وطنية

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

الوطنية وتُعْرَفُ باسمِ الفخر القومي كذلك، هي التَعَلُّقُ العاطفي بأُمة يعترف بها الفرد وطنا. والوطني هو من يحب بلاده، ويدعم سلطتها ويصون مصالحها. يمكن النظر إلى هذا الارتباط من خلال العلامات المميزة للأمة والتي قد تشمل جوانب إثنية وثقافية، سياسية وتاريخية. تنبع المشاعر الوطنية من حِسٍّ بالارتباط والانتماء، والتضامن والالتزام. وتتضمن مجموعة مفاهيم وثيقة الصلة بالقومية، لأن واقع الحال يفيد بأن المصالح مِلكٌ للأمة، وليس للبلاد بمعناها الحرفي. تُستخدم الوطنية والقومية بشكلٍ متعاوض في كثير من الأحيان، وإن أمكن التمييز بينهما نظريًا.[1][2]

الوطنية مفهومٌ أخلاقي، وأحد أوجه الإيثار لدفعها المواطنين إلى التضحية براحتهم، وربما بحياتهم من أجل بلادهم.[3] رفض ألسدير ماكنتاير مقارنتها بالأخلاقيات واعتبرها حجر الأساس الذي تقوم عليه الأخيرة.[4] وَصَفها جورج هيغل بالـ"مشاعر السياسية"، واعتبر تضحية المرء بفرديته الشخصية لصالح تفرد الدولة من أعظم اختبارات الوطنية، شريطة وجود الحوكمة. وبالنسبة لجان جاك روسو، لم تنفصل الوطنية عن الحرية بل جادل باستحالة وجودها في مجتمع مستعبد، وعَبَّرَ عن ارتيابه ممن يُظهرون انتمائهم للإنسانية دون التزامٍ لأقوامهم.[5]

تقليديًا، اقترنت الوطنية بالحركات القومية اليمينية أكثر من اليسار. هذا لا ينفي الوطنية عن اليسار أو يقترحُ امتلاك اليمينِ لحقوقها الحصرية، إنّما لميلِ اليَمينِ إلى تقديم الولاء على العدل. كان نيكولو ماكيافيلي قد وضَعَ تقييمًا رفيعًا للوطنية في كتاب الأمير، واستبعدَ الحرية عن بلادٍ دون شعوب حاضرة لتقديم التضحياتِ اللازمةِ لأوطانها.[6] كان كتابه مناشدة لتخليصِ إيطاليا من الهيمنة الأجنبية والحكامِ الضُعفاءِ قصيري النظر،[7] بِغَضِّ النظر عن عدل أو ظلم الوسائل.[6]

ومثاليًا، الوطنية مهمة للدولة نظرًا لاحتياجها إلى جنود وشرطة، بيروقراطيين وضباط استخبارات، وغير ذلك من وظائفَ مهددة للسلامة الجسدية والنفسية. في بلدٍ ديمقراطي، تُوَفِّرُ الوطنية شعورًا بالولاء والتفاني وتُقَدِّمُ للمواطنين غرضًا حياتيًّا يرتكز عليه النظام. برغم عالمية اعتبارها فضيلة ضرورية، تعددت مظاهر وحجج معاداة الوطنية التي قد تتخذ أشكالاً متطرفة مثل الشوفينية والجينغوية. فهي مفهومٌ مُعَقَّد دون حلٍ نظري متكامل، تعددت أشكالها من وطنية معنية بصالح البلدِ ومواطنيه، إلى الطاعةِ العمياء للحاكم.[8]

تأثيل[عدل]

أُشْتَقَّ مصطلحُ الوطنية من كلمةِ وطن التي يُعَرِّفُها لسان العرب لابن منظور بالمنزل الذي يقيم فيه الإنسان.[9] انعكست حياة التنقل والترحال على تعريف الوطن في المعاجم العربية. أستعملت كلمات مثل منزل، وهي مشتقة من النزول بمعنى الانتقال من مكانٍ إلى آخر. غالبا ما جاء ذكرُ المنازل أو الديار في سياقِ الرثاء وعدم قدرة الشاعرِ على تمييز أطلال "وطنه" في الصحراء، أي منازل قبيلته في وقتٍ من الأوقات. إمرؤ القيس الكندي أول من سنَّ عادة الوقوفِ على آثار الديارِ والمنازل، وفي هذ القصائد ما يحملُ البذورَ الأساسيةَ للمفهوم.[10] مثلاً، جاء في مطلعِ معلقته :

قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخول فحَوْملِ

ووردت كلمة وطن في شعر زامل بن عفير الطائي:

غير أن الأوطان تجتذب المرء إليها الهوى وإن عاش كدا

كلها إشارات إلى منازل القبيلة أو الحِمَى، وهو المرعى. ومن الحِمَى جائت كلمة حَميَّة بمعنى الغيرة، الغضب، أو الأنَفَة. كلمة وطن قد تعني مرابط الغنم والبقر كذلك .[9] وردت كلمة ”وطن“ في نصوص خط المسند، وجائت في لغة السبئيين بمعنى حدود.[11] كانت إشارة إلى حدود محيطة بأي شيء من الهِجَر - المدن - إلى الحقول.

الوطنية كلمة مستحدثة ظهرت في القرن التاسع عشر في بيروت والقاهرة وبرغم حداثتها، لم تبتعد عن مقصد الشعراء والأدباء في عصور سابقة. لم يتغير حب الوطن عن المفهوم البدائي بمعنى التعلق بمسقط الرأس دون إلتزامات حقيقية تجاه قاطنيه، إذ خلى المصطلح من أي محتوًى سياسي واستخدمَ للإشارةِ إلى مكانِ المنشأ بالتحديد.[12] حقيقة تردد كلمة أوطان بكثرة في الشعر العربي المبكر، تعكس واقع إمكانية امتلاك المرء لأكثر من وطن، لأنه اصطلاحاً ليس أكثر من ”منزل“.[13] لم يتم استيعابه بشكل كامل كمقابل لمصطلح (بالإنجليزية: Patriotism) الذي مر بخط تطور مختلف نسبياً وارتبط بظهور الدولة القومية.[14]

التاريخ[عدل]

حرب الثمانين عاماً الهولندية كانت نقطة تحول مهمة في مغزى الوطنية.

يعود أصل المصطلح إلى كلمة (يونانية: πατριώτης - باتريوتيس) التي أُستخدمت في اليونان القديمة لوصف وتمييز البرابرة بشكل حصري. كلمة (πατριά - باتريا) تعني عشيرة، وأراد اليونانيون الذين يعودون إلى دولة مشتركة تمييز أنفسهم عن البرابرة الذين يرجعون إلى أصل أو جد مشترك. وجدت الكلمة طريقها إلى اللغات الرومانسية في القرن السادس عشر، ودخلت الكلمة قيد الاستعمال في اللغة الانجليزية في نفس الحقبة خلال العصر الإليزابيثي. كانت الكلمة بدورها مجرد دلالة على الأصل الإثني المشترك، وتعني ابن البلد حرفيًّا.

اُستُعمِلت الكلمة خلال حروب الإصلاح الأوروبية على نطاقٍ واسع، وبداية التحول الحاسم في مغزاها كان خلال حرب الثمانين عاماً ضد الهيمنة الأجنبية للتاج الإسباني والإمبراطورية الرومانية المقدسة على هولندا. إذ وصف ويليام الصامت وغيره من الكالفينيين الراديكاليين أنفسهم بالوطنيين، وترسخت الكلمة في الثقافة السياسية لسكانِ البلدان المنخفضة منتصف القرن السادس عشر. ودعا الهوغنوتي بيير فابري من سماهم بالوطنيين الجيدين (فرنسية:tout bon citoyen et patriote) إلى حمل السلاح والدفاعِ عن فرنسا ضد التحالف الكاثوليكي وحلفائه الإسبان.[15]

توسل ماكيافيلي قائدًا يحرر إيطاليا من ”البرابرة وإهاناتهم“،[16] فكان كتاب الأمير لتحرير النخب فكريًا.[17]

في القرن الثامن عشر، أُضيفت ياءُ النسبِ إلى كلمة "وطني" وكان ديفيد هيوم من أدخل المصطلح إلى الثقافة السياسية البريطانية. اُعتمِدَ المصطلح لتمييز الثوريين الأميركيين خلال الثورة عن الموالين للإمبراطورية البريطانية. وألهم الثوريون الأميركيون محرضي الثورة الباتافية ضد فيليم الخامس أمير أورانيا، الذين وصفوا أنفسهم بالوطنيين كذلك تمييزاً لأنفسهم عن الموالين للأمير. بعد سنتين، اندلعت الثورة الفرنسية ضد الإقطاع. يُمكِنُ تعقب القومية الفرنسية إلى فترةٍ مبكرة بدأت مع جان دارك، إلا أنَّ الثورة كانت نقطة التحول الفاصلة. ساهمت حروب وغزوات نابليون بداعِ نشر قِيَم التنوير في سطوعِ القومية الرومانسية في القارة الأوروبية.[18] انتكس استعمال الوطنية عقب عودة السياسات الرجعية بقيادة كليمنس فون مترنيش بعد مؤتمر فيينا.

بشكلٍ مماثل وإن تأخرَ نِسبيّا، تم توظيفُ الكلمة بشكل واسع خلال الثورة الألمانية. ساهمت الحرب الفرانكو جرمانية في بزوغِ القومية الألمانية التي قادت إلى وحدة الدول الجرمانية وتأسيس الإمبراطورية الألمانية. قاد جوزيبي مازيني حراك القومية الإيطالية المتأثرة بأفكار نيكولو ماكيافيلي لـ”توحيد أحفاد الروم“، وتخليص إيطاليا من القوى الأجنبية التي هيمنت عليها لقرون.[19] في جميع هذه الحالات، ارتبطت الوطنية بقِيَم البرجوازيين عن المصلحة الذاتية والصالح العام، والتي تُرجمت إلى قومية وليبِرالية سعت إلى إقامةِ دول قومية وديمقراطية في المقام الأول. مع أخذ ذلك بالاعتبار، لم تتطابق رؤى السياسيين والمثقفين وإن اتفقوا على خطوطٍ عريضة أهمها المبادئ الجمهورياتية والديمقراطية.

توضح هذه الأمثلة معنى الوطنية، فهي منقبة أو فضيلة في إطار حالة اجتماعية تُحَرّض المرء على حب بلاده والعمل لتحقيق وحماية مصالح الأمة. ليست هوية في حد ذاتها، ذلك أنَّ الهوية معقودة بالقومية. كانَ رفاعة الطهطاوي من أوائل من نقلوا المصطلح إلى اللغة العربية، وكان مدعوماً من الأسرة المصرية الحاكمة والتي سعت إلى الاستقلال عن الإمبراطورية العثمانية. عَرَّفَ الطهطاوي الوطن بأنه:

«عش الإنسان الذي فيه درج، ومنه خرج، ومجمع أسرته، ومقطع سرته، وهو البلد الذي نشّأّته تربتُه وغذاؤه وهواؤه، وربّاه نسيمُه، وحلت عنه التمائمُ فيه»

لم يرغب محمد علي باشا أن يتعلم المبتعثون المصريون إلى فرنسا أكثر مما يجب، فقد كان حاكمًا أوتوقراطيًا في نهاية المطاف. غير أنَّ الليبرالية وجدت طريقها إلى كتابات الطهطاوي الذي عاصر ثورة يوليو وكتب عنها بإسهاب. لم يُنظِّر لديمقراطية، واكتفى بالكتابة عن قيود أخلاقية مستمدة من الإسلام على سلطات الحاكم، فكان بذلك من أوائل من كتبوا عن فصل السلطات بالعربية. دافعه من وراء الكتابة عن تقييد سلطات الحكام كان حقيقة أنَّ الطبقة الحاكمة في مصر كانت خليطًا من أتراك وشركس، بينما هيئة الفقهاء الدينيين كانت المجال المتاح والوحيد أمام سكان البلاد الأصليين للمشاركة في تيسير الشأن السياسي.[20]

لعبت الاضطرابات الطائفية في سورية العثمانية دوراً في تبلور رؤى البرجوازيين اللبنانيين

معاينته لآثار مصر القديمة في باريس أيقظت فيه القومية المصرية بصورةٍ لم تكن مألوفة من قبل. كل استشهادٍ بأثر للنبي محمد بخصوص قضيةٍ ما، أعقبه حديث عن كيفية استيعاب المصريين القدماء لذات المسألة. آمن بمصر كفكرة تاريخية مستمرة، وبقدرة المصريين على بناء حضارة جديدة قائلًا أنَّ ”بنية أجسام أهل هذه الأزمان هي عين بنية أهل الزمان الذي مضى وفات والقرائح واحدة“. أراد أن يقول بأنَّ المصريين اليوم هم أحفاد ذات الشعب الذي بنى أعظم حضارات العالم القديم، كما يُنظر إليها على نحوٍ واسع. حَمَّل الطهطاوي مسؤولية انحطاط مصر حضاريًا على الحكم الأجنبي، بما في ذلك هيمنة الأسرة التي عَمِلَ لصالحها. لم يكن شوفينيًا ودعا إلى حسن معاملة الأجانب والتعلم منهم، وأشاد بأسرة محمد علي ما سعت إلى ”إحياء أمجاد مصر“.[21]

الوطنية عند بطرس البستاني هي حماية المواطنين لأغلى حقوق الوطن بما في ذلك حياتهم وكرامتهم، ممتلكاتهم وحرية ثقافتهم المدنية وحقوقهم الدينية. بالنسبة للبستاني، لا يكونُ الإخلاص لشخص الحاكم لأن الوطني الحقيقي يُكَرِّسُ نفسه لما فيه مصلحة بلده.[22] كان البستاني قوميًا سوريًا، وكتب عن ضرورة التعاون على قدم مساواة لجميع أبناء البلد الواحد، ويتحقق ذلك بالاعتراف بجميع الأديان بما أنها ”تعبد ذات الإله الواحد“. لم يتبنى البستاني نبرة عدائية تجاه الإمبراطورية العثمانية، ويُنسب إليه قوله بأن الإمبراطورية وطننا ولكن سورية بلادنا. شدد على الحرية والمساواة الدينية لأسباب عديدة منها الاضطرابات الطائفية في جبل لبنان، ولأنه فارَقَ الكنيسة المارونية واعتنق البروتستانتية. لا يُنظر إلى البستاني كمُنظِّرٍ للأهلانية القومية، بل كمثقف سعى إلى العمل في إطار التنظيمات العثمانية.[23]

بعد وفاة الطهطاوي، ظهر جيل من المثقفين المصريين ينتصر لأفكاره ويعمل على تطويرها، وكان عبد الله النديم أول من أضفى طابعًا شعبويًا على القومية المصرية بعد سنين من تداولها على مستوى النخبة.[24] كان البريطانيون ومعهم طبقة من التجار الأجانب النافذين قد أخذوا بترويج فكرة مفادها أنَّ مصر لا تستطيع أنَّ تكون أمة ولا المصريين بالقادرين على بناء كيان قومي مستقل. أراد الإنجليز إقناع المثقفين المصريين بضرورة تشكيل مجلس تشريعي تُمثل فيه الجاليات الأجنبية في مصر وفقًا لتعدادها، لأن ”تعدد الجماعات المنفصلة“ ينفي وجود أمة مصرية، وفقًا لإيفلين بارينغ. كتب أحمد لطفي السيد أن المصريين ورثوا أرضًا من آلاف السنين، وجميع من عاش بينهم و”اختلط دمه بدمائهم“ وتطبع بعاداتهم فهو مصري، جادل بأن شمائل المصريين تتغلب على ”الأجانب“ في البلد وليس العكس.[25] تأرجحت مصر بين عدة تيارات لصياغة خطاب قومي شامل ووصل الحراك الثقافي إلى طريقٍ مسدود بحلول العام 1952. قاد جمال عبد الناصر البلاد نحو القومية العربية، لكنها لم تكن أكثر من تأجيل لنقاشٍ مجتمعي ظهر على السطح مجددًا فور إنهيارها.[26]

”صفر زائد صفر، يساووا كم يا عزام؟“ - سعد زغلول باشا عن القومية العربية.[27]

خلافاً لأوروبا، تَصعُبُ دراسة طبقات الهوية في الشرق الأوسط. إذ تَكشِفُ طريقة استعمال مصطلحات الوطنية والقومية عن ارتباك،[28] واستخدامات حصرية بالدول الأعضاء في الجامعة العربية.[29] عادت الكلمة بعد إنهيار القومية العربية، وسميت مرحلة ما بعد قمة الخرطوم بـ”الوطنية“، ويقصدون القومية الإقليمية. لم يكن مفهوم القومية الإقليمية غريبًا عليهم في الممارسة والواقع،[30] إذ عَبَّرَ ساطع الحصري عن استياءه من ترسيخِ الحدود برغم رحيل الاستعمار. ذلك أنَّ كثيرًا من بلدان المنطقة معروفة كأفكار تاريخية ومراكزَ إدارية بغض النظر عن التقسيم الاستعماري.[31]

