أصول الفقه

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
بسم الله الرحمن الرحيم
Allah-green.svg

سلسلة مواضيع العلوم الشرعية
علم الفقه

أصول الفقه مركب من لفظين مفردين بإضافة لفظ: «أصول» إلى لفظ: «الفقه»، ومعنى الأصول باعتباره مفردا هي: أدلة الفقه، وأصول الفقه بالمعنى الإضافي: «الأدلة الشرعية، التي يعتمد عليها علم الفقه، وتستمد منها أحكامه». و«أصول الفقه» بمعناه اللقبي،[1] أي: المركب الإجمالي، بمعنى: العلم المسمى بـ: «أصول الفقه» هو: «العلم بالقواعد التي وضعت للوصول إلی استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية».[2] وبعبارة أخری: أصول الفقه هو علم يضع القواعد الأصولية لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها الصحيحة. أو هو:«علم يدرس أدلة الفقه الإجمالية، وما يتوصل به إلى الأدلة، وطرق استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، والاجتهاد والاستدلال». فهو: «منهج الاستدلال الفقهي»، وموضوعه: أدلة الفقه الإجمالية، وما يتوصل به إلى الأدلة. ويبحث في كيفية الاستنباط، وقواعده وشروطه.

أو هو: «علم يبحث في أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد (المجتهد)»، ويبين كيفية استنباط الحكم من دليله، كاستنباطه من صراحة نص الآية القرآنية، أو الحديث النبوي، أو من مفهومهما، أو من القياس عليهما، أو بغير ذلك، وعلم أصول الفقه يبحث في الأدلة بصفتها الإجمالية، وخصائص كل نوع منها وكيفية ارتباط أنواعها ببعض، والقواعد والشروط التي تبين للفقيه المسلك الذي يجب عليه أن يلتزمه في استخراج الأحكام من أدلتها.

كانت أصول الفقه معرفة حاضرة في أذهان فقهاء الصحابة والتابعين في الصدر الأول، حيث لم يكونوا بحاجة لعلم قواعد الاستدلال التي أخذت معظمها عنهم؛ لأنهم أصحاب ملكة لسانية، وخبرتهم في معرفة نقل الشرع وقرب العصر،[3] وبعد انتهاء فترة الصدر الأول وظهور عصر تدوين العلوم احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل قوانين الاستنباط وقواعده لاستفادة الأحكام من الأدلة فكتبوها فنا قائما برأسه سموه أصول الفقه. قال ابن خلدون: «وكان أول من كتب فيه الشافعي رضي الله تعالى عنه، أملى فيه رسالته المشهورة تكلم فيها في الأوامر والنواهي والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة المنصوصة من القياس، ثم كتب فقهاء الحنفية فيه وحققوا تلك القواعد وأوسعوا القول فيها وكتب المتكلمون أيضا كذلك».[4] وفي مصادر أخرى فقد قيل إن أول من صنف في علم أصول الفقه وضبط القواعد: أبو يوسف، ومحمد تلميذا أبي حنيفة، وقيل: بل أبو يوسف وحده، وقيل: بل هو أبو حنيفة النعمان حيث كتب كتاباً أسماه كتاب الرأي، ولكن لم يصل من ذلك شيء،[5] والذي اشتهر قديما وحديثا: أن الشافعي أول من دون في علم أصول الفقه، وكتب فيه بصورة مستقلة في كتابه المشهور: «الرسالة» -وهو كتاب متداول مطبوع- وقد صرح بذلك جمع كابن خلكان وابن خلدون.[6]

وأدلة الفقه الإجمالية: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وهذه الأربعة الأدلة هي الأصول الأساسية المتفق عليها عند جمهور الفقهاء،[1] وما عداها من الأدلة مختلف في تفاصيل الاستدلال بها، لا في إنكارها بالكلية، وتشمل: استصحاب الحال، والاستحسان والمصالح المرسلة، والعرف، وعمل أهل المدينة عند المالكية، وقول الصحابي.[7]

محتويات

تعريف أصول الفقه[عدل]

أصول الفقه أي: اللفظ الذي يتألف من جزئين مفردين، وهذا اللفظ: «أصول الفقه» المركب من جزئين يسمى عند علماء اللغة العربية: مركبا إضافيا، بمعنى: أنه مركب من إضافة كلمة: أصول إلى كلمة: الفقه، أي: الأصول المضافة إلى الفقه، وهو باعتبار نسبته إلى الفقه بمعنى: فروع الفقه، تمييزا لها عن أصول الدين المتعلقة بالعقيدة الإسلامية. والأصول المضافة للفقه بهذا اللفظ المركب تركيبا إضافيا تارة يقصد به الأصول المضافة إلى الفقه، وتارة يقصد به الفن أي: العلم المسمى بـأصول الفقه، فله معنيان عند علماء أصول الفقه أحدهما: أصول الفقه بالمعنى الإضافي، وثانيهما: أصول الفقه بالمعنى اللقبي.[8] فأما أصول الفقه بالمعنى الإضافي أي: كلمة أصول مضافة إلى كلمة الفقه فهو: الأدلة الموصلة إلى العلم. وأما أصول الفقه بالمعنى اللقبي، أي: ما يلقب بـأصول الفقه هو: العلم المسمى بـعلم أصول الفقه، وأصول الفقه بمعنى العلم هو الذي يبحث في: الأدلة التي يبنى عليها الفقه، وما يتوصل بها إلى الأدلة على سبيل الإجمال، فهو يبحث في: الأدلة الموصلة إلى العلم، وما يتوصل به إلى الأدلة، وفي الاستدلال وصفات المجتهد. أما أصول الفقه بالمعنى الإضافي؛ فهو بمعنى أدلة الفقه. والفقه: بمعنى: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، والأحكام الشرعية فرض، ومندوب ومكروه وحرام ومباح وصحيح وباطل. والأصل في اللغة: مايبنى عليه غيره،[9] حسيا كان البناء أو معنويا، وفي الإصطلاح بمعنى: الدليل وقد يكون لمعان أخرى منها: (الرجحان) أو (القاعدة) أو (الصورة المقيس عليها)، المقصود هو الأول.

تعريف أصول الفقه بالمعنى الإضافي[عدل]

أصول الفقه بالمعنى الإضافي: باعتباره مركبا إضافيا أي: لفظ «أصول الفقه»: مركب من جزئين مفردين أحدهما: «أصول» وثانيهما: «فقه»، والجزأن مفردان من الإفراد مقابل التركيب لا التثنية والجمع، والمؤلف يعرف بمعرفة ما ألف منه. وتتوقف معرفة اللفظ المركب على معرفة مفرداته من حيث التركيب لا من حيث كل وجه.[10] فالأصل الذي هو مفرد الجزء الأول: ما يبنى عليه غيره، كأصل الجدار أي أساسه وأصل الشجرة أي: طرفها الثابت في الأرض. والفرع الذي هو مقابل الأصل ما يبنى على غيره كفروع الشجرة لأصلها وفروع الفقه لأصوله.[11] وأصول الفقه بهذا المعنى الإضافي هي الأدلة الموصلة إلى فروع الفقه، فيقصد بها: أدلة الفقه، وقد ذكر ابن الحاجب في مختصره تعريف أصول الفقه بمعناه الإضافي فقال: «وأما حده مضافا: فالأصول: الأدلة، والفقه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال».[12]

تعريف الأصل[عدل]

الأصل: أسفل كل شيء وجمعه أصول لا يكسر على غير ذلك، وهو اليأصول. يقال: أصل مؤصل،[13] وأصل الشيء: صار ذا أصل، قال أمية الهذلي:

وما الشغل إلا أنني متهيب لعرضك ما لم تجعل الشيء يأصل.[14]

الأصول: جمع أصل، وأصل الشيء: «ما منه الشيء»، أي: مادته كالوالد للولد، والشجرة للغصن.[15] وقال الآمدي: «ما استند الشيء في تحقيقه إليه». وقال أبو الحسين: «ما يبنى عليه غيره»، وتبعه ابن الحاجب في باب القياس، ورد بأنه لا يقال: إن الولد يبنى على الوالد، بل يقال: فرعه.[15] وقال أبو بكر الصيرفي في كتاب الدلائل والأعلام: «كل ما أثمر معرفة شيء ونبه عليه فهو أصل له»، فعلوم الحس أصل، لأنها تثمر معرفة حقائق الأشياء، وما عداه فرع له. وقال القفال الشاشي: الأصل: «ما تفرع عنه غيره، والفرع: ما تفرع عن غيره»، وهذا أسد الحدود، فعلى هذا لا يقال في الكتاب: إنه فرع أصله الحس، لأن الله تعالى تولاه وجعله أصلا دل العقل عليه. قال: والكتاب والسنة أصل، لأن غيرهما يتفرع عنهما، وأما القياس فيجوز أن يكون أصلا على معنى أن له فروقا تنشأ عنه، ويتوصل إلى معرفتها من جهته، كالكتاب أصل لما ينبني عليه، وكالسنة أصل لما يعرف من جهتها، وهو فرع على معنى أنه إنما عرف بغيره وهو الكتاب أو غيره، وكذلك السنة والإجماع. قال: وقيل: إن القياس لا يقال له: أصل ولا فرع، لأنه فعل القائس، ولا توصف الأفعال بالأصل والفرع. وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي: «الأصل ما عرف به حكم غيره، والفرع ما عرف بحكم غيره قياسا عليه».[15]

وقال الماوردي في الحاوي: «قيل: الأصل ما دل عليه غيره، والفرع ما دل على غيره»، فعلى هذا يجوز أن يقال في الكتاب: إنه فرع لعلم الحس؛ لأنه الدال على صحته. هذا الاعتراض يصلح أن يدخل به كثير من العبارات السالفة على اختلافها فليتأمل. وقال ابن السمعاني في القواطع: قيل: الأصل ما انبنى عليه غيره، وقيل: ما يقع التوصل به إلى معرفة ما وراءه وهما مدخولان؛ لأن من أصول الشرع ما هو عقيم لا يقبل الفرع، ولا يقع به التوصل إلى ما وراءه بحال، كدية الجنين والقسامة وتحمل العاقلة، فهذه أصول ليست لها فروع، فالأولى أن يقال: الأصل كل ما ثبت دليلا في إيجاب حكم من الأحكام ليتناول ما جلب فرعا أو لم يجلب.

الأصل بالمعنى الاصطلاحي[عدل]

يطلق الأصل في الاصطلاح على أمور: أحدها: الصورة المقيس عليها على خلاف يذكر في باب القياس في تفسير الأصل، الثاني بمعنى: الرجحان، كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة، أي: الراجح عند السامع هو الحقيقة لا المجاز. الثالث: الدليل، كقولهم: أصل هذه المسألة من الكتاب والسنة أي: دليلها، ومنه أصول الفقه أي: أدلته. الرابع: القاعدة المستمرة، كقولهم: إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل. ذكرها بدر الدين الزركشي على هذا النحو وقال: وهذه الأربعة ذكرها القرافي وفيه نظر؛ لأن الصورة المقيس عليها ليست معنى زائدا؛ لأن أصل القياس اختلف فيه هل هو محل الحكم أو دليله أو حكمه؟ وأيا ما كان فليس معنى زائدا؛ لأنه إن كان أصل القياس دليله فهو المعنى السابق، وإن كان محله أو حكمه فهما يسميان أيضا دليلا مجازا، فلم يخرج الأصل عن معنى الدليل. وبقي عليه أمور: أحدها: التعبد، كقولهم: إيجاب الطهارة بخروج الخارج على خلاف الأصل. يريدون أنه لا يهتدي إليه القياس. الثاني: الغالب في الشرع، ولا يمكن ذلك إلا باستقراء موارد الشرع. الثالث: استمرار الحكم السابق، كقولهم: الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يوجد المزيل له. الرابع: المخرج، كقول الفرضيين: أصل المسألة من كذا.[16]

موضوع علم الأصول[عدل]

موضوع علم أصول الفقه هو: الأدلة السمعية، أو أقسام الأدلة. والموضوع لأي علم: قد يكون واحدا كالعدد للحساب، وقد يكون كثيرا، وشرطه أن يكون بينهما تناسب، أي: مشاركة.[. 1] وموضوع أصول الفقه قد اجتمع فيه الأمران، فإنه إما واحد، وهو الدليل السمعي من جهة إنه موصل للحكم الشرعي، وإما كثير، وهو أقسام الأدلة السمعية من هذه الجهة، لاشتراكها إما في جنسها، وهو الدليل، أو في غايتها، وهو العلم بالأحكام الشرعية.[17] فموضوع علم أصول الفقه هو: أدلة الفقه الكلية، وأحوالها الموصلة إلى الأحكام، وصفات المجتهد. كما يبحث هذا العلم في أقسام هذه الأدلة وإقامة الحجة على مصدر للأحكام الشرعية كما يبحث في ترتيب هذه الأدلة، وجعلها على مراتب مختلفة، وفي كيفية استنباط الأحكام منها على وجه كلي، فالأصول لاينظر في الأدلة التفصيلية، ولا فيما تدل عليه من الأحكام الجزئية، وإنما ينظر في الأدلة التي يتوصل بها إلى الأحكام، وهذه القواعد يطبقها الفقيه على الأدلة التفصيلية فيحصل بذلك على الأحكام الجزئية، والمراد بالدليل الكلي هو: النوع العام من الأدلة الذي تندرج تحته عدة جزئيات كالأمر مثلا فهو كلي تندرج تحته جميع الأوامر التي جاءت بها الشريعة الإسلامية على اختلاف أساليبها أو المراد بالحكم الكلي: النوع العام من الأحكام الذي تندرج تحته عدة جزئيات، كالإيجاب مثلا فهو يشمل إيجاب الصلاة والزكاة والصدق ووفاء العهد ونحو ذلك مما طلب الشارع الإتيان به على وجه الجزم والإلزام. ومسائله: كالأمر والنهي، والعام، والخاص، والإجماع، والقياس، وغيرها. ومسائل كل علم هي مطالبه الجزئية التي يطلب إثباتها فيه كمسائل العبادات، والمعاملات ونحوها للفقه.[17]

