ابن جني

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ابن جني
إمام العربية
معلومات شخصية
الميلاد 941
الموصل
الوفاة 1002
بغداد
الديانة الإسلام، المعتزلة
الحياة العملية
تعلم لدى أبو علي الفارسي  تعديل قيمة خاصية تعلم لدى (P1066) في ويكي بيانات
المهنة كاتب  تعديل قيمة خاصية المهنة (P106) في ويكي بيانات
اللغات المحكية أو المكتوبة اللغة العربية  تعديل قيمة خاصية اللغات المحكية أو المكتوبة (P1412) في ويكي بيانات
أعمال بارزة كتاب الخصائص
تأثر بـ أبو علي الفارسي
مؤلف:ابن جني  - ويكي مصدر

أبو الفتح عثمان بن جني المشهور بـابن جني عالم نحوي كبير، ولد بالموصل عام 322 هـ، ونشأ وتعلم النحو فيها على يد أحمد بن محمد الموصلي الأخفش(1) ويذكر ابن خلكان أن ابن جني قرأ الأدب في صباه على يد أبي علي الفارسي حيث توثقت الصلات بينهما، حتى نبغ ابن جني بسبب صحبته، حتى أن أستاذهأبا علي، كان يسأله في بعض المسائل، ويرجع إلى رأيه فيها. على الرغم أن ابن جني كان يتبع المذهب البصري في اللغة إلا أنه كان كثير النقل عن أناس ليسوا بصريين في النحو واللغة وقد يرى في النحو ما هو بغدادي أو كوفي، فيثبته.

التقى ابن جني بالمتنبي بحلب عند سيف الدولة الحمداني كما التقاه في شيراز، عند عضد الدولة وكان المتنبي يحترمه ويقول فيه: «هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس، وكان إذا سئل عن شيء من دقائق النحو والتصريف في شعره يقول: سلوا صاحبنا أبا الفتح». ويعد ابن جني أول من قام بشرح أشعار ديوان المتنبي وقد شرحه شرحين الشرح الكبير والشرح الصغير، ولم يصل إلينا في العصر الحديث سوى الشرح الصغير. كان ابن جني يثني دوما على المتنبي ويعبر عنه بشاعرنا فيقول: «وحدثني المتنبي شاعرنا، وماعرفته إلا صادقا». وكان كثير الاستشهاد بشعره

بلغ ابن جني في علوم اللغة العربية من الجلالة ما لم يبلغه الا القليل ويبدو ذلك واضحا في كتبه وأبحاثه التي يظهر عليها الاستقصاء والتعمق في التحليل، واستنباط المبادئ والأصول من الجزئيات. اشتهر ببلاغته وحسن تصريف الكلام والإبانة عن المعاني بوجوه الأداء ووضع أصولا في الاشتقاق ومناسبة الألفاظ للمعاني.

محتويات

سيرته[عدل]

نسبه[عدل]