كانت النخب السياسية والاقتصادية حريصة على نجاةِ بلدانها لاستثماراتهم الراسخة فيها، وجادل بعضهم أن القومية العربية ليست أكثر من رخصة لبعض النخب لإرهاب نخبٍ أخرى. على سبيل المثال، استخدم العراقيون حججًا ثقافية وجيوسياسية للدفاع عن الحدود القومية، وأظهروا تحفظًا إزاء عبارات مثل ”الشعب العربي في العراق“. ولذلك أضاف عبد الكريم قاسم نجمة عشتار على الشعار القومي تأكيدًا على هوية البلد وصد دعوات الانضمام إلى الجمهورية العربية المتحدة.[32] حالة مشابهة كانت في تونس الحبيب بورقيبة الذي اتخذ سياسة مستقلة وأكثر انفتاحًا وشدد على حق بلاده في السعي إلى تحقيق مصالحها القومية.[33]

لم يتجاوز صعود البعثيين في العراق مَنحَ القوميةِ العربية أولويةً ضِمنَ الدولة القومية. وبشكل مماثل في سورية حيث حاولوا التوفيق بين القومية السورية والتي أُعدم منظريها في وقتٍ سابق، وشعارات قلب العروبة النابض. في بعض الحالات، أُستخدمت شعارات الوحدة لترجيح كفة فصيل على آخر في صراع مراكز القوى داخل النظام. توجه بعض البعثيين السوريين إلى مصر بعد انقلاب 1963 لإعادة بحث الوحدة في 17 أبريل، دوافعهم كانت محلية تهدف إلى إستغلال اسم جمال عبد الناصر الذي كان لا يزال شعبياً حينها، لتمرير مشروعهم ضد الفصائل الأخرى بمن في ذلك الناصريين.[32]

بدلاً من ترك المزاج العام يأخذ مجراه الطبيعي ويتطور إلى دولة قومية حديثة، واصَلَ السياسيون الحديثَ عن وطن عربي بتشدقٍ كلامي كاذب خدمة لأغراض دولة ما.[34] بمعنى أنَّ القومية العربية ورغم التخلي العملي عنها، استمر توظيفها كأداةٍ سياسية وبقدر كبير من التلاعب لتحقيق غايات مختلفة.[35] كانت النتيجة نشازاً لازَمَ الشرقَ الأوسطِ لفترةٍ طويلة،[36] وجماعات العنف الغير الحكومية والعابرة للقوميات أحد الأعراض الجانبية لهذا الخطاب الذي يشكك في الشرعية التأسيسية للدول بشكلٍ أو بآخر. بالرغم من بلاغيات السياسيين في المنطقة، معظم الدول محدودة سياسياً وذات سيادة، وتتشكل من مجتمعاتٍ قومية.[29]

التعريف[عدل]

«الوطنية هي أن تدعم بلادك في جميع الأوقات، وحكومتك عندما تستحق ذلك» – مارك توين

قاموس أكسفورد الإنجليزي يصف الوطني بالشخص الذي يدعم بلاده بقوة، والمستعد للدفاع عنها من الأعداء أو المنتقصين.[37] موسوعة ستانفورد للفلسفة أوردت ما وصفته بالتعريف القياسي للوطنية وهو حب المرء لبلاده، ويتضمن التعريف :

  • عاطفة أو تعلق وجداني بالبلد.
  • قلق واهتمام خاص برفاهية وخير البلد
  • الاحساس بهوية خاصة مع البلد
  • الاستعداد لتقديم تضحيات تعزز من مصالح البلد.

تقول الموسوعة أنَّ مامن فرق بين كلمتي عاطفة و حب ويمكن استعمالهما بشكل متعاوض، غير أن الحب من دون القلق ليس كافياً للوطنية، ولذلك وجب تضمين الاهتمام أو القلق في التعريف. الاهتمام والقلق بحالة البلد ينطوي ضمناً على استعدادٍ بتضحية لصالحها. الاحساس بالخصوصية عبارة مبهمة وتسمح للمرء أن يطلق على بلد ما خاصته بصورة رسمية وبالغة الشكلية. لذلك، يمكن تمييز الوطني من طريقة تعريفه عن نفسه مع بلده خلال التعبير عن مشاعره بشكل غير مباشر، من فخر بمزاياها وانجازاتها أو شعور بالعار لإخفاقاتها، وتشمل الاعتراف بجرائمها، إن وجدت، بدلاً من إنكارها. هذا مُجَرَّدُ تعريف تجريدي وليس تقريراً متكاملاً تقول الموسوعة، لأنه لا يتطرق لمعتقدات ومواقف الوطني إزاء شمائل بلاده، فضلاً عن الظروف السياسية والاجتماعية المؤثرة على المد والجزر الوطني، وتأثير الوطنية ثقافيًا وسياسيًا.[38]

جادل جان جاك روسو أن الحقوق الطبيعية والمساواة تؤسس عقدًا اجتماعيًا أفضل من ثيولوجيا الأديان.

ترتبط الوطنية بالهوية القومية، والهوية تعريف أو تفسير للذات يُحدد موقع وماهية الشخص من الناحيتين الاجتماعية والنفسية. تظهر الهوية ضمن نظام من التمثيل والعلاقات الاجتماعية، وتتطلب اعترافاً متبادلاً. معاييرها التعريفية هي الاستمرارية عبر الزمن، والتمايز عن الآخرين. تنبع الاستمرارية من إدراك الأمة ككيان متجذرٍ تاريخياً مع بناء تَصَوراتٍ واضحة عن المستقبل، ويستوعب الأفراد هذه الاستمرارية من خلال مجموعة من التجارب الزمنية التي يفهمونها بشكلٍ موحد. التمايز نابعٌ من وعي بتَشكل مجتمع متميز بثقافة، ماضٍ، رموز وتقاليد متعلقة بأراضٍ محددة ومُعرَّفة.[39] لا يتأتى الإحساس بالحدود الإقليمية للبلد بشكل طبيعي، لأنَّ النخب عادةً ما تكونُ أولَ من يكتسب مفهوماً واضحاً لها عبر التعليم. لا تُكَوِّنُ المجتمعات القروية إحساساً بالأمة من تلقاء نفسها لأن فردها لا يسافر ولا يتجول في أنحاء بلده وبالتالي لا يستطيع تَخَيُّلَ حدود بلاده بشكلٍ واضح.[40]

الوطنية ظاهرة حديثة في التاريخ الإنساني ارتبطت بظهور المجتمعات الحديثة والتقسيم العقلاني للعمل. هذا لا يعني أنَّ فضائل الإخلاص والتضامن العضوي لم تكن معروفة في الثقافات البشرية، ولكن مغزى الوطنية المتعارف عليه حديثٌ نسبيًا. تعمل المجتمعات التقليدية على أساس النسب، الدين، الجنس، الطبقة الاجتماعية ومثيل ذلك من الخصال. جادل نيكولو ماكيافيلي بضرورة إعادة إحياء العبادات الوثنية لإضعاف تأثير الكنيسة على الدولة، لأن الأديان الوثنية كانت تخدم معتنيقها عوضًا عن تسخير الناس لخدمتها. الغرض من تأدية الطقوس الوثنية كان تحقيق أهداف مدنية، وبما أنَّ لكل حضارة قديمة إله قومي، كان الولاء لجهة واحدة وهي الدولة. طبيعة إيمان ماكيافيلي موضع آراءٍ مختلفة بين العلماء، كان يتحدث عن فكرة طورها وصاغها جان جاك روسو لاحقًا وسماها بالدين المدني في كتاب العقد الاجتماعي، وهو معتقد بمحتوًى ثيولوجي ضئيل. مثل ماكيافيلي، رأى روسو أن المسيحية وإن كانت محقة ثيولوجيًا، فهي عديمة الفائدة كـ”دين جمهوري“ لأنها لا تُعلم الناس الفضائل الضرورية لخدمة الدولة.[41]

يكتسب القرويون، أو الجماهير بشكل عام، قِيَمهم ويتعلمون التعريف عن أنفسهم من خلال ما يُسمى بثقافة النخبة، أيًّا كان محتواها، إذ تُسقط النخبة نسخة مختارة من ”ثقافتها العالية“ على هؤلاء. نجاح تعميم نسخ معينة من ثقافة النخبة يتطلب بيئة ترتبط فيه هذه الثقافة بهياكل السلطة، لتكون قادرة على توفير فرصٍ للجماهير التي ستتبناها، وأن تقدم النخبة بعضًا من التنازلات وتدمج ثقافتها العالية بعناصر من الثقافة الشعبية حتى تتمكن الجماهير من امتصاصها وتبنيها كأنها مِلكهم. تقوم النخبة بانتقاء الموروثات التاريخية بعناية شديدة، ثم تحورها بصورة راديكالية وتقدمها بلغة مفهومة للعوام.[42] تتضمن الاستراتيجيات العامة للبناء عادة:

  • بناء ونشر أو تعميم صورة معينة عن الأمة.
  • خلق وترويج مجموعة من الرموز والطقوس بهدف تعزيز الاحساس بالمجتمع بين المواطنين.
  • النهوض بالمواطنة التي تنطوي على مجموعة محددة وواضحة المعالم من الحقوق الفردية والقانونية، واجبات وحقوق سياسية، وحقوق اقتصادية اجتماعية. من شأن ذلك تعزيز مشاعر الولاء، وترسيخ تمييز حاسم بين أولئك المشمولين «المواطنين» والمستبعدين «الأجانب».
  • خلق عدو خارجي مشترك للأمة، ليس توجهًا تقليديًا ولكنه أثبت فعاليته في تعزيز الإحساس بالمجتمع سواء كان الخطر وشيكًا، محتملًا أو مصطنعًا.
  • التوطيد التقدمي للتعليم القومي والنظم الإعلامية لترسيخ صورة الأمة. وبالتحديد، اختلاق تجسيد نمطي عن ”المواطن الصالح“.
    جرمانيا وكولومبيا، تجسيدات قومية لكلٍ من ألمانيا والولايات المتحدة. أُستخدمت هذه التجسيدات للتدليل على خصالٍ قومية مُميِّزةٍ للأمة

بما أن الوطنية والهوية القومية هي نتيجة إسقاط فهم النخبة لذاتها على الجماهير، يُمكن التمييز بين نوعين رئيسين من الوطنية:[43]

  1. الوطنية السلطوية: تروج أن البلد بطبيعتها قبل أي شيء آخر، متفوقة على البلدان الأخرى. يتوقع من المواطنين الولاء الكامل والغير مشكوك، ويتم اتباع القادة بشكل غرائزي وغير مشروط. غالباً ما تتجاهل أوجه القصور والعيوب والشقاق الاجتماعي داخل الأمة، بما أنها إمعية وترى المعارضة بحد ذاتها خطراً وزعزعة للاستقرار.
  2. الوطنية الديمقراطية: تتميز باعتقاد سائد بين مواطينها أن القِيَم والمُثُل العليا للبلد جديرة بالاحترام والاعجاب، وبذلك يكون الولاء للقيم المؤسسية للديمقراطية. الولاء فيها متعمد ومستطلع وليس غرائزياً، واهتمامهم بالمجتمع من حولهم نابعٌ من مبادئ محددة مثل الحرية والعدالة. يتحدث فيها المواطنون عن أوجه القصور أو العيوب وحرية الشجب والاستنكار مكفولة، بمعنى أنهم يعتبرون المعارضة وليس الامتثال عملاً وطنياً.

كان سقراط قد عرَّف المواطن الصالح بذلك الذي يتحدى الأفكار الشعبية عبر محادثات تأخذ مكانها في المساحات العامة والخاصة بأثينا.[44] فبالرغم أنَّ بناء وتشكيل هوية وثقافة قومية عمل نخبوي في الأصل ويهدف إلى توحيد المواطنين داخل مجتمع سياسي مقيد إقليميًا، فهي ليست مشروعًا رأسيًا من أعلى إلى أسفل بالكلية. لأن البناء يعتمد على مواطني الدولة القومية كذلك ليلعبوا دورًا نشطًا في إعادة إنتاج التقاليد القومية، سرد التاريخ القومي، والمشاركة في الاحتفالات والطقوس القومية. هذه الأنشطة المساعدة على ”تخيل الأمة“ كمجتمع مُوَحَّد من مهام المجتمع المدني.[45]

الوطنية أخلاقيًا[عدل]

”لست أثينيًا ولا كورينثياً، أنا مواطن من العالم“ - ديوجانس الكلبي

تُستوعب الوطنية كقيمة إيجابية في معظم دول العالم، مع اختلاف الانطباعات المعيارية عن تجلياتها المختلفة. يجيب معظم الناس أنهم يحبون بلادهم لمناقبها وإنجازاتها. إن كانت هذه هي الحالة فعلاً، سيقوم الوطني باعلان ولائه لدولة أخرى تحمل نفس القيم وتطبقها بطريقة أفضل، غير أنَّ ما من وطني حقيقي سيفعل ذلك. عندما يتم مواجهة هذا المنطق، يجيب الوطني أنه يجب بلاده لمُجَرَّد أنها بلاده ولا يحتاج لمزيد من الأسباب للولاء وإظهار إهتمامٍ خاص بصالحها. من منظور فلسفي، قد لا يكون هذا الجواب مقنعًا، وهو غير عقلاني واعتباطي، ولكنه بالتأكيد وطني.[38] بعض تقاليد الفلسفة الأخلاقية تعتبر الوطنية نرجسية جماعية، اعتباطية في أصلها وتخالف مطالب العدالة العالمية والتضامن الإنساني المشترك. كان سقراط الذي شكك في أخلاقية التفرد، قاد عدداً من الفلاسفة الأخلاقيين مثل جون ستيوارت ميل وإيمانويل كانت إلى إستنتاج عالمية وحياد الأخلاق وضرورة التعامل مع جميع البشر على قدم المساواة. هؤلاء يرفضون الوطنية لصالح شكلٍ من أشكال الكوزموبوليتية.[46]

وفقًا لمارثا نوسباوم، الإشفاق وإن كان عاطفة متأصلة في بيولوجية الإنسان، فهو لا يخلو من التفكير. أقامت الجزء الأكبر من جدالها على فلسفة الرواقيين، وتقول بأنهم لم يقترحوا تدمير الهياكل المحلية والقومية للتنظيم السياسي وإقامة حكومة عالمية على أنقاضها. الفكرة الأساسية هي أنَّ الولاء الأول لا ينبغي أن يكون لشكل من أشكال الحكومة أو السلطة الزمنية، بل لمجتمع أخلاقي يتألف من إنسانية جميع البشر. بما أن الإشفاق عاطفة تتضمن تفكيراً، بالإمكان تطوير وسائل تمديد المشاعر القوية وتطوير القدرة على تخيل أوضاع الناس حول العالم. التعليم القومي الذي يتضمن تعاليمًا أساسية وعالمية عن حقوق الإنسان ليس كافيًا، وينبغي على الطلاب أنَّ يتعرفوا على تواريخ الأمم الأخرى بالإضافة إلى نجاحاتها أو إخفاقاتها المقارنة. قدمت أربع نقاطٍ رئيسية عن أفضلية المواطنة المعولمة [47]:

  • يتعلم الناس عن أنفسهم أكثر من خلال التعليم المعولم.
  • يتحقق تقدم في حل المشاكل التي تتطلب تعاونًا دوليًا، مثل الاحتباس الحراري.
  • يتزايد إدراك الناس بالتزاماتهم الأخلاقية تجاه البشرية.
  • يقدم المعولمين حججًا متسقة ومتماسكة بناءً على علامات فارقة يستطيعون الدفاع عنها.
”سيقرر شعب هذه البلاد من خلال سلوكه ومثاله، الإجابة على السؤال المهم إذا كانت المجتمعات البشرية قادرة على إقامة حكومة جيدة عبر التفكير والاختيار، أم مقدر لها الاعتماد على الصدفة والقوة في دساتيرها السياسية“ - هاميلتن 1787.

