النظرة المسيحية للفقر والغنى

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
البابا بيوس الحادي عشر عرف في مرسومه البابوي الذي دعا فيه إلى اعتماد الأخلاق المسيحية في الاقتصاد.

النظرة المسيحية للفقر والغنى او المسيحية والاقتصاد تعود إلى الكتاب المقدس. وكان قد اعتبر الراهب والمفكر الكاثوليكي فرانسيسكو دي فيتوريا تلميذ مدرسة توما الأكويني والذي درس قضية تتعلق بحقوق الإنسان للمواطنين إبّان الاستعمار، من قبل الأمم المتحدة بمثابة الأب للقانون الدولي، وأيضًا يعتبر من قبل مؤرخي الاقتصاد والديمقراطية بالقائد والمحارب من أجل الديمقراطية والتنمية الاقتصادية في الغرب.[1]

كتب جوزيف شومبيتر وهو خبير اقتصادي، في إشارة إلى السكولائية "بانهم كانوا المؤسسين الحقيقيين للاقتصاد العلمي".[2] وكان أيضًا قد أدلى عدد من المؤرخين الاقتصاديين مثل ريموند دي روفر، مارجوري جريس - هتشينسون، واليخاندرو شوفين تصريحات مماثلة. وكتب بول لوتوكو مؤرخ من جامعة ستانفورد أن الكنيسة الكاثوليكية كانت "مركز لتنمية القيم والأفكار والعلوم والقوانين والمؤسسات، أي التي تشكل ما نسميه الحضارة الغربية".[3]

تاريخ[عدل]

العصور الوسطى[عدل]

جان كالفن مؤسس الكالفينية التي كانت وراء نشوء الرأسمالية.

في بداية القرون الوسطى، كانت أخلاقيات الأبوية المسيحية، راسخة تمامًا في ثقافة أوروبا الغربية. وقد أدانت الكنيسة الربا والمادية مثل الجشع والطمع، والخداع واعتبرتها أعمال غير مسيحية.[4]

كما وقد شجعت الكنيسة الكاثوليكية على التبرع ومساعدة من هم بحاجة. وكان آباء الكنيسة قد أشادوا في أعمال الصدقة والخير.[5] ويرى المؤرخ الآن كوهين في أن تعاليم يسوع في رفع قيمة الفقراء كانت ثورة في عالم الفقر والثروة إذ كانت فكرة الإحسان واحترام الفقراء غائبة في الفكر الروماني واليوناني.[6] وما تزال عقلية التبرع ومساعدة الغير راسخة في الفكر الغربي.[7]

الإصلاح البروتستانتي[عدل]

عقب الإصلاح البروتستانتي غيّرت البروتستانتية في العقلية والفكر الغربي، فبينما كانت الكاثوليكية لا تحبذ تراكم الثروات،[8] شجعت البروتستانتية تراكم الثروات واعتبرتها نعمة من عند الله متأثرة في ذلك في العهد القديم.[9]

واستنادًا إلى ماكس فيبر فأخلاق العمل البروتستانتية، خاصة المذهب الكالفيني، من انضباط وعمل شاق وإخلاص، كانت وراء ظهور العقلية الرأسمالية في أوروبا،[10]: وذلك لقولها بأن النجاح على الصعيد المادي هو دلالة على نعمة إلهية واختيار مسبق للخلاص.[11]

وبعض الباحثين يربطون أيضًا دور التطهريين وهم من الكالفينين في الاقتصاد والرأسمالية في الولايات المتحدة الاميركية. فقد حثت تعاليمهم بان يكونوا منتجين بدلاً من مستهلكين ويستثمروا أرباحهم لخلق المزيد من فرص العمل لمن يحتاج وبذلك تمكنهم في المساهمة في بناء مجتمع منتج وحيوي.[12] ومن الآثار المهمة للحركة التطهرية، بسبب تأكيدها حرية الفرد، ظهور برجوازية جديدة، فالحرية الفردية وما رافقها من نجاح في مجال الصناعة، جعل أتباع البيوريتانية يهتمون بالثروة والمتعة وحب التملك بدلاً من البحث عن خيرات الأرض بالسعي والجد.[13] ويعتبر اليوم أحفاد التطهريين أو ما يعرفون بالواسب الطبقة الثرية والمتعلمة في الولايات المتحدة،[14] وهم بمثابة النخبة الاجتماعية التي تتحكم في الاقتصاد والسياسة والمجتمع الأمريكي.[15]

