إسماعيل

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث


إسماعيل
الذبيح ، صادق الوعد ، الغلام الحليم
الوفاة مكة
مبجل(ة) في الإسلام،
النسب أبوه: إبراهيم
أمه: هاجر
إخوته: اسحاق
ذريّته: العرب

إسماعيل بن إبراهيم شخصية مذكورة في كل من التوراة والقرآن. يؤمن المسلمون بنبوته، بينما يعتقد اليهود والمسيحيون أنه شخصية تاريخية ورد ذكرهه في العهد القديم. يعتقد البعض بأنه أبو العرب الحجازية.[1].

في المسيحية واليهودية[عدل]

رسم تخيلي من سنة 1820،إسماعيل وأمه هاجر بعد أن خرجا إلى الصحراء.

إسماعيل (بالعبرية: יִשְׁמָעֵאל) وتفسيره في كلتا اللغتين (سَمِعَ الله) بمعنى (لبى الله دعاء إبراهيم بأن يكون له ولدا فمنحه إسماعيل). وكان إسماعيل الابن الأكبر لإبراهيم من هاجر جارية زوجته سارة. وكان إسماعيل أول من ذٌكر في سفر التكوين من كتاب التوراة كألابن الأكبر لإبراهيم من هاجر جارية سارة "المصرية". ولا تعترف اليهودية والمسيحية بنبوة إسماعيل.

إسماعيل في التوراة[عدل]

في كتاب التوراة العهد القديم، يوجد شرح لحياة إسماعيل في سفر التكوين اصحاح 16 ومايليه. ويرد فيه:

سارة، زوجة إبراهيم منحت خادمتها هاجر لإبراهيم حتى تحبل منه وتلد له ولدا تتبناه لأعتقادها بأن الله حرمها الحمل (التكوين اصحاح 16:2). حملت هاجر وبدأت بأهانة سارة، لذلك طردتها من بيت إبراهيم في ثورة غضب. هربت على إثرها هاجر إلى البرية. وهناك ظهر لها ملاك، أمرها بأن ترجع إلى بيت إبراهيم وقال لها: "لأُكَثِّرَنَّ نَسْلَكِ فَلاَ يَعُودُ يُحْصَى" وأكمل قائلاً: " هُوَذَا أَنْتِ حَامِلٌ، وَسَتَلِدِينَ ابْناً تَدْعِينَهُ إِسْمَاعِيلَ لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ سَمِعَ صَوْتَ شَقَائِكِ. وَإِنَّهُ يَكُونُ إِنْسَانًا وَحْشِيًّا، يَدُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ، وَأَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ يَسْكُنُ" (تكوين اصحاح 16).

عادت هاجر إلى بيت إبراهيم ومعها ابنها الذي اسمته إسماعيل. وبعد أن بلغ إسماعيل الرابعة عشرة من عمره، حملت سارة "باسحق" ولد إبراهيم. وعند بلوغ إسماعيل سن السادسة عشرة أغضَبَ سارة، فطلبت من إبراهيم أن يطرد هاجر وإبنها.

كَبٌرَ اسحق، وفي اليوم الذي فٌطم فيه أقام إبراهيم وليمة كبيرة، لكن سارة لاحظت بأن إسماعيل يسخر من ابنها اسحق، لذلك طلبت سارة من إبراهيم: "اطْرُدْ هَذِهِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا، فَإِنَّ ابْنَ الْجَارِيَةِ لَنْ يَرِثَ مَعَ ابْنِي إِسْحقَ" (تكوين اصحاح 10-21:8).

وبالرغم من أن إبراهيم لم يكن مرتاحا من مسألة طرد هاجر وإسماعيل، لكنه انصاع إلى أمر امرأته بعدما وعده الله بأنه سيعتني بأبنه إسماعيل ويجعل له نسلاً كما لاسحق.

ضايق هذا إبراهيم كثيرا لان إسماعيل كان ابنه ولكن الله قال له "لاَ يَسُوءُ فِي نَفْسِكَ أَمْرُ الصَّبِيِّ أَوْ أَمْرُ جَارِيَتِكَ، وَاسْمَعْ لِكَلاَمِ سَارَةَ فِي كُلِّ مَا تُشِيرُ بِهِ عَلَيْكَ لأَنَّهُ بِإِسْحقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. وَسَأُقِيمُ مِنِ ابْنِ الْجَارِيَةِ أُمَّةً أَيْضاً لأَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ " (تكوين اصحاح 13-21:11).

