تقسيم الدولة العثمانية

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
نسخة 1927 من خريطة معاهدة سيفر التي استخدمتها مجلس الأمة التركي الكبير (تم استعادتها لاحقًا)

فترة تقسيم الدولة العثمانية (مابين هدنة مودروس في 30 أكتوبر 1918 - إلى إلغاء السلطنة العثمانية في 1 نوفمبر 1922) كان حدث سياسي جرى بعد الحرب العالمية الأولى واحتلال القوات البريطانية والفرنسية والإيطالية إسطنبول في نوفمبر 1918. فقد أبرمت دول الحلفاء منذ بداية الحرب العالمية الأولى العديد من الاتفاقيات وخططت لهذا التقسيم[1] ولا سيما اتفاقية سايكس بيكو.

عندما لاحت الحرب العالمية في الأفق سعت الدولة العثمانية للحماية، ولكن رفضت كلا من بريطانيا وفرنسا وروسيا ذلك، وفي النهاية شكل الحلف العثماني الألماني[2]. حيت تم تقسيم التكتل الضخم من الأراضي والشعوب التي كانت تكون الدولة العثمانية إلى عدة دول جديدة.[3][4]. أدى التقسيم إلى إنشاء دول عربية وجمهورية تركيا. وتقاسمت كل من فرنسا وبريطانيا حسب سايكس بيكو سوريا العثمانية والعراق حيث تولّت فرنسا منطقة شمال سوريا العثمانية التي قسّمتها إلى سوريا ولبنان، كما تولّت بريطانيا حكم كل من العراق والمنطقة الجنوبية لسوريا العثمانية (والتي قسمت في وقت لاحق إلى قطاعين: فلسطين وإمارة شرق الأردن). كما أنشئت في أجزاء من شبه الجزيرة العربية كل من سلطنة نجد (المملكة العربية السعودية اليوم) والمملكة المتوكلية اليمنية. وبقيت محميات بريطانية (الكويت والبحرين وقطر) التي أصبحت دول الخليج العربي. جاءت مقاومة نفوذ تلك القوى الغازية أولا من الحركة التركية الوطنية لكنها لم تنتشر في دول مابعد العهد العثماني إلا بعد الحرب العالمية الثانية.

يعتقد العديد من المحللين أن البناء الجبري لدول مثل العراق (من ثلاث محافظات متباينة من الإمبراطورية العثمانية) وفلسطين والتقسيم القسري لسوريا على طول الخطوط المجتمعية كان جزءًا من الاستراتيجية أوسع لضمان الاقتتال الداخلي في الشرق الأوسط. مما يستلزم دور القوى الاستعمارية الغربية (في ذلك الوقت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا) كوسطاء سلام وموردي أسلحة[5]. وأشارت مراكز الفكر في واشنطن إلى هذه الاستراتيجية باسم السلام السوري [الإنجليزية] (Pax Syriana)[6][7].

بعد الانهيار الكامل للحكومة العثمانية، اجبر ممثلوها على توقيع معاهدة سيفر سنة 1920. إلا أن حرب الاستقلال التركية فرضت على القوى الأوروبية العودة إلى طاولة المفاوضات والاتفاق على معظم القضايا الإقليمية مرة أخرى. فصادق الأوروبيون مع مجلس الأمة التركي الكبير على معاهدة لوزان الجديدة في 1923، التي حلت محل معاهدة سيفر المذلة. ولكن بقيت مسألة النزاع على الموصل بين المملكة العراقية وجمهورية تركيا واحدة من المشاكل التي لم يحسم أمرها إلا سنة 1926 داخل عصبة الأمم. وتعرض الشام للتقسيم بين بريطانيا وفرنسا حسب اتفاقية سايكس بيكو[8]. شجع إعلان بلفور الحركة الصهيونية العالمية بالتحرك لإقامة وطن لليهود في فلسطين. أما روسيا فقد كانت جزءًا من الوفاق الثلاثي، إلا أنها أبرمت اتفاقيات زمن الحرب منعتها من المشاركة في تقسيم الإمبراطورية العثمانية بعد الثورة الروسية. واعترفت معاهدة سيفر بتفويض عصبة الأمم الجديد في المنطقة واستقلال اليمن والسيادة البريطانية على قبرص.

