الفتح الإسلامي لبلاد الشام

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
الفتح الإسلامي للشام
Storm driven.jpg
من معارك الفتح، بريشة غاليليو روساتي، 1902.
التاريخ 634 - 638
الموقع سوريا الرومانية (حاليًا: سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين، إسرائيل، أجزاء من تركيا)
النتيجة
المتحاربون
الإمبراطورية البيزنطية دولة الخلافة الراشدة
القادة


الفتح الإسلامي للشام، هو المصطلح الذي يطلق على سلسلة المعارك التي وقعت بين عامي 634 و638 بهدف السيطرة على سوريا الرومانية من قبل الخلافة الراشدة بقيادة أساسية من خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان، أفضت في نتيجتها النهائية، لانتصار المسلمين، وخروج البلاد السورية من سيطرة الإمبراطورية البيزنطية وإتباعها دولة الخلافة الراشدة. بدأت معارك فتوح الشام في عهد خلافة أبي بكر بعد نهاية حروب الردة، وكانت قد اندلعت مناوشات بين الدولة الإسلامية التليدة والإمبراطورية البيزنطية منذ عام 629 في غزوة مؤتة، غير أن المعارك الحاسمة وقعت في عهد عمر بن الخطاب، وكان أهمها معركة اليرموك في أغسطس 636، والتي هزم فيها الجيش البيزنطي هزيمة ساحقة حددت مصير البلاد.

العديد من المدن السورية فتحت سلمًا دون قتال، وبحفظ الأمن والأملاك الخاصة، والحرية من الرق، والحرية من الإجبار على تبديل الدين، وماهية الكنائس، ومن هذه المدن بعلبك، وحماه، وشيزر، ومعرة النعمان، ومنبج؛ القسم الثاني من المدن فتحت سلمًا إنما بعد حصار طويل لاسيّما في المواقع الهامة حيث تواجدت حاميات رومانية ومنها دمشق، والرقة، وحمص، والقدس؛ أما القسم الثالث من المدن فتح حربًا، ومنها رأس العين، وحامية غزة، وقرقيسيا، بينما استعصت جرجومة في الشمال حتى عهد عبد الملك بن مروان.

جرت معارك فتح الشام تزامنًا مع معارك الفتح الإسلامي للعراق، وكان من نتائجها نقل العاصمة من أنطاكية إلى دمشق، بسبب قرب أنطاكية من الحدود الشمالية للدولة الجديدة، وقد استمرت دمشق عاصمة البلاد حتى الوقت الحالي. الكثير من المؤرخين، وجدوا أن سقوط سوريا لرومانية السريع نوعًا ما، يعود لعاملين أساسيين أولهما إنهاك الجيش البيزنطي بعد الحرب البيزنطية الفارسية 602 - 628، وثانيهما سخط قطاع واسع من الشعب على السياسة البيزنطية، وهو ما دفع بعض القبائل والجهات المحلية لمساعدة قوات لفتح مساعدة مباشرة. وضع العديد من المؤرخين القدماء مصنفات وكتب تروي وقائع الفتح أهمها البلاذري والواقدي، كما توجد أخبار الفتح من مصادر غير إسلامية كتاريخ ثيوفانس وتاريخ سيبوس الأرمن، ووثائق مختلفة معاصرة أو كتبت بعدالأحداث بفترة وجيزة.

خلفية[عدل]

خريطة الفتح الإسلامي لبلاد الشام.
مسرح تدمر الروماني.

كانت سوريا تعتبر جزءًا من حضارة البحر المتوسط الهيلينية منذ القرن الرابع قبل الميلاد، والتي تعايشت مع الحضارة السريانية التي مكثت السمة السائدة في البلاد طول تلك الفترة، إلى جانب وجود عناصر قبائلية عربية وكردية. في عام 64 قبل الميلاد غدت سوريا على يد القائد بومبي جزءًا من الإمبراطورية الرومانية، وفي القرن الرابع باتت جزءًا من الإمبراطورية البيزنطية الرومانية الشرقية؛ ومنذ تلك الفترة المبكرة كانت توجد علاقات تجارية بين سوريا والحجاز، تحديدًا سوريا الجنوبية، إذ كانت قوافل التجارة العربية تقصد مناطق مثل غزة، ومعان، ودرعا، وبصرى لأغراض التجارة، وقد اجترح العرب تسمية "الشام" للإشارة إلى المنطقة الواقعة إلى الشمال من شبه الجزيرة العربية، وقد ذكرت هذه الرحلات في سورة قريش في القرآن.