يقول هارفي مانسفيلد أن نوسباوم فيلسوفة متميزة، لكنه شَبَّهَ إدراكها السياسي بفتاة كشافة. يتفق أنَّ بعض تمظهرات الوطنية قد ينزلق إلى الجينغوية أو ما هو أسوأ من ذلك، ولكنه لا يرى في ذلك ذريعة لاستبعاد ما سماه بالوطنية الحصيفة وتجاهل ليبرالية ودستور البلاد.[48] وصف ألكساندر هاميلتن الدستور بالأنموذج العالمي للحكومة الجيدة النابعة من التفكير والاختيار بدلًا من الصدفة والقوة، لأنه يوفر هيكلاً مصممًا بعناية لتمكين الأغلبية السياسية العقلانية وإحباط مساعيها إن لم تكن كذلك. علاج التجليات البغيضة للوطنية ليس في المواطنة العالمية، بل في حكومة ديمقراطية وإن لم تكن الأخيرة الضامن الأمثل للكمال. يلد الناس في بلد ما بشكل اعتباطي، لكنهم يولدون في بلد وليس في العالم. بالإمكان إظهار الكرم والتعاطف مع شعوب في بلدان أخرى، من منطلق احترام الذات وليس العدالة العالمية بحيث يكون لأي أجنبي ذات استحقاقات المواطن.[49] آخرون كانوا أقل حدة من مانسفيلد، أشادوا بمثاليتها ولكنهم لجئوا لاستعاراتٍ واقعية لرفض جدالها. قال آرثر إم. شليزنجر أن مناشدة نوسباوم كانت لتكون محقة لو كان العالم مثاليًّا، ولكن على الناس التعامل مع العالم الذي يعيشون فيه.[48]

هناك من يجادل بامكانية التوفيق بين الموقفين، وذلك بموازنة الاعتزاز بالفلكلور القومي مع تقدير واحترام عادات وثقافات الآخرين. وضع الوطنية مقابل الكوزموبوليتية ليس عادلاً، فكلا المفهومين يحمل مضامين إنسانية أخلاقية، وكلاهما قد ينحرف ويتخذ أنماطاً سلبية وخطيرة كذلك.[50] يقول بنجامين باربر بأنَّ المشكلة ليست بين المفهومين، بل في طبيعة بعض تجليات الوطنية. تعزيز المجتمعاتِ المحلية أفضل خدمة للقيم الإنسانية العالمية، هناك وطنيات متجذرة في الالتزام بالديمقراطية الدستورية ومبادئ الحرية والمساواة بعكس وطنيات أخرى قائمة على الهويات الدينية والإثنية والقبلية. هناك صيغ سيئة للوطنية، وهناك وطنية ليست إيجابية فحسب، بل أساسية لديمقراطية تَعمل.[51]

تجادل مارسيا بارون بأن الوطنية متناغمة مع الأخلاقيات الليبرالية، ذلك أن الخلاف بين الحياد والتحيز ليس بذلك العمق الظاهر. تعترف الأخلاقيات بكلا الاعتبارين من حيث صلتهما بمستويات مختلفة من المداولات الأخلاقية، المحاباة والقلق المخصوص مشروع ومُثمن من وجهة نظر محايدة وعالمية. مثل الانحياز للعائلة، الأصدقاء والمجتمع المحلي، هذه تحيزات ليست مشروعة فحسب بل قَيِّمَة ومن شأنها تخليق اهتمامٍ بامتياز البلاد ثقافيًا وأخلاقيًا.[38] تطرقت هذه المواقف إلى الوطنية من زاوية الأخلاقيات ومعضلة التوفيق بين القِيَم والمبادئ الإنسانية العالمية، والانتماءات والولاءات التي تحددها الوطنية. تداولت أدبيات الفلسفة السياسية الوطنية والقومية من نقطة استشرافٍ مختلفة.

الفلسفات السياسية[عدل]

الليبرالية[عدل]

«لتكون الدولة الليبرالية آمنة، يجب على المواطنين أن يفهموا المصلحة القومية كشئ آخر عن مصلحة الدولة. لأن الأولى وحدها من تستدعي روح التضحية التي تعتمد عليها الثانية» – روجر سكروتن

كانت الليبرالية حليفًا تاريخيًا للقومية، إذ كانت الأخيرة شرطاً لازماً لظهور القيم الليبرالية الكلاسيكية،[52] واقترن كلا المفهومين بالبرجوازية حيث اكتسبت فكرة الوحدة القومية شعبية كبيرة في أوساطهم. شددت القومية الرومانسية على صلة روحية بالبلاد وأبنائها، ولذلك تعلقت بالليبرالية بسبب مبادئها عن سيادة الشعب كمصدر لشرعية الدولة بدلاً من سلالة ملكية، دين أو هيمنة إمبريالية. لم تكن لحركات التحرر من الأعداء الخارجيين والداخليين أن تظهر، ولما تمكنت الجماهير من تجاوز انقساماتها وتأسيس مجتمع بدون القومية.[53]

كَتبَ ألكسيس دو توكفيل أنَّ الانتماء القومي شرط أساسي لنجاح الديمقراطية الليبرالية، لأنه مصدر من مصادر التضامن الاجتماعي.[54] مفهوم ما عن الهوية القومية ضروري لدعم واستدامة الديمقراطية الليبرالية. ترتكز الديمقراطية على هويةٍ متماسكة تستند على الأمة، ولا وجود لديمقراطية دونها. لأنَّ الديمقراطية وحدها لا تستطيع الحفاظ على رؤية لماضٍ أو مستقبل من شأنها الحفاظ على التماسك المجتمعي.[55] يعتقد الليبراليون أن الهوية القومية تضفي مَعنًى على الحريات الفردية.[56]

بناء الأمة يسبق بناء الدولة، وفقاً لفرانسيس فوكوياما. فالبلاد التي تتمتع بهوية قومية قوية مثل اليابان وكوريا مثلاً، لم تواجه صعوبة كبيرة في بناء الدولة. وبالمثل بالنسبة لدولٍ مستقلة حديثاً كانت قد استثمرت مبكراً في عملية بناء الأمة، إذ حققت إندونيسيا نجاحات اقتصادية واجتماعية أكبر بالمقارنة بدول لم تعكف على البناء مثل نيجيريا. بناء الأمة يعني تخليق هوية مشتركة تكون موضع ولاءٍ ينتصر على روابط العائلة، القبيلة، المنطقة والمجموعة الإثنية.

هناك عدة طرق لبناء الأمة و أظهرت التجربة أنَّ تشكيل هوية قومية قوية يتحقق بصورة فعّالة في ظل ظروف سلطوية. تتطلب هذه الطريقة خصائص وشمائلَ مُعيَّنة في طبيعة وقدرات النخبة السياسية، لأنَّ النخبة التي تعكس قيم وسلوكيات شعوبها لن تحقق تقدماً يُذكر دون إدراكها لمكامن الإعتلال. مثلاً، لم يُشكل زعماء القبائل قوةً مشتركة للمقاومة طيلة فترة الاستعمار البريطاني لنيجيريا لأنَّ ما من هوية قومية تجمعهم. وعندما مُنحوا الاستقلال، تشكلت الأحزاب السياسية على أسس قبلية ومناطقية بنخب مرتابة من الآخرى أكثر من إرتيابها حيال المستعمر.[57]

يقول صامويل هنتغتون بأنَّ بعض مجتمعات الدول الأعضاء بالجامعة العربية تنقصها الثقة المجتمعية، وتتسم ثقافتها السياسية بالشك والغيرة والعدائية المستترة أو السافرة حيال أي شخص ليس من أفراد الأسرة، القبيلة أو القرية وتٌغرس هذه القيم المتخلفة في الأطفال منذ وقت مبكر. لكي تنجح هذه النخبة، عليها تقديم بدائل للعادات التقليدية السائدة وإظهار ثباتٍ وصبر حتى تفعيل هذه التغييرات.[58] السلطوية المستنيرة قد لا تكون شرطًا لازمًا، فما من وصفة جاهزة للانتقال الديمقراطي ولا توجد ضمانات أن يكون الحاكم السلطوي مثل لي كوان يو.[59] الفكرة الأساسية هي أنَّ المجتمعات ذات الهوية القومية الضعيفة تفشل في بناء الدولة وهو الذي سيلقي بأثره على نوعية النتائج المرجوة من الديمقراطية الليبرالية.[60]

التحديث السلطوي ليس الطريقة الوحيدة، ولا توجد ضمانة أن يكون الديكتاتور مستنيرًا بغياب سيادة القانون

لم تنتج الديمقراطية في العراق دولة حديثة ولا حكومة مسؤولة بمستويات فسادٍ منخفضة، قادرة على احتكار العنف وحفظ الأمن وتوفير الخدمات العامة. العراق بلد متنوع طائفيًّا وإثنيًّا، بدون مجتمع مدني فاعل وبدولة عاجزة عن فرض المساواة أمام القانون. هذه ظروف مثالية تسمح للنخب السياسية بالتمييز بين المواطنين وبناء شبكات زبائنية بين رعاة وعملاء، تفشل الديمقراطية أو تخرج بنتائج سلبية عندما تُقسم السلطة وفقًا لأشكال التضامن الطائفي.[61] لا ينجح تقسيم السلطات فيدِراليًا إذا كانت الحكومة القومية ضعيفة، لأنَّ ضَعف الحكومة المركزية يؤثر سلبًا على فعالية الحكومة المحلية والعكس صحيح.[62]

تشترك العديد من المجتمعات في تقاليدَ موحدة، غير أنَّ قدراً كبيراً من اللَبْسِ يشوب استيعابها للدولة الحديثة خصوصاً ما كانت منظمة على طول خطوط قبلية وعشائرية. هذه المجتمعات ليست معتادة على سيادة القانون في الغالب، ولا فرصة للتطور الديمقراطي بدون إيجاد متنفسات تدريجية أو استبدادية لتطوير هذا العامل. لا يوجد حل مريح ويتطلب البناء جهدًا متواصلًا،[63] لأنَّ غياب الطابع المؤسسي للدولة من أهم أسباب انتكاس الديمقراطيات الناشئة.[64] في اليمن مثلاً، ترتكز الهوية القومية على الولاء للعائلة أو القرية بدلًا من فكرة مجردة مثل دولة يمنية. تاريخ البلاد السياسي مثقل بالطبقية العضوية والتمايز القبلي، ولم يشهد تبلور صيغة واسعة وشاملة لتعريف شرعية النظام.

كنتيجة، لم يكن التنافس الانتخابي كافيًا للحديث عن ديمقراطية يمنية بشكل جدي. البيروقراطية الحكومية ضعيفة بصورة متعمدة، وصيغة النخب للاستقرار السياسي هي الاعتماد على وجهاء محليين يسمون أنفسهم مشايخ. لا ينشغل السياسي بصياغة سياسات وبرامج، فنشاطه ليس أكثر من مدخل لبناء وتعزيز علاقات زبائنية مع المجتمع. يوفر لأنصاره مكافآت مادية مباشرة تنتج مصالحًا فئوية وليست عامة، ويفضل المحاباة الشخصية على صياغة سياسة اقتصادية قومية.[65] لذلك أصبح التفريق بين القوى السياسية اليمنية صعبًا وبغياب كلي للعدالة الإجرائية، غدت وعودها أقل أشكال الالتزام السياسي مصداقية على مستوى العالم.[66]

فيما يتعلق بالناحية النظرية، القومية ومعها الوطنية التي تتولد بفضلها تجاه صالح البلد ليست قيمًا ليبرالية أصيلة في حد ذاتها، لكلا المفهومين خط واحتمال تطور متباين. أقصى امتدادات القومية هي الفاشية، بينما الليبرتارية واللاسلطوية الرأسمالية امتدادات محتملة أو فلسفات متأثرة بالليبرالية الكلاسيكية. قد يلجأ السياسيون للبلاغيات الوطنية بهدف التغطية على الفشل الحكومي وتفادي التطرق إلى مشاكل البلد الحقيقية.[67] وفي أوقات، قد تُستخدم القومية في مشاريع سلطوية معادية للديمقراطية، بتوجيه الغضب الشعبي نحو وجهة خاطئة واختلاق كبش فداء سهل ومريح يتم تحمليه المسؤولية عن تردي الأوضاع. وهكذا تتحول الوطنية من ”هذا ما نعيش لأجله“ إلى ”هذا ما نحن ضده“. قد تتسبب القومية في تنظيم التعصب الذي يخلق نظرة مشوهة إلى العالم، وقد تكون أداة للصراعات الداخلية والخارجية ويسهل انحرافها إلى زينوفوبيا وعنصرية، وقد تتحمل مسؤولية حوادث التطهير العرقي.[68]

اقتصاديًا، قد تشجع الوطنية سياسات بمردود جيد على المدى القريب مثل التصنيع لاستبدال الواردات، ولكن نجاح هذه السياسة يتطلب شيئًا من التخطيط الحكومي الحذر. الهدف الأساسي خلف سياسة حمائية كهذه هي مواجهة صعوبات في ميزان المدفوعات، ونجاحها يتطلب حجمًا معينًا للسوق المستهدفة، خبرة في التصنيع ومساحة من الحريات تسمح بتطور ريادة الأعمال. وقد تكون مضرة إذا أدت إلى حمائية طويلة الأجل أوغير محدودة تجاه الرأسماليين الأجانب والشركات متعددة الجنسيات أو فرض رسوم جمركية باهظة وشبيه ذلك من سياسات مناقضة للتجارة الحرة ومبادئ الليبرالية الاقتصادية. سياسات كهذه قد تزيد من الأعباء الإدارية وتؤثر سلبًا على روح المبادرة بتوفير حوافز للريع بدلًا من التخطيط المؤسسي طويل الأجل.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن لها تثبيط حوافز رفع الكفاءة التكنولوجية والإنتاجية وقد تبقي على صناعات مكلفة وغير فعالة لمجرد أنها محلية. مهما يكن، تحتاج الدول النامية، يعتمد على ما تريد تحقيقه، إلى نوع من الحمائية المدروسة خلال مرحلة ما من تاريخها من أجل تأسيس نمط داخلي مولد للرفاه. لأنَّ الفكرة ليست مجرد بناء اقتصاد مرن وباستطاعته استغلال الفرص المتولدة في العالم من حوله، بل بقدرة هذا الاقتصاد على توليد فُرَصِهِ الخاصة كذلك.[69] تستبدل عمليات التصنيع سياسات الهوية بنظام طبقي، ومن ثم تتقلص مستويات التفاوت نتيجة الحراك الاجتماعي الذي يتعزز بفضل الإعلام، وتحديث وسائل المواصلات والاتصال. كل هذه عوامل تساعد على تبني هويات متعددة تتجاوز تلك ما قبل الحداثية، وبالتالي الحد من مشاعر التظلم والتهميش التي قد تزعمها أقلية إثنية أو دينية ما.

الماركسية[عدل]

«العمال لا يملكون وطناً، ولا يمكن سلبهم شيئًا لا يملكونه. على البروليتاريا اكتساب السيادة السياسة لترتقي وتصبح الطبقة القائدة للأمة، لتكون هي الأمة. هم حالياً يشكلون قومية بحد ذاتها، ولكن ليس بالمعنى البرجوازي للكلمة» – بيان الحزب الشيوعي

الماركسية تقليد أممي الجوهر، وفكرته الأساسية أنَّ جميع العمال يتعرضون للاستغلال على يد نخبة من رجال الأعمال المعولمين بشكل متزايد، والوطنية في هذه الحالة تعني الوقوف إلى جانب ”المستبدين“. وفقًا لفلاديمير لينين، الثورة الاشتراكية ليست ضد ”عبيد الأجور“ في دول أخرى بل هي ”نضال بلا رحمة ضد وطنية وشوفينية البرجوازيين في كل البلدان دون استثناء“.[70] وبالرغم من ذلك، أظهر كارل ماركس تأييده لحركات التحرر القومية في زمنه وبالذات تلك في بولندا وهنغاريا ضد الإمبراطورية الروسية، وأعرب عن امتعاضه من تدخلات إمبراطورية هاسبورغ في شؤون ألمانيا وإيطاليا وعرقلتها لجهود الوحدة القومية في البلدين.[71]

تأييد الفيلسوف الألماني للحركات القومية البرجوازية كان براغماتياً في أحسن الأحوال. بحسب المادية التاريخية، تطورت المجتمعات البشرية من الشيوعية الأولية - مجتمع الصياد وجامع الثمار - إلى القبلية وبعدها الحضارات القديمة مروراً بالإقطاع ثم الرأسمالية. تَطَلَّبَ تعزيز هذا التحول شكلاً جديداً للدولة، لا يقوم على الولاء الشخصي لعائلة مالكة ولكن بدلا من ذلك على لغة، أرض مشتركة وتصور لتاريخ ومصير جماعي، أي دولة قومية. كان المجتمع البرجوازي تقدماً تاريخياً على الإقطاع، وطورت الرأسمالية إمكانيات الإنتاج بوسائل لم تكن مستطاعة من قبل. ولأول مرة في التاريخ البشري، أوجدت الرأسمالية طبقة عمالية جماعية، هي عماد النظام الديمقراطي في الأدبيات الماركسية.