إحدى البوارج الألمانية تفر هاربة إلى داخل البحر الأسود، وتبدو في الخلفية السفن البريطانية في إثرها.

الخلفية[عدل]

لطالما اعتقدت القوى الغربية أنها ستهيمن بالنهاية على المنطقة التي كانت تحكمها حكومة مركزية ضعيفة للدولة العثمانية. وكان من المنتظر من بريطانيا الدخول في هذا الصراع لأنها بحاجة إلى تأمين المنطقة بسبب موقعها الاستراتيجي باتجاه إلى مستعمرة الهند [الإنجليزية]، وقد قيدت نفسها في صراع مع روسيا من أجل التأثير الإمبريالي المعروف باسم اللعبة الكبرى[9]. إلا أن تلك القوى قد اختلفت أهدافها بعد الحرب فعقدت عدة اتفاقيات ثنائية وثلاثية[10].

الحرب العالمية الأولى (1914–1918)[عدل]

جنود روس يتفقدون جثث جنود عثمانيين قضوا أثناء حملة القوقاز على الجبهة الشرقية.
ترحيل أرمن من الازيغ بالأناضول الشرقية إلى الشام.

انطلقت شرارة الحرب الأولى في 28 يونيو عام 1914م عندما كان الأرشيدوق فرانز فرديناند، وليّ عهد العرش النمساوي المجري يقود سيارته في مدينة سراييڤو في البوسنة الخاضعة للنمسا، فاغتاله أحد القوميين الصرب، فاعتبرت الإمبراطورية النمساوية المجرية صربيا مسؤولة عن هذا الاغتيال، فتدخلت روسيا لدعم صربيا مدعومة من فرنسا وتحركت ألمانيا ضدهما، وما لبثت أن دخلت بريطانيا الحرب بعد ذلك بفترة قليلة، ومن ثم تشكلت الأحلاف، فدخلت الدولة العثمانية الحرب إلى جانب معسكر دول المحور، أي ألمانيا والنمسا وبلغاريا،[11] بعد أن فقد العثمانيون الأمل في محاولات التقارب مع بريطانيا وفرنسا، وفشلوا في الحصول على قروض عاجلة منهما لدعم الخزينة، وعُزلت الدولة سياسيًا بعد حروب البلقان وإيطاليا؛ فلم يكن لهم سوى خيار التقارب مع ألمانيا التي رأت مصلحتها في "الانتشار نحو الشرق".[12] وفي 10 أغسطس سنة 1914م، دخلت الدولة العثمانية الحرب بشكل فعليّ،[13] بعد أن سمحت لبارجتين ألمانيتين كانتا تطوفان البحر المتوسط، بعبور مضيق الدردنيل نحو البحر الأسود هربًا من مطاردة السفن البريطانية.[14] وخطا الباب العالي خطوة هامة باتجاه الاشتراك بالحرب، حيث أعلن الصدر الأعظم إلغاء الامتيارات الأجنبية، ملبيًا بذلك إحدى المطالب الرئيسية للقوميين الأتراك، ثم اتخذ خطوة أخرى في طريق التحدي بإغلاقه المضائق بوجه الملاحة التجارية، كما ألغى مكاتب البريد الأجنبية وجميع السلطات القضائية غير العثمانية.[12] بعثت الانتصارات الألمانية الخاطفة على الجبهة الروسية الأمل في نفوس الاتحاديين، بشأن إمكانية استعادة الأراضي العثمانية المفقودة لصالح روسيا المهزومة، فهاجم الأسطول العثماني الموانئ الروسية في البحر الأسود، وقد شكّل ذلك أمرًا واقعًا زج بالدولة العثمانية في الحرب، فأعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية، واقتدت بها كل من بريطانيا وفرنسا، وردّ السلطان محمد الخامس بإعلان الحرب، ودعا المسلمين إلى الجهاد، إلا أن ذلك لم يتحقق، فأغلب مسلمي العالم كانوا يزرحون تحت نير الاستعمار البريطاني أو الفرنسي، وكانت السلطات الاستعمارية قد جندت بعضًا منهم أيضًا في جيوشها.[12] خاضت الجيوش العثمانية الحرب على جبهات متعددة من دون استعداد كامل، فعلى الجبهة الروسية مُنيت الحملة العثمانية بهزيمة فادحة، حيث فتك القتال والصقيع والوباء بتسعين ألف جندي عثماني، وفي الجنوب نزل البريطانيون في الفاو على الخليج العربي واستولوا على العراق، أما عملية قناة السويس فجرت قبل الموعد المحدد، وفيها اتفق العثمانيون مع المصريين على قتال البريطانيين، لكنها أسفرت عن هزيمة العثمانيين وأودت بحياة الكثيرين دون طائل. وقام أسطول الحلفاء بمهاجمة مضيق الدردنيل في خطوة للاستيلاء على الآستانة وإخراج الدولة العثمانية من الحرب، وإمداد الجبهة الروسية،[15] لكن هذا الأسطول الضخم عجز عن اجتياز المضيق وهزم العثمانيون طاقمه هزيمة كبيرة في معركة بريّة، كانت النجاح الوحيد لهم في مقابل سلسلة من الإخفاقات، وبرز في هذه المعركة القائد مصطفى كمال.[12]