ذهب هاجر وإسماعيل إلى برية بئر سبع، وعندها مرت هاجر وابنها بفترة عصيبة، فسمعت صوتا من السماء يقول: " فسمع الله صوت الغلام.ونادى ملاك الله هاجر من السماء وقال لها ما لك يا هاجر.لا تخافي لان الله قد سمع لصوت الغلام حيث هو. 18 قومي احملي الغلام وشدي يدك به.لاني ساجعله امة عظيمة." (تكوين اصحاح 21).

وبذلك سكن هاجر وإسماعيل في صحراء فاران وبرَع إسماعيل باستخدام القوس ورمي النبال. اتخَذَت لهٌ أمه زوجةً.

وعد الله لأبراهيم[عدل]

وذكر في العهد القديم لإبراهيم: " فقال الله بل سارة امرأتك تلد لك ابنا وتدعو اسمه إسحق. وأقيم عهدي معه عهدا أبديا لنسله من بعده. 20 وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. هأنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا. اثني عشر رئيسا يلد وأجعله أمة كبيرة. 21 ولكن عهدي أقيمه مع إسحق الذي تلده لك سارة في هذا الوقت في السنة الآتية ".[2]

" وَهَذِهِ أَسْمَاءُ أَبْنَاءِ إِسْمَاعِيلَ مَدَوَّنَةً حَسَبَ تَرْتِيبِ وِلاَدَتِهِمْ: نَبَايُوتُ بِكْرُ إِسْمَاعِيلَ، وَقِيدَارُ وَأَدَبْئِيلُ وَمِبْسَامُ، وَمِشْمَاعُ وَدُومَةُ وَمَسَّا، وَحَدَارُ وَتَيْمَا وَيَطُورُ وَنَافِيشُ وَقِدْمَةُ. "[3] ولإسماعيل ابنة اسمها بَسْمَةَ،[4] حيث تزوجها عيسو على غير رضا أهله.[5]

نسل إسماعيل[عدل]

ويظهر إسماعيل مع أخيه في دفن ابيهما إبراهيم " فَدَفَنَهُ ابْنَاهُ إِسْحقُ وَإِسْمَاعِيلُ فِي مَغَارَةِ الْمَكْفِيلَةِ، فِي حَقْلِ عِفْرُونَ بْنِ صُوحَرَ الْحِثِّيِّ مُقَابِلَ مَمْرَا ".[6] وقد صار أبناء إسماعيل الإثني عشر رؤساء لاثنتي عشرة قبيلة وانتشرت ذريته من حَوِيلَةَ إِلَى شُورَ الْمُتَاخِمَةِ لِمِصْرَ فِي اتِّجَاهِ أَشُّورَ. وفي أيامه كانوا يسمون المقاطعات العربية بأسماء القبائل.

تسلسل أولاد إسماعيل وفقاً لتأريخ ميلادهم حسب سفر التكوين
  1. نَبَايُوتُ،
  2. قِيدَارُ،
  3. أَدَبْئِيلُ،
  4. مِبْسَامُ،
  5. مِشْمَاعُ،
  6. دُومَةُ،
  7. مَسَّا،
  8. حَدَارُ،
  9. تَيْمَا،
  10. يَطُورُ،
  11. نَافِيشُ،
  12. قِدْمَةُ.

في فترة ما قبل الإسلام[عدل]

كان عرب الحجاز يؤمنون أنهم من ذرية إسماعيل، ولهذا فقد ذكروه في أشعارهم وأخبارهم.

هناك إشارة محتملة إلى إسماعيل في إحدى قصائد الشعر الجاهلي المنسوبة لأمية بن أبي الصلت وهو يحكي قصة تضحية إبراهيم بابنه، حيث قال فيها:

ولإبراهيـم الموفـي بـالنـذر إحسـابـا وحامـل الأجـزال
بكره لـم يـكن لصبر عنـه أو يــراه فـي مـعشر أقتـال
أبنـي إنـي نـذرت لله شحـيــطـا فـاصبـر فـدى لك خـالي
فـأجاب الغــلام أن قـال فيـه كل شـيء لله غـير انتحـال
أبتــي إننــي جزيتــك بالله تقيـا بـه علـى كـل حــال
فـاقض مـا قد نذرت لله واكفف عن دمـي أن يـمسه سربـالي
واشدد الصفد لا أحيد عن السكيـن حيد الأسيـر ذي الأغـلال
بينمـا يـخلع السرابيـل عنــه فكـه ربـه بـكبش جــلال
قـال خـذه وأرسل أبنك إني للـذي قد فعلتما غير قـالي
ربمـا تكـره النفـوس من الشر لـه فرجة كحــل العقـال[7][8]