شهد القرن السادس، الحروب الساسانية البيزنطية، وكانت الأولى عام 540 بقيادة كسرى الأول، وأفضت إلى دمار منبج، وإحراق حلب، ونهب أنطاكية وأفاميا وسبي أهلها؛ الحملة الفارسية الثانية على سوريا كانت بقيادة كسرى الثاني بين 611 و614، وتمكن من خلالها الفرس من السيطرة على جميع سوريا الرومانية، وتهديد عاصمة الدولة القسطنطينية، قبل أن يتمكن الإمبراطور هرقل من إعادة سوريا، والقضاء على النفوذ الفارسي نهائيًا عام 629، وبكل الأحوال فقد أفضت الحرب لإنهاك الجيش والقوات العسكرية البيزنطية، ومن ناحية ثانية فإنّ الضرائب لتمويل العمل العسكري، والخلاف المستفحل حول مجمع خلقيدونية، وقد رفضه غالبية السريان، الكتلة السكانية الرئيسية في سوريا لاسيّما في الارياف، قد أدى لصدع المجتمع؛ وتزامنًا كانت القبائل العربية المنتشرة في الجزيرة العربية تجتمع بظل دين واحد هو الإسلام، وبظل دولة واحدة. لقد بدأت أولى المعارك بين المسلمين والبيزنطيين أواخر حياة النبي محمد في غزوة مؤتة، غير أنها لم تكن بالمعارك الكبيرة أو المؤثرة، غير أنه وبعد وفاة النبي وتسلّم أبي بكر الخلافة، ثم انتصار الخلافة الراشدة في حروب الردة، باتت جبهة شمال الجزيرة، سواءً نحو العراق أو سوريا، وجهة جيش الخلافة الراشدة.

معارك الفتح[عدل]

من أهم معارك الفتح كانت: معركة بيسان ، ومعركة اجنادين، ومعركة اليرموك .

وفي عهد الخليفة أبي بكر الصديق أرسل الحملة التي كان أعدها الرسول Mohamed peace be upon him.svg بقيادة أسامة بن زيد لصد هجمات الروم على حدود شبه الجزيرة العربية في سوريا حيث قال له: "لا تخونوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا ولا شيخا ولا امرأة ولا تقعروا نخلا ولا تحرقوه ,ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بعيرا..." وفي هذه الحملة نجح أسامة في صد هجمات الروم. ثم طلب أبو بكر الصديق من خالد بن الوليد التوجه لقيادة الجيوش الأربعة إلى الشام وهم: الجيش الأول بقيادة يزيد بن أبي سفيان، الجيش الثاني بقيادة شرحبيل بن حسنة، الجيش الثالث بقيادة أبو عبيدة بن الجراح، الجيش الرابع بقيادة عمرو بن العاص. وفى معركة أجنادين (13 هـ - 634 م) نجح خالد بن الوليد في تنظيم جيشه المكون من أربعين ألف مقاتل واستولى على شرق وشمال فلسطين.

وفى عهد عمر بن الخطاب استطاع المسلمون فتح بلاد الشام بأكملها بعد معارك في محيط كافة المدن في مناطق سوريا وكافة بقاع الشام، وفى معركة اليرموك (15 هـ - 636 م) التي كانت قرب نهر اليرموك جنوب سوريا وكانت بقيادة خالد بن الوليد واستمرت لمدة ستة أيام فقاوم المسلمون الروم في أول أربعة أيام وأسلم على يديهم جورج قائد أحد جيوش الروم، ثم طلب منهم ماهان قائد أحد جيوش الروم هدنة ثلاثة أيام لكن خالد بن الوليد رفض وتحول موقف المسلمين من الدفاع إلى الهجوم فاستولوا على أجزاء من بلاد الشام ضمت بصرى وبعلبك وحمص والبلقاء والأردن وأجزاء من فلسطين في جنوب سوريا، وفي هذه الفترة تم فتح دمشق قلب بلاد الشام بعد حصار طويل للمدينة المحصنة بأسوار منيعة إلى أن تم دخول المدينة من عدة جهات والسيطرة عليها واضطر هرقل الأول ملك الروم إلى مغادرة مدينة حمص وبلاد الشام بعد ذلك. ثم حاصر المسلمون بيت المقدس أربعة أشهر بقيادة عمرو بن العاص حتى فتحوها (17 هـ - 638 م) وحضر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وتسلم بيت المقدس بنفسه (17 هـ - 638 م).