وأثيرت أثناء المعارك، التي اندلعت على الجبهة الشرقية وهجوم الحلفاء في الدردنيل وغاليبولي، قضية الأرمن مرة أخرى، إذ قام الاتحاديون بنقل سكان المناطق الأرمنية في ولايات الشرق وكيليكيا والأناضول الغربية إلى بلاد الشام، بهدف تأمين حياة السكان المدنيين وحماية القوات المسلحة من خيانة محتملة من جانب العناصر الموالية لروسيا.[12] وكان بعض الأرمن قد تطوعوا في الجيش الروسي،[16] وقتلوا عددًا من السكان المسلمين في الأناضول الشرقية، ونتيجة لذلك تعرّض المرحلون لعمليات تعذيب وقتل فيما أصبح يُعرف باسم "مذابح الأرمن".[17][18][19] بعد فشل الحملة العثمانية على مصر، جرت اتصالات سريّة بين البريطانيين في مصر وشريف مكة حسين بن علي الهاشمي، وبعض الزعماء العرب، وتمّ الاتفاق بين الفريقين على أن يثور العرب على الأتراك وينضموا إلى الحلفاء مقابل وعد من هؤلاء بمنح العرب الاستقلال وإعادة الخلافة إليهم. وتنفيذًا لهذا الاتفاق أعلن شريف مكة حسين في يونيو سنة 1916م الثورة العربية على الأتراك، فأخرجهم من الحجاز وأرسل قوّاته شمالاً بقيادة ولديه فيصل وعبد الله لتشارك القوات البريطانية في السيطرة على بلاد الشام.[20] وفي غضون ذلك سُحقت المقاومة البلغارية في البلقان، مما أرغم حكومة صوفيا على طلب الهدنة، فأدرك الباب العالي خطورة الموقف، لأن الحرب أضحت قريبة من الأراضي التركية، ويمكن للعدو أن يتغلغل بحريّة في تراقيا الشرقية ويزحف حتى أبواب الآستانة، فأبرم العثمانيون معاهدة مودروس مع الحلفاء، خرجوا بموجبها من الحرب.[12]

الانتداب الفرنسي[عدل]

أصبحت سوريا ولبنان تحت الحماية الفرنسية (تم تغطيتها بأنها انتداب من عصبة الأمم)[21]. قوبلت السيطرة الفرنسية على الفور بالمقاومة المسلحة، وللقضاء على القومية العربية، قسمت فرنسا منطقة الانتداب إلى لبنان وأربع دول فرعية التي اتحدت فيما بعد مكونة سوريا[22].