و في بعض أخبار عرب الجاهلية، نجد أن بعض العرب رفضوا الوثنية وتعدد الآلهة واتبعوا الحنيفية والتوحيد التي آمنوا بأنها ديانة أبيهم إسماعيل على حسب قولهم، مثل زيد بن عمرو بن نفيل الذي رفض السجود للات والعزى وقال أنه لا يسجد إلا للكعبة التي سجد إليها إبراهيم وإسماعيل.[9]

وكان عرفا بين قبائل الحجاز في غرب شبه الجزيرة العربية أن تفتتح خطابات المصالحة بين القبائل المتناحرة بعبارة: " نحن آل إبراهيم وذرية إسماعيل ... "، مثلما فعل عبد المطلب بن هاشم عندما كان يحاول المصالحة بين قبيلتي قريش وخزاعة.[10][11]

في الإسلام[عدل]

جزء من سلسلة

الإسلام
توسيط
أنبياء الإسلام في القرآن

رسل وأنبياء

آدم·إدريس
نوح·هود·صالح
إبراهيم·لوط
إسماعيل · اسحاق
يعقوب·يوسف
أيوب
شعيب · موسى ·هارون
يوشع بن نون
ذو الكفل · داود · سليمان · إلياس
عزير
اليسع · يونس
زكريا · يحيى
عيسى بن مريم
محمد بن عبد الله

ع · ن · ت

هاجَر إبراهيم من أرض النهرين (من شمال النهرين من حران)، مع زوجته سارة وابن أخيه لوط، قاصدين مملكة الأقباط، وهناك حدثت قصة الملك مع سارة وأن إبراهيم قال لها: قولي: أنا أخته. وأهدى الملك إياها هاجر ثم خرجوا من مصر.

مضى إبراهيم إلى فلسطين، وفي طريقه وعند وصلوهم قرية سدوم على سواحل البحر الميت، أمر إبراهيم لوطاً أن يسكن تلك القرية، ويدعو أهلها إلى عبادة الله.

أما إبراهيم فقد واصل طريقه مع زوجته سارة وهاجر، إلى أرض فلسطين. رأى إبراهيم وادياً جميلاً تحيطه الراوبي والتلال فألقى رحله هناك. ومنذ ذلك التاريخ وقبل آلاف السنين سكن إبراهيم الأرض التي تدعى اليوم بمدينة الخليل.

ضرب إبراهيم خيامه في ذلك الوادي الفسيح وترك ماشيته ترعى بسلام, كان ذلك الوادي في طريق القوافل المسافرة، لهذا كان يقصده الكثير من المسافرين فيجدون عنده الماء العذب، والطعام الطيب والكرم والاستقبال الحسن، ويجدون عنده الكلمات الطيبة.

كان إبراهيم يتحدث مع ضيوفه، وكان همّه أن يعبد الناس الله الواحد الأحد لا شريك له، ولا معبود سواه.

و تمرّ الأيام والأعوام وعرف الناس إبراهيم الرجل الصالح الكريم. عرفوا أخلاقه وكرمه وحبّه للضيوف، عرفوا صلاحه وعبادته وتقواه، عرفوا حبّه للخير والناس.

منزلته في القرآن الكريم[عدل]

وصفه القرآن أنه من الصابرين ومن الصالحين حيث يقول تعالى: Ra bracket.png وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ Aya-85.png وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ Aya-86.png La bracket.png[12] (سورة الأنبياء، الآيتان 85و86).

الرحيل[عدل]

وهب الله إبراهيم ولداً هو إسماعيل. كان طفلاً محبوباً ملأ قلب أبيه فرحاً ومسرَّة. لهذا كان يحتضنه ويقبّله وكان يقضي بعض أوقاته في خيمة أمّه هاجر.

سارة المرأة الصالحة كانت تحبّ إبراهيم، تحبّ أن يفرح زوجها. ولكنها بدأت تغار من هاجر التي رزقت طفلاً أمّا هي فظلّت محرومة.

سارة لا تريد للغيرة أن تأكل قلبها. لا تريد أن تكره أو تحقد على هاجر بسبب ذلك.