كذلك كانت أخلاق العمل البروتستانتية كقيم الموثوقية، والادخار، والتواضع، والصدق، والمثابرة والتسامح، أحد أسباب نشأة الثورة الصناعية.[16]

أدى صعود البروتستانتية إلى تحرير أوروبا المسيحية إلى ازدياد نظرة روما ضد الربا. في أواخر القرن 18، بدأت العائلات التجارية البروتستانتية للانتقال إلى العمل المصرفي بدرجة متزايدة، ولا سيّما في البلدان التجارية مثل المملكة المتحدة (آل بارينجز)، وألمانيا (أسرة شرودرز وبرينبرغ) وهولندا. كما ولعبت النخب البروتستانتية الغنيّة دور كبير اقتصادي مثالًا على ذلك عندما تحولت جنيف إلى البروتستانتية في 1536 وذلك بعد وصول جون كالفين إلى هناك. بحيث ظهر التأثير البروتستانتي في سويسرا وعلى المجتمع السويسري خاصًة في المجال العلمي والإقتصادي إذ تشكل البروتستانت من المتعلمين والحرفيين والبرجوازيين، وعمل البروتستانت خاصًة الهوغونوتيون في إنشاء البنوك وعملوا في الذهب والتجارة.[17] كما لعبت العائلات الغنية العريقة البروتستانتية دور اقتصادي هام، كعائلة بيكتات، التي مَـنحت إسمها لمصرف بيكتات الخاص.[18]

ظهر أيضًا التأثير الكالفيني في هولندا وعلى المجتمع والإقتصاد الهولندي، ولعب هجرة الهوغونوتيون الذين قدموا من فرنسا، والبروتستانت الذين قدموا من جنوب هولندا الى مدينة أمستردام. أدت هذه الهجرات إلى إنشاء العديد من الأعمال المصرفيّة والصناعيّة الكبرى.[19] يظهر قول يعكس الوضع آنذاك في القرن السادس عشر:

النظرة المسيحية للفقر والغنى الكاثوليك لديهم الكنائس، واللوثريين لديهم السلطة، والكالفينيين يملكون المال.[20] النظرة المسيحية للفقر والغنى

العصر الحديث[عدل]

مركز روكفلر، في مانهاتن، مدينة نيويورك، وتعود إلى أسرة روكفلر البروتستانتية التي لعبت دور هام في الإقتصاد العالمي والرأسمالية.

وفي العصر الحديث، دعت الكنيسة الكاثوليكية من خلال الرسائل البابوية إلى اعتماد الأخلاق المسيحية من قيم مساعدة الآخر والنزاهة في العمل، في الاقتصاد.[21] وتعتبر العديد من المجتمعات المسيحية واحدة من من أكثر المجتمعات تقدمًا، فمثلًا في الهند يعتبر المسيحيين أكثر المجتعات الدينية تقدمًا.[22] وتأثير المسيحيين من سكان المناطق الحضرية يظهر جليًا في الاقتصاد فالقيم المسيحية المتأثرة من التقاليد الأوروربية تعتبر ميزة ايجابية في بيئة الأعمال والتجارة في الهند الحضرية؛ يعطى هذا كتفسير للعدد الكبير من المهنيين المسيحيين في قطاع الشركات في الهند،[23] أما في كوريا الجنوبية فمعظم الشركات الكبرى بالبلاد يديرها مسيحيون وعلى الرغم من أن المسيحيين ليسوا الغالبية في كوريا الجنوبية.[24] واستنادًا إلى نموذج بارو وماكليري، فإن المسيحية قد لعبت دورًا رئيسيًا في نجاح كوريا الجنوبية في المجال الاقتصادي.[25][26] بالمقابل فإن هذه الدراسة أنتقدت من قبل بعض الباحثين مثل دولراف وتان.[27] كذلك يظهر تأثير المسيحيين الاقتصادي في عدد من دول العالم الإسلامي.[28]