استمداده[عدل]

استمداده أي: ما يستمد منه علم أصول الفقه من ثلاثة أشياء: من أصول الدين، ومن اللغة العربية، ومن تصور الأحكام. ووجه الحصر في هذه الثلاثة ثبت بالاستقراء.[18] واستمداد علم أصول الفقه أي: مادته التي منها يستمد، قال الزركشي: «وأما المادة: فذكر إمام الحرمين وتابعوه: أن أصول الفقه مستمد من ثلاثة علوم: الكلام، والفقه، والعربية».[19] وذلك أن علم أصول الفقه يبحث في الأدلة الشرعية فيستمد من أصول الدين لتوقف الأدلة على معرفة الباري تعالى بقدر الممكن من ذاته وصفاته وأفعاله. ومعرفة صدق رسوله، ويتوقف ثبوته على أن المعجزة تدل على دعوى الرسالة، وذلك كله مبين في علم الكلام فيسلم هنا.[19] فاستمداده من أصول الدين من حيث ثبوت الأدلة، قال أبو البقاء الفتوحي: «أما توقفه من جهة ثبوت حجية الأدلة: فلتوقف معرفة كون الأدلة الكلية معرفة كون الأدلة الكلية حجة شرعا على معرفة الله تعالى بصفاته وصدق رسوله Mohamed peace be upon him.svg فيما جاء به عنه ويتوقف صدقه على دلالة المعجزة».[18] وإنما يكون هذا مادة لبعض أنواع الأصول، وهو الخطاب دون مسائل الأخبار، والإجماع، والنسخ، والقياس، وهي معظم الأصول. ثم إن المادة فيه ليست على نظير المادة من الكلام، فإن العلم بها مادة لفهم الأدلة.[19] كما أنه يستمد أيضا من اللغة العربية؛ لتوقفه عليها من جهة دلالة الألفاظ على الأحكام، بمعنى: أن فهم ما يتعلق بها من الكتاب والسنة وغيرهما متوقف على اللغة العربية. وإما تصور الأحكام؛ فيكون التوقف من جهة تصور ما يدل به عليه من تصور أحكام التكليف؛ لإنه إن لم يتصورها لم يتمكن من إثباتها ولا من نفيها؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.[18]

قال ابن الحاجب: «وأما استمداده؛ فمن الكلام والعربية والأحكام».[20] ثم بين هذه الثلاثة الأشياء بقوله: «أما الكلام؛ فلتوقف الأدلة الكلية على معرفة الباري تعالى وصدق المبلغ هو يتوقف على دلالة المعجزة». والأدلة الكلية وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والأدلة الكلية تشمل: الأدلة الإجمالية التي يستفاد منها الأدلة التفصيلية، والأدلة التي تثبت بها مسائل الأصول. قال في بيان المختصر: «الأدلة الكلية التي هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس من حيث هي أدلة تتوقف على معرفة الباري وصدق المبلغ وهو الرسول Mohamed peace be upon him.svg. وصدقه يتوقف على دلالة المعجزة على صدقه، وكل ذلك من الكلام».[21] وذكر الزركشي أن النظر في دليل الحكم في علم أصول الفقه يكون بعلم خمسة أشياء هي: كلام الله تعالى لمخاطب، وقدرة العبد كسبا ليكلف، وتعلق الكلام القديم بفعل المكلف ليوجد الحكم، ورفع التعلق فينسخ، وصدق المبلغ ليبين.[19] وقال بدر الدين الزركشي: والأولى أن يقال في وجه استمداده من علم الكلام: إن علم أصول الفقه فيه ألفاظ لا تعلم مسمياتها من غير أصول الدين لكنها تؤخذ مسلمة فيه، على أن يبرهن في غيره من العلوم، أو تكون مسلمة في نفسها. وهي العلم، والظن، والدليل، والأمارة، والنظر؛ لأن لفظ الطرق يشمل ذلك كله، والحكم أيضا، إذ لا بد فيه من خطاب شرعي، ولا يثبت ذلك بالدليل في غير أصول الدين، وما ذكر منه غير ما عددناه، فهو تبع، ولا بد من معرفة هذه الأمور في معرفة هذا العلم، ليتوقف منه إذن على بعضه لا على كله. وإلى هذا أشار ابن برهان وغيره.[19]

اللغة العربية[عدل]

اللغة العربية مادة من المواد الأساسية التي يبنى عليها علم أصول الفقه؛ لأن الأدلة الشرعية جاءت بلسان العرب، وهي تشتمل على ثلاثة فنون: علم النحو: وهو علم مجاري أواخر الكلم رفعا ونصبا وجرا وجزما. وعلم اللغة: وهي تحقيق مدلولات الألفاظ العربية في ذواتها. وعلم الأدب وهو: علم نظم الكلام، ومعرفة مراتبه على مقتضى الحال.[19] فعلم أصول الفقه يبحث في الأدلة الشرعية، وقد أنزل الله القرآن بلسان عربي مبين، على نبي عربي، فخطاب الله وخطاب رسول كلاهما خطاب شرعي، وفهمها يتوقف على معرفة اللغة العربية. وتوقف علم أصول الفقه على اللغة من جهة دلالة الألفاظ على الأحكام، وفهم ما يتعلق بها من الكتاب والسنة وغيرهما: متوقف على اللغة العربية، فإن كان من حيث المدلول: فهو علم اللغة (أي: علم معاني المفردات)، أو من أحكام تركيبها وهو علم النحو، أو من أحكام أفرادها وهو علم التصريف، أو من جهة مطابقته لمقتضى الحال، وسلامته من التعقيد، ووجوه الحسن وهو علم البيان بأنواعه الثلاثة.[18]

قال ابن الحاجب: «وأما العربية؛ فلأن الأدلة من الكتاب والسنة عربية». ويقتصر علم أصول الفقه في مباحثه اللغوية على ما يتوقف معرفة الدليل الشرعي عليه. وذكر في بيان مختصر ابن الحاجب: أن الأدلة التي تستفاد منها الأحكام الشرعية مأخوذة من الكتاب والسنة وهما عربيا الدلالة، فيتوقف دلالتهما على معرفة الموضوعات اللغوية من جهة الحقيقة والمجاز، والخصوص والعموم، والإفراد والتركيب، والاشتراك والترادف، والنقل والإضمار وغيرها.[20]

الفقه[عدل]

الفقه في اصطلاح علماء أصول الفقه يقصد علم فروع الفقه إذ هو المقصود بالذات، فلا يراد به الفقه بمعناه العام، وقد ذكر علماء أصول الفقه: أن الفقه مادة من المواد الأساسية التي يبنى عليها علم أصول الفقه؛ لأن الفقه مدلول أصول الفقه، وأصول الفقه أدلته، ولا يعلم الدليل مجردا من مدلوله.[19] واستمداد الأصول من الأحكام إنما يكون من جهة التصور؛ لأن قصد الأصولي يتوجه إلى معرفة كيفية استنباط الأحكام من الأدلة. وإلى هذا أشار ابن الحاجب بقوله: «وأما الأحكام؛ فالمراد: تصورها ليمكن إثباتها ونفيها، وإلا جاء الدور».[21] ومعرفة كيفية استنباط الأحكام يتوقف على تصور الأحكام. ولأن الأحكام إما محمولات المسائل، كقولنا: مقتضى الأمر: الوجوب، ومقتضى النهي: التحريم، أو متعلقاتها كقولنا: العام إذا خصص يكون حجة في الباقي فلا بد من تصورها ليمكن إثباتها أو نفيها. أما التصديق بالأحكام من حيث هي متعلقة بأفعال المكلفين على سبيل التفصيل، فلا يكون استمداد علم الأصول منه؛ لأن التصديق بها من مسائل فروع الفقه، وفروع الفقه يتوقف استنباطها على الأصول، فلو استمد الأصول منه لزم الدور وهو محال، بمعنى: أن علم أصول الفقه لا يستمد من من المسائل الفرعية ولا تكون مادة للأصول بل هي فرع الأصول؛ لأن هذا يؤدي إلى الدور وهو أن يكون الفرع أصلا والأصل فرعا. وذكر الزركشي ما قاله أبو العز المقترح في تعليقه على البرهان: أن ذكر الفقه في الأصول أمر لا بد منه من حيث الجملة، فيذكر الواجب بما هو واجب، والمندوب بما هو مندوب، لأن هذا القدر مبين حقيقة الأصول. وإنما المحذور أن يذكر جزئيات المسائل، فإن ذكرها يؤدي إلى الدور.[19][20]

الفرق بين علم أصول الفقه وعلم الفقه[22][عدل]

علم فروع الفقه[عدل]

علم الفقه هو: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المتعلقة بأفعال العباد في عباداتهم أو في معاملاتهم وعلاقتهم الأسرية وجناياتهم والعلاقات بين المسلمين بعضهم البعض، وبينهم وبين غيرهم، في السلم والحرب، وغير ذلك. والحكم على تلك الأفعال بأنها واجبة، أو محرمة، أو مندوبة، أو مكروهة، أو مباحة، وأنها صحيحية أو فاسدة، أو غير ذلك؛ بناء على الأدلة التفصيلية الواردة في الكتاب والسنة وسائر الأدلة المعتبرة.

وعلم الفقه هو: أيضاً العلم بالدليل الشرعي التفصيلي، من الكتاب أو السنة أو غيرهما، لكل مسألة من المسائل.

الفرق بين الفقه وأصول الفقه[عدل]

الفرق بين (الفقه) وبين (أصول الفقه) عند علماء الأصول هو: أن أصول الفقه هي: الأدلة الموصلة للفقه، والفقه هو: العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من الأدلة.

تعريف الفقه لغة واصطلاحا[عدل]

مبنى المدرسة المستنصرية التاريخي في بغداد

حيث أن «أصول الفقه» مركب من جزئين والجزء الثاني هو: «الفقه»، ومعناه في اللغة الفهم. وبالمعنى الشرعي هو: «معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد»، كالعلم بأن النية في الوضوء واجبة، وأن الوتر مندوب، وأن النية من الليل شرط في صوم رمضان، وأن الزكاة واجبة في مال الصبي، وغير واجبة في الحلي المباح، وأن القتل بمثقل يوجب القصاص، ونحو ذلك من مسائل الخلاف، بخلاف ما ليس طريقه الاجتهاد، كالعلم بأن الصلوات الخمس واجبة، وأن الزنا حرام، وغير ذلك من المسائل القطعية فلا يسمى فقها، فالمعرفة هنا العلم بمعنى الظن.[23] والفرق بين الفقه والعلم: أن الفقه بالمعنى الشرعي أخص من العلم لصدق العلم بالنحو وغيره، فكل فقه علم، وليس كل علم فقها.[24]

الْفِقْهُ في اللغة: الْفَهْمُ للشيء والعلم به، وفهم الأحكام الدقيقة والمسائل الغامضة، وهو في الأصل مطلق الفهم، وغلب استعماله في العرف مخصوصا بـعلم الشريعة؛ لشرفها على سائر العلوم،[25] وتخصيص اسم الفقه بهذا الاصطلاح حادث، واسم الفقه يعم جميع الشريعة التي من جملتها ما يتوصل به إلى معرفة الله ووحدانيته وتقديسه وسائر صفاته، وإلى معرفة أنبيائه ورسله عليهم السلام، ومنها علم الأحوال والأخلاق والآداب والقيام بحق العبودية وغير ذلك.[26] قال بدر الدين الزركشي: «وذكر الإمام الغزالي أن الناس تصرفوا في اسم الفقه فخصوه بعلم الفتاوى ودلائلها وعللها» واسم الفقه في العصر الأول كان يطلق على: «علم الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفس ومفسدات الأعمال وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة واستلاب الخوف على القلب».[27] وعرفه أبو حنيفة بأنه: «معرفة النفس مالها وما عليها»[28] وعموم هذا التعريف كان ملائماً لعصر أبي حنيفة الذي لم يكن الفقه فيه قد استقل عن غيره من العلوم الشرعية.[29] وعرف الشافعي الفقه بالتعريف المشهور بعده عند العلماء بأنه: «العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية».[30] وفي اصطلاح علماء أصول الفقه: «العلم بالأحكام الشرعية المكتسبة من أدلتها التفصيلية».[26]

ويسمي في اصطلاح المتأخرين علم الفقه ويطلق في العصور المتأخرة من التاريخ الإسلامي مخصوصا بالفروع، وهو أحد أنواع العلوم الشرعية، وهو: العلم بالأحكام الشرعية العملية المستمدة من أدلتها التفصيلية.[31] والفقيه العالم بالفقه، وعند علماء أصول الفقه هو المجتهد.