من أجل هذا قالت لزوجها إبراهيم بأنها لا تريد أن ترى هاجر بعد الآن، لأنها إذا رأتها فستغار منها وتحقد عليها وهي لا تريد أن تدخل النار بسبب ذلك.

الله رؤوف بعباده.. كانت سارة محرومة من الأطفال تحمّلت العذاب والهجرة بسبب إيمانها بزوجها إبراهيم وهي صابرة طوال هذه السنين.. ظلّت مؤمنة بربها وبرسوله إبراهيم.

إلى البيت العتيق[عدل]

و شاء الله أن يأخذ إبراهيم هاجر وابنهما إسماعيل إلى أرض بعيدة هي أرض مكة في الجنوب. وامتثل إبراهيم لأمر الله فشدّ الرحال إلى مكة المكرمة التي لم يذهب إليها من قبل. سار إبراهيم مع زوجته هاجر، ومعهما إسماعيل الطفل الرضيع أيّاماً طويلة. وفي كل مرّة وعندما يرى إبراهيم مكاناً جميلاً أو وادياً معشباً كان ينظر إلى السماء، كان يتمنّى أن يكون قد وصل المكان الموعود. لكن الملاك يهبط من السماء ويخبره باستئناف المسير. وبعد أيام طويلة وصلوا أرضاً جرداء عبارة عن وادٍ ليس فيه سوى الرمال، وبعض شجيرات الصحاري الجافّة. في ذلك المكان هبط الملاك وأخبر إبراهيم بأنه قد وصل الأرض المقدسة. نزل إبراهيم في ذلك الوادي. واد خال من الحياة ليس فيه نهر ولا نبع ولا يعيش فيه إنسان. إنها إرادة الله أن يعيش الصبي إسماعيل وامّه في هذا المكان.

الوداع[عدل]

قبّل إبراهيم طفله إسماعيل. بكى من أجله. على إبراهيم أن يعود ويترك هاجر وابنها في هذا المكان بكى إبراهيم من أجلها وهو يبتعد عائداً إلى فلسطين. التفتت هاجر حواليها لم تر شيئاً سوى الرمال وصخور الجبال الصماء. قالت لزوجها: " أتتركنا هنا في هذا الوادي؟ " ولم تغضب لأن من صفات زوجات الأنبياء الصبر. وسألته: " آلله أمرك بهذا؟ " فأشار برأسه أن نعم. فقالت: " ما دام الله قد أمرك فلن يضيعنا. وابتعد إبراهيم بعد أن ودّع ابنه وزوجته. وقف فوق التلال ونظر إلى السماء وابتهل إلى الله أن يحفظهما من الشرور. وقال: Ra bracket.png رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ Aya-37.png La bracket.png[13] (سورة إبراهيم، الآية 37).

