Sekirin 1997, p. 113.
  50. ^ Pisma, I: pp. 135–7.
  51. ^ Sekirin 1997, p. 131.
  52. ^ Kjetsaa 1989, pp. 96–108.
  53. ^ Frank 1988, pp. 8–20.
  54. ^ Sekirin 1997, pp. 107–21.
  55. ^ Kjetsaa 1989, pp. 112–3.
  56. ^ Frank 1987, pp. 165–267.
  57. ^ Kjetsaa 1989, pp. 108–13.
  58. ^ Sekirin 1997, p. 168.
  59. ^ Frank 1987, pp. 175–221.
  60. ^ Kjetsaa 1989, pp. 115–63.
  61. ^ Frank 1987, pp. 290 et seq.
  62. ^ Frank 1988, pp. 8–62.
  63. ^ Kjetsaa 1989, pp. 135–7.
  64. ^ Frank 1988, pp. 233–49.
  65. ^ Kjetsaa 1989, pp. 143–5.
  66. ^ Frank 1988, pp. 197–211, 283–94, 248–365.
  67. ^ Kjetsaa 1989, pp. 151–75.
  68. ^ Frank 2009, p. 462.
  69. ^ Leatherbarrow 2002, p. 83.
  70. ^ Frank 1997, pp. 42–183.
  71. ^ Kjetsaa 1989, pp. 162–96.
  72. ^ ^ Nasedkin، Nicholay. "Around Dostoyevsky" (باللغة Russian). اطلع عليه بتاريخ 21 June 2010.
  73. ^ ^ Memoirs of Anna Dostoyevskaya, pp. 96–97
  74. ^ ^ Korneichuk، Dmitry. "Life of Fyodor Dostoyevsky: Women's motives" (باللغة Russian). Chronoss.تمت أرشفته من الأصل في 9 June 2010. اطلع عليه بتاريخ 21 June 2010.
  75. ^ Moss, Walter G. (2002). Russia in the Age of Alexander II, Tolstoy and Dostoevsky. Anthem Press. pp. 128–133. ISBN 9780857287632.
  76. ^ Kjetsaa 1989, p. 219.
  77. ^ Frank 1997, pp. 151–363.
  78. ^ Kjetsaa 1989, pp. 201–37.
  79. ^ Kjetsaa 1989, pp. 240–61.
  80. ^ Frank 1997, pp. 241–363.
  81. ^ Kjetsaa 1989, p. 265.
  82. ^ أ ب Frank 2003, pp. 14–63.
  83. ^ Kjetsaa 1989, pp. 265–7.
  84. ^ "The Dostoyevsky Encyclopedia – About Dostoyevsky" (in Russian). Nikolay Nasedkin. Retrieved 1 March 2013.
  85. ^ Kjetsaa 1989, pp. 268–71.
  86. ^ Frank 2003, pp. 38–118.
  87. ^ Kjetsaa 1989, pp. 269–89.
  88. ^ Frank 2003, pp. 120–47.
  89. ^ Kjetsaa 1989, pp. 273–95.
  90. ^ Frank 2003, pp. 149–97.
  91. ^ Kjetsaa 1989, pp. 273–302.
  92. ^ Frank 2003, pp. 199–280.
  93. ^ Kjetsaa 1989, pp. 303–6.
  94. ^ Frank 2003, pp. 320–375.
  95. ^ Kjetsaa 1989, pp. 307–49.

مراجع أساسيّة[عدل]

سيرة ذاتية

وصلات خارجية[عدل]