المسيحية في الصين

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
إحدى الكنائس الكاثوليكية في الصين.

وصلت المسيحية الصين خلال عهد سلالة تانغ في القرن السابع مع وصول المسيحية النسطورية في عام 635 م. أعقب ذلك المبشرون الفرنسيسكان في القرن الثالث عشر، واليسوعيون في القرن السادس عشر وأخيراً البروتستانت في القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي بدأت المسيحية تثبت موطئ قدم كبير لها في الصين. من بين الأقليات الدينية في الصين اعتبرت المسيحية الأسرع نمواً (و خاصة في المئتيّ سنة الماضية)، يتراوح تعداد المسيحيين اليوم تقريباً بين 40 مليون (3%).[1][2] و54 مليون (4%)[3] وفقاً لاستطلاعات مستقلة، وتشير أغلب التقديرات إلى كون عدد المسيحيون في الصين حوالي 70 مليون،[4] في حين تشير التقديرات الرسمية بوجود 16 مليون مسيحي فقط.[5] بينما تشير بعض المصادر بوجود ما يصل إلى 130 مليون مسيحي في الصين.[6]

تنتشر المسيحية بسرعة في الصين وخاصة الطائفة البروتستانتية. في تقرير لآسيا تايمز قالت أنّ خبراء الاديان يتوقعون أن يصبح عدد المسيحيين فيها 247 مليون نسمة عام 2025، لتصبح الصين اكبر دولة فيها مسيحيين في العالم. وقد أعلنت صحيفة رسمية نقلًا عن مؤسسة حكومية صينية أن عدد المسيحيين في الصين في ارتفاع، تشير عدد من المنظمات الغير حكومية أن عدد المسيحيين في الصين يترواح بين 70 مليون إلى 150 مليون. يشار إلى أنه يتحول 10 آلاف صيني إلى المسيحية يوميًا، وأن عدد كنائس البيوت أو ما تعرف بكنائس الصمت في ازدياد.[7]

تاريخ[عدل]

العصور القديمة[عدل]

احتفال بأحد الشعانين بحضور كاهن من كنيسة المشرق، رسم صيني من القرن الثامن.

انتشرت العديد من المستوطنات التجارية السريانية على طريق الحرير التجاري في الفترة التي سبقت ظهور المسيحية حيث كانت هذه البؤر السكانية أولى مراكز المسيحية في آسيا. ومن غير المستبعد أن أعدادًا من المسيحيين وصلوا إلى الصين في الفترة التي سبقت سلالة تانغ (618-907).[8] لقد بدأ النشاط التبشيري لكنيسة المشرق بآسيا في أواخر القرن الرابع، ويعتقد أن المسيحية وصلت إلى مرو عن طريق نشاط الأسقف بار شابا حوالي سنة 360. ويذكر أحد الكتب الجغرافية اليونانية من نفس القرن أن النساطرة قاموا بنشر المسيحية إلى الترك والهون وساحل ملبار بالهند وجزيرة سيلان.[8] من الإشارات الأخرى لوجود ترك مسيحيين في القرن السادس ذكر أسر البيزنطيين لأشخاص ينتمون إلى قبائل تركيا موشومون بصلبان مسيحية على جباههم. كما تمكن مطران مرو من تحويل أحد الملوك الترك جنوب نهر سير داريا إلى المسيحية في منتصف القرن السابع. وهو الأمر الذي تكرر في عهد البطريرك طيموثاوس الأول أواخر القرن الثامن.[9]

ومن المعروف أن نشاط رهبان كنيسة المشرق في الصين يعود للقرن السادس الميلادي، حيث يعزى إليهم جلب دودة القز إلى الغرب حوالي سنة 552. ويعود أول أثر لهم في البلاط الإمبراطوري إلى عهد الإمبراطور تايتسونغ حين استقبل الراهب ألوفين الذي شرع في ترجمة كتب دينية مسيحية إلى الصينية سنة 635. قام الإمبراطور لاحقًا بسن قانون يسمح بنشر المسيحية في الصين، فبني دير في العاصمة الصينية شيان سنة 638.[9]

ازدهرت المسيحية في عهد الإمبراطور كاوتسونغ (650-683) فأصبحت هناك كنائس في جميع مراكز الولايات الصينية. غير أصبحت المسيحية بانتشارها السريع تنافس البوذية فقامت الإمبراطورة وو تسيتيان (690-705) باضطهادها. ولم يتم إعادة تشريع المسيحية حتى سنة 745.[9] وحازت كنيسة المشرق في النصف الثاني من القرن الثامن على تعاطف عدة مسؤولين صينيين أبرزهم القائد العسكري غوو تسيي الذي وهب منح مالية كبيرة لترميم وبناء الكنائس.[10] كما من المعروف أن أطباء سريان تواجدوا في بلاط الإمبراطور الياباني شومو غير أنه لا يعرف إن كان هناك نشاط تبشيري مسيحي في اليابان.[11] تميز القرن التاسع بانتشار حركة الترجمة من السريانية إلى الصينية من ضمنها العهد الجديد بأكمله بالإضافة لعدة أسفار من العهد القديم.[10]

العصور الوسطى[عدل]

ماثيو ريتشي المبشر اليسوعي في اللباس الصيني التقليدي.