كل انتصار رأسمالي على الإقطاع يدفع البشرية خطوةً نحو الحرية من القهر السياسي. لأنَّ جماهيرية وتركيز الطبقة العمالية تزداد بنمو البرجوازيين على حساب الأرستقراطيين، ومن شأن ذلك أن يخلق الشروط الضرورية اللازمة للثورة الاشتراكية كمرحلة متقدمة على الرأسمالية.[71] إذا أرادت حركة عمالية تنظيم نفسها، عليها أنَّ تتخذ صيغة قومية في البداية بتوجيه طاقتها نحو الساحة المباشرة للصراع ضد عدو مشترك للأمة بأكملها، سواء كان مستعمرًا أجنبيًا أو حاكمًا إقطاعيًا. بعد التخلص من ”العدو المشترك“، يَسهل تحديد البرجوازيين كعدو طبقي. وفقاً لماركس، أوجد المجتمع البرجوازي نظامًا طبقيًا جديدًا وشروطًا حديثة للاستبداد وإن كان قد تشكل على حطام الإقطاع، وستؤدي هذه التناقضات الجديدة إلى انهياره وإعادة بنائه على أسس اشتراكية. حاول الماركسيون التوفيق بين موفقين، واحد يؤكد أنَّ القومية والوطنية أداة برجوازية لإشغال البروليتاريا عن صراع الطبقات الاجتماعية، وآخر يفترض احتكار الطبقة العاملة تمثيل الأصالة القومية.

اعتقد ماركس وإنجلز أن اتساق وسائل الإنتاج عالميًا بفضل انتشار الرأسمالية، سيمحي الاختلافات القومية بين الشعوب. فشددا على ضرورة تطور حركات النضال القومية بتحويل نشاطها أمميًا بذات جهود عولمة التجارة الحرة عند البرجوازيين، حتى يتسنى تمثيل وتنظيم الأنشطة العمالية على المستوى الدولي.[72] في حين أن البرجوازيين من كل أمة يحتفظون بمصالح قومية منفصلة، استحدثت الصناعات الكبيرة طبقة تشترك المصالح باختلاف أممها ولذلك استنتج ماركس موت الجنسية وذبول الدولة في نهاية المطاف. غير أنَّ البرجوازيين يشكلون حاضنة أساسية للعدوات القومية برغم هذا التحول وذلك لعدة أسباب في نظر ماركس:

  • النضال للسيطرة على الأسواق يخلق عداوات بين الدول الرأسمالية.
  • استغلال دولة ما لأخرى يخلق العداء القومي.
  • الشوفينية أحد الأدوات الآيديولوجية الهادفة لاستمرار الهيمنة على البروليتاريا.
”الرفيق لينين يُنظف العالمَ من القاذورات“ 1920

يُعتبر ماركس واحدًا من أكثر الرموز تأثيراً في تاريخ البشرية،[73] وكان محقًا عندما جادل بأن من شأن توحيد وسائل الإنتاج خلق علاقة ترابطية بين الأمم، لكنه مال إلى اختزال التباينات القومية إلى محض اختلاف في وسائل الإنتاج. وضع بيان حزب الشيوعي أساسيات أممية البروليتاريا، مثل تحديد الإنسانية البروليتارية كغاية، وضرورة السعي إلى تحقيق الشيوعية على صعيدٍ دولي نظراً لتطور قوى الانتاج بصورةٍ تتجاوز إطار الدولة القومية. لكنه ومع ذلك لم يصغ استراتيجية واضحة لمسألة القومية، وقَدَّمَ فريدريك إنجلز، فلاديمير لينين، جوزيف ستالين، روزا لوكسمبورغ، ليون تروتسكي، أنطوني بانيكوك وكارل رينر وغيرهم إجابات واستنتاجات مختلفة لهذا السؤال.[74]

كتب فلاديمير لينين أنهم يعترفون بمساواتية الدول القومية، ولكن يتوجب على البروليتاريا أن تضع حلفها الأممي مع العمال فوق كل الاعتبارات وتقييم أي مطالب قومية من زاوية نضال الطبقة العمالية. حَذَّر البروليتاريا من مغبة الوقوع في شباك الشعارات الوطنية، لأن خطب البرجوازيين الحماسية تهدف إلى تقسيمهم وتشتيت انتباههم عن دسائس دخولهم في تحالفات اقتصادية وسياسية مع برجوازيين من بلدان أخرى. ومن ثم فإنَّ العامل الذي يعطي أولوية للوحدة السياسية مع برجوازيي قومه على حساب عمالٍ من قوميات أخرى، يؤذي مصالحه ومصالح الاشتراكية والديمقراطية.[71]

جادلَ النمساوي أوتو باور بحتمية المشاعر القومية بين العمال. قائلاً بأن فرد العصر الحديث هو ثمرة خصائص الأمة، ويجب على الاشتراكيين الترحيب بفكرة الأمة كعاملٍ اجتماعي وتاريخي في الوجود البشري. بدلاً من استنكار القومية، ينبغي تعليم العمال أنه وبالاشتراكية فقط من شأن ثقافتهم القومية بلوغَ نموها الكامل. اُنتقدت أطروحة باور من جوزيف ستالين وفلاديمير لينين، ووصفها الأخير بالمتناقضة والمحاولة الخطرة لمحاربة القومية بالقومية. يقول لينين بأن لكل بلدٍ ثقافات، هناك ثقافة الجماهير المظلومة وهي اشتراكية وثقافة البرجوازيين، وثقافة الاقطاعيين ورجال الدين. تَغلبُ واحدة من هذه الثقافات على الأخرى ولا تتواجد كعوامل متناغمة.

تحويل نضال الأمم للاستقلال من صراعٍ سياسي إلى ثقافي من شأنه تخدير عقول العمال ودفعهم إلى الاستسلام لقومية عدوانية تزيدُ من عزلة وتخلف الثقافات والأمم الصغيرة. بشكل مماثل، كتب جوزيف ستالين في مقالٍ بعنوان الماركسية والسؤال القومي أنَّ الاستقلال الثقافي يعزل الأمم الصغيرة ويبقيها في قوقعة تديم تخلفها، والأفضل هو توحيدها تحت مظلة ثقافة أعلى. هذه الثقافة العالية ليست ثقافة قومية بل أممية اشتراكية يُمَهَّدُ لها الطريق بسبب عولمة الرأسمالية.[71][75]

انتقادات[عدل]

تعددت جوانب الانتقادات، بداية بالإشارة إلى طبيعة الطبقات في المجتمعات الحديثة وهي تشكيلاتٌ مصلحية تُحَدَّدُ بمواقعها في العملية الإنتاجية وتوفر لأفرادها شعوراً بالعضوية الاجتماعية بدرجات مختلفة. لا تقدم ضمانات حقيقية بعدم نشوء طبقة تعيش على امتيازات متوارثة جيلاً بعد آخر، ولكنها لا تعتمد على الخصائصِ الوراثية بحد ذاتها. إذ تتحدد مكانة الفرد في السلم الاجتماعي بناءً على الثروة والدخل، الأمر الذي يفتح الأبواب أمام الحراك الاجتماعي مبدئيًا. تقول حنة آرندت في كتابها أصول الشمولية أنَّ الأخيرة لم تكن ممكنة سوى في المجتمعات التي مُسِخَتْ فيها الطبقات إلى جماهير، حيث تتحول السياسة الحزبية إلى مظاهرات آيديولوجية وتنحدر بمسؤوليات المواطنين إلى اللامبالاة على نطاقٍ واسع.

مناقضًا آمال ماركس بـ“ذبول الدولة”، جادل لينين بضرورة وجود منظمة خاصة للعنف. دولة تنظم قمع البروليتاريا للبرجوازيين، وذلك لعدم تحديد ماركس للجهة المسؤولة عن إعادة توزيع الأراضي ووسائل الإنتاج. بغياب نشاط اقتصادي تطوعي، يستطيع أي طاغية منح نفسه سُلُطاتٍ قسرية.[76] لم تُنتج الماركسية مجتمعاً خاويًا من الطبقات الاجتماعية بقدر ما اِستَحدَثت طبقة جديدة تمتعت بامتيازات أكثر من تلك المزعومة عن بيروقراطيي ومسؤولي الدول الرأسمالية. في الواقع، لم تقبض الطبقة العاملة على أي سلطة سياسية في جميع الدول الشيوعية والاشتراكية السابقة والحالية، في حين ازدهرت الاتحادات العمالية في الديمقراطيات الليبرالية إلى بداية عصر المعلومات.[77] حيث تمكنت هذه المنظمات من تأمين وتحسين ظروف العمل وعوائده على العامل والموظف عبر المفاوضة المشتركة.

تغيَّر التعريف الماركسي للبرجوازية والذي أشار إلى السيطرة على وسائل الانتاج، ومرََّ بعمليات دمقرطة عَبْر آليات ووسائل مختلفة ومتعددة ليست مرتبطة بالموضوع. ولكن حتى أولئك العاملينَ في مهنٍ إدارية ممن لا يملكونَ رؤوسَ أموالٍ كبيرة، يحملون تصورات مختلفة عن العمالة ذات المهارات المتدنية ويتبؤونَ منزلة اجتماعية أعلى. إذ لا يتسنى للعامل الفقير ذي الخلفية التعليمية المتواضعة أن يكون فاعلًا سياسيًّا وذلك لانشغاله بتأمين متطلبات نجاته اليومية، خلافًا لفرد الطبقة المتوسطة الذي يواجه صعوبة في الحصول على عمل. يُمَثل هذا البرجوازي التحدي السياسي الأكبر عندما يجد نفسه مزاولًا لمهن يراها تَحُطُّ من قدره، فالطبقة المتوسطة القوية هي الأكثر ميلاً للإيمانِ بالحقوق الملكية والمطالبة بالمسائلة الديمقراطية.[78]

”عمال أحرار وصناعة حرة، سننتصر متحدين“ 1941

أجاب التاريخ على تفاصيلِ أطروحات المثقفين اليساريين حول القومية، فلم تعد اليسارية الراديكالية ذات صلة منذ السبعينيات تقريبًا. ومنذ رئاسة وودرو ويلسن، تم تسليح الخزينة الآيديولوجية للدول الرأسمالية بمبادئ عولمة الديمقراطية والمساواة العالمية التي تبناها معظم رجال الدولة البرجوازيين في كل مكان تقريباً.[79] تُستخدم الشعارات الوطنية في الدول الشيوعية الحالية لاضفاء شرعية على النظام السياسي، مثل حالة كوريا الشمالية التي طورت عقيدة اسمها زوتشية وهي ماركسية لينينية بـ”خصائص كورية“.

يُعَرِّفُ الدستور الصيني مجتمع البلاد بالمتعدد إثنياً برغم غلبة الهان ديموغرافيًّا بشكل حاسم، وتفرض الحكومة سياسات تهدف إلى الحفاظ على تآلف التعدد الثقافي. غير أنَّ القومية الصينية المُستَندة على إرث حضاري يقارب الخمسة آلاف سنة، بالإضافة إلى تاريخ الإمبريالية الغربية في حروب الأفيون والتوترات مع اليابان منذ القرن التاسع عشر، ظاهرة وجلية في الخطاب السياسي. يقول ليو كانغ، أستاذ الدراسات الصينية بجامعة دوك، أن النظام الشيوعي الحالي حَصيلة القومية الصينية أكثر منه التزاماً آيديولوجيًا بالشيوعية.[80]

بالنسبة للشرق الأوسط، لم تشهد معظم مجتمعات المنطقة حالة تحول من الاقطاع إلى البرجوازية أصلًا.[81] معظمها كان محكومًا بسلطات قبلية أو عسكرية بوسائل إنتاج وعلاقات اقتصادية شبه إقطاعية غالبة على الأرياف، ودون إنتاج صناعي ضخم حتى تشكل البروليتاريا قطاعًا عريضًا من السكان.[82] لم يكن الشرق الأوسط موضع اهتمام لماركس وإنجلز، ولكن إشاراتهم العابرة تخالف النمط الآيديولوجي السائد بين المحسوبين على اليسار في المنطقة.

مثلًا، في حين انتقد فريدريك إنجلز قسوة جنود توماس بيجو، اعتبر الاحتلال الفرنسي للجزائر واستسلام الأمير المقاوم عبد القادر الجزائري ”واقعة مهمة وسعيدة لتقدم الحضارة“، لأن المجتمع البرجوازي بتحضره وصناعته ونظامه يظل أفضل من ”حالة البربرية التي يعيشونها“، على حد تعبيره.[83] وهو موقف مرتبط بما سماه الماركسيون بـ”نمط الإنتاج الآسيوي“ الذي لا يقود إلى تحولاتٍ اجتماعية وسياسية كبيرة. يقول عبد الله العروي أن الاهتمام بماركس في العالم الثالث لم يتجاوز التحذلق والتظاهر بالمعرفة. نادرًا ما يتحدثون عن الإنتاجية الاقتصادية، وكانوا ليتجاهلون الماركسية لولا سهولة تطويعها للإجابة على تساؤلات ناتجة عن منظور قومي أو ثقافي.[84]

الإسلام السياسي[عدل]

جادل جمال الدين الأفغاني بجوهرية الإيمان بالإسلام لبلوغ الحداثة

تحيل إشارة الإسلام السياسي إلى الجماعات الإخوانية والوهابية تلقائيًا، غير أنها وإن اختلفت عن الجماعات الشيعية في الأساليب والأهداف والبنى التنظيمية، فهي تستوعب مفاهيم الوطنية والدولة القومية من المنطلقات ذاتها. تُستخدم مصطلحات إسلامي وإسلاموي بدلًا من مسلم لأن هذه الجماعات أسست تمييزًا واضحًا بين مجتمع يتألف من مسلمين ومجتمع إسلامي في بنيته وأساسه.[85] تمتلك منظورًا فريدًا للوطنية، ولكن الأصولية الإسلامية في كلمات حسين حقاني، ليست نظامًا سياسيًا ولا آيديولوجية متماسكة.[86]

تعود فكرة الأممية الإسلامية إلى ثلاث شخصيات رئيسية وهم جمال الدين الأفغاني، محمد عبده ومحمد رشيد رضا. كان الأفغاني أول من صاغ مصطلح ”الأمة الإسلامية“، وفكرته أن المسلمين حول العالم يشكلون مجتمعًا سياسيًا واحدًا بغض النظر عن أجناسهم، بلدانهم ولغاتهم.[87] المعنى الحرفي لكلمة أمة كان مقصده خلف المصطلح، بل اعتبر الإمبراطورية الألمانية مثلًا جديرًا بالاحتذاء.[88] دعا الأفغاني إلى وحدة المسلمين في مواجهة ”طغيان“ شاهات إيران و”التهديد“ الغربي في مصر، و”الدسائس“ الإنجليزية المحتملة في سورية وبغداد والحجاز واليمن والسودان والحبشة.[89] خصص جزءًا كبيرًا من كتاباته عن الهند البريطانية وناشد العثمانيين إلغاء التنظيمات واستخدام القرآن كمرجع وأساس للقانون. وفقًا للأفغاني، الإسلام ليس عاملًا مسببًا للتخلف وجادل بأن ترسانة التفوق الغربي في مجالات المنطق، الفلسفة والعلم ليست متوافقة مع الإسلام فحسب، بل هي جزء لا يتجزأ من جوهر الدين في الواقع.[90][91]

نفى المسؤولية عن الإسلام في حد ذاته، وحدد التخلف الفكري للمثقفين المسلمين والناجم عن قرون من الاستبداد والقهر السياسي، فضلًا عن ”انقسام الأمة الإسلامية“، كمسببات للمنزلة الوضيعة التي يَتبوَّأُها المسلمون. عارض ما سماه بالدولة السلطانية التي حملها مسؤولية تخلف المسلمين، وكتب بأن ”الأمة“ التي لا تعترف بأهل الحل والعقد، وإرادتها بلا تأثير على الصالح العام، والخاضعة لسلطة فَردٍ يعتبر رغبته قانونًا وإرادته نظامًا، لن تستقر ويستحيل إصلاح مسارها. برغم رفضه للتطور البيولوجي، استخدم الأفغاني منطقًا داروينيا اجتماعيًا لشرح أسباب تخلف المسلمين. كَتَبَ أن جميع المجتمعات تمر بفترة من البربرية والهمجية، والدين وليس العقلانية، كان المرحلة الانتقالية إلى التحضر. أشار إلى الإصلاح البروتستانتي ليثبت أن الإسلام والدين بشكل عام، ليس معرقلًا للتقدم العلمي. فالفكرة وفقًا للأفغاني أن الإسلام لا يزال في مرحلة الطفولة مقارنة ببلوغ المسيحية. لم يُنشر هذا المقال بالعربية والذي كان ردًا على محاضرة الفرنسي إرنست رينان المعنونة ”الإسلام والعلم“، زَعَم خلالها بأن الإسلام بطبيعته معادٍ للفلسفة، العلم، التقدم والتغيير.[92][93]