انتداب سوريا[عدل]

يمكن تقسيم الانتداب إلى عدة مراحل تاريخية، بدءاً من اعلان المملكة العربية السورية ثم معركة ميسلون التي افضت إلى دخول القوات الفرنسية، ثم تقسيم البلاد سنة 1920 وإخضاعها للحكم المباشر، إلى الوحدة بين دمشق وحلب في الدولة السورية عام 1925، فتمخّضت الثورة السورية الكبرى عن انتخابات الجمعية التأسيسية التي وضعت دستور عام 1930 الذي أعلنت بموجبه الجمهورية السورية الأولى، أما الإضراب الستيني فقد أفضى أواخر عهد محمد علي العابد إلى وحدة البلاد ومعاهدة الاستقلال، غير أن فصل لواء إسكندرون واحتجاجات 1939 وكذلك الحرب العالمية الثانية أدت إلى توقيف العمل بالدستور وإعادة البلاد للحكم المباشر، وقد خضعت البلاد لحكومة فيشي حتى عام 1941 حين سيطر عليها الحلفاء، وأعلن شارل ديغول استقلالها وإعادة العمل بالدستور، وبعد الحرب العالمية الثانية أدت انتفاضة الاستقلال إلى تحقيق جلاء الفرنسيين عن كامل التراب السوري.

انتداب لبنان[عدل]

كان لبنان الكبير هو اسم أطلقته فرنسا على الإقليم الذي أنشأته غرب مدينة دمشق. فقد كانت موجودة بين 1 سبتمبر 1920 و 23 مايو 1926. حيث اقتطعت فرنسا أراضيها من كتلة بلاد الشام (بتكليف من عصبة الأمم) من أجل خلق "ملاذ آمن" للسكان المسيحيين الموارنة. حصل الموارنة على حكمهم الذاتي وحصلوا على مركزهم في لبنان المستقل سنة 1943.

بدأ التدخل الفرنسي نيابة عن الموارنة بامتيازات من الدولة العثمانية، والاتفاقات المبرمة خلال القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر. وفي سنة 1866 قاد يوسف بك كرم الانتفاضة المارونية في جبل لبنان، فوصلت قوة بحرية فرنسية للمساعدة حيث وجهت تهديدات ضد متصرفها داود باشا، وبعد ذلك نقل كرم إلى بر الأمان.

الانتداب البريطاني[عدل]

تمكن البريطانيون من انتداب ثلاثة أقاليم. فقد نصبت الأمير فيصل بن الحسين أحد أبناء الشريف حسين ملكا على العراق. أما شرق الأردن فقد منحت عرشه لإبن الشريف الآخر عبد الله. وضعت فلسطين المنتدبة تحت الإدارة البريطانية المباشرة، وسُمح لليهود بالهجرة والاستيطان فيها تحت الحماية البريطانية. سقطت معظم شبه الجزيرة العربية أمام حليف بريطاني آخر هو ابن سعود الذي أنشأ المملكة العربية السعودية سنة 1932.

انتداب العراق[عدل]

بموجب اتفاقية سايكس بيكو لسنة 1916 أعطيت الموصل لفرنسا، ولكن ضمت لاحقًا لبريطانيا بموجب اتفاقية كليمنصو-لويد جورج سنة 1918. ولكن حدث اشكالية بين بريطانيا العظمى وتركيا في مطالبة الأخيرة بولاية الموصل العثمانية في عقد 1920. بموجب معاهدة لوزان خضعت الموصل سنة 1923 للانتداب البريطاني على العراق. إلا أن الجمهورية التركية الجديدة ادعت أن الولاية هي جزء من معقلها التاريخي. ذهبت لجنة من عصبة الأمم مؤلفة من ثلاثة أشخاص إلى المنطقة في 1924 لدراسة الحالة وأوصت سنة 1925 بأن تظل الموصل مرتبطة بالعراق، وعلى المملكة المتحدة أن تبقي منتدبة لـ 25 عامًا أخرى لضمان الحقوق المستقلة للسكان الكرد. ولكن رفضت تركيا هذا القرار. ومع ذلك فقد عقدت بريطانيا والعراق وتركيا اتفاقا في 5 يونيو 1926 الذي خضع في معظمه لقرار مجلس عصبة الأمم. لذلك بقيت الموصل تحت الانتداب البريطاني للعراق حتى نيل استقلاله في سنة 1932 بناءً على طلب الملك فيصل، على الرغم من أن البريطانيين احتفظوا بقواعد عسكرية وحق العبور لقواتهم في البلاد.