الفقه بالمعنى اللغوي[عدل]

الفِقْه بالمعنى اللغوي الْفَهْمُ، وأصله بالكسر والفعل فَقِهَ يَفْقَهُ بكسر القاف في الماضي وفتحها في المضارع، يقال: فَقِهَ الرجل أي: فهم، والمصدر فِقْهًا، وفلان لا يَفْقَهُ وَلَا يَنْقَه، مادته: (فِ قْ هـ)، وهو في الأصل لمعنى: مطلق الْفَهْمُ،[32] من فَقِهَ -بكسر الوسط- يقال: فَقِهَ الرجل فِقْهًا، وأَفْقَهْتُهُ الشيء، هذا أصله، ثم خص به علم الشريعة. والعالم به فَقِيهٌ. وقد فقه من باب ظرف أي: صار فقيها. وفَقَّهه الله تفقيها، وتفَقَّه إذا تعاطى ذلك، وفاقهه باحثه في العلم.[25] قال ابن حجر: «يقال: فَقُهَ بالضم إذا صار الفقه له سجية، وفقه بالفتح إذا سبق غيره إلى الفهم، وفَقِهَ بالكسر إذا فهم».[33]  وكلمة (فِقْه) في اللغة مصدر ماضيه في الأصل فَقِهَ -بكسر القاف- بمعنى: فَهْمُ الشي والعلم به مطلقا، أو مخصوصا بفهم الأشياء الغامضة والمسائل الدقيقة، ثم نقل لفظ (فقه) من معناه اللغوي بغلبة الاستعمال في العرف إلى معنى العلم بالدين. قال ابن منظور: «وغلب على علم الدين لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم كما غلب النجم على الثريا والعود على المندل».[34] قال ابن الأثير: «واشتقاقه من الشق والفتح، وقد جعله العرف خاصا بـعلم الشريعة، -شرفها الله تعالى-، وتخصيصا بـعلم الفروع منها».[35] قال ابن منظور: «والفقه في الأصل الفهم، يقال: أوتي فلان فقها في الدين أي فهما فيه. قال الله عز وجل: ﴿ليتفقهوا في الدين﴾[36] أي: ليكونوا علماء به، وفقهه الله، ودعا النبي Mohamed peace be upon him.svg لابن عباس فقال: «اللهم علمه الدين وفقهه في التأويل» أي: فهمه تأويله ومعناه، فاستجاب الله دعاءه وكان من أعلم الناس في زمانه بكتاب الله تعالى». وقال ابن سيده: «وفقه عنه بالكسر: فهم، ويقال: فقه فلان عني ما بينت له يفقه فقها إذا فهمه».[37] والفقه بمعنى: العلم بالشّيء، والفهم له، والفطنة فيه، وغلب على علم الدين لشرفه، وما ذكر في القرآن حكاية ما قاله قوم النبي شعيب، في قول الله تعالى: ﴿قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ﴾، فهو بمعنى: عدم الفهم مطلقا.[26] وقيل: هو عبارة عن كلّ معلوم تيقّنه العالم عن فكر.

الفقه في اللغة:[. 2] هو العلم، وخصه حملة الشرع بضرب من العلوم، ونقل ابن السمعاني عن ابن فارس: أنه إدراك علم الشيء، وقال الجوهري وغيره: هو الفهم، وقال الراغب هو التوسل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم. وفسر الفهم بمعرفة الشيء بالقلب، والعلم به، يقال: فهمت الشيء عقلته وعرفته، وفهمت الشيء فهما علمته، فلا يقصد فهم المعنى من اللفظ، ولا فهم غرض المتكلم، وقال أبو إسحاق وصاحب اللباب من الحنفية: «فهم الأشياء الدقيقة، فلا يقال: فقهت أن السماء فوقنا». قال القرافي: وهذا أولى؛ ولهذا خصصوا اسم الفقه بالعلوم النظرية، فيشترط كونه في مظنة الخفاء، فلا يحسن أن يقال فهمت أن الإثنين أكثر من الواحد، ومن ثم لم يسم العالم بما هو من ضروريات الأحكام الشرعية فقيها.[26] والفقه اللغوي مكسور القاف في الماضي والاصطلاحي مضمومها فيه.[38] يقال: فقه -بالكسر- فهو فاقه إذا فهم، وفقه -بالفتح- فهو فاقه أيضا إذا سبق غيره إلى الفهم، وفقه -بالضم- فهو فقيه إذا صار الفقه له سجية. ونقل الفقه إلى علم الفروع بغلبة الاستعمال كما أشار إليه ابن سيده بقوله: «غلب على علم الدين لسيادته وشرفه كالنجم على الثريا، والعود على المندل».[26]

تعريف أصول الفقه بالمعنى اللقبي[عدل]

أصول الفقه بالمعنى اللقبي هو التعريف الثاني لأصول الفقه باعتباره علما، ويقصد به العلم المسمى بـأصول الفقه، من حيث أن العلماء أطلقوا هذا اللفظ على العلم المخصوص الذي لقبوه: بـأصول الفقه. قال ابن الحاجب: «أما حده لقبا؛ فالعلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية».[12] والفن المسمى بـأصول الفقه هو: «طرق الفقه الإجمالية وكيفية الاستدلال بها وصفة المستدل بها»، وما يتوصل به إلى الأدلة على سبيل الإجمال هو: الكلام على هذه الأدلة ووجهها وترتيبها والاستنباط والترجيح والتعارض وكيفيات الاستدلال وشروطه وصفات المجتهد. والأدلة الموصلة إلى العلم هي: القواعد الكلية التي أخذت من الكتاب والسنة والإجماع؛ لأنها هي العمدة في الاستدلال، وهي: طرق الفقه. ومعنى: طرق الفقه على سبيل الإجمال مثل: مطلق الأمر من حيث أنه للوجوب، والنهي من حيث أنه للتحريم عند الإطلاق، وفعل النبي Mohamed peace be upon him.svg والإجماع والقياس والاستصحاب، من حيث أنها حجج وغير ذلك، وما يتعلق به. بخلاف طرقه على سبيل التفصيل مثل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ «وصلاته Mohamed peace be upon him.svg في الكعبة» كما أخرجه الشيخان. قال ابن حجر العسقلاني: «والصلاة في الكعبة ثابت في الصحيحين، لكن لم يثبت أن النبي Mohamed peace be upon him.svg صلى فيها الفرض».[39] وروى مسلم عن يحيى بن يحيى التميمي قال قرأت على مالك عن نافع «عن ابن عمر أن رسول الله Mohamed peace be upon him.svg دخل الكعبة هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي فأغلقها عليه ثم مكث فيها، قال ابن عمر فسألت بلالا حين خرج ما صنع رسول الله Mohamed peace be upon him.svg؟ قال: جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثم صلى».[40][41] وأيضا: كالإجماع على أن لبنت الابن السدس مع بنت الصلب حيث لا عاصب لهما. وقياس الأرز على البر في امتناع بيع بعضه ببعض، إلا مثلاً بمثل يداً بيد، كما رواه مسلم في صحيحه.[42] واستصحاب الطهارة لمن شك في بقائها، فكلها ليست من أصول الفقه وإن ذكر بعضها في كتبه تمثيلاً.

وكيفية الاستدلال بها أي: بطرق الفقه من حيث تفصيلها عند تعارضها لكونها ظنية من تقديم الخاص على العام والمقيد على المطلق وغير ذلك. وكيفية الاستدلال بها تجر إلى صفات من يستدل بها وهو المجتهد. فهذه الثلاثة هي الفن المسمى بأصول الفقه لتوقف الفقه عليه.[43] فهو يبحث في الأدلة الإجمالية، وكيفية الإستفادة منها، وحال المستفيد. والأدلة الإجمالية مثل قولهم الأمر للوجوب والنهي للتحريم والصحة تقتضي النفوذ فيخرج بذلك الأدلة التفصيلية فلا تذكر في أصول الفقه إلا على سبيل التمثيل على القاعدة.[44]

كيفية الاستفادة منها أي: معرفة كيف يستفيد الأحكام من أدلتها بدراسة أحكام الألفاظ ودلالاتها من عموم وخصوص وإطلاق وتقييد وناسخ ومنسوخ وغير ذلك فإنه بإدراكه يستفيد من أدلة الفقه أحكامها.

ومعرفة حال المستفيد وهو المجتهد وسميّ مستفيداً لأنه يستفيد (يستنبط) بنفسه الأحكام من أدلتها لبلوغه مرتبة الاجتهاد فمعرفة المجتهد وشروط الاجتهاد وحكمه ونحو ذلك يبحث في أصول الفقه.

الأصول التي يبنى الفقه عليها[عدل]

الأصول التي يبنى عليها الفقه هي الأدلة الإجمالية للفقه أو هي: أدلة الأحكام الشرعية، قال أبو حامد الغزالي في أدلة الأحكام وهي أربعة: الكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل المقرر على النفي الأصلي، فأما قول الصحابي وشريعة ما قبلنا فمختلف فيه.[45] والأصل الأول من أصول الأدلة: كتاب الله تعالى، ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس، قال بدر الدين الزركشي: اختلف العلماء في عدد الأصول التي يبنى عليها الفقه، فالجمهور على أنها أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. قال الرافعي في باب القضاء: وقد يقتصر على الكتاب والسنة، ويقال: الإجماع يصدر عن أحدهما، والقياس الرد إلى أحدهما فهما أصلان. قال في المطلب: وفيه منازعة لمن جوز انعقاد الإجماع لا عن أمارة، ولا عن دلالة، وجوز القياس على المحل المجمع عليه. قال أبو حامد الغزالي في المستصفى: «واعلم أنا إذا حققنا النظر بأن أن أصل الأحكام واحد، وهو قول الله تعالى، إذ قول الرسول Mohamed peace be upon him.svg ليس بحكم ولا ملزم، بل هو مخبر عن الله تعالى أنه حكم بكذا وكذا، فالحكم لله تعالى وحده، والإجماع يدل على السنة، والسنة على حكم الله تعالى. وأما العقل فلا يدل على الأحكام الشرعية، بل يدل على نفي الأحكام عند انتفاء السمع، فتسمية العقل أصلا من أصول الأدلة تجوز على ما يأتي تحقيقه».[45] وفي كلامه: أنا إذا نظرنا إلى ظهور الحكم في حق من تعلق به؛ فلا يظهر إلا بقول الرسول إذ لا يصل إلينا ما جاء من عند الله إلا بواسطته، فباعتبار المظهر لهذه الأحكام فهو قول الرسول فقط، إذ الإجماع يدل على أنهم استندوا إلى قوله. وإن اعتبرنا السبب الملزم فهو واحد وهو حكم الله تعالى، لكن إذا لم نجرد النظر وجمعنا المدارك صارت الأصول التي يجب النظر فيها أربعة كما سبق.[45] واختصر بعضهم فقال: أصل ومعقول أصل، فالأصل للكتاب والسنة والإجماع، ومعقول الأصل هو القياس. قال ابن السمعاني: وأشار الشافعي إلى أن جماع الأصول نص ومعنى، فالكتاب والسنة والإجماع داخل تحت النص، والمعنى هو القياس، وزاد بعضهم العقل فجعلها خمسة. وقال أبو العباس بن القاص: الأصول سبعة: الحس، والعقل، والكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، واللغة. قال الزركشي: والصحيح: أنها أربعة، وأما العقل: فليس بدليل يوجب شيئا أو يمنعه، وإنما تدرك به الأمور فحسب، إذ هو آلة العارف، وكذلك الحس لا يكون دليلا بحال؛ لأنه يقع به درك الأشياء الحاضرة. وأما اللغة: فهي مدركة اللسان، ومطية لمعاني الكلام، وأكثر ما فيه معرفة سمات الأشياء ولا حظ له في إيجاب شيء.[46] وقال الجيلي في الإعجاز: أنها أربعة: الكتاب والسنة والقياس ودليل البقاء على النفي الأصلي، وردها القفال الشاشي إلى واحد فقال: أصل السمع هو كتاب الله تعالى، وأما السنة والإجماع والقياس فمضاف إلى بيان الكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿تبيانا لكل شيء﴾ وقوله: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾.

روي عن ابن مسعود أنه لعن الواصلة والمستوصلة، وقال: «ما لي لا ألعن من لعنه الله». فقالت امرأة: قرأت كتاب الله فلم أجد فيه ما تقول، فقال: «إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ وأن النبي Mohamed peace be upon him.svg لعن الواصلة والمستوصلة».[47] وجاء في رواية مسلم بلفظ: «لعن الله الواصلة والمستوصلة».[48] فأضاف عبد الله بن مسعود بلطيف حكمته قول الرسول إلى كتاب الله، وعلى هذا إضافة ما أجمع عليه مما لا يوجد في الكتاب والسنة نصا. قال بدر الدين الزركشي: «قلت: ووقع مثل ذلك للشافعي في مسألة قتل المحرم للزنبور». قال الأستاذ أبو منصور: وفي هذا دليل على أن الحكم المأخوذ من السنة أو الإجماع أو القياس مأخوذ من كتابه سبحانه؛ لدلالة كتابه على وجوب اتباع ذلك كله.[49]

مقدمات[عدل]

العلم والجهل[عدل]

العلم معرفة المعلوم، أي إدراك ما من شأنه أن يعلم على ما هو به في الواقع، كإدراك الإنسان بأنه حيوان ناطق. ومقابل العلم الجهل، وعرفه إمام الحرمين بأنه: تصور الشيء، أي: إدراكه على خلاف ما هو به في الواقع، كإدراك الفلاسفة أن العالم وهو ما سوى الله تعالى قديم. وعلى ما ذكره إمام الحرمين فعدم العلم لا يسمى جهلا. وبعض علماء الأصول قسم الجهل إلى قسمين: بسيط ومركب، فالجهل البسيط عدم العلم بالشيء، كعدم علمنا بما تحت الأرضين، وبما في بطون البحار، والجهل المركب: إدراك الشيء على خلاف ما هو به في الواقع، وهو أسوء القسمين؛ لأن الجاهل المركب يجهل الحقيقة ويجهل في نفس الوقت أنه جاهل بها.

وينقسم العلم إلى ضروري ومكتسب، فالعلم الضروري ما لم يقع عن نظر واستدلال، كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، وهي: السمع والبصر واللمس والشم والذوق، فإنه يحصل بمجرد الإحساس بها من غير نظر واستدلال. وأما العلم المكتسب فهو الذي يفتقر في حصوله على النظر والاستدلال، كالعلم بأن العالم حادث، فإنه موقوف على النظر في العالم وما نشاهده فيه من التغير، فينتقل من تغيره إلى حدوثه.