هو أَبُو الفَتح عُثمَان بِن جِنِّي، اسمه الأصلي «عثمان»، وكنيته «أبي الفتح»، ويُنسَب في بعض الأحيان إلى الموصل فيُقال «ابن جني المُوصِلي»، إلا أنَّه يُسمَّى غالباً «ابن جني» فقط. ولا يسجِّل المؤرخون العرب نَسَبَه ما بعد أبيه، نظراً لأنَّه لم يكن عربي النسب، فأبيه جنِّي، بكسر الجيم وتشديد النون وكسرها،[1] هو مملوك رومي يوناني لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي، وهو من أعيان الموصل.[2] وفي صدر إحدى مخطوطات "التصريف المملوكي" ورِدَ أنَّ اسمه هو عثمان بن عبد الله بن جني، وهو يخالف كماً هائلاً من المصادر تنصُّ بوضوح على أنَّ والده هو "جِنِّي"، ونُشِرَ اسمه على هذه الصورة في الطبعة اللاتينية من ترجمة المستشرق هوبرغ في ليبزيج سنة 1885، وذكر كمال مصطفى أيضًا اسمه بالصورة الخاطئة في مقدمِّته لتحقيق كتاب "الحور العين".[3] والأخبار الواردة عن أبيه المسمى جِنِّي ليست بالكثيرة، وكذا عن والدته التي تظل مجهولة الاسم، ولا نعلم أن كان له إخوة أم أنَّه الابن الوحيد.[4] ولا نجد أحداً يؤرخ لأبيه قبل مجيئه إلى الموصل، أو حتى إذا كان مولوداً فيها أم أنَّه انتقل إليها في فترة من حياته اللاحقة. ووِفقَ أحد الروايات كان أبيه جُندِياً «شتيم الوجه وحشي الصورة لا عِلم عنده ولا فهم»،[5] ويُقال أنَّه كان جُندِياً في جيش سيف الدولة الحمداني.[6] ويذكر ابن جنِّي في أحد أبيات الشعر المنسوبة إليه أنَّه يؤول إلى سلالة القياصرة، ويعني بذلك أنَّه ينتمي إلى الروم[؟] عامَّة وليس قياصرة الروم بالتحديد.[7] ويجمع المؤرخون أنَّ اسم «جِنِّي» هو في الأصل تعريبٌ لاسم علم رومي، وتذكر المصادر التقليدية أنَّ اسم أبيه الأصلي بالرومية هو «كني»،[8] بينما يقترح محمد النَّجار أنَّ اسم أبيه الأصلي هو «جينايوس» (باللاتينية: Gennaius، باليونانية: Γενναιος)، وهو الأصل الإيتمولوجي للإنجليزية الحديثة «genius»، بمعنى كريم أو فاضل، ويستند في ذلك إلى ما رواه ابن ماكولا في كتابه "المؤتلف والمختلف" عن إسماعيل بن المؤمَّل قوله أنَّ: «أبا الفتح كان يذكر أنَّ أباه كان فاضلاً بالرومية».[9][10] وأخذ برأيه الكثير من الكتاب والباحثين المعاصرين.[11][12] وينقل محمد أسعد طلس عن المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون قوله أنَّ «جِنِّي» هو تعريب «جانواريوس» (باللاتينية: Januarius)، وهو الشهر الأوَّل من التقويم اليولياني ويقابل يناير من التقويم الغريغوري.[13] ويقترح أحمد أمين أن يكون «جِنِّي» تعريب لاسم «جونا» (باللاتينية: Jonah).[14] ويُخطِئ الكثير في قراءة اسمه بالياء المُشدَّدة، على اعتبار أنَّها ياء النسب، وهذا خطأ شائع.[15]

وكذلك لا يُعرَف الكثير عن سيِّد أبيه سليمان بن فهد الأزدي، سوى أنَّه كان من أعيان الموصل وسادتها وأشرافها، ويشتبه محمد النجار أنَّ يكون هو سليمان بن فهد المتوفى في 411 الذي ذكره ابن الأثير في "الكامل"، ويذكر ابن الأثير أنَّ سليمان بن فهد هذا كان كاتباً عند أبي إسحاق الصابي في بغداد، ثُمَّ انتقل إلى الموصل واقتنى فيها ضياعاً وتوطَّدت علاقته مع حاكم المدينة، لكنَّه ما لبث أن وقع في مشكلة مع أمير الموصل أبي المنيع قراوش بن المقلد فقتله أبو المنيع في سنة 411. وتبرز مشكلة العمر عند افتراض كونه مولى جني، فهو تُوفِّي بعد ابن جني بتسعة عشر عاماً، وابن جني توفي بعد عمر التسعين، وإذا كان هو مولى أبيه فهذا يعني أنَّه تُوفِّي بعد عمر المائة على أقلِّ تقدير، ومن المستبعد بعد هذا العمر أن يظل في السلطة ويخاصم أمير الموصل مُسبِّباً وفاته. غير أنَّ محمد النجار يُرجِّح كونه مولى جني نظراً لأنَّ ابن الزمكدم الذي هجا ابن جني وكانت بينهما خصومة، هجا أيضًا سليمان بن فهد صاحب قراوش، مِمَّا يرجح أنَّه كان لا يزال في السلطة في فترة حياة ابن جني وشهرته.[16]