في 1289 بدأ الرهبان الفرنسيسكان من أوروبا التبشير الصين. لنحو قرن من الزمان كانوا يعملون بالتوازي مع المسيحيين النساطرة. يروي الرهبان الكاثوليك وجود حوالي 30,000 مسيحي في بكين في منتصف القرن الرابع عشر،[12] غير أن المسيحية اختفت بشكل كامل أواخر نفس القرن بعد تدمير مراكزها في بلاد ما بين النهرين ووسط آسيا، وأدت ظهور سلالة مينغ الصينية إلى إعادة حرمان المسيحية.[13]

في المرحلة الثانية من تاريخ اليسوعيين، أوفدوا بعثات كثيرة حول العالم لنشر الإنجيل، لاسيّما في المستعمرات البرتغالية والإسبانية والفرنسية في العالم الجديد، إضافة إلى الهند والصين واليابان وأثيوبيا، وعمدوا أيضًا إلى تأسيس مستوطنات بشرية تحولت إلى مدن كبرى لاحقًا مثل ريو دي جينيرو وساو باولو. خلال القرن السابع عشر ركّز اليسوعيون ضمن مناهجهم على تعلّم اللغات القديمة كالعبرية واليونانية، واللغات غير أوروبية أيضًا كالصينية والفيتنامية؛ وكانت أول كلية خارج أوروبا قد تأسست في ماكاو على اسم القديس بولس عام 1594. أوجب اليسوعيون أيضًا دراسة العلوم الإنسانية، والحقوق، في حين لم يتوقف أبدًا الزيادة الاضطرادية في العدد. العمل الثاني الذي قام به اليسوعيون، كان ترجمة آثار الفلسفة الصينية القديمة إلى لغات أوروبا ما ساهم في إطلاع الغرب والعالم على مناحي لم يطلع عليها مسبقًا. من أبرز المبشرين اليسوعيين في القرن الخامس عشر كان الراهب الإيطالي ماثيو ريتشي وميكيلي رودجيري، الذين دخلوا ولاية كوانتونج مسلحين باللغات والفلك والرياضة والساعات كبيرها وصغيرها والكتب والخرائط والآلات. وافتتن حاكم الإقليم بهذه الطرف وكانا يتخذان أسماء صينية ولباسًا صينيًا.

في القرن الثامن عشر ظهر جدل وقضية الطقوس الصينية، إذ سمح المبشرين الكاثوليك من اليسوعيين للصينيين الذين اعتنقوا الدين الجديد بالاستمرار في بعض طقوس عبادة الأجداد، وممارسة بعض التقاليد الكونفوشيوسية التي تعودوا عليها. ولذلك فقد اعتقد البابا ان اليسوعيين تساهلوا أكثر من اللازم، أدت القضية إلى تحريم المسيحية من قبل الامبراطور الذي جاء بعد كنغسي عام 1714. وبعد أقل من عشرين سنة على ذلك، أكد البابا بنديكت الرابع عشر على الرأي السابق بشأن الأعراف الصينية، وأنهى كل نقاش حولها.

العصور الحديثة[عدل]

إيقونة الشهداء المسيحيين الذين قتلوا في الصين خلال ثورة الملاكمين عام 1900.

تكاثرت البعثات التبشرية المسيحية في الصين عقب شقّ الدول الأوروبية الأوروبية المستعمرة طريقها إلى الصين بالقوة في القرنين التاسع عشر والعشرين، ودخل الآلاف من الصينيين إلى الديانة المسيحية خصوصًا إلى المذهب الكاثوليكي والبروتستانتي. وترجمت الكتب المسيحية المختلفة والكتاب المقدس إلى اللغة الصينية. في النصف الثاني من القرن التاسع عشر قامت الكنيسة الأرثوذكسية بخطوات واسعة في مجال التبشير في الصين، حيث أرسل للبلاد الكثير من رجال الدين والوعاظ الروس. تزامن ذلك مع ترجمة الكثير من الكتب الروحية والدينية المسيحية للغة الصينية.