وفى دراسة معروفة قام بها عدد من الباحثين في مطلع الألفية ويمكن اختصار اسمها كالتالى: (CMRP) وجد عدد من الباحثين أن المجتمعات التي تسيطر عليها الثقافة البروتستانتية (تشمل الولايات المتحدة، الدول الإسكندنافية، ألمانيا، المملكة المتحدة، هولندا، سويسرا، كندا، أستراليا ونيوزيلندا وهي دول أعطتها البروتستانتية شكلها الحضاري والثقافي) تميل إلى العمل والاجتهاد والإنجاز والابتكار أكثر من المجتمعات التي تسيطر عليها ثقافات دينية أخرى مثل الإسلام والبوذية والهندوسية.[29] ووفقًا للدراسة فالدول ذات الثقافة والأغلبية البروتستانتية لديها مؤشر التنمية البشرية والناتج المحلي مرتفع، كما وتتربع العديد من الدول البروتستانتية قائمة أغنى دول العالم،[30] والدول الأقل فساداً في العالم.[31] يُذكر أن 6 دول مسيحيّة من أصل 10 تتربع قائمة أكثر دول العالم تطورًّا في مجال التكنولوجيا والتقنية العالية.[32]

خلصت دراسة أجرتها مجلة فورتشن أنّ واحد من كل خمسة أكبر الشركات في الولايات المتحدة تُدار من قبل الأسقفيين.[33] واحدة من ثلاثة أكبر وأقوى البنوك في البلاد، يرأسُه أسقفيين.[33] تاريخيًا إنتمت العديد من العائلات الأمريكية الثرية والغنية الشهيرة مثل عائلة روكفلر، ومورجان، وفورد، وروزفلت، وفاندربيلت، وكارنجي، ودو بونت، وآستور، وفوربس، وعائلة بوش إلى الكنيسة الأسقفية الأمريكية.[33] كما وجدت دراسة أجرتها مجلة فورتشن عام 1976 حول أهم 500 رؤساء تنفيذيين لأهم الشركات والمؤسسات التجاريّة في الولايات المتحدة حضور طاغ للبروتستانت من الكنيسة الأسقفية الأمريكية والكنيسة المشيخية في أمريكا والأبرشانيّة.[34]

كما وكشف تقرير نشرته مؤسسة "نيو ورلد ويلث" سنة 2015 المتخصصة في أبحاث الثروة العالمية عن سيطرة المسيحيين على السواد الأعظم من الثروات العالمية، يليهم المسلمون والهندوس واليهود. وأوضح التقرير أن إجمالي الثروات التي يمتلكها المسيحيون تصل إلى 107.280 مليار دولار، ما يمثل أكثر من 55% من الثروات العالمية، يليهم المسلمون في المرتبة الثانية بإجمالي ثروة تُقدر بـ 11.335 مليار دولار (5.8%) ثم الهندوس بإجمالي ثروة تبلغ قيمتها 6.505 مليار دولار، بما يعادل نسبته 3.3%. وأشار التقرير إلى أن اليهود يمتلكون إجمالي ثروة تقدر بـ 2.079 مليار دولار (1.1%). وحوالي (67.832 مليار دولار، ما يعادل 34.8%) تقع في أيدي أفراد لا ينتمون لأي دين أو حتى في أيدي أشخاص يؤمنون بديانات أخرى.[35] وعلاوة على ذلك، خلص التقرير إلى أن سبعة من بين أكثر عشرة دول ثراء في العالم (على أساس تصنيف عدد الأفراد الذين لديهم صافي أصول عالية) هي دول يبرز فيها الدين المسيحي كديانة أولى وتضم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وسويسرا وكندا وفرنسا وأستراليا، مستثنيًا منها كلا من الصين واليابان والهند.[36]

وجدت دراسة تعود ليناير 2015 من قِبل شركة أبحاث الثروة الغير حزبية نيو وورلد ويلث أن ثُلثي 13.1 مليون مليونير في العالم يعتنقون ديانة معينة. حوالي 56.2% من مجمل المليونيرات في العالم مسيحيون (أي 7.1 مليون مليونير)، يليهم 31.7% لادينيين وأتباع ديانات أخرى، و6.5% مسلمون، و3.9 هندوس و1.7 يهود.[37]

مراجع[عدل]