يتَّفِقُ المُترجِمُون لابن جني أنَّه كان فخوراً بانتسابه للروم، ونظَمَ أبياتاً تدلُّ على افتخاره بنسبه، إلا أنَّ افتخاره بعرقه لم تغلب عليه النزعة الشعوبية المتعصبة ضدَّ العرب،[17] التي انتشرت نسبياً في زمنه بين غير العرب من المسلمين، على النقيض من هذا فقد رُويَ عن ابن جني مدحه لأخلاقيات العرب في الجاهلية، كما أنَّه يُفضِّل اللغة العربية على سواها من اللغات، وهي عنده ذات مكانة خاصَّة، وهو يصرح بهذا في أكثر من موضع من مؤلفاته.[18] وابن جني الرومي الأصل ترعرع وعاش بين قبيلة أزد العربية في الموصل، وعلى الرغم من انتسابه العرقي المختلف عن هذه القبيلة فقد كان أيضًا أزدي الانتماء،[19] وهو يُصرِّح بانتمائه لأزد في مؤلفاته،[20] ويُنسَب إلى أزد فيُقال ابن جنِّي الأزدي.[21] فهو رومي العرق عربي النشأة. وشعر ابن جنِّي بقدر من الانتقاص في مجتمع ثقافي يضع للنسب مكانةً، فنراه يدافع عن نسبه في أشعاره فيقول:[ملاحظة:1]

فإن أصبح بلا نسبفعلمي في الورى نسبي
على أنِّي أؤول إلىقرومٍ سادة نجب
قياصرة إذا نطقواأرمَّ الدهر ذو الخطب
أُولاكَ دعا النَّبِيُّ لهمكفا شرفاً دعاء نبيٍّ

النشأة[عدل]

ولِدَ عثمان بن جني في مدينة الموصل زمن الخلافة العباسية، وتحديداً في فترة حكم الخليفة أبو الفضل المقتدر بالله، وتاريخ ولادته مختلف عليه، والثابت والمتَّفق عليه أنَّ ولادته كانت قبل سنة 330 من التقويم الهجري، وعند هذا الحد تقِفُ أغلبيَّة المصادر، غير أنَّ أبا الفداء في كتابه "المختصر" يذكر أنَّ ولادته كانت في سنة 302، ويذكر ابن القاضي في "طبقات النحاة" أنَّ ابن جني تُوفِّي عن عمر السبعين، ومن الثابت أنَّ وفاته في 392 فتكون ولادته طبقاً لرواية ابن القاضي في سنة 322 أو 321. ويُرَجِّح محمد النجار في تقديمه لكتاب "الخصائص" أنَّ ولادة ابن جني في 302 طبقاً لمقولة أبي الفداء، ويضع احتمال السهو فيما نُسِبَ إلى ابن القاضي، ويعتقدُ أنَّه تُوفِّي عن عمر التسعين لا السبعين، لأنَّ ابن جني كان يُدرِّس في جامع الموصل سنة 337، وإذا صحَّ ما ذهب إليه ابن القاضي سيكون عمره حينها خمسة عشر عاماً، وهو ما يرفضه النجار.[22] ويذكر واضعو "دائرة المعارف الإسلامية" أنَّ ولادته كانت في سنة 320، ويُرجِّح فاضل السامرائي أن تكون ولادته في تلك السنة حسب تقديره، واعتمد في ذلك أنَّه المذهب الوسط - حسب قوله - بين من يجعل ولادته قرب الثلاثين ومن يجعلها في بداية القرن، وهكذا سيكون عمر ابن جني وقت لقائه بالفارسي في السابعة عشر أو الثامنة عشر، وهو يلائم عمر ابن جني حسب وقائع الحادثة،[23] ويتابعه في استنتاجه حسام النعيمي.[24] ويأتي كارل بروكلمان في "تاريخ الأدب العربي" برأي آخر، وهو أنَّه ولِدَ قبل سنة 300 من الهجرة.[25]