والنظر هو الفكر في حال المنظور فيه ليؤدي إلى المطلوب. والاستدلال طلب الدليل ليؤدي إلى المطلوب فمؤدى النظر والاستدلال واحد لكن جمع إمام الحرمين بينهما في الإثبات والنفي تأكيدا. والدليل هو المرشد إلى المطلوب؛ لأنه علامة عليه. والظن تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر عند المجوز. والشك تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر عند المجوز، فالتردد في قيام زيد ونفيه على السواء شك، ومع رجحان الثبوت أو الانتفاء ظن.

أبواب أصول الفقه[عدل]

علم أصول الفقه عبارة عن مجموع طرق الفقه وكيفية الاستدلال بها وكيفية حال المستدل بها، وأبواب أصول الفقه أو موضوعاته التي يتناولها البحث فيه تشمل: المقدمات وهي عبارة عن مبادئ وتعريفات وأوليات ومنها: تعريف أصول الفقه بمعناه الإضافي واللقبي، وتعريف الفقه في اللغة والاصطلاح، وتعريف الأصول، ومبادئ علم أصول الفقه ومنها: حده أي: تعريفه وموضوعه ومباحثه واسمه وحكمه وغير ذلك. والعلم والجهل والشك والظن والنظر والاستدلال. ثم اللغات إذ أن معرفة نصوص الأدلة الشرعية تحتاج إلى معرفة اللغة، وهي الألفاظ ودلالاتها والحقيقة والمجاز والعام وصيغ العموم، والخاص والتخصيص وأقسام المخصص، والمجمل والبيان والنص والظاهر والمؤل، والأمر والنهي والعموم والخصوص والمجمل والمبين، ومن أبواب أصول الفقه: أقسام الحكم الشرعي، الخطاب التكليفي وخطاب الوضع، والصحيح والباطل أو الفاسد والشروط والموانع والأسباب. والأفعال والناسخ والمنسوخ والنسخ ومسائله بين الكتاب والسنة ونسخ الآحاد بالآحاد وبالمتواتر، والتعارض، والإجماع وبيان حجيته، وحجية قول الصحابي، والأخبار والمسند والقياس والاستصحاب، والتراجيح والاستفتاء وشروط المفتي أو المجتهد وشروط المستفتي، والاجتهاد،[50] والأمور التي اختلف المجتهدون في أنها هل هي طرق للأحكام الشرعية أم لا.[51]

وفي متن الورقات لأبي المعالي الجويني: أبواب أصول الفقه: أقسام الكلام والأمر والنهي والعام والخاص ويذكر فيه المطلق والمقيد والمجمل والمبين والظاهر، وفي بعض النسخ والمؤول، والأفعال والناسخ والمنسوخ والإجماع والأخبار والقياس والحظر والإباحة وترتيب الأدلة وصفة المفتي والمستفتي وأحكام المجتهدين.[52] قال إمام الحرمين في منظومة الورقات:

أَبْوَابُها عشْرُونَ بابًا تُسْرَدُ وفي الْكِتَابِ كُلُّها سَتُورَدُ
وتِلْكَ أَقْسَامُ الْكَلاَمِ ثُمَّا أمرٌ ونهيٌ ثُمَّ لَفْظٌ عمَّا
أَو خَصَّ أو مُبَيَّنٌ أو مُجْمَلُ أو ظَاهِرٌ مَعْنَاهُ أو مُؤَوَّلُ
وَمُطْلَقُ الأَفْعَالِ ثُمَّ مَا نَسَخْ حُكْمًا سِوَاه ثُمَّ مَا بِهِ انْتَسَخْ
كَذَلِكَ الإِجْمَاعُ والأَخبارُ مَعْ حَظْرٍ ومَعْ إباحةٍ كُلٌّ وقَعْ
كَذَا الْقِيَاسُ مُطْلَقًاً لِعِلَّهْ في الأَصْلِ والتَّرْتِيبُ للأَدِلَّةْ
وَالْوَصْفُ في مُفْتٍ ومُسْتَفْتٍ عُهِدْ وَهَكَذَا أَحْكَامُ كُلِّ مُجْتَهِدْ.

المجتهد[عدل]

المجتهد في اصطلاح علماء أصول الفقه هو: الفقيه بمعى: الذي لديه قدرة على ممارسة الإجتهاد وهو: ملكة علمية تمكنه من استنباط الأحكام من أدلتها، وتمكنه من تولي القضاء والإفتاء بشروطه. ولا يطلق الفقيه عند علماء الأصول إلا على المجتهد من أصحاب المذاهب الفقهية، الذي استوفى شروط الإجتهاد، وأما عند غير علماء الأصول فيطلق لفظ: (فقيه) على المشتغل بالفقه، وأيضا ليتمز عن (المحدث) وهو المشتغل بعلم الحديث، كما قد يطلق لفظ (مجتهد) بمعنى: المتحري أو الباحث، أو غير ذلك.

وأصول الفقه: هو الذي يبين لنا من الشخص الذي يستطيع الاستنباط، وما هي مؤهلاته، سواء كان ممن أسسوا المدارس الفقهية، أو من غيرهم كالمقلد الذي يتولى منصب الإفتاء أوالقضاء.

تاريخ علم أصول الفقه[عدل]

تاريخ التأسيس والتطور[عدل]

كان الاستدلال الفقهي للأحكام الشرعية في بدايات التاريخ الإسلامي يبنى على أصول الفقه التي كانت حاضرة في أذهان فقهاء الصحابة وكانوا إذا استنبطوا أحكاماً شرعية لتطبيقها على وقائع جديدة؛ يصدرون استنباطهم عن أصول مستقرة في أنفسهم، علموها من نصوص الشريعة وروحها، ومما أخذوه وعايشوه، وربما صرح بعضهم في بعض المسائل بالأصل الذي استند إليه في استنباطه للحكم الفرعي، كقول علي رضي الله عنه في عقوبة شارب الخمر: «إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحده حد المفترين». والمفتري هو القاذف الذي ورد في قول الله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولاتقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون﴾. فيكون علي قد قرر أن علة الافتراء هي السكر، فيحكم على السكران بحكم المفتري أو القاذف، وبذلك يكون قد قرر قاعدة أصولية.

وفي عهد التابعين ومن بعدهم كثرت الحاجة إلى الاستنباط، لكثرة الحوادث التي نشأت عن دخول بلاد شاسعة تحت الحكم الإسلامي. فتخصص في الفتيا كثير من فقهاء التابعين، فاحتاجوا إلى أن يسيروا في استنباطهم على قواعد محددة، ومناهج معروفة، وأصول واضحة. وكان لبعضهم كلام واضح في أثناء كلامهم في علم الفقه.

غير أن علم أصول الفقه بمعناه العلمي الذي يقصد به الفن الموضوع بقوانين، لم يتميز عن غيره إلا في القرن الثاني الهجري، وكان للإمام الشافعي الدور الأساسي في جمع مباحث الأصول في كتابه: «الرسالة»، إضافة إلى تجديد وإضافة القواعد الأساسية في علم الأصول حتى تم تعديله وشرحه وإضافه القواعد الأخرى على يد العلماء العاملين من مختلف المذاهب الإسلامية.[53]

قال ابن خلدون في تاريخه: «واعلم أن هذا الفن من الفنون المستحدثة في الملة»، حيث لم يكن موجودا بهذا المسمى في الصدر الأول من عصر السلف؛ لأنهم كانوا في غنية عنه بما أن استفادة المعاني من الألفاظ لا يحتاج فيها إلى أزيد مما عندهم من الملكة اللسانية، وأما القوانين التي يحتاج إليها المجتهد في استفادة الأحكام خصوصا؛ فمنهم أخذ معظمها، وأما الأسانيد فلم يكونوا يحتاجون إلى النظر فيها لقرب العصر وممارسة النقلة وخبرتهم بهم.[54]

وبعد حقبة الصدر الأول من السلف وتحول العلوم كلها صناعة، بدء تطور العلوم الشرعية، من خلال تدوين المذاهب الفقهية، وكانت هناك طريقتان في الاستدلال: طريقة أصحاب الرأي في العراق، وكان أشهر أعلامهم أبو حنيفة النعمان ثم أصحابه من بعده، وطريقة أصحاب الحديث في الحجاز، وكان أشهر أئمتهم مالك بن أنس ثم الشافعي من بعده، وكانت المذاهب الفقهية تعمتد على أصول فقهية تبنى عليها، وكان أصحاب الرأي أكثر اهتماما بقواعد الاستدال العقلي، بينما كان أهل الحديث لكثرة اعتمادهم على النص كانوا أكثر تعرضا لذكر الدلائل من أهل الرأي. وكان اتجاه المذاهب الفقهية قبل الشافعي إلى جمع المسائل وترتيبها وردها إلى أدلتها التفصيلية عندما تكون دلائلها نصوصا. فلما جاء الشافعي بمذهبه الجديد كان قد درس المذهبين ولاحظ ما فيهما من نقص بدا له أن يكمله وأخذ ينقض بعض التفريعات من ناحية خروجها عن متابعة نظام متحد في طريق الاستنباط. وذلك يشعر باتجاهه الجديد في الفقه الذي لم يقتصر على الفروع فقط، بل اتجه إلى الاهتمام بأصول الفقه، التي لم تكن مقصورة على مذهبه الفقهي، بل لتكون منهجا عاما للاستدلال.

قال ابن خلدون: «احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الأحكام من الأدلة فكتبوها فنا قائما برأسه سموه أصول الفقه. وكان أول من كتب فيه الشافعي رضي الله تعالى عنه أملى فيه رسالته المشهورة تكلم فيها في الأوامر والنواهي والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة المنصوصة من القياس ثم كتب فقهاء الحنفية فيه وحققوا تلك القواعد وأوسعوا القول فيها وكتب المتكلمون أيضا كذلك».[55]

تحرير[عدل]

بدء تدوين علم أصول الفقه بعد فترة الصدر الأول من السلف، وظهور عصر التدوين للعلوم الشرعية، الذي احتاج فيه الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الأحكام من الأدلة فكتبوها فنا قائما برأسه مستقلا عن غيره من العلوم سموه أصول الفقه. قال ابن خلدون: «وكان أول من كتب فيه الشافعي رضي الله تعالى عنه أملى فيه رسالته المشهورة تكلم فيها في الأوامر والنواهي والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة المنصوصة من القياس». ثم كتب فقهاء الحنفية في هذا الفن بعد الشافعي، وحققوا تلك القواعد وأوسعوا القول فيها، وكتب المتكلمون أيضا كذلك، إلا أن كتابة الفقهاء فيها أمس بالفقه وأليق بالفروع لكثرة الأمثلة ومنها والشواهد وبناء المسائل فيها على النكت الفقهية. وأما المتكلمون فإنهم يجردون صور تلك المسائل على الفقه ويميلون إلى الاستدلال العقلي ما أمكن؛ لأنه غالب فنونهم ومقتضى طريقتهم. قال ابن خلدون: «فكان لفقهاء الحنفية فيها اليد الطولى من الغوص على النكت الفقهية والتقاط هذه القوانين من مسائل الفقه ما أمكن، وجاء أبو زيد الدبوسي من أئمتهم فكتب في القياس بأوسع من جميعهم وتمم الأبحاث والشروط التي يحتاج إليها فيه، وكملت صناعة أصول الفقه بكماله وتهذبت مسائله وتمهدت قواعده».

وعني الناس بطريقة المتكلمين في هذا الفن وكان من أحسن ما كتب فيه المتكلمون كتاب: «البرهان» لإمام الحرمين، وكتاب «المستصفى» لأبي حامد الغزالي، وهما من الأشعرية، وكتاب: «العهد» لعبد الجبار وشرحه «المعتمد» لأبي الحسين البصري وهما من المعتزلة، وكانت هذه الأربعة الكتب قواعد هذا الفن وأركانه، ثم لخص هذه الكتب الأربعة من المتأخرين الإمام فخر الدين بن الخطيب، في كتاب: «المحصول»، وسيف الدين الآمدي في كتاب: «الأحكام». واختلفت طرائقهما في الفن بين التحقيق والحجاج، فقد كان فخر الدين ابن الخطيب أميل إلى الاستكثار من الأدلة والاحتجاج، وكان سيف الدين الآمدي أكثر اهتماما بتحقيق المذاهب، وتفريع المسائل.