اندلعت في الصين بين عامي 1899 و1901 ما عرفت بثورة الملاكمين، وهي ثورة أطلق شرارتها غضب الصينيين من النفوذ الأجنبي الذي كان يتنامى في البلاد من جميع النواحي (التجارية، السياسية والدينية)، أدى ذلك إلى هجمات عنيفة شنها الثوار ضد أتباع الديانة المسيحية من المبشرين المسيحيين وأيضا المسيحيين الصينيين الذين اعتبروهم مسؤولين عن الهيمنة الأجنبية في البلاد. ومع استمرار الانتفاضة قتل عشرات الآلاف من المسيحيين الصينيين من مختلف الطوائف، خصوصا في مقاطعات شاندونج وشانخي وكذلك في العاصمة. وقفت الحكومة الصينية بحالة من الشلل والعجز أمام هذه الانتفاضة، وباستمرار الثوار بمحاصرة بكين وقتل الأجانب تحالفت ثمان دول هي الإمبراطورية النمساوية المجرية، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، روسيا، بريطانيا، والولايات المتحدة الأمريكية وأرسلوا قوات متعددة الجنسيات قوامها 20,000 رجل لإنقاذ الرعايا الأجانب والبعثات الدبلوماسية والتبشيرية المسيحية. وأُجبرت الحكومة الصينية بعدها على تعويض الضحايا وتقديم تنازلات إضافية للدول الكبرى.

مدينة ونتشو والتي يطلق عليها «أورشليم الشرق»، تشهد المسيحية في نمو سريع في البلاد.

أعلن قيام الجمهورية الصينية بعد نجاح ثورة "وو تشانغ" التي اندلعت شرارتها في العاشر من أكتوبر عام 1911 ضد حكم أسرة تشينغ للبلاد، وفي الأول من يناير عام 1912 أعلن صن يات سين قيام الجمهورية بالصين رسميا ونصب نفسه رئيسا مؤقتا للبلاد لحين انتخاب رئيسا يحكم البلاد. وفي العاشر من مارس عام 1912، وكجزء من اتفاقية تنازل الإمبراطور بوئي عن عرش البلاد تم انتخاب يوان شيكاي رسميا كرئيس للبلاد،[14][15] يذكر أن صن يات سين كان قد تحول للمسيحية البروتستانتية في شبابه وبالتالي يعتبر أول رئيس مسيحي في الصين.

في 1 أكتوبر 1949 أعلن ماو تسي تونغ جمهورية الصين الشعبية.[16] أطلق على البلاد أيضاً اسم "الصين الشيوعية" أو "الصين الحمراء".[17] وبالتالي بدأت موجة من التضييق واللإضطهاد بحق المسيحيين في الصين. عندما استولى الشيوعيون على الحكم في الصين عام 1949، طردوا المسيحيين ووضعوا الكنائس تحت سيطرتهم. وواجه المسيحيون الإضطهاد الشديد تحت حكم ماو تسي تونغ خلال الثورة الثقافية في سنوات الـ 1960 الـ 1970 من القرن الماضي. سمحت الصين للكنائس المسجلة ان تكون قائمة لانها تحت رقابتها، وأرادوا ان ينشروا الفكر الشيوعي في الكنيسة. في ذات الوقت اقيمت مئات الآلاف من الكنائس غير الرسمية تحت الارض في جميع انحاء البلاد.

وعلى الرغم من ذلك تعتبر المسيحية من الأقليات الدينية في الصين الأسرع نمواً (و خاصة في المئتيّ سنة الماضية)، حيث يتواجد بين 70 إلى 150 مليون مسيحي.[18] ومن المتوقع أن تصل أعداد السكان المسيحيين في الصين إلى أكثر من 400 مليون شخص بحلول عام 2040، الأمر الذي سيجعل الصين أكبر دولة مسيحية على الأرض.[19]

بلغ عدد المسيحيين الإنجيليين البروتستانت في الصين عام 2010 حوالي 58 مليون مسيحي، ووفقا لمنتدى مركز بيو للابحاث الدينية والحياة العامة، في عدد المسيحيين في الصين سيصل إلى 160 مليون مسيحي انجيلي بروتستانتي عام 2025. هذا يعني انه من المرجح أن تكون الصين الدولة التي ستحتوي على اكبر عدد للمسيحيين الانجيليين في العالم، وستتفوق على الولايات المتحدة التي يتوقع ان يكون عدد البروتسانت فيها 159 مليون نسمة في ذات العام.

التأثير على المجتمع[عدل]

علماء فلك يسوعيين بجانب علماء صينيين.