يقول الأفغاني في جريدة العروة الوثقى أنَّ لا جنسية للمسلمين سوى دينهم.[94] الفكرة الأساسية هي أن الغرب أو الإفرنج كما يسميهم، يعلم أن الدين أقوى الروابط بين المسلمين، ومطامعه في دار الإسلام دفعته إلى نشر وترويج القومية وذلك لـ”يسهل الانقضاض على الأمة وتمزيقها شيعًا وأحزابا“. بخصوص القوميين والوطنيين، فهم حمقى وسفهاء ومغفلين في نظره، وذلك لـ”مساعدتهم الغرب في مسعاه ومخططاته“ للتنفير من العصبية الدينية.[95] لم يكن جمال الدين فقيهًا دينيًا، فلم تصدر عنه آراء في أي مسألة دينية تتجاوز الدعوة إلى الـ”اجتهاد“. وبرغم دعواته للـ”تجديد“، لم يتحدث عن حكومة ديمقراطية أو تنظيم برلماني، كان ”ثوريًا“ معنيًا بمجابهة الإمبريالية الغربية بصورة رئيسية. نادى بنبذ الـ”تقليد“ والعودة إلى ”المبادئ الأساسية للإسلام“ كما مورست في القرن السابع، والتي اعتبرها كفيلة بتلقيح المجتمعات المسلمة بدينامكية ثقافية مطلوبة للحاق بركب الغرب.[96] أشار إلى مارتن لوثر كثيرًا، ولكنه لم يكن مصلحًا دينيًا وجل اهتمامه تمحور حول كيفية تحقيق النجاح العملي لمواجهة الاستعمار.[97]

بالنسبة لصديقه محمد عبده، فقد اعترف بوجود النعرات القومية في أغلب الأمم،[a] ولكنه رفض الموقف القائل بتلقائيتها. استخدم مَثَلَ طفلٍ انتقل قبل سن التمييز للحياة وسط أمةٍ أخرى. هذا الطفل لن يميل لموطنه الأصلي على الأغلب وسيتطبع بطباع البلاد التي تربى فيها. بالنسبة لعبده، التعصب حالة طارئة يُدفع إليها البشر. فقد كانوا يلتحمون بعصبة النسب حتى أصبحوا أقواما، وذلك لحماية مصالحهم ضد معتدٍ غريب. تكمن المشكلة، في نظره، في حقيقة أنَّ الناس تجاوزت متطلبات الضرورة، وذلك برفضهم سلطة ونفوذ الآخر عليهم ولو كان عادلًا لما في ذلك من ذل ومهانة تشعر بها الأنفس. تضمحل العصبية بالخضوع لـ”أحكام أحكم الحاكمين“، فالتزام عامة الناس بأحكام الله واذعانهم لأوامره كفيل باغنائهم عن القومية.

المسلم بحسب الوارد في صحيف العروة الوثقى، ”يلهو عن عن جنسه وشعبه“ متى ما رسخ فيه الإسلام، ويعرض عن الجنسية ويرفض جميع أشكال العصبيات ما عدا ”العصبية الإسلامية“.[98] السلطة السياسية في الإسلام لا تُنال بالوراثة والامتياز في جنس أو قبيلة، يقول عبده، وما يميز الحاكم حرصه على تطبيق الشريعة والدفاع عنها. أضاف بأن المسلم لا يأنف في تبدل حكوماته ولا يستنكر ما يعرض عليه من أشكالها وانتقالها من قبيل إلى قبيل ما دام صاحب الحكم حافظًا لشأن الشريعة ذاهبًا مذاهبها.[99] بمعنى أنَّ جنسية الحاكم أمرٌ غير ذي صلة ما دام مطبقًا للشريعة الإسلامية. افترق محمد عبده عن الأفغاني في فترةٍ لاحقة وتخلى عن أفكاره السياسية. تَفرغ للإصلاح الديني الذي تعرض للانتقاد لـ”غلبة النزعة العقلية“ عليه.[100]

السلطان محمود الثاني يرتدي ملابسًا مستوحاة من الطراز الأوروبي، وهو أحد مظاهر الـ”تفرنج“ التي نبذها ”أعلام النهضة“

كان لمحمد رشيد رضا الأثر الأكبر على حسن البنا، بل تأسيس جماعة الإخوان المسلمين كان امتدادًا لـ”عمله الإصلاحي“.[101] تجدر الإشارة إلى أنَّ رضا ابتعد تدريجيًا عن أفكار محمد عبده بعد وفاته وتبنى رؤًى قريبة من الوهابية. يصفه يوسف القرضاوي بالـ”أقرب إلى الانضباط بمحكمات الشرع من شيخه“.[100] رفض رضا التفاخر بالرموز القومية، فالفخر إنما يكون لـ”رجال الإسلام“ من خلفاء النبي الأربعة وغيرهم من السلف الصالح.[102] يقول بأنَّ مصطلحات الخلافة، الإمامة العظمى وإمارة المؤمنين لها معنى واحد وهو رئاسة ”الحكومة الإسلامية الجامعة لمصالح الدين والدنيا“. تنصيب الخليفة الإمام من صلاحيات أهل الحل والعقد، وهؤلاء هم ”زعماء الأمة وأولو المكانة وموضع الثقة“. هناك ثلاثة فرق تتصدر مقام أهل الحل والعقد وهم: ”حشوية الفقهاء الجامدين“، ”حزب المتفرنجين“ و”حزب الإصلاح الإسلامي المعتدل“.[103]

ضرب مثلًا بمحمد عبده كأحد الفقهاء المستقلين المستحقين لمنصب تعيين الخليفة، ذلك لأنه خالف ”حشوية الفقهاء الجامدين“، الرافضين للاجتهاد والعاجزين عن استنباط القوانين العسكرية والمدنية من الفقه التقليدي.[104] النهضة ليست بالـ”تفرنج“ وتقليد الغرب في ملبسهم وأشكال حكوماتهم، بل بأخذ العلوم والفنون والصناعات الرائجة عندهم، ”فالمسلمون أحق بها وأولى“. الشعب الأفغاني أجدر الشعوب وأقدرها على ”استعادة مدنية الإسلام“ لولا عُجمة لسانهم، بما أنهم أقل الأمم ”تفرنجا“.[105] ”حزب الإصلاح الإسلامي المعتدل“ هو القادر على إزالة الشقاق وذلك لجمعه بين ”الاستقلال في فهم فقه الدين، وحكم الدين الإسلامي وجوهر التحضر الأوروبي“.[103]

قال إنَّ اعتبار الإمبراطورية العثمانية ”خلافة إسلامية“ مدعاة للسخرية.[106] ولكن المشكلة وفقًا لرضا ليست في مفهوم الخلافة في حد ذاته بل في عدم قدرة الناس على التمييز بين الخلافة العثمانية و”الخلافة الإسلامية الصحيحة“، ففساد الأولى ليس دليلًا على فساد الثانية.[107] حدد رضا سبعة شروط، نقلًا عن مصادر أقدم، ”للخلافة الإسلامية الصحيحة“:[108]

  1. العدل
  2. العلم (ليس بمعناه المعروف)
  3. سلامة الأعضاء
  4. سلامة الحواس
  5. الشجاعة
  6. الرأي (بمعنى قوة الذهن)
  7. النسب القرشي.

سلطة العثمانيين لم تكن ”شرعية إسلاميًا“ لأنَّ جدهم مجوسي.[109] على الرغم من رفضه للـ”عصبية الجنسية“، يقول رضا أنَّ الإجماع على اشتراط القرشية ثابت بالنقل والفعل، حتى أن الأتراك الذين سلبوا السلطة من العباسيين لم يتجرأوا على ادعاء الخلافة أو التصدي لانتحالها بالتغلب. وذلك لأن ”الأمة“ بأكملها مجمعة على المذكور ومعتقدة له دينا، بمعنى أنَّ الشرط قاعدة دينية. الحكمة من هذا الشرط وفقًا لرضا، أن قريش كانت ”أكمل العرب خَلقًا وأخلاقًا وفصاحة وذكاء وفهمًا وقوة عارضة، فإقامة الإسلام متسلسلة في سلاسل أول من تلقاها حتى لا ينقطع سير اتصالها المعنوي والتاريخي“.[110] هذا الشرط قائمٌ إلى يوم القيامة، فلا يمكن للشرع أن يوجب شيئًا غير موجود.[111] لحل هذه الجزئية، دعا رضا إلى التعاون والاتفاق بتربية الدولة التركية لـ”شرفاء قريش وسادتها“ ليترشحوا للخلافة بالـ”انتخاب الشوروي“.[112]

هناك ثلاثة طرق لاختيار الخليفة الإمام وهي بيعته من أهل الحل والعقد، استخلافه وهذه تتطلب إجماع أهل الحل والعقد كذلك، أو الحكم بالتغلب. شَبَّه طاعة هذا الأخير بأكل لحم الخنزير أو الميتة من منطلق الضرورة ودرء الفتنة، ينبغي إزالته ما أمكن ذلك وعدم توطين النفس على دوام الحال. في نفس الوقت، فإن طاعته واجبة شرعًا، يقول رضا، وحَرَّمَ الانتفاضة ضده.[113] وهذا ما يشرح تمسكه بالإمبراطورية العثمانية إلى نهاية الحرب العالمية الأولى برغم موقفه السلبي منهم.[114] هذه إلى حد كبير، موجز أطروحات وتصورات أعلام النهضة الإسلامية إزاء الوطنية والدولة القومية. العودة إلى كتابات العصور السابقة قد تكون مفيدة، فدعوات الأفغاني أتت بنتيجة معاكسة لما أراده.[97] ولكن الأصولية الإسلامية والأفكار التي تعرضت لها منتجات حداثية، وحتى إن لم يتحول ”تيار السلفية“ الذي مثله هؤلاء الثلاثة إلى حركة سياسية، فقد تركوا بصماتٍ واضحة على من أتى بعدهم.[115]

الإخوان المسلمين[عدل]

«أما وجه الخلاف بيننا وبينهم فهو أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة، وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية. كل بقعة فيها مسلم يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله وطن عندنا له حرمته وقداسته وحبه والإخلاص له والجهاد في سبيل خيره» – حسن البنا
اقترح البنا تأسيس ”عصبة الأمم الإسلامية“ لاختيار خليفة للـ”إمبراطورية الإسلامية“

تشترك جميع الحركات الإسلامية في عملها ضمن اطار مفاهيم مستعارة،[116] تم تحويرها وتقديمها بصيغتها الحالية على يد البنا وأبو الأعلى المودودي. يقول حسن البنا أنَّ الإسلام دين شمولي ويجب أن يهيمن على جميع مظاهر الحياة الخاصة والعامة، ذلك إذا أرادت ”الأمة أن تكون مسلمة إسلامًا صحيحًا“. الإسلام بحسب تعريفه ”عقيدة وعبادة، وطن وجنسية، ثقافة وقانون، دين ودولة، روحانية وعمل، ومصحف وسيف“.[117] ترفض الحركات الإسلاموية الدولة القومية نظريًا، وموقفهم من القومية العربية لم يتجاوز اعتبارها مسلكًا مؤديًا إلى إقامة ”دولة الإسلام“. الغاية الأساسية لجماعة الإخوان في كلمات البنا، محصورة في تكوين جيل من المؤمنين بتعاليم ”الإسلام الصحيح“، يعمل هذا الجيل على صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية في كافة مظاهر حياتها.

الخلافة هي رمز الوحدة الإسلامية، وشعيرة دينية ومنصب الخليفة مناط كثير من الأحكام الإلهية. لذلك يجب على جماعة الإخوان الوصول إلى الحكم في جميع الدول القومية القائمة حاليًا وتأسيس حكومات إسلامية فيها، فلن يتسنى تنظيم المجتمع إسلاميًا من دون الهيمنة على الدولة. تزيد هذه الحكومات من مستوى التعاون الثقافي والاجتماعي والاقتصادي فيما بينها، واقترح إنشاء منظمة دولية تسمى ”عصبة الأمم الإسلامية“. حينها، تقوم هذه الدول بالإجماع على إمامٍ هو ”واسطة العقد، مجتمع الشمل، مهوى الأفئدة وظل الله في الأرض“.[118] في حين أنهم يعترفون أنَّ للفرد مسؤوليات معينة تجاه وطنه، فإنَّ واجبه الأعظم هو للأمة الإسلامية. الوطنية ليست مفهومًا مركزيًا في كتاباتهم البلاغية، وكتب عنها البنا في معرض ردوده على أعداء جماعته وقسمها إلى خمسة أنواع:

1. وطنية الحنين:

يُقصد بها التعلق بمسقط الرأس أو مكان النشأة، اعتبرها البنا مسألة فطرية ومأمور بها في الإسلام. استعمل أبياتًا شعرية منسوبة لبلال بن رباح تُظهر حنينه إلى مكة وهو في يثرب، وبالتالي تصبح ”وطنية الحنين“ أمرًا مفروضًا في الإسلام.

2. وطنية الحرية والعزة:

الجهود الساعية لـ”تحرير الوطن من الغاصبين وتوفير استقلاله“. يقول البنا أنه مع الوطنيين في هذه المسألة وزَعَمَ تشديد الإسلام عليها. اقتبس نصان من القرآن لتدعيم جداله وهما:

  • «الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا»
  • «يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون»

وفقًا لمنطق البنا، يثبت النصان تشديد الإسلام على ”وطنية الحرية والعزة“.

3. وطنية المجتمع:

يقول إذا كان المقصود بالوطنية تقوية الروابط بين ”أفراد القُطر الواحد“، فجماعته توافق الوطنيين في هذا الجانب بدليل:

  • أثر منسوب للنبي جاء فيه: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا – ويشير إلى صدره ثلاث مرات – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه»
  • نص قرآني يقول: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون»

4. وطنية الفتح:

في هذا النوع، يقول البنا إذا كان مقصد الوطنيين فتح البلدان وسيادة الأرض، فالإسلام جعل من ذلك فريضة ووجه الفاتحين إلى أفضل أنواع الاستعمار وأكثرها بركة، على حد تعبيره. بدليل النص القرآني القائل: «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين»

5. وطنية الحزبية:

يُعَرِّف البنا ما يسميه وطنية الحزبية بـ”تقسيم الأمة إلى طوائف تتناحر وتتضاغن وتتراشق بالسباب وتترامى بالتهم ويكيد بعضها لبعض، وتتشيع لمناهج وضعية أملتها الأهواء وشكلتها الغايات والأغراض وفسرتها الأفهام وفق المصالح الشخصية“. هذا النوع مرفوض لعدة أسباب وهي استغلال ”العدو“ لهذه الحالة حتى ”يفرق المسلمين عن الحق ويجمعهم على الباطل“.

في نظر البنا، يُثبت الوارد أعلاه أنهم ليسوا مع الوطنيين فحسب، بل مع أكثرهم تطرفًا كذلك. وحدد مواطن الخلاف في ناحيتين: الأولى أنَّ حدود وطنية الإخوان ليست مقيدة إقليميًا، فكل بلادٍ بها مسلمون يرددون الشهادتين هي وطن لأعضاء الجماعة. الثانية هي حول المناط بالمواطنين بعد تحرير بلادهم.[b] فالوطنيون ينزعون إلى الإهتمام بالـ”نواحي المادية كما يفعل الأوروبيون“، أما الإخوان فيرون أنَّ لكل مسلم أمانة يؤديها وهي ”هداية البشر بنور الإسلام ورفع علمه خفاقًا في كل ربوع الأرض“.