بعد الفتوحات في بلاد الشام عقد مؤتمر برئاسة أمير المؤمنين حضره قادة الجيوش الإسلامية أكد فيه المبادئ التي جاءت في القرأن وأهمها عدم أجبار أحد على الدخول في الإسلام وعدم انتزاع الأراضي أو الكنائس[من صاحب هذا الرأي؟] وبالفعل قام الخليفة عمر بن الخطاب بتأمين المسيحيين في سائر مدن الشام مثل دمشق وبيت المقدس وغيرها من المناطق لممارسة حرياتهم وديانتهم وممارسة شعائرهم وعدم المساس بكنائسهم أو أراضيهم. وقام بما يعرف بالعهدة العمرية والتي كتبها عمر بن الخطاب لأهل إيليا القدس وكانت واحدة من أعظم العهود[5]:

« بسم الله الرحمن الرحيم

"هذا ما أعطى عبدُ الله عمرُ أميرُ المؤمنين، أهلَ إيليا من الأمان :

أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملته؛ أنه لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها ولا من حيِّزها، ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضارّ أحد منهم، ولا يسكن بإيليا معهم أحد من اليهود.

وعلى أهل إيليا أن يُعطوا الجزية كما يُعطي أهل المدائن.

وعليهم أن يُخرِجوا منها الرومَ واللصوصَ.

فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم.

ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثلُ ما على أهل إيليا من الجزية.

ومن أحب من أهل إيليا أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بِيَعَهم (أي كنائسهم) وصُلُبَهم(أي صلبانهم)، فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بِيَعِهم وصُلُبهم حتى يبلغوا مأمنهم.

ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان، فمن شاء منهم قعد وعليه مثلُ ما على أهل إيليا من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رحل إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم.

وعلى ما في هذا الكتاب عهدُ الله، وذمّةُ رسوله، وذمّةُ الخلفاء، وذمّةُ المؤمنين، إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية.

شهد على ذلك: خالد بن الوليد، وعبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان

وكتب وحضر سنة خمس عشرة للهجرة[5]»

بعد أن رجع خالد بن سعيد بن العاص من اليمن أمره أبو بكر أن ينزل بتيماء وأمره ألا يبرحها، وأن يدعوا من حوله بالانضمام إليه، وألا يقبل إلا من لم يرتد، ولا يقاتل إلا من قاتله، حتى يأتيه أمره. فأقام فاجتمعت إليه جموع كثيرة، وبلغ الروم عظم ذلك العسكر، فاستنفروا العرب الذين بالشام على المسلمين، فاستنفرت كلب وتنوخ ولخم وجذام وغسان، فكتب خالد بن سعيد إلى أبي بكر بذلك،

مراسلات أبي بكر وخالد بن سعيد[عدل]

فكتب إليه أبو بكر : " أن أقدم ولا تحجم واستنصر الله "

فسار إليهم خالد بن سعيد، فلما دنا منهم تفرقوا، فاتخذ موقعه مكانهم، وكتب إلى أبي بكر بذلك،

فكتب إليه أبو بكر : أقدم ولا تقتحمن حتى لا تؤتى من خلفك.

وحدث قتال، وطلب خالد ابن سعيد من أبي بكر المدد، فأمده بالوليد بن عتبة وعكرمة بن أبي جهل، وانتصر على (ما هان) قرب القدس، وانتقل ماهان إلى دمشق فلحق به خالد بن سعيد، فلما كان بمرح الصفر جاءت جموع كبيرة من الروم لتنضم إلى قيادة (ماهان) الأمر الذي جعل خالد بن سعيد يتراجع إلى ذي المروة على حين وقف عكرمة ابن أبي جهل يحمي المتراجعين، ووصل المجاهدون من اليمن، وكانت قد دخلت السنة الثالثة عشرة،

استدعاء أبي بكر لكبار الصحابة[عدل]

فطلب أبو بكر استبدال عمال الصدقات. ومنهم عمرو بن العاص الذي كان قد سيره في السنة الحادية عشرة إلى قضاعة، ثم استدعاه فولاه ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاه على صدقات عمان ثانية.