بذل رهبان الإرساليات اليسوعية في الصين جهدًا هامًا في العلوم خاصًة في الرياضيات والفلك والهيدروليكية والجغرافيا عن طريق ترجمة الأعمال العلمية إلى اللغة الصينية وتطويرها.[20] وبحسب توماس وودز فاليسوعيين طوّروا مجموعة كبيرة من المعارف العلمية ومجموعة واسعة من الأدوات العقلية لفهم الكون المادي، بما في ذلك الهندسة الإقليدية التي طورت مفهوم حركة الكواكب. واعتبر خبير آخر نقلًا عن توماس وود وبريتون أن أحد أسباب بداية الثورة العلمية في الصين كانت بسبب نشاط اليسوعيين العلمي.[21]

   
المسيحية في الصين
بذل اليسوعيين جهود لترجمة الأعمال الغربية الرياضية والفلكية في مصلحة الشعب الصيني وجذيت هذه الأعمال انتباه العلماء الصينيين لهذه العلوم. جعلوا الرصد الفلكي واسع جدًا ونفذوا أولى أعمال رسم الخرائط الحديثة في الصين. علّموا أيضًا تقدير الإنجازات العلمية لهذه الثقافة القديمة وجعلها معروفة في أوروبا. من خلال مراسلاتهم للعلماء الأوروبيين علموا هؤلاء لأول مرة عن العلم والثقافة الصينية.
   
المسيحية في الصين

—أغسطين أودياس، شباك إلى الصين.[20]

وبالتالي عرّف اليسوعيين الشعب الصيني على العلوم الغربية والرياضيات والفلك والطب، وعرّفوا العالم الغربي على الثقافة والفلسفة الصينية.[20]

في هونغ كونغ تدير الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية عدد من المستشفيات التي تشكل أكثر من 90% من المستشفيات الخاصة.[22][23] كذلك ففي هونغ كونغ وفقًا لإحصاء جامعة هونغ كونغ، هناك ما يقرب من 24.3% من طلاب الجامعات هم من المسيحيين وذلك اعتبارًا من العام الدراسي 2010/2011 على الرغم من أنهم يشكلون 10% من السكان.

المصادر[عدل]

  1. ^ "Asia-Pacific | Survey finds 300m China believers". BBC News. 7 Feb. 2007. اطلع عليه بتاريخ 15 Jun. 2009. 
  2. ^ Watts، Jonathan (7 February 2007). "Christian population in China". The Guardian (London). اطلع عليه بتاريخ 27 Aug. 2007. 
  3. ^ "China Survey Reveals Fewer Christians than Some Evangelicals Want to Believe". Assistnews.net. 1 Oct. 2007. اطلع عليه بتاريخ 15 Jun. 2009. 
  4. ^ الصين (بالإنجليزية) - كتاب حقائق العالم، وكالة الاستخبارات الإمريكية، 9 نيسان 2011.
  5. ^ "Chinese government official statistics on Christian population in China". hrwf.org. اطلع عليه بتاريخ 27 Aug. 2007. 
  6. ^ "Open doors - country profile". Opendoors.no. اطلع عليه بتاريخ 27 Apr. 2010. 
  7. ^ "China: Persecution of Protestant Christians in the Approach to the Beijing 2008 Olympic Games" (PDF). Christian Solidarity Worldwide. ChinaAid. اطلع عليه بتاريخ 2008-08-10. 
  8. ^ أ ب Winkler & Baum 2010, pp. 46
  9. ^ أ ب ت Winkler & Baum 2010, pp. 47
  10. ^ أ ب Winkler & Baum 2010, pp. 49
  11. ^ Winkler & Baum 2010, pp. 65
  12. ^ Winkler & Baum 2010, pp. 101
  13. ^ Winkler & Baum 2010, pp. 104
  14. ^ اكتب عنوان المرجع بين علامتي الفتح <ref> والإغلاق </ref> للمرجع depstate-chineserev
  15. ^ Fenby 2009, pp. 123–125
  16. ^ The Chinese people have stood up. UCLA Center for East Asian Studies. Retrieved 16 April 2006.
  17. ^ Smith, Joseph; and Davis, Simon. [2005] (2005). The A to Z of the Cold War. Issue 28 of Historical dictionaries of war, revolution, and civil unrest. Volume 8 of A to Z guides. Scarecrow Press publisher. ISBN 0-8108-5384-1, 9780810853843.
  18. ^ Christianity 2010: a view from the new Atlas of Global Christianity.
  19. ^ China: the future of Christianity? | Antonio Weiss | Comment is free | guardian.co.uk
  20. ^ أ ب ت Udías، Agustín (2003). Searching the Heavens and the Earth: The History of Jesuit Observatories (Astrophysics and Space Science Library). Berlin: Springer. ISBN 140201189X. 
  21. ^ Patricia Buckley Ebrey, p. 212.
  22. ^ Hong Kong Church Web Page
  23. ^ Hospital Authority:Hospitals & Institutions

مراجع خارجية[عدل]