لا يؤدي الإخواني هذه الأمانة طمعًا في سلطة وجاه أو استعبادٍ للناس، بل لـ”إسعاد العالم بالإسلام“.[119] الفكرة الأساسية هي أنَّ البلدان ذات الأغلبية المسلمة تُشكل أقطارًا، وكلمة قُطْر تعني الناحية أو الجهة. هناك ”وطن إسلامي“ يشمل الناحية التي ينتمي إليها الفرد، وجميع ”الأقطار الإسلامية“ وطنٌ للمسلم. يتحول هذا الوطن الإسلامي إلى ”إمبراطورية إسلامية“ سيُسأل عنها المؤمن يوم القيامة وفقًا للبنا. وأخيرًا، يتطور الوطن الإسلامي ليشمل كوكب الأرض بأسره واستشهد بنفس النص القرآني الوارد في معرض حديثه عن ”وطنية الفتح“ أعلاه.[120]

شمولية الإسلام هي أول أصل من الأصول العشرين للجماعة، ويُقصد بذلك إحاطة الإسلام بجميع القضايا والمفاهيم من دولة، وطن، قضاء، اقتصاد، سياسة، عسكرية وقانون وغير ذلك مما يعتبره الإخوان نظامًا أرقى وأشمل من ”شرائع البشر وأنظمتهم الوضعية من شيوعية، رأسمالية وديمقراطية ونحوها“.[121] مبدئيًا، أحد تعاريف كلمة إسلام تشير إلى التسليم والخضوع لأوامر الله، وبما أنَّ الشعائر التعبدية قائمة على نظامٍ معين، استنتج الإسلاميون أن الإسلام نظام اجتماعي وسياسي كذلك يبدأ من أصغر الوحدات وهي الأسرة، وينتهي بأكبرها وهي الأمة الإسلامية ممثلة بالخلافة. وظائف ”الدولة المسلمة“ هي الدعوة إلى الله والتخلص من الشرك، إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. بدون هذه الخصائص الأساسية، تفقد الحكومة الإسلامية صفتها.[122]

”الإسلام هو الحل“، أشهر شعارات الجماعة

دعا البنا إلى إلغاء الأحزاب السياسية في أكثر من رسالة مستخدمًا أكثر من حجة. منها أنها ساهمت في تعميق الانقسام المجتمعي، وبعضها كان متمحورًا حول شخصية مؤسسها، فاقترح هيئة شعبية ”تقود الأمة إلى الفوز وفق تعاليم القرآن“ بدلًا منها. جادل بامكانية عمل النظام البرلماني بدون الأحزاب، بما أن البرلمان يعتمد على إرادة الأمة التي يمثلها أهل الحل والعقد وهم: ”الفقهاء المجتهدون، أهل الخبرة في الشؤون العامة، ومن لهم قيادة أو رئاسة على الناس كزعماء البيوت ومشايخ القبائل“. كَتبَ أنهم يريدون حكومة تقود الشعب إلى المسجد،[123] فهم لا يعترفون بأي نظام لا يرتكز على الإسلام، ولا يعترفون بالأحزاب السياسية و”الأشكال التقليدية التي أرغمنا أهل الكفر وأعداء الإسلام على الحكم بها والعمل عليها“.[124]

مسألة الجنسية الإسلامية تفرض سؤال الأقليات الغير مسلمة. في هذا الصدد، يقول بأن الله الذي أصدر ”الدستور المقدس“ لم يغفل هذه المسألة لعلمه بماضي وحاضر ومستقبل الأمم. يضيف بأن الإسلام لم يوصي بحماية الأقليات الغير المسلمة فحسب، بل بالإحسان إليهم وفَرَضَ على معتنقيه الإيمان بجميع ”الأديان السماوية“، ويُقصد بذلك أول دينين من الأديان الإبراهيمية. في ذات الوقت، كتب البنا عن وجوب قتال أهل الكتاب في حال ”اعتدائهم على أرض الإسلام أو حيالهم دون انتشار دعوته“. يضيف بأنَّ الإسلام ”رفع عنهم السيف“ ما دفعوا الجزية التي تعفيهم عن الخدمة العسكرية وبالتالي لا يتم استئصالهم وتوريطهم في حروب تبيدهم، ولتنقية ”جيوش الإسلام“ من أصحاب العقائد الفاسدة. فالجزية مقابل الحماية ومن حق الإمام إسقاطها إذا ارتأى تجنيدهم.[125]

بما أن الإسلام منظومة أزلية متكاملة في نظر الإسلاميين، تحدث البنا عن الاقتصاد ودعا إلى ضرورة نبذ المذاهب الاقتصادية من رأسمالية، اشتراكية وشيوعية فجميع المشاكل الاقتصادية لها حلول في الإسلام. كان أبو الأعلى المودودي أول من صاغ مصطلح ”الاقتصاد الإسلامي“.[126] وفقًا للبنا، يتمحور ”النظام الاقتصادي في الإسلام“ حول: ”اعتبار المال الصالح قوام الحياة وضرورة الحفاظ عليه“، إيجاب العمل والكسب على القادرين، الكشف عن منابع الموارد الطبيعية، تحريم موارد ”الكسب الخبيث“، ردم أو تقريب مستويات التفاوت بين الطبقات، توفير الضمان الاجتماعي، ”التعاون على البر والتقوى“، احترام الملكية الخاصة، تنظيم المعاملات المالية وتقرير مسؤولية الدولة في الحفاظ على النظام. بالإضافة إلى تحريم الربا ويقصد أسعار الفائدة، والدعوة إلى تطبيق سياسات حمائية مثل استقلال السياسة النقدية، تأميم رؤوس الأموال الأجنبية، تنظيم الضرائب و”الاكتفاء بالضروريات وتقليل الكماليات“، بمعنى الابتعاد عن مظاهر الترف على المستوى الشخصي للفرد.

جماعت إسلامي[عدل]

«لو ثمة عدو لدعوة الإسلام بعد الكفر والشرك، فهو شيطان القوم والوطن» – أبو الأعلى المودودي

كان المودودي أكثر تفصيلًا وحرصًا على أسلمة المفاهيم السياسية الحديثة.[127][128] الرابطة الإسلامية الباكستانية مستقلة، ولكن شعاراتها متطابقة مع الإخوان المسلمين وتركت مؤلفات مؤسسها أثرًا عظيمًا على الجماعة.[129] رفض أبو الأعلى القومية الهندية في مرحلة متقدمة بعد سنين من متابعته لغاندي. كان القوميون يريدون توحيد جميع الهنود من جميع الأديان ضد المستعمر البريطاني، غير أنَّ عصبة عموم مسلمي الهند رأت أن للمسلمين مصالح مختلفة وناشد السيد أحمد خان، أبرز رموز العصبة، المسلمين بالإبقاء على ولائهم للتاج البريطاني.[130] عارض المودودي قيام دولة باكستان لإدراكه أنها ستحمل بصمة رعاتها مثل محمد إقبال ومحمد علي جناح، الذي كان قوميًا هنديًا في الأصل. كان جناح يحاول تقريب وجهات النظر بين عصبة العموم والمؤتمر القومي، ووصف فكرة الهيمنة الهندوسية بالـ”بعبع“ الإنجليزي لتشتيهم عن الوحدة وتحرير البلاد.[131]

وصل الإسلام إلى الهند في القرن الحادي عشر، وكان هؤلاء المسلمون من خلفية تركية - فارسية. تدريجيًا، تشكلت ثقافة تميزت بظهور لغة الأردو وهي خليط من اللغات السنكريتية والفارسية والتركية وقال محمد بهادر شاه آخر أباطرة مغول الهند، أن الهندوسية والإسلام ”تشتركان في نفس الجوهر“. أي مظاهر إنقسام في الهند ما قبل الحديثة كانت مناطقية وليست دينية، ومرتبطة بتخلف بنية الدولة واستقلال حكام المناطق بدرجة جديرة بالاعتبار. عاش معظم الناس في القرى، وكان الهندي أكثر قربًا لابن قريته عن هندي يشاركه المعتقد الديني في منطقة أخرى.[132] إلى حد كبير، ارتبط موقف جناح بما تراءى له كصبغة هندوسية طغت على القومية الهندية في سنينها المبكرة، مثل دعوات بعض القوميين الهندوس بمنع ذبح الأبقار وترديد شعارات مدرسية تُعظم الإله رام، ومثيل ذلك من التجليات التي زَعمت عصبة العموم انتشارها. وفي حادثة تكشف عن الأبعاد الشخصية لتحول موقف جناح، أطلق بعض أعضاء المؤتمر القومي أصوات الاستهجان وطردوه من منصة الخطابة لأنه أشار إلى صديقه السابق بالـ”سيد غاندي“ بدلًا من الـ”مهاتما“.[131]

تتباين القراءة التاريخية بين القوميين الهنود والباكستانيين، ولكن المؤكد أنَّ جناح لم يكن أصوليًا أو متدينًا حتى.[131] كان محاميًا تدرب في لندن وأراد دولة تحمي المسلمين الهنود مما ظهر له كهيمنة هندوسية، بصرف النظر عن مدى صحة ذلك من عدمه، ولم يتحدث عن ”دولة إسلامية“.[133] لذلك لا ينبغي الخلط بين ظهور باكستان، وموقف أبو الأعلى المودودي من الوطنية والقومية. كَتبَ المودودي أنَّ أعضاء المؤتمر القومي من المسلمين مثل أبو الكلام آزاد، بالإضافة إلى عصبة عموم مسلمي الهند، ليسوا إسلاميين.[134] على الرغم من موقفه الدفاعي طائفيًا، رفض استحداث دولة باكستان وأراد للهند أن تصبح ”دولة إسلامية“.[135] بالنسبة للمودودي، الإسلام ”ثورة عالمية“ وبما أنَّ الله خالق كل شي ومالكه، فـ”حاكمية“ الأمور البشرية له وحده ولا يحق لأي جهة أن تحكم ذاتها وتقضي بنفسها. لا يعترف المودودي بمبدأ حكم الشعب لأنَّ الخلافة هي شكل الحكومة الصحيح للبشرية، والخليفة نائب الحاكم الحقيقي الذي هو الله.[136]

يقول المودودي أنَّ الدولة الإسلامية تخالف الدولة القومية وتتميز عنها بخصلتين: أنها دولة قائمة على فكرة وغاية، والحكم فيها لله وليس للشعب.[137] وصف القومية بالـ ”مخالفة للشرائع الإلهية“، ”ينبوع للفساد والشر“ و”لعنة الله الكبرى“. وفقًا لذلك، يتوجب على المسلم الإيمان ببطلان جميع القوميات وألا يقيم وزنًا لصلات الدم والأرض، وإلا فعليه إدراك انفصاله عن الإسلام وتمكن ”الجاهلية“ من قلبه وعقله. المسلمون يقول المودودي، حزب وليسوا بقوم لأنَّ القرآن قسم البشرية إلى فئتين وهم «حزب الله» و«حزب الشيطان»، فآلية تحديد مواقف الصداقة والعداء تقوم على أسس دينية مُعبرًا عن رفضه لنفعية الوطنيين. كتب بأن القومية تنفي معايير الخير والشر لأن غاية القوميين هي الارتقاء بالشعب وإعلاء كلمته و”إحلاله منزلة الألوهية“.[138]

في ”نظرية الإسلام السياسية“، لا يوجد وطني وغير وطني لأنَّ النبي محمد رحب بصهيب الرومي وسلمان الفارسي وعادى أبناء ”وطنه“ من عمرو بن هشام إلى عمه أبا لهب، يقول أبو الأعلى.[139] ترتكز نظرية الإسلام السياسية على مبدأ نزع سلطات الأمر والتشريع من البشر جماعاتٍ وأفراد، لأن الحاكمية ويقصد السيادة، حقٌ إلهي وليست مجالًا ديمقراطيًا تتغير فيه القوانين وتتبدل وفقًا لآراء الجماهير وإدراكهم. بدليل نص قرآني يقول «ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون. ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون». بحسب أبو الأعلى، وضع هذا النص الخصائص الأولية للدولة الإسلامية وهي كالتالي:

  • ليس لفرد، أسرة، طبقة، حزب أو ”سائر القاطنين في الدولة“ نصيب من الحاكمية، فهم رعايا ”الحاكم العظيم“ الذي هو الله.
  • ليس لأحد من المسلمين حق تشريع القوانين.
  • لا يؤسس بنيان الدولة الإسلامية إلا على ”القوانين الإلهية“، وللناس حق طاعة الحكومة ما نفذت أوامر الخالق في خلقه.

استخدم مصطلح ثيوقراطية في معرض حديثه عن ”الحكومة الإلهية“.[140] غير أنه ميزها عن الثيوقراطية المسيحية، بدعوى إعراض القساوسة عن تعاليم السيد المسيح وتشريعهم وفق ما ترتضيه أهوائهم مستدلًا بنص قرآني يتهم الكهنة بذلك. في نظر أبو الأعلى، ثيوقراطية الإسلام ليست مستبدة فهي لا تخضع لأمزجة طبقةٍ من رجال الدين، ولكافة المسلمين تولية أمورها والقيام بشأنها بمقتضى القرآن والسنة. ثيوقراطية الإسلام في كلماته، ”ثيو - ديمقراطية“ خولت للمسلمين ”حاكمية شعبية مقيدة“ تحت سلطة الله الغالبة، بسلطة تنفيذية تُكَوّنُها آراء المسلمين.

بلاغيات المودودي مركزية وشائعة بين الشبكات الإسلامية.[141]

ينفي المودودي تقييد الإسلام لحرية الفكر، ويجادل أنَّ غاية السيادة الإلهية هي صون التشريع من ”اعتداء المعتدين حتى لا يقع الناس في المهالك“. الديمقراطية الليبرالية فاشلة في نظره لسببين: يستولي السياسيون على عقول الناس بدهائهم، ثم يشرعنون القوانين وفقًا لأهوائهم الشخصية فور انتصارهم. الثاني هو عدم إدراك العامة لمصالحهم، واستعمل قانون منع الكحوليات في الولايات المتحدة كمثال. أُصدر القانون تماشيًا مع رأي عام معادٍ لأضرار المشروبات الكحولية، وألغي لاحقًا لأن ”نفسهم الأمارة بالسوء“ دفعتهم لذلك، على حد تعبيره. وفقًا للمودودي، يثبت هذا المثال عدم أهلية الإنسان لصلاحيات التشريع.[142]

بديل المودودي للدولة القومية هو الخلافة، وغايتها وفقًا له هي تحقيق العدالة الاجتماعية بـ”إقامة الحق وإنهاء الظلم“، إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة و”نشر الخير بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر“. لذلك أصدر الله له دستورًا أزليًا لا يتغير ولا يتبدل ليعالج مشاكل الإنسان الشخصية، الاقتصادية والعائلية وليعينه خلال ”السفر إلى وجهة الحق“. يقول أنَّ الدولة الإسلامية ”وسطية“ فلا هي بالسلطوية أو الشمولية وزَعَم احترامها للحقوق الفردية، يصفها بالمعتدلة وذات ”نظام وسطي وضعه العليم الخبير“. هذا النظام ليس محدودًا بجغرافيا أو لسان، ودستوره معروض للناس كافة من كل أمة وأرض، والمشاركة في تيسير أمورالدولة حق لجميع المؤمنين باختلاف أجناسهم. أما الرافضين فيعاملون معاملة أهل الذمة، معصومون في أنفسهم وأموالهم ولكن لا يحق لهم العمل في الحكومة لأنها خاضعة لـ”حزب مؤمن بعقيدةٍ خاصة“.[143]

هذه الخلافة ليست مجرد حكومة سياسية، بل نيابة كاملة لمهام النبي ويسميها بـ”خلافة على منهاج النبوة“. وفقًا للمودودي، تختص هذه الخلافة بسيادة القانون، حرية التعبير، استقلالية القضاء، وهي خالية من التعصب القومي وتشتمل على ”روح الديمقراطية والتصرف بحق في بيت المال“.[144] ما من مواطنة في الدولة الإسلامية، وتُقَسّم القاطنين فيها إلى قسمين: قسم يؤمن بمبادئ الدولة وهم مسلمون، وقسم لا يؤمن بها وهم كفار. يتهم المودودي الدول القومية بالتمييز ضد الأقليات لتخصيصها شؤون إدارة الدولة لقومية مؤسسيها، برغم اعتبارها جميع مواطنيها أمة واحدة دستوريًا وقانونيًا. تميز الدولة الإسلامية بين المسلمين وغير المسلمين، ولكنها تتميز عن الدول القومية في ضمان حقوق الأقليات بـ”دستور إلهي“، بينما حقوقهم في الدول القومية رهن أمزجة الأغلبية، يقول أبو الأعلى.[145]

حرية الدين ليست مكفولة، فالمقصود بـ”غير المؤمنين بمبادئ الدولة الإسلامية“ أولئك الغير مسلمين أصلًا. يُفرض على هؤلاء دفع الجزية ويُستثنى منها الفقراء والعاجزين، لقاء ألا يُقتلوا أو يُعتدى عليهم بصورة اعتباطية وأن يُعاملوا بمساواة أمام القانون الجنائي. يحق لهم بيع الخمور ومنتجات الخنازير وتعليق الصلبان وضرب النواقيس في القرى الصغيرة فقط، وداخل دورهم ومعابدهم في المدن. من حقهم الابقاء على معابدهم القديمة دون بناء دورٍ جديدة، ويحق للمسلمين الاستيلاء عليها ما أرادوا ذلك ولكنه ليس بالسلوك المُشجع. لا يحق لهم الخدمة في القوات المسلحة أو تولي المناصب الحكومية الرئيسية، ويُمكن للمسلمين إن أرادوا، منحهم بعض المناصب في قطاعات الصحة ومشاريع التصميم والبناء الممولة حكوميًا نظرًا لاحتمال غياب الكفاءة بين المسلمين. في نظر المودودي، تُثبت حزمة الحقوق والواجبات هذه تفوق ورقي الدولة الإسلامية على الدول القومية العلمانية ما تعلق باحترام حقوق الأقليات والاعتراف بكرامتهم.[145]