اختفى إبراهيم في الافق البعيد. لم تعد هاجر تراه، أمّا إسماعيل فكان رضيعا ولم يكن يعلم ماذا يجري حوله. فرشت هاجر لابنها جلد كبش، وقامت تصنع لها ولطفلها خيمة صغيرة. كانت تعمل بكل طمأنينة، وكأنها في بيتها. كانت تؤمن أن هناك من يرعاها ويرعى وليدها. في النهار تجمع بعض الحطب وفي المساء توقد النار وتصنع لها رغيفاً تتعشّى به، وكانت تسهر معظم الليل وهي تنظر إلى السماء المرصعة بالنجوم. مضت عدّة أيام وهاجر على هذه الحال. نفذ ما معها من ماء، ولم يبق منه في القربة شيء. والوادي الموحش يملأه الصمت. راحت هاجر تدير بصرها في جنبات الوادي. ولكن لا شيء، أيقنت أن هذه أرض جرداء خالية من الماء. لم يمرّ بها إنسان من قبل ولا يطير في سمائها طائر. بكى إسماعيل الطفل الرضيع من العطش يبحث عن قطرة ماء. إنه لا يدرك ما يجري حوله. لا يدري في أي مكان هو في هذه الأرض. نظرت أمّه إليه باشفاق. ماذا تفعل؟ من أين لها أن تأتي بالماء في هذه الصحراء؟! فجأة تفجَّرت في قلبها إرادة الأمومة. لا بدّ أن تفعل شيئاً. لا بد أن يوجد في هذه الأرض ماء ولو قطرة. لعل في خلف هذا الجبل غديرا أو نبعا. لعل خلف ذاك التلّ بئرا حفره إنسان طيّب من أجل القوافل المسافرة. نهضت هاجر، ونظرت حواليها لتتأكد من عدم وجود ذئب أو ضبع يفترس ابنها الرضيع. لا شيء سوى شجيرات الشوك هنا وهناك. ركضت باتجاه جبل الصفا. كانت تركض بعزم وأمل وكان هناك خوف في قلبها. فقد يختطف ذئب صغيرها الظامئ إسماعيل. كان صراخ إسماعيل يدوّي في أذنها. ارتقت هاجر قمّة جبل الصفا. فنظرت في الوادي. رأت ما يشبه تموجات الماء. انحدرت باتجاه الوادي. ولكن لا شيء، رمال ومآل. لقد كان ما رأته في قلب الوادي مجرد سراب. عادت تركض نحو طفلها إسماعيل. ما يزال يبكي يصرخ يريد ماءً. نظرت إلى جبل المروة في أمل لعلها تجد هناك ماءً. راحت تركض بأقصى سرعة. وكانت الرمال تتطاير تحت قدميها. تراءى لها ما يشبه الماء. ركضت. وركضت بسرعة. ولكن لا شيء سوى السراب. انقطع بكاء إسماعيل غاب عن بصرها. عادت بسرعة. رأته من بعيد يبكي. ما يزال يطلب الماء. وربّما كان يبحث عن أمّه. كان خائفاً. راحت هاجر تعدو بين جبل الصفا وجبل المروة تبحث عن ماء لوليدها إسماعيل. سيموت من الظمأ، سيموت من العطش. نظرت إلى السماء صاحت من كل قلبها: " يا رب! " ارتقت جبل المروة غاب إسماعيل عن بصرها. انقطع بكاؤه. خافت أن يكون قد مات. ربّما افترسه ذئب جائع. أقبلت تعدو بكل ما أُوتيت من قدرة رأت من بعيد إسماعيل هادئاً كان يحرّك يديه وقدميه وكان هناك نبع قد تفجّر عند قدميه الصغيرتين. نظرت هاجر إلى السماء وهي تبكي، لقد استجاب الله دعوتها فتدفق الماء من قلب الرمال. أسرعت هاجر لتصنع حوضاً حول الماء. ليكون فيما بعد بئر زمزم.

قبيلة جرهم[عدل]

رأت الطيور الماء فراحت تدور حول النبع سعيدة. فرحت هاجر بمنظر الطيور البيضاء وهي تحلق في سماء الوادي. إسماعيل أيضاً كان سعيداً وهو يراها تلعب في الفضاء. كان السكان في تلك الصحاري يعيشون حياة الرحّل. ذات يوم مرّت قبيلة جرهم من اليمن قريباً من الوادي فرأى الناس طيوراً تحلق في السماء فعرفوا أنّ في ذلك الوادي ماء. فتوجهوا نحوه. عندما انحدرت قوافلهم في الوادي شاهدوا منظراً عجيباً لم يكن هناك سوى امرأة مع ابنها الرضيع. قالت لهم المرأة: " أنا هاجر زوجة إبراهيم خليل الرحمن ". كان أفراد قبيلة جرهم أُناساً طيبين. قالوا لهاجر: " هل تسمحين لنا في السكن في هذا الوادي؟ " فأجابتهم: " حتى أستأذن لكم خليل الرحمن ". ضرب أفراد جرهم خيامهم قريباً من الوادي ريثما يأتي إبراهيم فيستأذنوه. جاء إبراهيم ورأى مضارب الخيام. رأى قطعان الماشية والجمال لهذا فرح بقدوم تلك القبيلة اليمنية العربية. ومنذ ذلك الوقت استوطنت قبيلة جرهم الوادي وعاش إسماعيل وهاجر حياة طيبة. أفراد القبيلة قدّموا لإسماعيل كثيراً من الخراف، وضربوا له ولوالدته خيمة جميلة تقيهم حرّ الشمس صيفا وتحميهم من المطر شتاء. كبر إسماعيل وتعلّم لغة العرب. كان فتى طيباً ورث أخلاق أبيه إبراهيم وتأثَّر بأخلاق العرب الطيبين تعلّم منهم الكرم والضيافة والشجاعة والفروسية.