وكتاب المحصول لابن الخطيب اختصره تلميذه سراج الدين الأرموي في كتاب: «التحصيل»، واختصره تاج الدين الأرموي في كتاب: «الحاصل»، واقتطف شهاب الدين القرافي منهما أي: من الكتابين: مقدمات وقواعد في كتاب صغير سماه«التنقيحات»، وكذلك فعل البيضاوي في كتاب: «المنهاج». واعتنى المبتدئون بهذين الكتابين، وشرحهما كثير من الناس. وأما كتاب: «الأحكام» لسيف الدين الآمدي فقد كان أكثر تحقيقا في المسائل، وقد لخصه أبو عمر ابن الحاجب في كتابه المعروف بـ«المختصر الكبير»، ثم اختصره في كتاب آخر تداوله طلبه العلم وعني أهل المشرق والمغرب به وبمطالعته وشرحه وحصلت زبدة طريقة المتكلمين في هذا الفن في هذه المختصرات.[56]

وأما طريقة الحنفية في هذا الفن؛ فقد كتبوا فيها كثيرا، وكان من أحسن كتابة فيها للمتقدمين تأليف أبي زيد الدبوسي، وأحسن كتابة المتأخرين فيها تأليف سيف الإسلام البزدوي -من أئمة الحنفية- وهو مستوعب لطريقتهم، وجاء ابن الساعاتي -من فقهاء الحنفية- فجمع بين كتاب الأحكام، وكتاب البزدوي في الطريقتين في كتابه الذي سماه: بـ«البدائع»، قال عنه ابن خلدون: «فجاء من أحسن الأوضاع وأبدعها وأئمة العلماء لهذا العهد يتداولونه قراءة وبحثا وأولع كثير من علماء العجم بشرحه والحال على ذلك لهذا العهد».[57]

واضعه[عدل]

واضع علم أصول الفقه وأول من دون هذا العلم ليكون علماً مستقلا بموضوع دراسته هو الشافعي، وهذا لا ينافي أن يكون هناك من تحدث عن أصول الفقه من قبله، فقد كان فقهاء الصحابة ثم فقهاء التابعين ومن تبعهم من أصحاب المذاهب الفقهية كانوا يستنبطون الأحكام الشرعية وفق أصول يعتمدون عليها في الاجتهاد الفقهي، إلا أن هذه الأصول التي كانت بمثابة أدلة الفقه بوجه عام وطرق استخدامها وتطبيقها في الاجتهاد لم تكن بمعنى العلم المدون، بل كانوا يتقنون قواعد الاستدلال من خلال معرفتهم بها بالممارسة. وقد كان الشافعي من المتصدرين في وضع القواعد اللغوية، وتأسيس قواعد مهمة في علم التفسير والحديث.[58]

قال ابن خلدون: «احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الأحكام من الأدلة فكتبوها فنا قائما برأسه سموه أصول الفقه وكان أول من كتب فيه الشافعي رضي الله تعالى عنه أملى فيه رسالته المشهورة، تكلم فيها في الأوامر والنواهي والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة المنصوصة من القياس. ثم كتب فقهاء الحنفية فيه، وحققوا تلك القواعد وأوسعوا القول فيها، وكتب المتكلمون أيضا».[59]

أول من صنف في الأصول[عدل]

قال بدر الدين الزركشي: «الشافعي رضي الله عنه أول من صنف في أصول الفقه صنف فيه كتاب الرسالة، وكتاب أحكام القرآن، واختلاف الحديث، وإبطال الاستحسان، وكتاب جماع العلم، وكتاب "القياس" الذي ذكر فيه تضليل المعتزلة ورجوعه عن قبول شهادتهم، ثم تبعه المصنفون في الأصول». قال الإمام أحمد بن حنبل: «لم نكن نعرف الخصوص والعموم حتى ورد الشافعي». وقال الجويني في شرح الرسالة: «لم يسبق الشافعي أحد في تصانيف الأصول ومعرفتها». وقد حكي عن ابن عباس: تخصيص عموم، وعن بعضهم: القول بالمفهوم، ومن بعدهم لم يقل في الأصول شئ ولم يكن لهم فيه قدم، فإنا رأينا وكتب السلف من التابعين وتابعي التابعين وغيرهم لم ينقل عنهم فيها أنهم صنفوا فيه.[60] قال بدر الدين الزركشي: «واعلم أن الشيخ أبا الحسن الأشعري كان يتبع الشافعي في الفروع والأصول وربما يخالفه في الأصول، كقوله بتصويب المجتهدين في الفروع، وليس ذلك مذهب الشافعي، وكقوله: "لا صيغة للعموم"».

قال الشيخ أبو محمد الجويني: «ونقل مخالفته أصول الشافعي ونصوصه وربما ينسب المبتدعون إليه ما هو بريء منه كما نسبوا إليه أنه يقول: ليس في المصحف قرآن، ولا في القبور نبي، وكذلك الاستثناء في الإيمان ونفي قدرة الخالق في الأزل، وتكفير العوام، وإيجاب علم الدليل عليهم. وقد تصفحت ما تصحفت من كتبه، وتأملت نصوصه في هذه المسائل فوجدتها كلها خلاف ما نسب إليه».

وقال ابن فورك في كتاب شرح كتاب المقالات للأشعري في مسألة تصويب المجتهدين: «اعلم أن شيخنا أبا الحسن الأشعري يذهب في الفقه ومسائل الفروع وأصول الفقه أيضا مذهب الشافعي ونص قوله في كتاب التفسير في باب إيجاب قراءة الفاتحة على المأموم: خلاف قول أبي حنيفة، والجهر بالبسملة: خلاف قول مالك، وفي إثبات آية البسملة في كل سورة آية منها قرآنا منزلا فيها، ولذلك قال في كتابه في أصول الفقه بموافقة أصوله».[61]

وضع الشافعي لعلم أصول الفقه[عدل]

من جهة أخرى فقد قيل إن أول من صنف في علم أصول الفقه وضبط القواعد هما: أبو يوسف، ومحمد تلميذا أبي حنيفة، وقيل: بل أبو يوسف وحده هو أول من صنف في علم أصول الفقه، إلا أنه لم يصل من ذلك شيء من الكتب في هذا المجال. وفي قول ثالث: إن أول من كتب في أصول الفقه هو أبو حنيفة النعمان حيث كتب كتاباً أسماه كتاب الرأي، ولكن لم يصل من ذلك شيء،[62] والذي اشتهر قديما وحديثا: أن الشافعي أول من دون في علم أصول الفقه، وكتب فيه بصورة مستقلة في كتابه المشهور: الرسالة -وهو كتاب متداول مطبوع- وقد صرح بذلك جمع كابن خلكان وابن خلدون.[63]

قال الرازي: «اتفق الناس على: إن أول صنف في هذا العلم -أي: علم أصول الفقه- الشافعي، وهو الذي رتب أبوابه وميز بعض أقسامه من بعض وشرح مراتبها في القوة والضعف».

وروى: أن عبد الرحمن بن مهدي التمس من الشافعي وهو شاب أن يضع له كتابا يذكر فيه شرائط الاستدلال بالقران والسنة، والإجماع والقياس، وبيان الناسخ والمنسوخ ومراتب العموم والخصوص فوضع الشافعي رضى الله عنه: «الرسالة» وبعثها إليه، فلما قرأها عبد الرحمن بن المهدي قال: ما أظن أن الله عز وجل خلق مثل هذا الرجل.

قال الرازي: «واعلم: أن نسبة الشافعي إلى علم الأصول كنسبة ارسططاليس إلى علم المنطق وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض».[64] بمعنى أنه أول من جمع كتابا شاملا حول هذا الموضوع بالذات، فالخليل بن أحمد هو أول من وضع علم العروض، وصاغ قواعده، وقد كان نظم الشعر قبله يعتمد على القريحة وبمجرد الطبع. وكذلك قبل الإمام الشافعي، وأضاف فخر الدين الرازي: كان الذين يتكلمون في مسائل أصول الفقه ويستدلون ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة وفي كيفية معارضتها، وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي علم (أصول الفقه) ووضع للخلق قانونا كليا يرجع إليه في معرفة أدلة الشرع.[65][66] ويقول الرازي: «واعلم إن الشافعي صنف كتاب: الرسالة ببغداد ولما رجع إلى مصر أعاد تصنيف كتاب: الرسالة وفي كل واحد منهما علم كثير».[67][68] وفي كتب طبقات الفقهاء للقاضي شمس الدين العثماني الصفدي: «وابتكر الشافعي ما لم يسبق إليه من ذلك أصول الفقه فانه أول من صنف أصول الفقه بلا خلاف». قال صاحب كتاب كشف الظنون: «وأول من صنف فيه الإمام الشافعي» ذكره الأسنوي في التمهيد وحكى الإجماع فيه.[69]

وذكر ابن النديم في كتاب الفهرست في ترجمة محمد بن الحسن ذكر كتاب له يسمى كتاب أصول الفقه. ويقول الموفق المكي في كتابه: مناقب الإمام الأعظم نقلا عن طلحة بن محمد بن جعفر: إن ابا يوسف أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة.[70] ونقل ذلك طاش كيري زاده في كتابه مفتاح السعادة.[71] ولم يرد كتاب في هذا العدد فيما أورده صاحب الفهرست لأبي يوسف من الكتب، وإذا صح إن لأبي يوسف أو لمحمد كتابا في أصول الفقه؛ فهو فيما يذكر فيه لتأييد ما كان يأخذ به أبو حنيفة مما يخالف فيه أهل الحديث من الاستحسان، والقول بان أبا يوسف هو أول من تكلم في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة لا يعارض القول بان الشافعي هو الذي وضع أصول الفقه علما ذا قواعد عامه يرجع إليها كل مستنبط لحكم شرعي وقد لا يكون بعيدا عن غرض الشافعي في وضع أصول الفقه: إن يقرب الشقة بين أهل الرأي وأهل الحديث ويمهد للوحدة التي دعا إليها الإسلام.[72]

أدلة الفقه أو أدلة الأحكام[عدل]

أدلة الفقه أو أصول الفقه (بالمعنى الإضافي) عند علماء أصول الفقه، هي: موضوع علم الأصول، قد يسميها البعض أدلة الأحكام أو الأدلة الشرعية، بمعنى: الأدلة الموصلة للفقه والدليل عند علماء الأصول، في اللغة هو: (المرشد)، وفي الاصطلاح هو: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبري، أو: ما يتخذ حجةً على أن المبحوث عنه حكم شرعي.[73]

الأدلة الشرعية[عدل]

الأدلة الشرعية هي: يتوصل بها المجتهد إلى الأحكام الشرعية، وكونها شرعية بمعنى: أن تؤخذ من الشرع، والشرع هو: (ما شرعه الله على لسان نبيه من الأحكام) فالله تعالى هو المشرع للأحكام، ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم: مبلغ لما جاء من عند الله بالوحي، ومبين له، وكتاب الله، وسنة رسوله هما: الوحيان، والأصلان، لكل الأدلة الأخرى، التي تعتمد عليهما، ولا تكون دليلا شرعيا إلا إذا استندت عليهما.

الأدلة المتفق عليها[عدل]

الأدلة الشرعية المتفق عليها عند جمهور الفقهاء أربعة هي:

  1. الكتاب وهو: القرآن الكريم.
  2. السنة وهي: الحديث النبوي، بمعنى: أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وأفعال وتقريراته وصفاته.
  3. والإجماع.
  4. القياس.

الأدلة والاستدلال[عدل]

الأدلة المتفق عليها، هي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وما عداها من الأدلة الأخرى مختلف فيها، بمعنى: أنها أدلة شرعية يستدل بها المجتهد، لكن لا يعد كل واحد منها أصلا متفقا عليه، بل يؤخذ ببعضها عند بعض العلماء، ويخالفه آخرون، وعدم الأخذ بها لا يعني إنكارها بالكلية، بل من حيث الاعتبارات المتعلقة في الأخذ بها. فالمجتهد يأخذ أولاً بنص الكتاب والسنة ثم الإجماع، فإن لم يجد دليلا صريحا؛ أنتقل إلى الاستدلال بالقياس، أو الاستقراء أو غيرها الأدلة الأخرى. وهذا الإستدلال ليس أصلا مستقلا بذاته، بل لا بد أن يستند ألى نص من الكتاب والسنة أو الإجماع.
والتفقه في الدين والاستدلال، واستنباط المجتهد للأحكام الشرعية من المهمات الشرعية، وقد جاء رجل إى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ولدت له امرأته ولدا أسود، فقال له الرسول ألك جمال؟ قال نعم، قال: مالونها؟ قال: كذا، قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم، قال: فمن أين جاء الأورق؟ قال: لعله نزعه عرق، قال: وكذلك ولدك لعله نزعه عرق.

الأدلة[عدل]

أنواع الأدلة[عدل]

الأدلة الشرعية ثلاثة أنواع:

النوع الأول: وهو النص ومصدره: (الوحي) أي: ما أوحى به الله تعالى، وأنزله على رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، من الأحكام، وهو أساس الدين كله، وذلك لا ينطبق إلا على الكتاب والسنة، وأي دليل يأتي بعدهما فهو كاشف عن دليل من الكتاب والسنة، وذلك لا خلاف عليه بين جميع علماء المسلمين على مر العصور.

النوع الثاني: هو ما اتفق عيه جمهور علماء المسلمين، وهما الإجماع والقياس أو العقل كما يسميه بعض علماء الأصول.

النوع الثالث: وهو ما اختلف علماء الأصول على الاستدلال بهم، مثل: المصالح المرسلة والاستحسان والاستصحاب، وغيرها، فبعض المذاهب تقف عند الأدلة الأربعة، والبعض الآخر يضيف دليلاً أو اثنين أو غير ذلك من الأدلة الأخرى المختلف عليها، ولكن لا يوجد من العلماء من يأخذ بكل الأدلة المختلف عليها.

الحكم الشرعي[عدل]

الحكم الشرعي هو: (خطاب الشرع المتعلق بالمكلف، اقتضاء أو تخييرا أو وضعا). والشرع: "ماشرعه الله على لسان نبيه من أحكام" فالحكم الشرعي هو: "ما اقتضى الشرع فعله أو تركه أو التخيير بين الفعل والترك، وما وضعه الشرع متعلقا بحكم شرعي".

أقسام الحكم الشرعي[عدل]

الحكم الشرعي إما أن يكون من قبيل الاقتصاء، أو التخيير، أو الوضع، فهو ثلاثة أقسام، لكن يدخل التخيير ضمن الاقتضاء فيكون له قسمان هما: (الاقتضاء والوضع)، فالاقتضاء هو: الحكم التكليفي، والوضع هو: الحكم الوضعي.[74]

الأحكام التكليفية[عدل]

الحكم التكليفي باعتبار دخول التخيير ضمن الاقتضاء، هو: ما اقتضى الشرع فعله، أو تركه، أو التخيير بين الفعل والترك ويسمى (تكليفيا)؛ لتعلقه بالمكلف، وتمييزا له عما هو من قبيل الوضع.