انتداب فلسطين[عدل]

استسلام القدس للبريطانيين في 9 ديسمبر 1917 بعد معركة القدس

أصدرت بريطانيا خلال الحرب العظمى ثلاثة بيانات متناقضة، ولكن متوافقة فيما يتعلق بطموحاتهم لفلسطين. فقد دعمت بريطانيا من خلال ضابط المخابرات البريطاني ت. إ. لورنس (المعروف أيضًا باسم لورانس العرب) على إنشاء دولة عربية موحدة تغطي مساحة كبيرة من الشرق الأوسط العربي مقابل الحصول على دعم عربي للبريطانيين خلال الحرب. شجع إعلان بلفور لسنة 1917 طموحات اليهود في إقامة وطن قومي. أخيرًا وعد البريطانيون عبر مراسلات حسين مكماهون بأن الأسرة الهاشمية سيكون لها السيادة على معظم الأراضي في المنطقة مقابل دعمها للثورة العربية الكبرى.

أدت الثورة العربية إلى هزيمة القوات العثمانية سنة 1917 أمام القوات البريطانية بقيادة الجنرال إدموند ألنبي في حملة سيناء وفلسطين واحتلال فلسطين وسوريا. وقد حكم البريطانيين تلك الأراضي إلى نهاية الحرب.

مُنِحَت للمملكة المتحدة السيطرة على فلسطين من خلال مؤتمر فرساي للسلام الذي أنشأ عصبة الأمم سنة 1919. أما هربرت صموئيل مدير عام البريد السابق في مجلس الوزراء البريطاني الذي كان له دور فعال في صياغة وعد بلفور، فقد عين أول مفوض سامي في فلسطين. وفي 1920 بمؤتمر سان ريمو في إيطاليا أعطي لبريطانيا انتداب عصبة الأمم على فلسطين. وفي 1923 نقلت بريطانيا جزءًا من مرتفعات الجولان إلى الانتداب الفرنسي لسوريا مقابل منطقة المطلة.

حركات الإستقلال[عدل]

حرب الاستقلال التركية (1919–1922)[عدل]

مظاهرة في الآستانة منددة بالاحتلال بتاريخ 23 مايو سنة 1919.

توفي السلطان محمد الخامس قبل أشهر من انتهاء الحرب، وخلفه أخاه محمد "وحيد الدين" السادس. وبعد مرور شهر على توقيع هدنة مودروس، دخلت البحرية البريطانية والفرنسية والإيطالية ثم الأمريكية إلى القرن الذهبي، وأنزلت قواتها في الآستانة التي حوّلتها إلى قاعدة لنشاط الحلفاء في المنطقة كلها. سيطر الحلفاء على موانئ البحر الأسود كلها، واقتسموا الأراضي التركية، فاحتل الفرنسيون مرسين وأضنة، والإيطاليون أنطاكية وكوشا داسي وقونية، واحتل اليونانيون القسم الغربي من الأناضول، بالإضافة إلى تراقيا.[23] كان ردّ الفعل الداخلي لاتفاق الهدنة سلبيًا، فقد رفض الأتراك الخضوع للاحتلال والقبول بمشاريعه، فقامت ثورة وطنية في جميع أنحاء البلاد احتضنتها الحركة الوطنية بزعامة القائد مصطفى كمال،[24] والتي عُرفت باسمه "الحركة الكماليّة"، لتواجه خضوع الحكومة لرغبات الحلفاء وتعاون السلطان محمد السادس مع المحتلين، ومحاولات اليونان توسيع المناطق التي احتلتها، وازدياد الثورات الأرمنية. وعقدت الحركة الكمالية مؤتمرات عديدة في طول البلاد وعرضها لاستنهاض الوعي القومي وإنقاذ البلاد من التقسيم، وتشكّلت حكومة وطنية برئاسة مصطفى كمال بهدف إقامة دولة تركية مستقلة، ألغت جميع القوانين والتعليمات التي أصدرتها الحكومة السابقة، ووضعت السلطان وحكومته خارج إطار القانون.[23] وقد حاول السلطان القضاء على هذه الحركة فلم يُفلح.