بناء الكعبة[عدل]

أمر الله إبراهيم أن يبني الكعبة بيت الله الحرام ليكون رمزاً للتوحيد ومكاناً لعبادة الله. قال إبراهيم لولده: إنّ الله يامرني أن أبني بيته فوق هذا التل الصغير!. لبّى إبراهيم أمر الله ولبّى إسماعيل دعوة أبيه لبناء بيت الله. كان على إبراهيم الشيخ الكبير وإسماعيل الفتى أن ينهضا بهذه المهمة الشاقة. فعليهما أولاً أن ينقلا الصخور المناسبة للبناء من الجبال المحيطة بالوادي، وعليهما أن يجمعا التراب ويوفرا الماء الكافي لصنع الملاط اللازم في بناء البيت. وبدآ البناء، فنقلوا أوّلاً الصخور من الجبال المحيطة بالوادي وصنعا حوضاً للماء وجمعا التراب. كان الفتى إسماعيل يتولّى حمل الصخور، وكان يختار من بينها الصلبة لتكون أساساً قوياً للبناء. جمع كثيراً من الصخور خضراء اللون، ثم صبَّ الماء في حوض التراب ليصنع طيناً لزجاً يشدّ الصخور إلى بعضها. وكان إبراهيم يرصف الصخور الخضراء الواحدة بعد الأخرى ليبني أساس البيت، وابنه إسماعيل يناوله الصخور. في كل يوم كانا يبنيان سافاً واحداً، ثم يعودا في اليوم التالي لبناء ساف آخر وهكذا. وكل يوم كان البناء يرتفع قليلاً قليلاً. وفي كل يوم كان إبراهيم وإسماعيل يطوفان حول البيت ويقولان: ربّنا تقبل منّا إنك أنت السميع العليم. وارتفع البيت في السماء تسعة أذرع أي ما يقارب الثمانية أمتار، رأى إبراهيم فراغاً في زارية البيت العليا. وفي تلك الليلة كانت الشهب تتوهّج في السماء وسقط نيزك فوق سفوح الجبال القريبة. وفي الصباح، انطلق إبراهيم إلى الجبل المطلّ على الوادي وقعت عيناه على حجر أبيض مثل الثلج كان حجراً بحجم الفراغ، فحمله ووضعه في مكانه.

انتهى بناء البيت، بيت الله الحرام ليكون أول بيت يعبد فيه الله وحده لا شريك له. كان للكعبة بابان باب شرقي وآخر غربي. جمع إبراهيم نباتاً طيب الرائحة يدعى " الأذخر " فوضعه على الباب، وجاءت هاجر أم إسماعيل وأهدت إلى الكعبة كساءً.

الحج الإبراهيمي[عدل]

انطلق إبراهيم إلى الجبل وارتقى القمّة ثم هتف بأعلى صوته يدعو الأجيال البشرية إلى حج البيت العتيق. سمعت قبيلة جرهم والقبائل العربية المجاورة نداء إبراهيم خليل الرحمن. لم يحج ذلك العام سوى إبراهيم وإسماعيل وهاجر. هبط الملاك جبريل يُعلّم إبراهيم مناسك الحج. اغتسلوا بمياه زمزم وارتدوا ثياباً بيضاء ناصعة وبدؤوا طوافهم حول الكعبة سبع مرات، وأدّوا الصلاة ودعوا الله أن يتقبل منهم أعمالهم. وبعدها انطلقوا لقطع الوادي بين جبلي الصفا والمروة وتذكرت هاجر تفاصيل ذلك اليوم قبل أكثر من اثني عشر عاماً عندما كان إسماعيل صبياً في المهد. تذكّرت بكاءه وبحثها عن الماء. تذكّرت كيف قطعت هذا الوادي الموحش سبعة أشواط تبحث عن الماء وكيف توجهت بقلبها إلى السماء، وكيف تدفق الماء عند قدمي إسماعيل! الله ربّنا أراد لهذه الحوادث أن تبقى في ذاكرة البشر، يتذكّروا دائماً أن الله هو وحده القادر على كل شيء. صعد إبراهيم وابنه إسماعيل جبل الصفا ونظرا إلى بيت الله بخشوع وهتفا: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ".

القربان[عدل]

هبط الملاك جبريل وأمر إبراهيم ان يتزوّد بالماء ثم يذهب إلى جبل عرفات ومنى، ومن ذلك الوقت سمّي يوم الثامن من ذي الحجة الحرام بيوم التروية.

أمضى إبراهيم ليلته هناك.. نظر إلى السماء المرصّعة بالنجوم.