  1. ^ de Torre، Fr. Joseph M. (1997). "A Philosophical and Historical Analysis of Modern Democracy, Equality, and Freedom Under the Influence of Christianity". Catholic Education Resource Center. 
  2. ^ Schumpeter، Joseph (1954). History of Economic Analysis. London: Allen & Unwin. 
  3. ^ "Review of How the Catholic Church Built Western Civilization by Thomas Woods, Jr.". National Review Book Service. اطلع عليه بتاريخ 2006-09-16. 
  4. ^ Hunt، E. K. (2002). Property and Prophets: The Evolution of Economic Institutions and Ideologies. M.E. Sharpe. صفحة 10. 
  5. ^ Kahan، Alan S. (2009). Mind vs. money: the war between intellectuals and capitalism. Transaction Publishers. صفحة 44. 
  6. ^ Kahan، Alan S. (2009). Mind vs. money: the war between intellectuals and capitalism. Transaction Publishers. صفحة 42. 
  7. ^ Gray، Madeleine (2003). The Protestant Reformation: belief, practice, and tradition. Sussex Academic Press. صفحة 119. 
  8. ^ Kahan، Alan S. (2009). Mind vs. money: the war between intellectuals and capitalism. Transaction Publishers. صفحة 46. 
  9. ^ Herrick، Cheesman Abiah (1917). History of commerce and industry. Macmillan Co. صفحة 95. 
  10. ^ Weber, Max "The Protestant Ethic and The Spirit of Capitalism" (Penguin Books, 2002) translated by Peter Baehr and Gordon C. Wells
  11. ^ Calvin's position is expressed in a letter to a friend quoted in Le Van Baumer، Franklin, editor (1978). Main Currents of Western Thought: Readings in Western Europe Intellectual History from the Middle Ages to the Present. New Haven: Yale University Press. ISBN 0-300-02233-6. 
  12. ^ Wilmore، Gayraud S. (1989). "Stewardship+of+wealth"&hl=en&ei=BuC2TfmYLYb4sAPPhoWpAQ&sa=X&oi=book_result&ct=result&resnum=5&ved=0CE8Q6AEwBA#v=onepage&q=Puritan%20"Stewardship%20of%20wealth"&f=false African American religious studies: an interdisciplinary anthology. Duke University Press. صفحة 12. 
  13. ^ Sheldon Wolin, Tocqueville Between Two Worlds (2001), p. 234.
  14. ^ من هم الواسب وموقعهم في المجتمع الأمريكي (بالإنجليزية)
  15. ^ الواسب الطبقة اللامعة في المجتمع الأمريكي (بالإنجليزية)
  16. ^ Kiely, Ray (Nov 2011). "Industrialization and Development: A Comparative Analysis". UGL Press Limited: 25-26.
  17. ^ Steinhauer, Harry. Twelve German Novellas, p. 315. University of California Press, 1977. ISBN 0-520-03002-8
  18. ^ جنيف: تراثها بروتستانتي، لكن حاضرها شيئ آخر - SWI swissinfo.ch
  19. ^ Marnef, G. "The towns and the revolt". In: Darby, G. (ed), The Origins and Development of the Dutch Revolt (Londen/New York 2001) 84–106; 85 and 103.
  20. ^ Körner, p. XIII. Later, the هوغونوتيون refugees flocking to Frankfurt following the revocation of the Edict of Nantes by French king لويس الرابع عشر ملك فرنسا in 1685 proved similarly valuable additions to the city's economy, but they too found membership in the Patrizier societies elusive.
  21. ^ الكنيسة والحياة الاقتصادية
  22. ^ Indian Christians Treat Their Women Better, Sex Ratio Highest
  23. ^ Global Perspective: India's Christian identity
  24. ^ المسيحية في كوريا الجنوبية
  25. ^ "Religion linked to economic growth". Taipei Times. 2012-02-04. اطلع عليه بتاريخ 2012-02-10. 
  26. ^ Lee، Felicia R. (2004-01-31). "Faith Can Enrich More Than the Soul". The New York Times. 
  27. ^ http://www.ssc.wisc.edu/econ/archive/wp2006-09.pdf
  28. ^ Arab Christian-Muslim Differentials
  29. ^ The Central Liberal Truth
  30. ^ The World's Richest Countries
  31. ^ Corruption Perceptions Index 2012. Full table and rankings. Transparency International. Retrieved: 4 February 2013.
  32. ^ The World’s Leading Nations for Innovation and Technology
  33. ^ أ ب ت B.DRUMMOND AYRES Jr. (2011-12-19). "THE EPISCOPALIANS: AN AMERICAN ELITE WITH ROOTS GOING BACK TO JAMESTOWN". New York Times. اطلع عليه بتاريخ 2012-08-17. 
  34. ^ One Nation Under God: Religion in Contemporary American Society
  35. ^ تقرير عالمي: المسيحيون يسيطرون على أكثر من 55% من ثروات العالم
  36. ^ Christians hold largest percentage of global wealth: Report
  37. ^ The religion of millionaires

أنظر أيضًا[عدل]