السلطان محمد "وحيد الدين" السادس، آخر سلاطين بني عثمان، يغادر البلاد إلى المنفى في سنة 1922.

وفي تلك الفترة فُرضت معاهدة سيڤر على السلطان، التي مزّقت أوصال الدولة، وقد وقّع عليها مرغمًا، في حين رفضتها الحكومة الكمالية، ووضعت مخططًا لإنقاذ تركيا بمعزل عن السلطان. تمكّن مصطفى كمال بعد جهود مضنية واصطدامات شديدة مع اليونانيين، من الانتصار، فاستعاد كمال الأراضي التي احتلوها، وفرض على الحلفاء توقيع هدنة جديدة اعترفت فيها اليونان بانتصارات تركيا،[23] فأضحى مصطفى كمال بطلاً قوميًا، وبرز في الواجهة السياسية في حين ظل السلطان في الظل، فما كان منه إلا أن تنازل عن العرش واعتزل الحياة السياسية، وغادر البلاد على ظهر بارجة بريطانية نقلته إلى جزيرة مالطة، في 17 أكتوبر سنة 1922م، الموافق فيه 27 ربيع الأول سنة 1341هـ.[23]

اعتلى عرش السلطنة العثمانية، بعد تنازل السلطان محمد السادس، وليّ العهد عبد المجيد الثاني، وبعد أن أصبح مصطفى كمال سيد الموقف، وقّع معاهدة لوزان مع الحلفاء التي تنازل بمقتضاها عن باقي الأراضي العثمانية غير التركية،[25] ثم جرّد السلطان من السلطة الزمنية وجعله مجرّد خليفة، أي أشبه بشيخ الإسلام، ولكن من غير سلطة روحيّة أيضًا. ثم ألغى الخلافة سنة 1924 وطرد عبد المجيد من البلاد، وبهذا سقطت الدولة العثمانية فعليًا بعد أن استمرت لما يقرب من 600 سنة، وانهارت معها الخلافة الإسلامية بعد أن استمرت ما يزيد عن ألف سنة.[26] وقد رثا أمير الشعراء أحمد شوقي الدولة العثمانية والخلافة الإسلامية بأبيات من الشعر قال فيها:[27]

ضجت عليك مآذن ومنابروبكت عليك ممالك ونواح
الهند والهة ومصر حزينةتبكي عليك بمدمع سحَّاح
والشام تسأل والعراق وفارسأمحا من الأرض الخلافة ماح؟!

مصادر[عدل]