نظر إلى ما خلق الله من الكواكب التي تشبه المصابيح فسجد لله الخالق البارئ المصور له اللأسماء الحسنى يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

أغمض إبراهيم عينيه ونام.. في عالم المنام رأى إبراهيم شيئاً عجيباً‍!!‍ ‍‍

رأى نفسه يذبح ولده إسماعيل.. انتبه من نومه..كانت السماء ما تزال زاخرة بالنجوم ورأى ابنه نائماً عاد إبراهيم إلى نومه..

مرّة أخرى تكررت ذات الرؤيا.. رأى نفسه يذبح ابنه ويقدمه قرباناً إلى رب العالمين !!‍‍‍‍

استيقظ إبراهيم وقد انفلق عمود الفجر.. توضأ وصلى.. واستيقظ إسماعيل فتوضأ وصلى طلعت الشمس وغمرت التلال بالنور.

كان إبراهيم حزيناً.. ان الله يمتحنه مرّة أخرى.. يمتحنه هذه المرّة يذبح ابنه.. ماذا يفعل ؟

لو أمره الله سبحانه بان يقذف نفسه في النار لفعل، ولكن ماذا يفعل في هذه المرّة عليه أن يذبح ابنه ؟! ترى ماذا يفعل ؟ هل يخبر ابنه بذلك هل يذبحه عنوة واذا أخبر ابنه هل يقبل ابنه بالذبح، هل يتحمل إسماعيل آلام الذبح ‍؟

إسماعيل رأى أباه حزيناً فقال له :

ـ لماذا أنت حزين يا أبي ؟

قال إبراهيم :

ـ هناك أمر أقلقني.. يا بني إنّي ! أرى في المنام أنّي أذبحك فماذا ترى ؟

أدرك إسماعيل أن الله يأمر رسوله إبراهيم أنّ يضحي بولده.. إسماعيل كان يحب أباه كثيراً يعرف أنّ أباه لا يفعل شيئاً الاّ بأمر ربّه.. انه خليل الرحمن الذي امتحنه الله عندما كان فتى في بابل وحتى بعد أن أصبح شيخاً كبيراً.

عرف إسماعيل أن الله يمتحن خليله إبراهيم.. لهذا قال له :

ـ يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين.

إبراهيم فرح بذلك كان إسماعيل ولداً بارّاً مطيعاً ومؤمناً بالله ورسوله.

الذبيح[عدل]

أخذ إبراهيم مدية وحبلاً وذهب إلى أحد الوديان القريبة..

كان إسماعيل يرافق أباه ساكتاً يهيّأ نفسه للحظة الذبح، ويدعو الله أن يمنحه الصبر لتحمل الآلام في سبيله..

هاجر عندما رأت إبراهيم وإسماعيل قد انطلقا نحو الوادي، فكّرت انهما ذهبا لجمع الحطب..

وصل إبراهيم وإسماعيل الوادي..

نظر إسماعيل إلى أبيه كانت عيناه مليئتان بالدموع.. هو أيضاً بكى من أجل ابيه الشيخ ـ فأراد أن ينهي الأمر بسرعة قال لأبيه :

ـ يا أبي احكم وثاقي، واكفف ثيابك حتى لا تتلطخ بالدم فتراه أمي.. يا أبي واشحذ السكين جيداً وأسرع في ذبحي فان آلام الذبح شديدة.

بكى إبراهيم وقال :

ـ نِعْمَ العون أنت يا بني على أمر الله.

أحكم إبراهيم الوثاق على كتفي إسماعيل.. كان إسماعيل مستسلماً تماماً لأمر الله.

اغمض عينيه.. إبراهيم أمسك بجبين ولده وأحناه إلى الأرض.

جثا إسماعيل الفتى بهدوء كان يودع الحياة، يودع أمه وأباه.. وضع إبراهيم السكين على عنق إسماعيل.. لحظة واحدة وينتهي كل شيء.

ماذا حصل في تلك اللحظات المثيرة ؟! هل ذُبح إسماعيل ؟ كلاّ.

سمع إيراهيم نداءً سماوياً.. يأمره بذبح كبش فداءً لإسماعيل..

نظر إبراهيم إلى جهة الصوت.. فرأى كبشاً سميناً ينزل من فوق قمة الجبل.. كان كبشاً أملح له قرون !

حلَّ إبراهيم الوثاق عن ابنه إسماعيل.. ثم قدَّم الكبش وذبحه باسم الله وقدّمه قرباناً إلى ربّنا الرحيم.