مدينة الموصل - حديثاً - التي ولِدَ فيها ابن جني وعاش سنواته الأولى

وفي الموصل نشأ ابن جنِّي وترعرع وعاش طفولته وأخذ العلم عن شيوخ مدينته، وتفاصيل صِباه وحياته الأوليَّة لا زالت مجهولة.[26] وقد عاشت الدولة العباسية في هذا القرن حالةً من الاضطراب السياسي قابلها نشاط ثقافي وفكري ضخم، وفي هذا القرن فاق عدد العلماء والأدباء عددهم في غيره من القرون بنسبة ملحوظة، ولم تكن الموصل استثناءً من هذه الموجة الفكريَّة، فقد كانت تَؤُمُّ بالعلماء في شتَّى المجالات، وانتشرت دُوَر العلم في الموصل كان أشهرها المُسَمَّى "دار علم الموصل" الذي أنشأه أبو القاسم الموصِلِي في سنة 323، وأودع فيه خزانة كتبٍ من جميع العلوم، وجعله وقفاً على طُلاب العلم لا يُمنَع من دخوله أحد ويُفتَح كُلَّ يوم. وفي ظُلِّ هذه البيئة المُشجِّعة على العِلم والتعلُّم نشأ ابن جنِّي في مجالس الشيوخ والعلماء،[27] وازدادت معرفته يوماً بعد يوم، وشُغِف خاصةً باللغة العربية وعلومها، وتعمَّق ابن جني في دراسة اللغة العربية ونحوها وصرفها إلى أن اشتغل بتدريسها وهو لا يزال شاباً في مساجد الموصل. وتاريخ النحو في الموصل يعود إلى زمن نشأة هذا العلم، وأوَّل نحوي في الموصل هو مسلمة بن عبد الله الفهري الذي تتلمذ على يد عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وهو من رجال الطبقة الأولى من نحاة البصرة الأوائل. وصادفَ أن زار أبو علي الفارسي الموصل ودخل على المسجد الجامع في المدينة وابن جني يُقرِئ الناسَ علوم اللغة العربيَّة، ويُقال أنَّ المسألة التي كان يُناقشها هي قلب الواو ألفاً في نحو قال وقام، فلَفَتَ انتباهه هذا الشاب الذي تصدَّر للتدريس وهو ما يزال يافعاً، فيسأله سؤالاً في التصريف، يحاول ابن جنِّي قدر استطاعته أن يجيب عنه، فيقول له أبو علي: «ما زِلتَ حصرماً وتُرِيدُ أن تجعل من نَفسِكَ زبيباً»، في إشارةً إلى أنَّه تعجَّل في التدريس، ويعرِف ابن جنِّي لاحقاً أنَّ هذا الرجل هو أبو علي الفارسي من أشهر علماء اللغة في زمانه، فيتركُ التدريس في الموصِل ويلحق بأبي علي إلى بغداد ويصاحبه سنوات عديدة.