  1. ^ Paul C. Helmeich, From Paris to Sèvres: The Partition of the Ottoman Empire at the Peace Conference of 1919–1920 (Ohio University Press, 1974) (ردمك 0-8142-0170-9)
  2. ^ Fromkin, A Peace to End All Peace (1989), pp. 49–50.
  3. ^ Merriam-Webster's Geographical Dictionary. 2001. صفحة 46. ISBN 0 87779 546 0. اطلع عليه بتاريخ 18 مايو 2001. 
  4. ^ Roderic H. Davison; Review "From Paris to Sèvres: The Partition of the Ottoman Empire at the Peace Conference of 1919–1920" by Paul C. Helmreich in Slavic Review, Vol. 34, No. 1 (Mar. 1975), pp. 186–187
  5. ^ Baer، Robert. See No Evil: The True Story of a Ground Soldier in the CIA's War on Terrorism. Broadway Books. 
  6. ^ "Ex-CIA Agent Robert Baer, Inspiration for 'Syriana'". NPR. 6 December 2005. مؤرشف من الأصل في 11 أبريل 2019. اطلع عليه بتاريخ 11 أبريل 2019. 
  7. ^ "Syriana Blu-ray". www.WBShop.com. مؤرشف من الأصل في 27 فبراير 2012. 
  8. ^ P. Helmreich, From Paris to Sèvres (Ohio State University Press, 1974)
  9. ^ Fromkin, A Peace to End All Peace (1989), pp. 26–28.
  10. ^ هربرت أسكويث (1923). The Genesis of the War. p. 82
  11. ^ أعظم أحداث العالم، إعداد موريس شربل، دار المناهل، صفحة 163
  12. أ ب ت ث ج ح أ.د. محمد سهيل طقّوش: تاريخ العثمانيين من قيام الدولة إلى الانقلاب على الخلافة: صفحة 543-549 ISBN 978-9953-18-443-2
  13. ^ 'Castles' p.22-23
  14. ^ 'Castles' p. 48–49
  15. ^ The Encyclopaedia Britannica, Vol.7, Edited by Hugh Chisholm, (1911), 3; "Constantinople, the capital of the Turkish Empire..".
  16. ^ Encyclopædia Britannica. "Encyclopædia Britannica: Armenian massacres (Turkish-Armenian history)". Britannica.com. مؤرشف من الأصل في 11 مارس 2015. اطلع عليه بتاريخ 26 أغسطس 2010. 
  17. ^ Balakian, Peter. The Burning Tigris: The Armenian Genocide and America's Response. New York: Perennial, 2003. ISBN 0-06-019840-0
  18. ^ كريستوفر ووكر  [لغات أخرى] . "World War I and the Armenian Genocide" in The Armenian People From Ancient to Modern Times, Volume II, pp. 239–273.
  19. ^ Akcam. A Shameful Act, pp. 109–204.
  20. ^ المصور في التاريخ، الجزء الثامن. تأليف: شفيق جحا، منير البعلبكي، بهيج عثمان، دار العلم للملايين، الحرب في سنة 1916، صفحة 20-21
  21. ^ Fromkin, A Peace to End All Peace (1989), pp. 436–437.
  22. ^ Quilliam, Syria and the New World Order (1999), p. 33. "من أجل منع القومية العربية من تطوير فاعليتها وتحدي الإدارة الفرنسية، نهج الفرنسيون سياسة إمبريالية متمثلة في فرق تسد. فتقطيع الشام إلى مكونات اصطناعية يدل على سياسة تسعى إلى إحباط جاذبية القومية العربية. نظرًا لأن المنطقة مليئة بالأقليات العرقية والدينية واللغوية، فقد اتبعت عملية التقطيع نمطًا منطقيًا أدى إلى حدوث مشاكل هيكلية في المستقبل. تم فصل جبل لبنان عن سوريا مع محيطه المسلم في صيدا وطرابلس والبقاع. تم تقسيم المنطقة المتبقية إلى أربع ولايات صغيرة: حلب ودمشق واللاذقية وجبل الدروز، مما عطل تماسك القومية العربية داخل بلاد الشام."
  23. أ ب ت ث أ.د. محمد سهيل طقّوش: تاريخ العثمانيين من قيام الدولة إلى الانقلاب على الخلافة: صفحة 550-552 ISBN 978-9953-18-443-2
  24. ^ Mustafa Kemal Pasha's speech on his arrival in Ankara in November 1919
  25. ^ League of Nations Treaty Series, vol. 28, pp. 12-113.
  26. ^ تاريخ الدولة العليّة العثمانية، تأليف: الأستاذ محمد فريد بك المحامي، تحقيق: الدكتور إحسان حقي، دار النفائس، الطبعة العاشرة: 1427 هـ - 2006 م، صفحة: 718 ISBN 9953-18-084-9
  27. ^ إسلام أونلاين: أحمد شوقي.. أمير الشعراء، تاريخ التحرير: الأحد. يونيو. 17، 2007 نسخة محفوظة 20 فبراير 2011 على موقع واي باك مشين.