و من ذلك اليوم أصبح تقديم الاضاحي من مناسك الحج.

المسلمون في كل مكان يذهبون لزيارة بيت الله.. البيت الذي بناه إبراهيم وإسماعيل لعبادة الله.. يطوفون حوله ويمجّدون اسمه.. ويسعون بين الصفا والمروة كما سعت هاجر من قبل، ويُقدِّمون القرابين كما قدّم إبراهيم قرباناً من قبل.. يفعلون ذلك لأنهم على دين إبراهيم ودين إبراهيم هو دين الإسلام الحنيف.

أنا ابن الذبيحين :

هل تعلمون من قال هذه العبارة ؟

إنّه محمد,..

من ذرّيته عبد المطلب جدّ محمد وهو الذي حفر زمزم وفي عهده هاجم الجيش الحبشي مكة لتدمير الكعبة فدعا عبد المطلب الله أن يحمي البيت الحرام من شرّ الأعداء واستجاب الله دعاء حفيد إبراهيم وإسماعيل وأرسل طيراً أبابيل قصفت جيش ابرهة الحبشي ومزقته..

دعا عبد المطلب الله ان يرزقه عشرة بنين ونذر إن رزقه الله ذلك أن يذبح أحدهم قرباناً لله..

الله رزق عبد المطلب عشرة أبناء.. فقال عبدالمطلب :

ـ لقد رزقني الله عشرة أبناء وعليّ أن أفي بالنذر.

اقترع عبد المطلب بين بنيه العشرة فخرجت القرعة على عبد الله والد محمد فأراد عبد المطلب أن يذبح ابنه وفاءً بنذره.

أهل مكّة كانوا يحبّون عبد الله كثيراً لهذا قالوا لعبد المطلب : لا تذبح إبنك واقرع بينه وبين الابل.. واعط ربّك حتى يرضى..

و هكذا كان عبد المطلب بقرع بينه وبين عشرة من الابل فتخرج القرعة على عبد الله حتى أصبح عدد الابل مئة وعندها خرجت القرعة على الابل.. لقد رضي الله بالفداء.

فأمر عبدالمطلب بالابل ان تنحر وأن يوزع لحومها على الفقراء والجياع.

لقد كان عبد الله على وشك أن يذبح ولكن الله رضي بفدائه فهو كإسماعيل الذي افتداه الله بذبح عظيم.

لهذا كان محمد يقول : أنا ابن الذبيحين، لأنه ابن عبد الله بن عبد المطلب الذي هو من ذريّة ذبيح الله إسماعيل.

و اليوم عندما يذهب المسلمون كل عام إلى مكة لأداء مراسم الحج فانهم يتذكرون جميعاً قصة إسماعيل.

Ra bracket.png وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ Aya-99.png رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ Aya-100.png فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ Aya-101.png فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ Aya-102.png فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ Aya-103.png وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ Aya-104.png قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ Aya-105.png إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ Aya-106.png وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ Aya-107.png وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ Aya-108.png La bracket.png[14] (سورة الصافات، الآيات 99-108).

المصادر[عدل]

  1. ^ نسبة العرب إلى إسماعيل بن إبراهيم - من كتاب البداية والنهاية - المكتبة الإسلامية
  2. ^ سفر التكوين، إصحاح 17.
  3. ^ سفر التكوين، إصحاح 25.
  4. ^ سفر التكوين، إصحاح 36:3.
  5. ^ سفر التكوين، إصحاح 28:9.
  6. ^ سفر التكوين، إصحاح 25:9.
  7. ^ خزانة الأدب، البغدادي، باب الشاهد السابع والثلاثون بعد الأربعمائة.
  8. ^ البدء والتاريخ، (البدء والتأريخالمطهر بن طاهر المقدسي، المجلد الثالث، الباب العاشر.
  9. ^ البداية والنهاية، ابن كثير، المجلد الثالث، الصفحة 323.
  10. ^ جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة، أحمد زكي صفوت، (1/75).
  11. ^ أعلام النبوة، أبو الحسن المارودي، الباب الثامن عشر، الصفحة 215.
  12. ^ القرآن الكريم، سورة الأنبياء، الآيتان 85و86
  13. ^ القرآن الكريم، سورة إبراهيم، الآية 37
  14. ^ القرآن الكريم، سورة الصافات، الآيات 99-108

طالع كذلك[عدل]