وللحكم التكليفي، خمسة أقسام أساسية، وتدخل فيها باقي الأقسام الفرعية، وتؤخذ هذه الأحكام الخمسة، من تعريف الحكم التكليفي، في كونه يقتضي إما؛ الفعل أو الترك أو التخيير.

الأحكام الخمسة[عدل]

  1. ما اقتضى الشرع فعله.
    1. الفرض على وجه الإلزام.
    2. المندوب.
  2. ما اقتضى الشرع تركه.
    1. الحرام.
    2. المكروه.
  3. التخيير.
    1. المباح.

وتدخل ضمن هذه الأحكام، أحكام أخرى، مثل؛ دخول (خلاف الأولى) ضمن المكروه.

خطاب الوضع[عدل]

الحكم الشرعي الوضعي هو: الحكم الشرعي غير التكليفي. وهو: «ما استفيد بواسطة نصب الشارع علما معرفا لحكمه» ويشمل: السبب والمانع، والشرط، والعزيمة والرخصة، والصحة والبطلان، والقضاء، والأداء، والإعادة.[75]

أصول الفقه وعلم الكلام[عدل]

علاقة علم أصول الفقه بعلم الكلام هي علاقة قوية، لكن هذه العلاقة لا تخلو من بعض الاختلافات. وتعريف علم أصول الفقه هو النظر في الأدلة الشرعية من حيث تؤخذ منها الأحكام والتكاليف.[76] وهو يعني بالأحكام الكلية العامة ووضع قواعد استنباط الأحكام الشرعية الكلية، أما الفقه فهو يعني بالأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية بالاستدلال.[77]

ومن هنا يمكن القول بأن علمي الكلام وأصول الفقه يتناولان الأحكام الكلية العامة ولا يعنينان بالمسائل الجزئية الفرعية، فعلم الكلام يتناول مسائل الاعتقاد العامة، وعلم أصول الفقه يتناول أصول الأحكام الكلية التي تندرج تحتها المسائل الفرعية الشرعية، فعلى هذا فعلم الكلام يتناول الجانب الاعتقادي في الشريعة، وهو جانب نظري لا صلة له بالعمل، أما بالنسبة لعلم أصول الفقه فعلى الرغم من أن موضوعه الأحكام العامة، إلا أن هذه الأحكام الكلية تندرج تحتها مسائل عملية فرعية، ونجد الشاطبي في كتاب الموافقات وهو يبين المقدمات التي ينبني عليها علم أصول الفقه، يقرر أن كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية أو لا تكون عوناً في ذلك، فوضعها في أصول الفقه عارية، أي أنه يرى أن المسائل التي يختص بها علم أصول الفقه تندرج تحتها مسائل فرعية فقهية فقط، وعلى هذا يتميز علم أصول الفقه عن سائر العلوم كعلم النحو واللغة والاشتقاق والتصريف والمعاني والبيان والعدد والمساحة وغير ذلك من العلوم التي يتوقف عليها تحقيق الفقه وينبني عليها من مسائله، فليس كل ما يفتقر إليه الفقه يعد من أصوله، وإنما اللازم أن كل أصل يضاف إلى الفقه لا ينبني عليه فقه فليس بأصل له.[78] بل لقد عد الشاطبي أن كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي، وأن الاشتغال بالمباحث النظرية التي ليس لها ثمرة عملية مذموم شرعاً.[79]

وعلى هذا يمكن القول بأن علمي الكلام وأصول الفقه ينفصلان من حيث طبيعة الأحكام الكلية العامة التي يتناولها كل منهما، فهي نظرية اعتقادية في علم الكلام، وهي أحكام عامة تندرج تحتها المسائل الفقهية العملية في علم أصول الفقه. لكن ليس معنى ذلك انقطاع الصلة بين العلمين، فإن علم أصول الفقه يستند إلى علم الكلام ويستمد منه، ويبين ابن الحاجب ذلك فيقول: "وأما استمداده - أي علم أصول الفقه - فمن الكلام والعربية والأحكام، أما الكلام فلتوقف الأدلة الكلية على معرفة الباري وصدق نسبة خطاب التكليف إليه، ويتوقف على أدلة حدث العالم، وعلى دلالة المعجزة على صدق المُبلغ، وتتوقف دلالتها على العلم بحدثها، وامتناع تأثير غير القدرة الأزلية فيها، وتتوقف على قاعدة خلق الأعمال، وتتوقف على العلم والإرادة، ولا تقليد في ذلك لاختلاف العقلاء فلا يحصل علم".[80]

وعلى هذا فعلم أصول الفقه كسائر العلوم الشرعية يستند إلى علم الكلام، من حيث إن هذه العلوم لا تقوم إلا بعد تقرير مسائل الاعتقاد وهي مبحث الكلام، لكن استناد علم أصول الفقه إلى ذلك أكثر من غيره من سائر العلوم الشرعية، إذ على هذه الأصول الاعتقادية تنبني قواعد أصول الفقه، وقد يبين ذلك اختلاف الأصوليين بينهم باختلافهم في فهم الأصول الاعتقادية على طريقة أهل السنة أو على طريقة المعتزلة، ولا نريد الدخول في تفصيل ذلك بل يكفي الإشارة إلى أهمية الأصول الاعتقادية في على أصول الفقه. ويقوم كل من علم الكلام وعلم أصول الفقه، على إقامة الأدلة، وهذه الأدلة إما سمعية (نقلية) أو عقلية، وهناك اتفاقاً واختلافاً في كلا العلمين، على سبيل المثال: استخدام كلا العلمين للأدلة الشرعية وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس. وبالنسبة للكتاب وهو القرآن، فلابد للفقيه من أن يعرف تأويله ووجوه الخطاب فيه من الخصوص والعموم والناسخ والمنسوخ والأمر والنهي والإباحة والحظر ونحوها.[81]

ويلاحظ استخدام المتكلمين وعلماء أصول الفقه للأدلة العقلية، لكن بينما يستخدم المتكلمون الأدلة العقلية المبنية على مقدمات سمعية، والأدلة العقلية المحضة، نجد أن علماء أصول الفقه لا يستخدمون الأدلة العقلية المحضة، ويستخدمون فقط الأدلة العقلية المبنية على مقدمات سمعية، فيبين الشاطبي استخدام الأدلة العقلية في علم أصول الفقه، فيقول: "الأدلة العقلية إذا استعملت في هذا العلم (يقصد علم أصول الفقه) فإنما تستعمل مركبة على الأدلة السمعية، أو معينة في طريقها، أو محققة لمناطها، أو ما أشبه ذلك، لا مستقلة بالدلالة، لأن النظر فيها نظر في أمر شرعي، والعقل ليس بشارع".[82] أي أن الأدلة في علم أصول الفقه لا تكون مركبة من مقدمات عقلية محضة، بل قد تكون إحدى المقدمات عقلية والأخرى شرعية، وذلك بالنظر إلى طبيعة العلم التي تقوم على المسائل الشرعية، فالعقل يستخدم معيناً لإثبات تلك المسائل. ونرى اتفاقاً بين المتكلمين وعلماء أصول الفقه على عدم معارضة النقل للعقل، وأن الأدلة الشرعية لا تتناقض مع الأدلة العقلية، وعلم الكلام كما سبق القول يقول أساساً على استخدام العقل في الدين وإثبات ما جاء به النقل بالأدلة العقلية، فلا تناقض بين العقل والشرع. وبالنسبة لعلم أصول الفقه، يدلل الشاطبي على أن الأدلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول، والدليل على ذلك من وجوه:

أحدها: أنها لو نافتها لم تكن أدلة للعباد على حكم شرعي ولا غيره، لكنها أدلة باتفاق العقلاء، فدل أنها جارية على قضايا العقول، وبيان ذلك أن الأدلة إنما نصبت في الشريعة لتتلقاها عقول المكلفين، حتى يعلموا بمقتضاها من الدخول تحت أحكام التكليف، ولو نافتها لم تتلقها فضلاً أن تعمل بمقتضاها، ويسوي الشاطبي بين الأدلة التي تنصب على مسائل الاعتقاد والأدلة التي تنصب على المسائل العملية.

والثاني: أنها لو نافتها لكان التكليف بمقتضاها تكليفاً بما لا يطاق، وذلك من جهة التكليف بتصديق ما لا يصدق العقل ولا يتصوره، بل يتصور خلافه ويصدقه، فإن كان كذلك امتنع على العقل التصديق ضرورة، وورود التكليف المنافي للتصديق هو معنى تكليف ما لا يطاق، وهو باطل كما هو مذكور في الأصول، وهنا نرى الشاطبي يعتمد على ما يقرره بعض علماء الكلام بعدم جواز تكليف ما لا يطاق.

الثالث: أن مورد التكليف هو العقل، وإذا فقد العقل ارتفع التكليف، وهذا يعني اعتبار تصديق العقل بالأدلة في لزوم التكليف، كما في حال المعتوه والصبي والنائم، إذ لا عقل لهؤلاء يصدق أو لا يصدق، وهؤلاء يسقط عنهم التكليف.

الرابع: أنه لو كان كذلك لكان الكفار أول من رد الشريعة به، لأنهم كانوا في غاية الحرص على رد ما جاء به الرسول، ولقد كانوا يفترون عليه، ويقولون إنه ساحر، وكان من الأولى أن يقولوا إن هذا لا يعقل، أو هو مخالف للعقول، فلما لم يكن من ذلك شيء دل على أنهم عقلوا ما فيه، وعرفوا جريانه على مقتضى العقول.

الخامس: أن الاستقراء دل على جريانها على مقتضى العقول بحيث تصدقها العقول الراجحة، وهذا يعني جريانها على مقتضى العقول.[83]

وعلى هذا فإن الأدلة العقلية لها مكانتها في أصول الفقه ولا تعارض بينها وبين الأدلة الشرعية، بل إننا نجد حجج الشاطبي في مجملها لا تخرج عما قرره المتكلمون. ويلاحظ أن كلا من المتكلمين وعلماء أصول الفقه يأخذون بالنظر كسبيل للمعرفة، وهم بهذا يرفضون المعرفة الصوفية التي تقوم على الإلهام، وبالنسبة لعلماء أصول الفقه فهم يرون أن النظر وسيلة إلى المعرفة، وأنه لابد من معلم ولابد من أن يكون المعلم متحققاً بالعلم، وطريق أخذ العلم من معلم تتم مشافهة أو من الكتب.[84] ولقد كان للمتكلمين على اختلاف مذاهبهم الكلامية مصنفات في علم أصول الفقه، ولقد تناولوا "الرسالة" وهي مصنف الإمام الشافعي في أصول الفقه بالشرح والتعليق.[85]


الاجتهاد[عدل]

الاجتهاد عند علماء أصول الفقه هو «بذل الجهد في إدراك الأحكام الشرعية» أو هو: «بذل الجهد في تعرف الحكم الشرعي»، ويقابله: التقليد.[86] والاجتهاد إما تام أو ناقص، فالتام هو: «استفراغ القوة النظرية حتى يحس الناظر من نفسه العجز عن مزيد طلب»، والناقص هو: «النظر المطلق في تعرف الحكم». وهناك شروط وتفاصيل مذكورة في علم أصول الفقه.[87] روى الترمذي وأبو داود والدارمي: «عن معاذ بن جبل: أن رسول الله Mohamed peace be upon him.svg لما بعثه إلى اليمن قال: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟» قال: أقضي بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد في كتاب الله؟» قال: فبسنة رسول الله Mohamed peace be upon him.svg، قال: «فإن لم تجد في سنة رسول الله؟» قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله Mohamed peace be upon him.svg على صدره، وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى به رسول الله»».[88] وفي الحديث: دليل على إقرار معاذ بن جبل على الاجتهاد، وشهادة له بتلك الأهلية حيث بعث واليا وقاضيا في اليمن، وفيه امتحان له بسؤاله كيف يقضي إذا عرض له قضاء؟ وقد أجاب معاذ بن جبل بأنه يقضي بكتاب الله فإن لم يجد فبسنة رسول الله، فإن لم يجد فيهما اجتهد. ومعنى قوله: أجتهد رأيي: أي أطلب حكم تلك الواقعة بالقياس على المسائل التي جاء فيها نص وأحكم فيها بمثل المسألة التي جاء فيها نص لما بينهما من المشابهة. ومعنى ولا آلو: ما أقصر للاعتمال والسعي وبذل الوسع، ونسبته إلى الرأي.