انتقد المودودي التيارات الليبرالية والشيوعية، واصفًا إياها بالتوجهات الـ”مادية، الإلحادية والمتطرفة“. رفض الجدلية التاريخية لجورج هيغل ووصفها بالـ”ضالة والخطيرة والحملة المنظمة لهدم الدين من أساسه“، لأنها تزيل جميع مظاهر الإجلال لعصور الأنبياء وخلفاء النبي الأربعة. مثل سابقيه، دعا المودودي إلى الاستفادة من رقي وتقدم الغرب ماديًا دون الالتفات إلى ”ضلالاته في فلسفة الحياة“. فقد سخر الله المخترعات والاكتشافات العلمية للمسلمين أصلًا، وفرض عليهم استغلالها وفق القوانين الإلهية. تحقيق هذه الغاية يتطلب رجالًا يجمعون بين ”العقلية الإسلامية والكفاءة الإنشائية، المالكين للطباع المحكمة والأخلاق الفاضلة والعزائم القوية“.[146] النطام الإسلامي ليس بـ”تطرف ومادية“ الفلسفات والاقتصاديات السياسية، فهو وسطي ويقوم على ثلاثة أساسيات: ”لا يتنافى مع الفطرة الإنسانية، يحث على مكارم الأخلاق ولا يلجأ إلى القوة ما لم تحتمها الضرورة“.[147]

الجيل الثالث[عدل]

أُستخدمت مقتطفات من هذا الكتاب لإدانة قطب والحكم عليه بالإعدام

يقول سيد قطب في كتاب معالم في الطريق، أنَّ العالم بحاجة إلى نظام وقيادة تبقي على ما توصلت إليه الـ”عبقرية الأوروبية“ على صعيد التقدم المادي، وتزوده بمنظومة قِيَمٍ جديدة و”منهج أصيل وواقعي“. وفقًا لقطب، نقل الله، عبر الوحي، شكل الحكومة الأمثل إلى النبي محمد مرة واحدة وإلى الأبد، وعلى المؤمنين أن يستسقوا مثالهم من النبي وصحابته الذين أوجدوا ”المجتمع المثالي“. يقول أنَّ الأمة المسلمة ليست أرضًا ولا قومًا، ويُعرّفُها بـ”جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم من المنهج الإسلامي“. تعيش هذه الأمة في حالة من الجاهلية منذ ”اعتدائها على أخص خصوصيات الألوهية“، ألا وهي إسناد الحاكمية إلى البشر بادعاء حق وضع التصورات، تشريع القوانين وسن الأنظمة بمعزل عن ”منهج الله للحياة“. النهضة العلمية، القومية والوطنية أدت دورها ولم تعد تملك جديدًا تقدمه، فحان دور الإسلام ليقود البشرية.[148]

الفكرة الأساسية هي أن النظام الدولي يُشكل مخالفة وتمردًا ضد خطة إلهية ما، والإسلام كفيل بتوفير بديل عملي وعادل. هذا البديل ليس نظرية خاضعة للدراسة، يقول قطب، فهو ”منهج إلهي ونظام عالمي“ وليس موضع مقارنة بنظرياتٍ سياسية من صنيع البشر. وفقًا لقطب، للإسلاميين منهجية تفكير خاصة، وبالتالي لا يمكن إخضاع تصوراتهم للمنطق البشري لأنَّ من شأن ذلك الإقرار بمساواة منهجهم مع ”مناهج التفكير الجاهلية“. تطبيق هذا المنهج الرباني يتطلب الجهاد لـ”إقامة مملكة الله في الأرض، وإزالة مملكة البشر“، والعمل تحت قيادة مستقلة عن ”المجتمع الجاهلي“. هذا الجهاد ليس حربًا دفاعية كما يدعي من سماهم بالمهزومين أمام هجمات المستشرقين، بل حركة اندفاع لتحرير الإنسان في شتى أرجاء العالم من خضوعه لأحكام ونظريات بشرٍ آخرين بـ”تحطيم مملكة الهوى البشري واقامة مملكة الشريعة الإلهية في عالم الإنسان“.[149]

بحسب قطب، لا ينفي هذا حرص الإسلام على تحقيق السلام سواء كان الوطن الإسلامي - جميع الدول ذات الأغلبية المسلمة - آمنًا أو مهددًا من جيرانه. لا يتحقق السلام بتأمين حدود دار الإسلام التي يعتنق قاطنيها العقيدة الإسلامية، بل باخضاع البشرية لتصورات هذه العقيدة. الجهاد حالة دائمة وليست عرضية أو طارئة، وتحقيق غاية المؤمنين بالمنهج الإسلامي - الجماعات والأحزاب - تتم على أربعة مراحل:[150]

  1. التربية والإعداد بالدعوة السلمية حتى لا يتعرضون للقمع.
  2. توظيف هجمات على نطاقٍ صغير تيمنًا بسرايا النبي.
  3. القتال لرد الـ”ظلم“.
  4. الجهاد لـ”إخراج الإنسان من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد“.

تأمين الوطن الإسلامي ليس غاية في حد ذاته، فهدف تأمينه ليكون قاعدة انطلاق للسيطرة على العالم بما أنَّ الإسلام في كلماته، منهج إله ونظام عالم وليس بنظام وطن.[151] تتخذ المجتمعات الجاهلية أشكالًا مختلفة، منها المتأسسة على الروابط القومية التي وصفها بالحيوانية. وفقًا لقطب، يضم ”المجتمع الإسلامي المتفوق“ العربي والفارسي والمصري والتركي والصيني والهندي والإندونيسي والأفريقي، إذ تفرد الإسلام عن باقي النظم السياسية بـ”منهجه الرباني“ القائم على أساسٍ عقدي لا يكترث للقومية. كَتَب بأنَّ المسلم يستسقي قِيَمه من سلطة إلهية واحدة، وهذه السلطة هي ما يربط الناس ببعضهم البعض. انقطاع هذه الرابطة ينسف مبررات الصلة والمودة، لأنَّ هناك حزبًا واحدًا لله والبقية للـ”طواغيت“.[152]

بالنسبة لقطب، جاء الإسلام ليلغي روابط الأرض والدم، فلا وطن للمسلم إلا دار الإسلام ولا جنسية له سوى عقيدته التي تجعله عضوًا في الأمة المسلمة. أورد أمثلة من القرآن والتراث الإسلامي كنوح وابنه، لوط وزوجته، الحباب بن عبد الله ووالده ابن سلول، وتفضيل النبي لسلمان وبلال وصهيب على أعدائه المشاركين له في الأرض والدم. في نظر قطب، تثبت هذه الأمثلة أنَّ وطن المسلم دينه وليس بلده، وقومه هم المؤمنين بأفكاره وليس مواطنيه. دار الإسلام ليست بلدًا يقول قطب، بل وطن لجميع المؤمنين بالإسلام كنظام، ولو كانوا غير مسلمين. يُعرّف الوطن بـ”دار تحكمها عقيدة ومنهاج حياة وشريعة من الله“، وعلى ذلك فوطن المسلم ليس قطعة أرض، ورايته ليست راية قوم، وقرابته ليست قرابة دم. كل أرض تعارض تطبيق الشريعة هي دار حرب للمسلم وإن تواجد بها قومه، وكل أرض تطبقها هي وطنه وإن غاب عنها مواطنيه. لا يعترف قطب بالمصالح القومية، لأنها من ”صور الشرك الخفية“.[153]

”اتركوا الترك (المسلمين) يعيشون كما يريدون، مثلما تركنا البابوية والمسيحيين المزيفين يعيشون“. زعم محمد قطب تأثر مارتن لوثر بالإسلام.

وفقًا لمحمد قطب، كانت أوروبا وحدة سياسية تجمع قوميات ولغات وأجناسًا مختلفة في ظل الإمبراطورية الرومانية. لم تنصهر هذه الأقوام في بوتقة العقيدة لأنَّ الروم تعاملوا باستعلاء مع الشعوب الخاضعة لهم بخلاف الأمة الإسلامية، حيث كان بلال وصهيب وسلمان في ”قمة المجتمع“. ثم ”انساح المسلمون ليفتحوا البلدان“ ولكن ليس لغرض إنشاء إمبراطورية، فتوسيع رقعة الدولة أو ضم موارد جديدة لم تكن ضمن أهدافهم، كان دافعهم إزالة الجاهلية الممثلة في دول وجيوش ونظم لا تؤمن بالله ولا تطبق المنهج الرباني. يصف قطب الابن هذه التجربة بالفريدة والمتميزة في التاريخ البشري ولا يمكن أن تكرر مع أي نظام آخر سوى النظام الإسلامي القائم على ”العقيدة الصحيحة“، والمطبق لشريعة الله.[154]

اعتناق قسطنطين الأول للمسيحية ساهم في إنشاء نوع من ”التجمع الشعوري“ ولكنه لم ينجح كنجاح الأمة الإسلامية لثلاثة أسباب وفقًا لقطب:[155]

في نظر قطب، توضح هذه العوامل أسباب عدم نجاح المسيحية في بناء أمة على ”النسق الذي أمر به الإسلام“، الذي لم تنفصل فيه الشريعة عن العقيدة، ولم يشهد خلافات عقدية تمزق وحدة معتنقيه، وظلت لغته واحدة. يقتبس من أبو الحسن الندوي قوله أن المسيحية جمعت أمم أوروبا و”جعلتهم عشيرة واحدة“، فضعفت فيهم القومية والوطنية لفترة طويلة حتى ظهور مارتن لوثر الذي استعان بقومه الألمان في هزيمة الكنيسة الكاثوليكية، وهو الذي قاد إلى استقلال الأمم الأوروبية وتعزيز الروابط القومية والوطنية على حساب الدينية. وفقًا لقطب، نبعت حركة الإصلاح البروتستانتي من مؤثرات إسلامية أصلًا، فالإنسان الأوروبي اقتبس ”جزئيات الحياة الإسلامية“ ولكن ”عصبيته الصليبية“ دفعته لرفض الإسلام.[156]

وقعت هذه التأثيرات خلال الحملات الصليبية واحتكاك الأوروبيين السلمي خلال إرسالهم ”مبتعثيهم للتعلم من المسلمين“ في الأندلس وصقلية وشمال أفريقيا، حيث انبهر المسيحيون وتأثروا بعلماء يتفقهون في الدين والعلوم الأخرى من دون تعارض بين المجالين، ودون الحاجة إلى وسطاء بين الناس وإلههم. ولكنهم لم يحققوا النتائج المرجوة من اقتباسهم المزعوم، بسبب ”سعيهم إلى الإصلاح بغير عدته الحقيقية“ ويقصد الإسلام. التأثير الإسلامي لم يكن وحيدًا، فاليهود كذلك ساهموا في ”تفريق كلمة النصارى“. لم يوضح دور اليهود في دعم مارتن لوثر، واكتفى بالكتابة أنَّ لهم مصلحة من إثارة الحركات المثيرة للشقاق والإصلاح البروتستانتي بالذات لعلمهم أنه ”لن يؤدي إلى إصلاح حقيقي“.[157]

هذه هي قراءة محمد قطب التاريخية لظهور القومية في أوروبا، ويصفها بالـ”توجه الشرير“ لأنها تنبذ العقيدة في الله والقيم المنبثقة عنها. القوميون لا يحبون أو يبغضون في الله، ويقيمون الأمور وفق مصالح مادية تخالف النص القرآني المؤكد على التقوى كمقياس للرفعة بين الناس. تحبس الوطنية الناس داخل حدودهم وتحثهم على السعي لتحقيق مصالحهم القومية، وهذه توجهات متعارضة مع مشيئة الله الذي ”جعل الناس شعوبًا وقبائل ليتعارفوا“، بحسب قطب. استخدم حججًا شائعة لرفض الوطنية، فهي تنفي الحقوق المتساوية لجميع الناس بصورة أو بأخرى، وتنطوي على حزمة تحيزات اعتباطية في أصلها، فالناس لا يختارون مكان ولادتهم أو انتمائهم القومي. الذين ينتقدون الوطنية من هذه المنطلقات، غالبًا ما يتبنون فلسفة أخلاقية تدعى الإنسانية، وهو مذهب انتقده قطب ونسبه إلى مؤامرة ماسونية من نوع ما.[158]

تؤمن الحركات الإسلامية أنَّ أتاتورك والقوميين الأتراك كانوا جزءًا من ”مؤامرة يهودية“.

برغم استنتاجه أن ضعف الرابط الديني كان نتيجة لصعود القومية، كتب قطب أن أوروبا لم تتخلى عن ”الروح الصليبية“. زعم أن لويس التاسع قال للفرنسيين أن ”هزيمة الإسلام“ عسكريًا ليست ممكنة، ولذلك على أوروبا ”محاربة المسلمين من داخل نفوسهم باقتلاع العقيدة الإسلامية من قلوبهم“. تمسك المستعمر الأوروبي بهذه النصيحة، يقول قطب، وشن ”حملته الصليبية الثانية“ مستخدمًا السلاح الفكري. وفقًا لقطب، الوطنية والقومية أحد وسائل الـ”غزو الفكري للصليبيين الجدد“، وهدفهم من وراء ذلك كان تحويل حركات المقاومة من إسلامية إلى وطنية. إذًا روج المستعمر الأوروبي مفاهيم الوطنية والقومية لمقاومة الاستعمار الأوروبي.[159]

انتقد قطب الحركات الوطنية لأنها نظرت إلى المستعمر باعتباره محتلًا وليس ”صليبيًا“، بالإضافة إلى كونها حركات سياسية يمكن التفاهم والتفاوض معها، وأظهرت ميلًا لتبني الكثير من مفاهيم هذا المستعمر. حركات الجهاد الإسلامي في المقابل، لا تأخذ شيئًا من تقاليده وأفكاره وتتعامل معه بـ”استعلاء المسلم الواثق المطمئن“. في كل الأحوال، يقول بأن الوطنيين لم يتعلموا من المستعمر قدرته التنظيمية والتزامه وانضباطه في العمل، بقدر ما تعلموا ”اللهو والمجون والانسلاخ عن الدين والعرض والأخلاق الدينية المتطهرة عن الرجس.“[160]

زيادة على ”الروح الصليبية“، هناك طرف آخر يشارك في معركة ”الغزو الفكري“ من خلال الوطنية، وهؤلاء هم اليهود. زَعَمَ أنَّ مصطفى كمال أتاتورك، بطل قومي قاد استقلال بلاده من قوات الحلفاء، كان ”يهوديًا متأسلمًا“ وانتقم من الإمبراطورية العثمانية لرفض السلطان عبد الحميد إقامة وطن قومي لليهود، وكانت القومية والوطنية أداته لتحقيق غايته الانتقامية. غير أنَّ القومية العربية، في نظره، هي أخبث الحركات القومية على الإطلاق ووصفها بمنتج ”الصليبية العالمية“. توصل قطب إلى هذا الاستنتاج لأنَّ عددًا من وجوهها كان مسيحيًا، ويُفهم منه أنَّ أطروحاتهم سعت إلى القضاء على الإسلام باستفغال المسلمين. وأضاف أنَّ الولايات المتحدة وإسرائيل شنوا حملة دعائية للتمويه على ”حقيقة“ رعايتهم للقوميين العرب.[161]

المسألة التركية[عدل]

الثورة الإيرانية[عدل]

الربيع العربي[عدل]

انتقادات[عدل]

استطلاع[عدل]

أجرى مقعد أنور السادات للسلام والتنمية بجامعة ماريلاند استطلاعاً للرأي لست دول أعضاء في الجامعة العربية، من بين الأسئلة مطروحة سؤالان: وجهة الأساس المصلحي لقرارات الحكومة والمصدر الأول للهوية. تعكس النتائج سياسات حكومية بالدرجة الأولى،[162] وهي كالتالي :

الأساس المصلحي لقرارات الحكومة (2010) [163]:

  • 39% المسلمين
  • 32% البلد
  • 23% العرب.
  • 5% العالم

المصدر الأول للهوية (2010):

  • 39% الإسلام
  • 32% البلد
  • 25% عربي

الأساس المصلحي لقرارات الحكومة (2011) [163]:

  • 58% البلد
  • 16% المسلمين
  • 14% العرب.
  • 10% العالم

المصدر الأول للهوية (2011):

  • 33% البلد
  • 31% مسلم
  • 26% عربي

الوطنية والقومية[عدل]

تُُعتبر منافسات لعبة كرة القدم على المستوى الدولي، من أكثر الأنشطة إثارة للوطنية.