التعليم[عدل]

صاحَبَ ابن جنِّي أكثر من عالم وشيخ، وعلى عادة طلاب العربية في تلك الفترة كان يأخذ عن جميعهم مشافهةً، ويتجنَّب الأخذ من الكتب والصحف، وقد أخذ بسلسلة سندٍ من شيوخه عن كبار النحاة المتقدِّمين عليه. بدأ ابن جني تعليمه في سنٍّ صغيرة في مسقط رأسه، وأخذ عن جماعة من المَوَاصِلَة، ولا تُسَمِّي كتب التراجم سوى شيخ واحد تتلمذ على يده في الموصل، وهو أحمد بن محمد المُوصِلي الشافعي، ويُلَقَّب بالأخفش، وليست له شهرة كافية ليُعنى المؤرخون بترجمته ولا نعرف عنه شيئاً. ويُحتَمل أنَّ ابن جني تتلمذ في الموصل عند أبي بكر محمد بن هارون الروياني، وسمع منه روايات عن أبي حاتم السجستاني، ويُحتمل كذلك أنَّه سمع منه في بغداد.[28] وفي الموصل كان ابن جِنِّي يُخالط الأعراب المُحافظين على أصالة لغتهم، وهو كثيراً ما يروي عنهم في مؤلفاته، ولا يأخذ من الأعرابي إلا بعد امتحانه والتأكُّد من خلو لغته من اللحن وتأثير الحضر، ومِمَّن يثق في لغته من أهل الموصل أبو عبد الله محمد بن العسَّاف العقيلي، يقول عنه ابن جني: «وعلى نحو ذلك فحضرني قديماً بالموصل أعرابي عُقَيلي جوبي تميمي محمد بن العسَّاف الشرجي، قَلَّما تجد بدوياً أفصح منه».

ولله هو، وعليه رحمته، فما كان أقوى قياسه، وأشد بهذا العلم اللطيف الشريف أُنسه‏، فكأنه إنما كان مخلوقاً له‏، وكيف كان لا يكون كذلك، وقد أقام على هذه الطريقة مع جلة أصحابها وأعيان شيوخها سبعين سنة زائحة علله، ساقطة عنه كلفه، وجعله همه وسدمه، لا يعتاقه عنه ولد، ولا يعارضه فيه متجر، ولا يسوم به مطلباً، ولا يخدم به رئيساً إلا بأخرة وقد حط من أثقاله وألقى عصا ترحاله‏!‏

—يمدح أستاذه أبا علي الفارسي‏،‏ الخصائص (276/1)

ثُمَّ صَحَبَ أبا علي الفارسي بعد لقائه في الموصل، وتجدر الإشارة إلى أنَّ ابن خلكان يزعم أنَّ ابن جني التقى بالفارسي في بغداد قبل مجيئه إلى الموصل،[29] وتدعم خديجة الحديثي هذا القول بنصوص من مؤلفات ابن جني يذكر فيها تلاميذ المبرد وثعلب في بغداد.[30] والفارسي هو أكثر الشيوخ والعلماء تأثيراً عليه،[31] ولا نكاد نجد كتاباً لابن جني لا يذكره فيه أو يعرض بعضاً من آرائه ويقتبس منها ويثني عليها، ويعود هذا الاهتمام إلى العناية التي تلقاها ابن جني من قِبَلِه، وإلى المُدَّة الزمنية الطويلة التي قضاها ابن جني في صحبته، وتُقَدَّر بحوالي 40 عاماً منذ لقائه في الموصل سنة 337 حتى وفاة الفارسي في 377. ويُرجِّح مهدي المخزومي أنَّ ابن جني لم يصحب بعد لقائه بالفارسي أيَّ أستاذٍ آخر.[32] وفي هذه الأربعين عاماً لم يفارقه إلا قليلاً، وكان يلازمه في جميع أسفاره،[33] فغادر معه إلى الشام ودخل حلب في صحبته سنة 346، وصاحبه إلى بغداد واستقرَّ معه في البيت البويهي. وخلال هذه الفترة قرأ عليه الفارسي كتاب "التصريف" للمازني، وأخذ عنه "كتاب سيبويه"، وكتاب "الهمز" و"النوادر" لأبي زيد، و"القَلب والإبدال" ليعقوب، وكتاب "التصريف" للأخفش، وأخذ عنه كذلك القراءات القرآنية.[34] وقام ابن جني بتأليف جميع مصنفاته في صحبة الفارسي، وفي المرات القليلة التي لا يرافقه فيها كان يكاتبه حول المسائل اللغوية والنحوية المستعصية، ومع هذه الألفة والصحبة والتقدير الذي يكنّه ابن جني لأستاذه فهو لا يتوانى عن تخطئته متى ما رآه مُجانِباً للصواب، أو يكتفي بتبنِّي آراء مخالفةً لأستاذه.[35] وأكثرَ ابن جني من نقل آراء أستاذه الفارسي، ولم ينقل آراءه فحسب، بل نقل عنه أيضًا مروياته عن العلماء المُتَقَدِّمين، وفي أغلب الأحيان يقتصر فقط على إسنادها إليه وفي بعض الأحيان يذكر السند كاملاً.[36]