وكتب إليه أبو بكر : إني كنت قد رددتك على العمل الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاكه مرة، وسماه لك أخرى، ومبعثك إلى عُمان إنجازاً لمواعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد وليته ثم وليته، وقد أحببت - أبا عبد الله - أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك منه، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك.

فكتب إليه عمرو : إني سهم من سهام الإِسلام، وأنت بعد الله الرامي بها، والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم به شيئاً إن جاءك من ناحية من النواحي.

وصل خالد بن سعيد بن العاص إلى ذي المروة هرباً من جند (ماهان)، ووصل الخبر إلى أبي بكر فكتب إليه : أقم مكانك، فلعمري إنك مقدام محجام، نجّاء من الغمرات، لا تخوضها إلا إلى حق، ولا تصبر عليه. ولما كان بعد، وأذن له في دخول المدينة - كما سنرى -.

عبأ أبو بكر الصديق الجيوش إلى الشام في مطلع السنة الثالثة عشرة فسار :

  1. يزيد بن أبي سفيان في سبعة آلاف بعد عزل خالد بن سعيد، وكانت وجهته دمشق، وكان أول الأمراء الذين ساروا إلى الشام، وكان في جنده سهيل بن عمرو. ثم أمد أبو بكر يزيد بن أبي سفيان بأخيه معاوية بجند كثير، ولما مرّ معاوية بذي المروة أخذ من بقي من جند خالد بن سعيد، وسمح بعدها الصدِّيق لخالد بالعودة إلى المدينة.
  2. عمرو بن العاص وكانت وجهته فلسطين.
  3. شرحبيل بن حسنة وسار إلى الأردن، وقد استعمل على جند الوليد بن عقبة، وأخذ عندما مر بذي المروة جمهور جند خالد بن سعيد وبقي عكرمة في ستة آلاف من الجند ردءاً لجيوش المسلمين

استعدادات الروم[عدل]

وعلم الروم بما عبأه المسلمون، فانتقل هرقل إلى حمص، وجمع جموعاً غفيرة من جنده، وأرسل أخاه (تذارق) ليواجه عمرو بن العاص، وبعث (جرجة ابن توذرا) نحو يزيد بن أبي سفيان، ووجه (الدُّراقص) نحو شرحبيل بن حسنة، وأعطى أوامره لـ (الفيقار بن نسطوس) أن يسير نحو أبي عبيدة بن الجراح، وصل عدد الروم يومذاك إلى 240 ألف مقاتل على حين كان المسلمون 21 ألفاً و6 آلاف مع عكرمة بن أبي جهل في المؤخرة دعماً لجموع المسلمين.

هاب المسلمون الروم لما رؤوا كثرتهم فكتب قادتهم إلى عمرو بن العاص يستشيرونه، فاقترح أن يجتمع المسلمون في مكان يلتقون فيه مع الروم، ولن يهزموا من قلة حينذاك، كما كتبوا إلى الخليفة أبي بكر وطلبوا منه المدد، فكان رأيه الاجتماع كما رأى عمرو، وأضاف أن يكون مكان المعركة في موقع يسهل الاتصال فيه مع المدينة قاعدة الحكم، ووافق على اللقاء باليرموك، وكتب إلى خالد أن يقدم إلى اليرموك لدعم المسلمين هناك وأن يكون هو الأمير.

خالد بن الوليد قائداً[عدل]

سار خالد بن الوليد من الحيرة إلى قراقر حيث شيعه إليها المثنى بن حارثة، ومنها إلى سوى، ثم تحرك إلى دومة الجندل، وأغار خالد على مصيخ بهراء ثم تحرك نحو الشمال مع وادي السرحان إلى شرقي جبل حوران (الدروز) في سوريا حتى وصل إلى أرك(مدينة صغيرة قرب تدمر وسط سوريا، وهي ذات نخل وزيتون وبساتين، وكل أهلها كانوا من النصارى) ومنها إلى تدمر فالقريتين (قرية كبيرة من أعمال حمص، وهي التي تدعى حوارين). ولما علمت غسان بذلك، اجتمعوا له بمرج راهط (يقع إلى الشمال من دمشق، والمسافر من دمشق إلى حمص ما كان على يساره فهو مرج راهط، ومن كان على يمناه فهو مرج عذراء حتى الثنايا (ثنية العقاب))، فسار إليهم، وعليهم الحارث بن الأيهم، فانتصر عليهم، ثم سار إلى بصرى الشام(مدينة بحوران، من قواعد الغساسنة، وكانت مدينة رومانية شهيرة، وفيها سوق دائمة للعرب. ولا تزال فيها آثار رومانية، منها المدرج الروماني الشهير)، وكانت أول مدينة افتتحها من بلاد الشام، ثم ذهب إلى اليرموك فوصل إلى المسلمين في تسعة آلاف وغدا جند المسلمين ستة وثلاثين ألفاً. وفرح المسلمون بوصول خالد لأن الروم كانوا قد وصلتهم إمدادات بإمرة ماهان ومعه القساوسة والمطارنة والرهبان من أجل تشجيع المقاتلين.