قال الخطابي: لم يرد به الرأي الذي يسنح له من قبل نفسه أو يخطر بباله على غير أصل من كتاب أو سنة، بل أراد رد القضية إلى معنى الكتاب والسنة من طريق القياس وفي هذا إثبات للحكم بالقياس. قال الطيبي: «فيه استصواب منه Mohamed peace be upon him.svg لرأيه في استعماله» وهذا معنى قولهم: كل مجتهد مصيب، ولا ارتياب أن المجتهد إذا كدح في التحري وأتعب القريحة في الاستنباط استحق أجرا لذلك، وهذا بالنظر إلى أصل الاجتهاد، فإذا نظر إلى الجزئيات، فلا يخلو من أن يصيب في مسألة من المسائل، أو يخطيء فيها، فإذا أصاب ثبت له أجران أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإن أخطاء فله أجر واحد هو أجر الاجتهاد ولا شيء عليه في في الخطأ.[89]

الاستنباط[عدل]

الاستنباط في اللغة: استخراج الماء من العين من قولهم: نبط الماء إذا خرج من منبعه، والنبط: الماء الذي ينبط من قعر البئر إذا حفرت، واستنبطه واستنبط منه علما وخبرا ومالا: استخرجه، والاستنباط: الاستخراج.[90] وفي الاصطلاح: استخراج المعاني من النصوص بفرط الذِّهن وقوَّة القريحة. وفي الفقه: استخراج المجتهد المعاني والأحكام الشرعية من النصوص ومصادر الأدلة الأخرى.[91] أو هو: استنتاج الأحكام من الأدلة.[92] ومنه في القرآن قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ.﴾، قال ابن جرير: وكل مستخرج شيئا كان مستترا عن أبصار العيون أو عن معارف القلوب فهو له: مستنبط، يقال: استنبطت الركية إذا استخرجت ماءها، ونبطتها أنبطها، والنبط الماء المستنبط من الأرض.[93] وفي الآية دليل على مشروعية الاستنباط، الذي هو في الأصل مخصوص بالبحث عن معرفة حكم خفي يستدعي الاجتهاد في تحصيله بطريق الاستنباط، وأن مرده إلى العلماء الذين لديهم أهلية النظر والاجتهاد. روى ابن جرير بسنده: عن قتادة: «﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم﴾: يقول: إلى علمائهم؛ ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ. لعلمه الذين يفحصون عنه ويهمهم ذلك». وعن ابن جريج: «ولو ردوه إلى الرسول، حتى يكون هو الذي يخبرهم: وإلى أولي الأمر منهم: الفقه في الدين والعقل». وعن أبي العالية: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم﴾: العلم ﴿الذين يستنبطونه منهم﴾: يتتبعونه ويتحسسونه.[93]

والاستنباط في اصطلاح علماء أصول الفقه هو: استخراج المعاني من النصوص بفرط الذهن وقوة القريحة كما في تعريفات الجرجاني. أو هو: استنتاج الأحكام من الأدلة.[92] [94] فهو بمعنى: استنتاج الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية واستخراجها واستخلاصها منها، والحصول على المعرفة بحكم لم يرد في الشرع نص يدل عليه بخصوصه، فمثلا: تحريم الخمر فإنه ورد في الشرع نص بخصوصه، والمسكرات التي لم يرد نص شرعي بخصوصها يلحق حكمها بالخمر قياسا عليه بجامع الإسكار، وبناء على قاعدة شرعية عامة في حديث: «كل مسكر حرام». وكتحريم ضرب الوالدين قياسا على تحريم التأفف. وقد ذكر علماء أصول الفقه في تعريفهم الفقه بأنه: استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وأن المسائل المدونة في كتب الفقه ليست بفقه اصطلاحا، وأن حافظها ليس بفقيه، وبه صرح العبدري في باب الإجماع من شرح المستصفى. قال: وإنما هي نتائج الفقه، والعارف بها فروعي، وإنما الفقيه هو المجتهد الذي ينتج تلك الفروع عن أدلة صحيحة، فيتلقاها منه الفروعي تقليدا ويدونها ويحفظها. وقال أبو إسحاق في كتاب الحدود: الفقيه من له الفقه، فكل من له الفقه فقيه، ومن لا فقه له فليس بفقيه. قال: والفقيه هو العالم بأحكام أفعال العباد التي يسوغ فيها الاجتهاد.[95] قال الشافعي: «إذا رفعت إلى المجتهد واقعة فليعرضها على نصوص الكتاب فإن أعوزه فعلى الأخبار المتواترة ثم على الآحاد فإن أعوزه لم يخض في القياس بل يلتفت إلى ظواهر القرآن فإن وجد ظاهرا نظر في المخصصات من قياس أو خبر فإن لم يجد تخصيصا حكم به وإن لم يعثر على لفظ من كتاب ولا سنة نظر إلى المذاهب فإن وجدها مجمعا عليها اتبع الإجماع، فإن لم يجد إجماعا خاض في القياس».[96]

مفهوم القول بالرأي في الاجتهاد[عدل]

لا يكون الاجتهاد إلا فيما يعرض من إشكالات وفيما هو غامض أو من الدقائق الخفية عند عدم وجود نص شرعي يدل عليه بعينه، ولا يكون الاجتهاد بالرأي إلا في هذه الحالة، فلا رأي في ثبوت نص ثابت، ولا في أمر مجمع عليه، والمقصود بالرأي في الحكم الشرعي: المستند إلى دليل شرعي ووفق شروط مخصوصة للاجتهاد، وممن لديه أهلية الاجتهاد. أما إذا كان مجرد رأي عادي فهو موصوف بالخطأ دائما، وعليه يحمل قول علي بن أبي طالب: «لو كان الدين بالرأي لكان مسح الخف من أسفله أولى بالمسح من أعلاه..».[97] فالاجتهاد والإفتاء لا يكون بالرأي الشخصي وإن وافق الحق. وفي الحديث: «عن جندب قال قال رسول الله Mohamed peace be upon him.svg: من قال في كتاب الله عز وجل برأيه فأصاب؛ فقد أخطأ».[98] وسبب الخطأ: تقديم الرأي على الشرع، وكون الحكم مبنيا على اتباع الهوى، وعدم وجود الأهلية. ومن تعلم أو قرأ شيئا من العلم؛ لا يجوز له الإقدام على الإفتاء في الأحكام الشرعية؛ لأن الأحكام الظاهرة قد تأخذ منحى آخر ربما يقصر فهمه عن إدراكة، فقد أصيب رجل بشج وصل إلى باطن رأسه، فأصابته جنابة فسأل عن الحكم، فقيل له: عليك الاغتسال بتعميم جميع البدن ولا مخرج لك من ذلك، وكانت الفتوى أخذا بظاهر الشرع، فاغتسل الرجل فوصل الماء إلى دماغه فمات، وقد جاء في ذلك حديث،[. 3] يدل على ذلك، وجاء في الحديث: «قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب -شك موسى- على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده.»[99]

مراتب الاجتهاد[عدل]

مراتب الاجتهاد هي درجات ومراتب علمية محددة في الفقه وأصوله، ويقصد بها ترتيب المستويات العلمية للمجتهدين ودرجاتهم. وقد ذكر علماء الشرع الإسلامي مراتب الفقهاء، وبينوا خصائص كل صنف من المجتهدين وشروطه في الاجتهاد، كما قسم العلماء مراتب المجتهدين إلى قسمين أساسيين وهما: المجتهد المستقل وغير المستقل، فالمجتهد المستقل أو المجتهد المطلق المستقل، هو الذي بلغ رتبة الاجتهاد في جميع أبواب الشرع وفق شروط محددة لذلك، وتعد رتبة المجتهد المستقل من أعلى مراتب الاجتهاد، فالمستقل كالأئمة الأربعة، وغير المستقل هو المنتسب إلى مذهب إمام من أئمة المذاهب الفقهية.[100] وقد فقد الاجتهاد المستقل في القرن الرابع الهجري، ولم يبق إلا اجتهاد المنتسبين إلى المذاهب الفقهية، الذين عملوا في استكمال بناء المذاهب الفقهية، حتى نضج علم فروع الفقه خصوصا في العصور المتأخرة، فالمسائل والأحكام الفقهية ومعاقد الإجماع أصبحت مقررة، والفقهاء بعد الانتهاء من تمهيد الأحكام مقلدون لأئمة مذاهبهم في الأحكام المفروغ منها.

قال السيوطي: وقد نص العلماء كابن الصلاح والنووي وغيرهما على وجود اختلاف بين مراتب الاجتهاد، وأنه من دهر طويل فقد المجتهد المستقل، ولم يبق إلا المجتهدون المنتسبون إلى المذاهب.[101] وقرروا أن المجتهدين أصناف: مجتهد مطلق مستقل، ومجتهد مطلق منتسب إلى إمام من الأئمة، كالمنتسبين إلى الأئمة الأربعة، ومجتهد مقيد.[102] وأن الصنف الأول فقد من القرن الرابع الهجري، ولم يبق إلا الصنفان الآخران: المطلق المنتسب والمقيد. وقال السيوطي: وممن نص على ذلك من أصحابنا أيضا ابن برهان في الوجيز، ومن المالكية ابن المنير، وذكر السيوطي عباراتهم وعبارات غيرهم في كتاب الرد على من أخلد على الأرض.[103]

الإفتاء[عدل]

«عن مالك عن يحيى بن سعيد أن عبد الله بن مسعود قال لإنسان إنك في زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه، قليل من يسأل كثير من يعطي، يطيلون فيه الصلاة ويقصرون الخطبة، يبدون أعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير قراؤه، يحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده، كثير من يسأل قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة ويقصرون الصلاة يبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم».[104]
—شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك

الإفتاء في أمور الدين من مهمات العلماء المتخصصين، وله مكانة مهمة في الإسلام، وهو فرض كفاية، وهو مسؤولية دينية وأمانة لا يتصدر لها إلا من كان من أهل الفتوى، وقد كان الكثير من الصحابة يتورعون عن الفتيا؛ خشية الوقوع في الزلل.[105] وتعد الفتوى في أمور الدين من مهمات العلماء المتخصصين للفتوى. ويشترط فيمن يتولى الإفتاء والقضاء أن يمتلك الأهلية والكفاءة العلمية، والقدرة على استنباط الأحكام الشرعية. قال النووي: «شرط المفتي كونه مكلفا مسلما وثقة مأمونا متنزها عن أسباب الفسق وخوارم المروءة، فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف والاستنباط، متيقظا».[106] ويشترط في المفتي أن يكون من المجتهدين، إلا أنه لا يشترط ذلك في الأحكام المفروغ من تمهيدها، خصوصا في الأزمنة المتأخرة بعد تدوين المذاهب الفقهية وعمل الناس عليها على مدى قرون من الزمن، فيفتي المفتي وفق ما هو مقرر في مذهبه.[107]

ولا يجوز الإفتاء بغير علم، وفي الحديث: «عن أبي هريرة قال قال رسول الله Mohamed peace be upon him.svg: من أفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه».[108] فيأثم المفتي بغير علم، ويتحمل إثم من عمل بفتواه، ومن وقع في خطأ بفتوى عالم؛ فالإثم على ذلك العالم، وهذا إذا لم يكن الخطأ في محل الاجتهاد، أو كان في محل الاجتهاد إلا أنه وقع لعدم بلوغه في الاجتهاد حقه. قاله في فتح الودود.[108]

إذا لم يكن في المفتي أهلية الإفتاء فقد وقع في الخطأ، «عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال قلت للزبير ما يمنعك أن تحدث عن رسول الله Mohamed peace be upon him.svg كما يحدث عنه أصحابه، فقال: أما والله لقد كان لي منه وجه ومنزلة ولكني سمعته يقول: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»».[109] «عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله Mohamed peace be upon him.svg يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا»».[110] وقد كان أئمة السلف وفضلاء الخلف يتورعون عن تولي مهمة القضاء والإفتاء؛ خشية الزلل.[111]

طالع ايضاً[عدل]

هوامش[عدل]

1:

2:

3:

4:

ملاحظات[عدل]

  1. ^ الموضوع أي: الذي ترجع موضوعات مسائل العلم إليه. فموضوع الفقه: أفعال المكلفين، وموضوع أصول الفقه: الأدلة السمعية.
  2. ^ الفقه في اللغة: مصدر، وماضيه (فَقِهَ) على وزن (فعل) مكسور العين. أما بالمعنى الاصطلاحي؛ فماضيه (فَقُهَ) على وزن (فعل) مضموم العين.
  3. ^ «عن عطاء عن جابر قال خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه فقال هل تجدون لي رخصة في التيمم فقالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب شك موسى على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده.» رواه أبو داود.


وصلات خارجية[عدل]

المراجع[عدل]