وأخذ ابن جني عن كثيرٍ من رواة اللغة والأدب، ويأخذ الروايات بسندٍ من الراوي حتى يصل إلى القائل ويُدوِّن ذلك في مؤلفاته، وتتلمذ ابن جني لدى محمد بن الحسن المعروف بابن مقسم، وعلى الأرجح التقى به ابن جني في بغداد، وكثيراً ما يذكره في مؤلفاته خاصةً كتابي "الخصائص" و"سر صناعة الإعراب"، ولم يكن ابن مقسم نحوياً مشهوراً كأبي علي، ولكنَّه يحفظ الكثير من مؤلفات كبار النحاة، فأخذ منه ابن جني الكثير من المرويات عن أحمد بن يحيى الشيباني المُلَقَّب بثعلب، وعن أبي عثمان المازني والكسائي من طريق ابن مقسم عن ثعلب، وأكثر أيضًا من الأخذ عن ابن الإعرابي وعن أبي عمر الشيباني بسند ابن مقسم مباشرةً إليهما. وبطريقة مماثلة للتي أخذ بها المرويات عن ابن مقسم أخذ أيضًا عن رواةٍ آخرين، فأخذ عن عبد الملك الأصمعي وأبي عثمان المازني من طريق أبي بكر محمد بن علي القاسم، وأخذ عن عبد الملك الأصمعي ومحمد بن سلام ويونس بن حبيب وأبي عمرو بن العلاء من طريق أبي بكر جعفر بن محمد بن الحاج، وأخذ عن المبرد من طريق محمد بن سلمة، وعن اليزيدي ومحمد بن حبيب من طريق أبي الفرج الأصفهاني، وأخذ عن الأصفهاني في بغداد، وعن أبي حاتم السجستاني من طريق أبي إسحاق الفرمسيني، وعن المبرد وثعلب والسكري من طريق أبي سهل أحمد بن محمد القطان، وعن قطرب من طريق علي بن محمد، وعن الفراء[؟] من طريق محمد بن محمد، وأخذ كتاباً في شواذ القراءات القرآنية من تأليف قطرب من طريق محمد بن علي بن وكيع.[37][38] وبهذه الطريقة اكتسب ابن جني ثقافته النحويَّة والأدبيَّة، وكان ابن جِنِّي مُطّلعاً على آراء جميع هؤلاء النحاة المتقدمين.

التزم ابن جني الدِقَّة والأمانة العلمية عند نقله عن شيوخه، فهو لا يذكر آرائهم في مؤلفاته بدون نسبتها إليهم،[39] وحَرَصَ قدر الإمكان على نقل كلامهم بالنص، فيقول عندما يستحضر أقوال شيوخه كما سمعها: «هذا لفظه لي البتَّة»، وإذا نقل قولهم بالمعنى أو المفهوم يقول: «هذا محصول معنى أبي علي، فأما نفس لفظه فلا يحضرني الآن حقيقة صورته».[40]