وربما يتساءل المرء لماذا هذه الطريق الطويلة التي قطعها خالد بن الوليد ؟

إنه أراد ألا يصطدم مع الروم قبل الالتقاء بالمسلمين وبخاصة أنه أصبح أمير المقاتلين في الشام فلا بد من الوصول إلى جنده ليقودهم في القتال، وإن خطة المسلمين كانت تقضي أن يكون القتال مجتمعين لا متفرقين ليتمكنوا من قتال الروم الذين يملكون أعداداً كبيرة تفوقهم بعشرة أمثال، وللروم ثغور وسط البادية حيث كانت من قبل مسرحاً للمعارك الدائرة بينهم وبين الفرس، فلو سار من الحيرة مباشرة نحوالغرب لاصطدم بتلك الثغور، ولأضاع على المسلمين تجمعهم في اليرموك وقيادته لهم، ولهذا اضطر أن يسير نحو الجنوب ليتجاوز تلك الثغور عن طرق دومة الجندل ثم اتجه شمالاً، وعندما وصل إلى الشرق من بصرى الشام وجد نفسه أما جبل حوران (جبل الدروز اليوم) البركاني الصعب الاجتياز، فأراد الالتفاف حوله فوجد نفسه بسرعته المعروفة في منطقة تدمر، لذا عاد فرجع إلى الغرب عن طريق القريتين فثنية العقاب (الثنايا) فشرقي دمشق إلى بصرى ففتحها ومنها سار إلى اليرموك في هذا من جهة ومن جهة ثانية

فإن لخالد بن الوليد طريقته الخاصة في القتال وهي التحرك بسرعة في عمق العدو والاغارة على مواقع خصمه المتأخرة، ثم الانسحاب للخوض في معركة حاسمة، وعندها يشعر العدو أن مجموعات من خصمه لا تزال تعمل خلف خطوطه الأمامية، وستداهمه في الوقت المناسب الأمر الذي يضعف معنوياته، ويبقى جزء من جنوده خارج المعركة لصد أي هجوم مرتقب من الخلف، وهذا ما رأيناه في قتاله في العراق إذا وصل إلى نقاط بعيدة من أرض العدو على حين لم تطهر أرض السواد بعد بل ولا منطقة الحيرة نفسها، ولم يأمن جانب المصالحين بشكل صحيح إذا سنراهم ينقضون العهد بعد ذلك. كما أن حركته كانت خلف ثغور الروم الأمر الذي يجعل الروم لا يستطيعون ترك مواقعهم خوفاً من أن يكون هناك اتفاق بين المسلمين والفرس وبخاصة أن خالداً كان في أرض فارس، كل هذا يجعل حركة خالد سهلة ويتنقل بحرية كأنه يقوم بمناورة معروفة الخطة.

معركة اليرموك[عدل]

وصل خالد بن الوليد إلى اليرموك جنوب دمشق، وصلى في اليوم الأول بجنده، ورأى الروم مجتمعين فجمع المسلمين وخطب فيهم قائلاً بعد أن حمد الله وأثنى عليه:

إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي. أخلصوا جهادكم، وأريدوا الله بعملكم ؛ فإن هذا يوم له ما بعده ؛ ولا تقاتلوا قوماً على نظام وتعبية، على تساند وانتشار، فإن ذلك لا يحل ولا ينبغي. وإن من وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا، فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذي ترون أنه الرأي من واليكم ومحبته.