  1. ^ أ ب محمد بن علي الشوكاني (1418 هـ 1998م). إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، الفصل الأول في: تعريف أصول الفقه وموضوعه وفائدته (الطبعة دار السلام). صفحة 41 إلى 48. اطلع عليه بتاريخ 25/ المحرم/ 1438 هـ. 
  2. ^ نجم الدين أبو الربيع سليمان بن سعيد الطوسي (1407 هـ/ 1987 م.). شرح مختصر الروضة، الفصل الأول، تعريف أصول الفقه باعتباره مركبا (الطبعة مؤسسة الرسالة). صفحة 120. اطلع عليه بتاريخ 25/ المحرم/ 1438 هـ. 
  3. ^ +تاريخ ابن خلدون ج1 ص454.
  4. ^ ابن خلدون المتوفى: 852 هـ. (1419 هـ 1989 م). تاريخ ابن خلدون ج1. صفحة (456). اطلع عليه بتاريخ 25/ المحرم/ 1438 هـ. 
  5. ^ الوجيز في أصول الفقه عبد الكريم زيدان، ج1 ص16
  6. ^ مركز الفتوى. (1419 هـ 1989 م). موقع إسلام ويب، (من هو أول من صنف في أصول الفقه) (الطبعة إسلام ويب). اطلع عليه بتاريخ 25/ المحرم/ 1438 هـ. 
  7. ^ تقي الدين أبو البقاء الفتوحي. شرح الكوكب المنير (أدلة الفقه المتفق عليها) (الطبعة مطبعة السنة المحمدية). صفحة 163. اطلع عليه بتاريخ 25/ المحرم/ 1438 هـ. 
  8. ^ بيان المختصر
  9. ^ سعد الدين بن عمر التفتازاني. كتاب شرح التلويح على التوضيح. ص. 22
  10. ^ البحر المحيط للزركشي، تعريف أصول الفقه ج1 ص24، دار الكتبي ط14، سنة 1414/ 1994م.
  11. ^ الورقات في أصول الفقه (المقدمة).
  12. ^ أ ب بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب، أبو الثناء محمود بن عبد الرحمن بن أحمد الأصبهاني، المبادئ، المبادئ الأصولية، حد أصول الفقه مضافا، الجزء الأول ص17 و18، دار المدني، سنة النشر: 1406 هـ/ 1986م
  13. ^ لسان العرب لابن منظور حرف الألف (أصل) ج1 ص114
  14. ^ لسان العرب لابن منظور حرف الألف (أصل) ج1 ص115
  15. ^ أ ب ت البحر المحيط للزركشي، تعريف الفقه ج1 ص24 وما بعدها، دار الكتبي ط14، سنة 1414/ 1994م.
  16. ^ البحر المحيط للزركشي، تعريف أصول الفقه ج1 ص26 و27 دار الكتبي ط14، سنة 1414/ 1994م.
  17. ^ أ ب المقدمات فصل الغرض من علم الأصول وحقيقته ومادته وموضوعه ومسائله، ج1 ص27 وما بعدها، دار الكتبي ط14، سنة 1414 هـ/ 1994م.
  18. ^ أ ب ت ث تقي الدين أبو البقاء الفتوحي. شرح الكوكب المنير (موضوع أصول الفقه وما يستمد منه أصوله) (الطبعة مطبعة السنة المحمدية). صفحة 14 و15. اطلع عليه بتاريخ 25/ المحرم/ 1438 هـ. 
  19. ^ أ ب ت ث ج ح خ د البحر المحيط المقدمات فصل الغرض من علم الأصول وحقيقته ومادته وموضوعه ومسائله ج1 ص45 وما بعدها، دار الكتبي ط14، سنة 1414 هـ/ 1994م.
  20. ^ أ ب ت أبو الثناء محمود بن عبد الرحمن بن أحمد الأصبهاني (1406 هـ/ 1986م). بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب، المبادئ، المبادئ الأصولية، استمداد أصول الفقه، ج1. دار المدني. صفحة 30 وما بعدها. 
  21. ^ أ ب ابن الحاجب (1406 هـ/ 1986م). مختصر ابن الحاجب، المبادئ الأصولية، استمداد أصول الفقه، ج1. دار المدني. صفحة 30 وما بعدها. 
  22. ^ الواضح في أصول الفقه - د. محمد سليمان أشقر
  23. ^ متن الورقات.
  24. ^ متن الورقات مقدمة الكتاب.
  25. ^ أ ب مختار الصحاح، لمحمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي. حرف الفاء (فقه). المكتبة العصرية -الدار النموذجية، 1420 هـ/ 1999 م
  26. ^ أ ب ت ث ج البحر المحيط للزركشي، تعريف الفقه ج1 ص30 وما بعدها، دار الكتبي ط14، سنة 1414/ 1994م.
  27. ^ موسوعة: كشف اصطلحات الفنون والعلوم، لمحمد علي التهانوي ص40 و41.
  28. ^ نقلا من كتاب مرآة الأصول:44/ 1، التوضيح لمتن التنقيح: 10/ 1. انظر: موسوعة الفقه الإسلامي لوهبة الزحيلي ج1 ص29
  29. ^ الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ (الشامل للأدلّة الشَّرعيَّة والآراء المذهبيَّة وأهمّ النَّظريَّات الفقهيَّة وتحقيق الأحاديث النَّبويَّة وتخريجها) المؤلف: أ. د. وَهْبَة بن مصطفى الزُّحَيْلِيّ، أستاذ ورئيس قسم الفقه الإسلاميّ وأصوله بجامعة دمشق - كلّيَّة الشَّريعة، المطلب الأول: (معنى الفقه وخصائصه)، ج1 ص29، الناشر: دار الفكر - سوريَّة - دمشق، الطبعة: الرَّابعة المنقَّحة المعدَّلة بالنِّسبة لما سبقها (وهي الطبعة الثانية عشرة لما تقدمها من طبعات مصورة)
  30. ^ شرح جمع الجوامع للمحلي، ج1 ص32 ومابعدها، وشرح الإسنوي ج1 ص24، وشرح العضد لمختصر ابن الحاجب، ج1 ص18، ومرآة الأصول ج1 ص50، والمدخل إلى مذهب أحمد، ص58. انظر موسوعة الفقه الإسلامي وأدلته لوهبة الزحيلي ج1 ص30
  31. ^ تعريف الفقه، موسوعة الفقه المصرية صادر عن وزارة الأوقاف المصرية.
  32. ^ معجم المعاني
  33. ^ فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، ج71 ص198.
  34. ^ لسان العرب لابن منظور، ج11 ص221
  35. ^ لسان العرب لابن منظور حرف الفاء (فقه) ج11 ص210
  36. ^ سورة التوبة آية: 122
  37. ^ لسان العرب لابن منظور حرف الفاء (فقه) ج11 ص210 دار صادر 2003 م
  38. ^ رد المحتار على الدر المختار، محمد أمين بن عمر ابن عابدين، (مقدمة)، ج1 ص36، طبعة: (د.ط)، دار الكتب العلمية، 1412 هـ/ 1992 م.
  39. ^ التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، لابن حجر العسقلاني، كتاب النذور ج4 ص331
  40. ^ شرح النووي على مسلم كتاب الحج، باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره والصلاة فيها والدعاء في نواحيها كلها، حديث رقم: (1329)
  41. ^ الموطأ ج1 ص310 رقم الحديث: (910)
  42. ^ شرح النووي على مسلم، باب بيع الطعام مثلا بمثل حديث رقم: (1592)
  43. ^ متن الورقات في علم أصول الفقه.
  44. ^ التمهيد
  45. ^ أ ب ت المستصفى، محمد بن محمد الغزالي المستصفى القطب الثاني في أدلة الأحكام، دار الكتب العلمية، سنة النشر: 1413 هـ/1993م رقم الطبعة: ط1
  46. ^ البحر المحيط للزركشي، تعريف أصول الفقه ج1 ص28، دار الكتبي ط14، سنة 1414/ 1994م.
  47. ^ سنن أبي داود، كتاب الترجل، باب صلة الشعر، حديث رقم: (4168)
  48. ^ شرح مسلم للنووي كتاب اللباس والزينة حديث رقم: (2122)
  49. ^ البحر المحيط للزركشي، (تعريف أصول الفقه) ج1 ص28 و29، دار الكتبي ط14، سنة 1414 هـ/ 1994م.
  50. ^ شرح الورقات للمحلي
  51. ^ المحصول للرازي
  52. ^ متن الورقات لإمام الحرمين الجويني، (المقدمة).
  53. ^ تاريخ ابن خلدون ج1 ص: (456)
  54. ^ تاريخ ابن خلدون ج1 ص454.
  55. ^ تاريخ ابن خلدون ج1 ص455
  56. ^ تاريخ ابن خلدون ج1 ص455 و456
  57. ^ تاريخ ابن خلدون، ج1 ص456
  58. ^ تفسير الشافعي المبحث الثاني تأسيس الإمام الشافعي لقواعد مهمة في علم التفسير ص66 جمع وتحقيق ودراسة الدكتور أحمد بن مصطفى الفران دار التدمرية
  59. ^ تاريخ ابن خلدون ج1 ص456
  60. ^ البحر المحيط، للزركشي، ج1 ص18 و19 دار الكتبي الطبعة الأولى، ومن نسخة خطية بالمكتبة الأهلية بباريس.
  61. ^ البحر المحيط للزركشي، المقدمة فصل أول من صنف في الأصول ج1 ص18 و19 و20، دار الكتبي ط1، سنة 1414/ 1994م.
  62. ^ الوجيز في أصول الفقه عبد الكريم زيدان، ج1 ص16
  63. ^ إسلام ويب مركز الفتوى (من هو أول من صنف في أصول الفقه؟).
  64. ^ مناقب الشافعي للرازي ج1 ص57.
  65. ^ مناقب الشافعي للرازي نفس المرجع السابق
  66. ^ الرسالة للإمام الشافعي (المقدمة) ج1 ص13 المحقق أحمد شاكر
  67. ^ مناقب الشافعي للرازي ص 89 ـ102
  68. ^ تاريخ التشريع الإسلامي مناع خليل ج1 ص317
  69. ^ كشف الظنون ص 334
  70. ^ مناقب الإمام الأعظم للموفق المكي ج 2 ص245
  71. ^ مفتاح السعادة طاش كيري زاده ج 2 ص 102
  72. ^ مجلة الرسالة/العدد 29/الشافعي واضع علم أصول الفقه
  73. ^ أصول الفقه الميسر سميح عاطف الزين
  74. ^ المقصود بالحكم الوضعي في أصول الفقه: ما وضعه الشرع متعلقا بحكم، مثل: وضع المواقيت المتعلقة بالعبادة
  75. ^ الموافقات
  76. ^ ابن خلدون، المقدمة، ص: 418.
  77. ^ ابن الحاجب، منتهى الوصول والأمل، ص: 2.
  78. ^ الشاطبي، الموافقات، ج1، ص: 42-45.
  79. ^ الشاطبي، الموافقات، ج1، ص: 46-49.
  80. ^ ابن الحاجب، منتهى الوصول والأمل، ص: 2-3.
  81. ^ الخوارزمي، مفاتيح العلوم، ص: 6-7، وابن خلدون، المقدمة، ص: 419.
  82. ^ الشاطبي، الموافقات، ج1، ص: 35.
  83. ^ الشاطبي، الموافقات، ج3، ص: 27-29.
  84. ^ الشاطبي، الموافقات، ج1، ص: 91-99.
  85. ^ مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، ص: 245 وما بعدها، حيث أورد شراح الرسالة من المتكلمين.
  86. ^ شرح مختصر الروضة، نجم الدين أبو الربيع سليمان الطوسي، ج3 ص575 الاجتهاد،مختصر الروضة
  87. ^ الموافقات للشاطبي (كتاب الاجتهاد) ج5 ص5 وما بعدها الموافقات
  88. ^ مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، علي القاري. كتاب الإمارة والقضاء، باب العمل في القضاء والخوف منه، رقم: (3737) ص: 2428 و2429، دار الفكر، سنة: 1422 هـ/ 2002 م
  89. ^ مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، علي بن سلطان محمد القاري. كتاب الإمارة والقضاء، باب العمل في القضاء والخوف منه، رقم: (3737) ص: 2428 و2429، دار الفكر، سنة: 1422 هـ/ 2002 م
  90. ^ لسان العرب لابن منظور، حرف النون نبط، الجزء الرابع عشر ص176 و177، دار صادر، سنة النشر: 2003م.
  91. ^ معجم المعاني
  92. ^ أ ب حاشيتي الشربيني، والعطار، على محلى جمع الجوامع انظر: أنوار البروق في أنواع الفروق، للقرافي= حاشية ابن حسين المكي المالكي ج2، ص128 و129، عالم الكتب، رقم الطبعة: د.ط : د.ت
  93. ^ أ ب تفسير الطبري، محمد بن جرير الطبري، ج8 ص570 إلى 573، دار المعارف، تفسير سورة النساء القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ..
  94. ^ أنوار البروق في أنواع الفروق، أحمد بن إدريس (القرافي)، حاشية ابن حسين المكي المالكي ج2، ص128 و129، عالم الكتب، رقم الطبعة: د.ط : د.ت
  95. ^ البحر المحيط، بدر الدين بن محمد بهادر الزركشي، المقدمات، (تعريف الفقه) ج1 ص37 و38، دار الكتبي، سنة النشر: 1414هـ/1994م، رقم الطبعة: ط1.
  96. ^ أنوار البروق في أنواع الفروق، أحمد بن إدريس (القرافي)، حاشية ابن حسين المكي المالكي ج2، ص128 و129، عالم الكتب، رقم الطبعة: د.ط : د.ت
  97. ^ حاشية الزرقاني على الموطأ شرح الموطأ
  98. ^ عون المعبود شرح سنن أبي داود، محمد شمس الحق العظيم آبادي، كتاب العلم، (باب فضل نشر العلم)، رقم: (3652) ص67. دار الفكر، 1415 هـ/ 1995 م.
  99. ^ سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب في المجروح يتيمم، حديث رقم: (336)، ج1 ص: 93. سنن أبي داود
  100. ^ أدب المفتي والمستفتي لابن الصلاح، ج1 ص21 إلى ص25.
  101. ^ إرشاد المهتدين ج1 ص14
  102. ^ إرشاد المهتدين ج1 ص14
  103. ^ إرشاد المهتدين للسيوطي، ج1 ص15، الرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي ج1 ص113.
  104. ^ شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، محمد ابن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني الأزهري، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب جامع الصلاة، رقم: 419- 420، ص599، مكتبة الثقافة الدينية، 1424 هـ/ 2003م.
  105. ^ المجموع شرح المهذب، يحيى بن شرف النووي، شروط المفتي، ج1 ص74، مطبعة المنيرية، رقم الطبعة: د.ط : د.ت
  106. ^ المجموع شرح المهذب، لـ: النووي، شروط المفتي، ج1 ص74، مطبعة المنيرية، رقم الطبعة: د.ط : د.ت
  107. ^ البحر الرائق شرح كنز الدقائق، زين الدين إبراهيم ابن نجيم، كتاب القضاء، (فصل في تقليد من شاء من المجتهدين للإفتاء)، ج6 ص292، و293 و294، دار الكتاب الإسلامي، ط.2: د.ب
  108. ^ أ ب عون المعبود شرح سنن أبي داود، محمد شمس الحق العظيم آبادي، كتاب العلم، (باب فضل نشر العلم)، رقم: (3657) ص72. دار الفكر، 1415 هـ/ 1995 م.
  109. ^ عون المعبود شرح سنن أبي داود، محمد شمس الحق العظيم آبادي، كتاب العلم، (باب في التشديد في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم)، رقم: (3651) ص65. دار الفكر، 1415 هـ/ 1995 م.
  110. ^ صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، كتاب العلم، (باب كيف يقبض العلم)، رقم: (100)، ج1، ص50، دار ابن كثير، 1414 هـ/ 1993 م
  111. ^ المجموع شرح المهذب، للنووي، شروط المفتي، ج1.