قالوا : فهات، فما الرأي ؟

قال : "إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يرى أنا سنتياسر، ولو علم بالذي كان ويكون، لما جمعكم، إن الذي أنتم فيه أشد على المسلمين مما قد غشيهم، وأنفع للمشركين من أمدادهم، ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم، فالله الله، فقد أفرد كل رجل منكم ببلد من البلدان لا ينتقصه منه إن دان لأحد من أمراء الجند، ولا يزيده عليه إن دانوا له. إن تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله ولا عند خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هلموا فإن هؤلاء تهيئوا، وهذا يوم له ما بعده، إن رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم، وإن هزمونا لم نفلح بعدها. فهلموا فلنتعاور الإمارة، فليكن عليها بعضنا اليوم، والآخر غداً، والآخر بعد غد حتى يتأمر كلكم، ودعوني إليكم اليوم".

قسم خالد المسلمين إلى كراديس يتراوح عددها بين 36 ـ 40 كردوساً ويضم الكردوس الواحد ما يقرب من ألف مقاتل. وقسم الجيش إلى أربعة أقسام أمراؤهم (أبو عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص). وعلى الميمنة معاذ بن جبل، وعلى الميسرة نفاثة بن أسامة الكناني، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى الخيالة خالد بن الوليد، ومن أمراء الكراديس يومذاك القعقاع بن عمرو، وقباث بن أشيم، ومذعور بن عدي، وعياض بن غنم، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وحبيب بن مسلمة، وصفوان بن أمية، وسعيد بن خالد بن العاص، وخالد بن سعيد بن العاص، وعبد الله بن قيس، ومعاوية بن حديج، والزبير بن العوام، وضرار بن الأزور.

وكان قاضي الجيش أبو الدرداء، والقاص أبو سفيان بن حرب، وعلى الغنائم عبد الله بن مسعود، وعلى الطلائع قباث بن أشيم الكناني، وكان المقرئ المقداد بن عمرو، وقد كان عدد الصحابة في اليرموك أكثر من ألف صحابي بينهم مائة من أهل بدر. وكان أبو سفيان يسير فيقف على الكراديس، فيقول : "الله الله! إنكم ذادة العرب، وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الروم وأنصار الشرك ! اللهم إن هذا يوم من أيامك! اللهم أنزل نصرك على عبادك! "

ونشب القتال، والتحم الناس، وتطارد الفرسان، ولم يلبث الأمر قليلاً حتى جاء البريد يحمل موت أبي بكر، وتولية عمر، وعزل خالد وتأمير أبي عبيدة مكانه. وكان الرسول محمية بن زنيم الكناني، ولكن خالداً عندما سئل عن البريد، قال: السلامة وقرب وصول الإمداد.

بلاد الشام بعد الفتح[عدل]

انظر أيضًا[عدل]

المراجع[عدل]

  1. ^ أنطاكية لم يبق ما يدل عليها غير قلعة القصير، الرأي، 13 أكتوبر 2013.
  2. ^ أنطاكية، اكتشف سوريا، 13 أكتوبر 2013.
  3. ^ منعت السلطات الجديدة الملكيين من إقامة بطريرك لكونه على طقس ولغة الإمبراطور البيزنطي؛ في الهزيع الأخير من القرن السابع قام رهبان بيت مارون بملأ الفراغ المذكور، إلا أن الملكيين رفضوا الاعتراف بشرعية الانتخاب، وعاد أن سمح هشام بن عبد الملك بإعادة بطريرك ملكي. الموارنة في التاريخ، متي موسى، دار قدمس للنشر والتوزيع، دمشق 2004، ص.172
  4. ^ على الرغم من وجود قبائل عربية أو أشكال حكم عربية مثل الغساسنة في بعض مناطق سوريا الرومانية، إلا أنّ تغلب العصر العربي ما كان ليتم لولا الفتح الإسلامي. بكل الأحوال، لن يتم الاستعراب مباشةر في أعقاب الفتح، إذ لم تضمحل اللغة السريانية كلغة تخاطب في غالبية الريف السوري حتى القرن الثالث عشر على أبعد تقدير، تزامنًا مع الغزو المغولي، أو القرن العاشر على أقل تقدير. تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين، فيليب حتي، ترجمة كمال اليازجي، دار الثقافة، بيروت 1983، ص.172
  5. ^ أ ب العهدة العمرية.. أعظم العهود، المعرفة، الجزيرة نت

مواقع خارجية[عدل]