تُطلق القومية كصفة على الدولة، القوات المسلحة، الاستخبارات، الأمن، الهوية، الاستقلال، العلم، النشيد، الشعارات، شعارات النبالة والأزهار، الألوان القومية، الأختام، تاريخ وثقافة وأساطير البلاد من ملاحم قومية وكل ما من شأنه التعريف بالشعب وتمثيله. بالإضافة إلى منتخبات البلاد المشاركة في الفعاليات الرياضية، يُطلق عليها منتخبات قومية لأنها تُمثل الأمة في المحافل الرياضية المختلفة. الوطنية هي عاطفة أخلاقية،[164] غالباً ما تشير إلى الطابع البطولي، الدفاعي لأمة ما أو للدلالة على سلوكيات مفيدة للبلد.[165] تواجد هذه العاطفة يتطلب وجودَ أمة وقومية في المقامِ الأول.[166] القومية هي آيديولوجية سياسية، بأبعاد نفسية وثقافية ترتبط بالمميزات والخصائص التي تُميَّزُ أُمَّةً عن غيرها، وتُقَدِّمُ تبريراً لوجود أو إيجاد دولة تُعَرِّفُ عن تعدادٍ سكاني مُعَيَّن هم القوم أو الأمة، وتُخَوَّلُ هذه الدولة بالاضطلاع بمسؤولية تحقيق استقلال البلاد والحفاظ على سلامتها.

جميع القوميين يعتبرون أنفسهم وطنيين،[167] ولكن بالإمكان اعتبار بعض السلوكيات قومية دون وطنية اعتمادًا على موقع المتحدث من المفهومين. كتب جورج أورويل في مقاله المعنون ملاحظات على القومية، أنَّ الوطنية إخلاص لمكان ونمطِ حياة مُحدد، واعتبرها دفاعية عسكريًّا وثقافيًّا. في المقابل، لا تنفصل القومية عن الرغبة بالقوة أو السلطة. إذ يسعى القومي لتأمين المزيد من القوة والهيبة لأجل الأمة أو أي مجموعة متكاملة اختار أن يمحي فرديته لأجلها.[168] قال الرئيس الألماني السابق يوهانس راو أنَّ الوطني هو من يحب بلاده، والقومي من يكره البلدان الأخرى.[169] تشارلز ديغول، بطل قومي فرنسي، قال أنَّ الوطنية هي تقديم محبة شعبك أولاً، والقومية تقديم كراهيتك للآخرين أولاً.[170] لم يكن للجميع آراء إيجابية عن الوطنية، فقد وَصَفَها صامويل جونسون بملاذ الأوغاد الأخير، وإن كان سياق المقولة مجهولًا.[171] وقد تحدث الدكتاتور الروماني نيكولاي تشاوتشيسكوعن ”إحلال الخيانة محل الوطنية“ خلال محاكمته.[172]

هذه آراء وليست تعريفات قياسية وبالنسبة لجورج أورويل، فقد أنهى المقالة بعد الحرب العالمية الثانية، كما أن أطروحات النخبة الإنجليزية المثقفة كانت ثشغل باله حينها.[173] القومية متنوعة بشكل لا يسمح لنظريةٍ واحدة بشرحها بصورة متكاملة. إذ تُحدَد كثير من محتوياتها في أمم مختلفة بتقاليدَ ثقافية مميزة تاريخياً، وبالقرارات الخلاقة للقادة السياسيين والحالات الطارئة ضمن النظام الدولي.[174] وصف القومية بالآيديولوجية لا يقترح أنها نوع فلسفي مستقل بمستوى الليبرالية أو الماركسية، ومعظم القوميات لم تتطور أو تصل إلى مستوى التنظيم والتماسك الذي وصلته النازية.

تُعتبر الخدمة في القوات المسلحة سلوكًا وطنيًا من منظور عالمي تقريبًا. ولكن الإقبال على الخدمة العسكرية أو العمل السياسي والحكومي عموماً، ليس دليلاً على الالتزام الوطني في كل الحالات خصوصاً في الدول النامية والأقل نماءً. لأنَّ القطاع الخاص في هذه البلدان ليس حيوياً، وإن تواجد، يكون مغلقاً أمام الطيف الأوسع من الشعب في أغلَبِ الحالات نظراً لافتقارهم المهارات المطلوبة. حينها يصبح الانضمام إلى بيروقراطية الحكومة أو الانخراط في العمل السياسي الوسيلة الوحيدة لجمع الثروات وتأمين المستقبل. الأمر الذي سيلقي بأثره السلبي على فعالية الأداء الحكومي بأوجه مختلفة،[175] مثل التعامل مع المنصب كامتداد للعائلة مع كل ما يصاحب ذلك من فساد، محسوبية وزبائنية أو إغراق الأجهزة البيروقراطية للدولة بأكثرِ الموظفينَ رداءة. تتخذ الوطنية أشكالاً مختلفة فما من حاجة لارتداء الزي العسكري أو العمل في السياسة للتعبير عنها، حتى تدوير النفايات إلى الإنتاج الصناعي يعتبر سلوكًا وطنيًا.

يشير مصطلح الاقتصاد القومي إلى اقتصاد البلاد عموماً، في حين تشير القومية الاقتصادية إلى مجموعة واسعة ومتنوعة من السياسات الحمائية التي تفرضها أو تسعى إليها الحكومات اقتصادياً. وقد يُستعمل المصطلح بصورةٍ متعاوضة مع الوطنية الاقتصادية التي تتطرق بالتحديد إلى سياسات هادفة لحَثِّ الأفراد والمؤسسات الخاصة والعامة إلى شراء السلع المصنعةِ محلياً.[176] مثلاً، أصدر الكونغرس الأميركي قانوناً وقع عليه الرئيس هربرت هوفر عام 1933 يُلزم الحكومة الفيدرالية شراء السلع المصنعة في الولايات المتحدة، وشنت الحكومة البريطانية حملة شعبية خلال الكساد الكبير لحمل الشعب على شراء المنتجات البريطانية. ومن مظاهر الوطنية كذلك ابتداء جلسات البرلمان والأيام المدرسية بتلاوة قسم الولاء. من يعتبر ترديد قسم الولاء أو النشيد القومي في المدارس صيغة مبتذلة للوطنية، يجادل أنَّ إدراج وظائف الحكومة وكيفية عملها في المناهج الدراسية أكثر فعالية وعملية. لأن من شأن ذلك تعليم الطلاب أن الحكومة ليست مجرد جسم كبير وضعيف الارتباط بحياتهم ومصائرهم.[177]

طالع أيضا[عدل]

روابط خارجية[عدل]

ملاحظات[عدل]

  1. ^ سماها جنسية في كتاباته ولها نفس معنى ومضمون القومية. تُستخدم كلمة جنسية للإشارة إلى المواطنة في كثير من الأحيان ولكن للكلمة مدلول إثني في الأصل.
  2. ^ تعريف الأجنبي لديهم هو غير المسلم.

مراجع[عدل]

  1. ^ Patriotism, The Stanford Encyclopedia of Philosophy, Spring 2015 Edition
  2. ^ Daniel Druckman (1994). "Nationalism, Patriotism, and Group Loyalty: A Social Psychological Perspective". Blackwell Publishing. صفحة 46. اطلع عليه بتاريخ Feb 19 2016. 
  3. ^ Jeremy Adam Smith (2013). "Can Patriotism Be Compassionate?". The Greater Good Science Center at the University of California, Berkeley. اطلع عليه بتاريخ Mar 15 2016. 
  4. ^ Alasdair MacIntyre (1984). "Is Patriotism a Virtue?". University of Kansas. اطلع عليه بتاريخ Mar 15 2016. 
  5. ^ John Plamenatz, Mark Philp, Zbigniew Pelczynski. Machiavelli, Hobbes, and Rousseau. Oxford University Press. صفحة 265. ISBN 9780199645060. 
  6. ^ أ ب John Plamenatz, Mark Philp, Zbigniew Pelczynski. Machiavelli, Hobbes, and Rousseau. Oxford University Press. صفحة 78. ISBN 9780199645060. 
  7. ^ Michael Ignatieff (2013). "Machiavelli Was Right". The Atlantic. اطلع عليه بتاريخ Mar 15 2016. 
  8. ^ Christopher S. Parker (2009). "Symbolic versus Blind Patriotism". University of Washington, Seattle. اطلع عليه بتاريخ Mar 15 2016. 
  9. ^ أ ب "وطن (لسان العرب)". موقع المعاجم. اطلع عليه بتاريخ Feb 19 2016. 
  10. ^ وهيب طنوس. الوطن في الشعر العربي: من الجاهلية إلى نهاية القرن الثاني عشر الميلادي. صفحة 208. 
  11. ^ Joan Copeland Biella. Dictionary of Old South Arabic, Sabaean dialect (Harvard Semitic Studies). Scholars Press. صفحة 261. ISBN 9780891304555. 
  12. ^ Bernard Lewis. Islam and the West. Oxford University Press. صفحة 167. ISBN 9780190282387. 
  13. ^ Zayde Antrim. Routes and Realms: The Power of Place in the Early Islamic World. Oxford University Press. صفحة 22. ISBN 9780199913886. 
  14. ^ Adel Beshara. The Origins of Syrian Nationhood: Histories, Pioneers and Identity. Taylor & Francis. صفحة 31. ISBN 9781136724503. 
  15. ^ Arthur Williamson (2011). "The Rise and Decline os The British Patriot: Civic Britain, C.1545-1605". صفحة 8. اطلع عليه بتاريخ Feb 20 2016. 
  16. ^ Niccolo Machiavelli. The Prince (Translated and with an Introduction by Harvey C. Mansfield). The University of Chicago Press. صفحة 102. ISBN 0226500438. 
  17. ^ Leo Strauss. Thoughts on Machiavelli. University of Chicago Press. صفحة 81. ISBN 9780226777023. 
  18. ^ Motyl, Alexander J. (2001). Encyclopedia of Nationalism, p.171 Volume II. Academic Press. ISBN 0-12-227230-7.
  19. ^ J. P. T. Bury. The new Cambridge modern history: The zenith of European power 1830–70. Cambridge University Press. 
  20. ^ Albert Habib Hourani. Arabic thought in the liberal age. Oxford University Press. صفحة 99. ISBN 9781107717114. 
  21. ^ Albert Habib Hourani. Arabic thought in the liberal age. Oxford University Press. صفحة 106. ISBN 9781107717114. 
  22. ^ Bernard Lewis. Islam and the West. Oxford University Press. صفحة 172. ISBN 9780190282387. 
  23. ^ Adel Beshara. The Origins of Syrian Nationhood: Histories, Pioneers and Identity. Taylor & Francis. صفحة 74. ISBN 9781136724503. 
  24. ^ Albert Habib Hourani. Arabic thought in the liberal age. Oxford University Press. صفحة 238. ISBN 9781107717114. 
  25. ^ Anshuman A Mondal. Nationalism and Post-Colonial Identity: Culture and Ideology in India and Egypt. Routledge. صفحة 152. ISBN 9781134494170. 
  26. ^ Anshuman A Mondal. Nationalism and Post-Colonial Identity: Culture and Ideology in India and Egypt. Routledge. صفحة 236. ISBN 9781134494170. 
  27. ^ Adeed Dawisha. Arab Nationalism in the Twentieth Century: From Triumph to Despair. Princeton University Press. صفحة 103. ISBN 9781400880829.
  28. ^ Peter Wien. Iraqi Arab Nationalism: Authoritarian, Totalitarian and Pro-Fascist Inclinations, 1932–1941. Routledge. صفحة 5. ISBN 9781134204793. 
  29. ^ أ ب Christopher Phillips. Everyday Arab Identity: The Daily Reproduction of the Arab World. Routledge. صفحة 22. ISBN 9780415684880. 
  30. ^ Martin Kramer (1993). "Arab Nationalism: Mistaken Identity". Daedalus. اطلع عليه بتاريخ Mar 13 2016. 
  31. ^ Elias Muhanna (2014). "Iraq and Syria’s Poetic Borders". The New Yorker. اطلع عليه بتاريخ Mar 10 2016. 
  32. ^ أ ب Adeed Dawisha (2003). "Requiem for Arab Nationalism". Middle East Forum. اطلع عليه بتاريخ Feb 24 2016. 
  33. ^ Adeed Dawisha. Arab Nationalism in the Twentieth Century: From Triumph to Despair. Princeton University Press. صفحة 220. ISBN 9781400880829. 
  34. ^ Tawfic Farah. Pan-Arabism and Arab nationalism: the continuing debate. University of Michigan. صفحة 83. ISBN 9780813303789. 
  35. ^ Andrea Zaki Stephanous. Political Islam, Citizenship, and Minorities: The Future of Arab Christians in the Islamic Middle East. University Press of America. صفحة 19. ISBN 9780761852148. 
  36. ^ Efraim Karsh. Rethinking the Middle East. Taylor & Francis. صفحة 5. ISBN 9780714683461. 
  37. ^ "patriot". Oxford Dictionaries. اطلع عليه بتاريخ Feb 20 2016. 
  38. ^ أ ب ت Patriotism, The Stanford Encyclopedia of Philosophy, Spring 2015 Edition
  39. ^ Montserrat Guibernau. The Identity of Nations. Polity. صفحة 15. ISBN 9780745626635. 
  40. ^ Montserrat Guibernau. The Identity of Nations. Polity. صفحة 25. ISBN 9780745626635. 
  41. ^ Brian Duignan. Modern Philosophy: From 1500 CE to the Present. The Rosen Publishing Group. صفحة 137. ISBN 9781615301454. 
  42. ^ Montserrat Guibernau. The Identity of Nations. Polity. صفحة 22. ISBN 9780745626635. 
  43. ^ Grammes، Tilman (2011). "Patriotism, Nationalism, Citizenship and Beyond". Journal of Social Science Education (Bielefeld University) 10 (1): 8. ISSN 1618-5293. اطلع عليه بتاريخ 22 February 2016. 
  44. ^ Josiah Ober (2003). "Gadfly on Trial: Socrates as Citizen and Social Critic". Harvard's Center for Hellenic Studies. اطلع عليه بتاريخ Mar 16 2016. 
  45. ^ Nicola Pratt. "Identity, Culture and Democratization: The Case of Egypt". New Political Science. اطلع عليه بتاريخ Apr 12 2016. 
  46. ^ Gary Gutting (2009). "Is Our Patriotism Moral?". New York Times. اطلع عليه بتاريخ Feb 22 2016. 
  47. ^ Martha C. Nussbaum (1994). "Patriotism and Cosmopolitanism". Boston Review. اطلع عليه بتاريخ Feb 23 2016. 
  48. ^ أ ب "Citizens of the World, Unite?". The Periodical Observe. اطلع عليه بتاريخ Feb 23 2016. 
  49. ^ Harvey Mansfield (1994). "Foolish Cosmopolitanism". Boston Review. اطلع عليه بتاريخ Feb 23 2016. 
  50. ^ Joel Rosenthal (2009). "Patriotism and Cosmopolitanism". Minerva. صفحة 7. اطلع عليه بتاريخ Mar 27 2016. 
  51. ^ Chris Henrichsen (2010). "Cosmopolitanism: An Alternative to Patriotism". patheos. اطلع عليه بتاريخ Feb 23 2016. 
  52. ^ David Conway (2002). "Nationalism and Liberalism: Friends or Foes?". Journal of Libertarian Studies (Ludwig von Mises Institute) 16. 
  53. ^ Ian Reifowitz (2014). "Liberal Nationalism Is Not Only Possible, It's Essential". Huffington Post. اطلع عليه بتاريخ Feb 18 2016. 
  54. ^ Stefan Auer. Liberal Nationalism in Central Europe. Routledge. صفحة 4. ISBN 9781134378609. 
  55. ^ Stefan Auer (1997). "Two Types of Nationalism in Europe?". University of Melbourne. اطلع عليه بتاريخ Feb 28 2016. 
  56. ^ Montserrat Guibernau (2012). "Nationalism versus Cosmopolitanism: a comparative approach". Queen Mary University of London. اطلع عليه بتاريخ Feb 28 2016. 
  57. ^ Francis Fukuyama. Political Order and Political Decay: From the Industrial Revolution to the Globalization of Democracy. Macmillan. صفحة 303. ISBN 9781429944328. 
  58. ^ Samuel P. Huntington. Political Order in Changing Societies. Yale University Press. صفحة 156. ISBN 9780300116205. 
  59. ^ Francis Fukuyama (2012). "Is There a Proper Sequence in Democratic Transition". Stanford University. اطلع عليه بتاريخ Apr 5 2016. 
  60. ^ Francis Fukuyama. Political Order and Political Decay: From the Industrial Revolution to the Globalization of Democracy. Macmillan. صفحة 31. ISBN 9781429944328. 
  61. ^ David Ghanim. Iraq's Dysfunctional Democracy. ABC-CLIO. صفحة 13. ISBN 9780313398025. 
  62. ^ Francis Fukuyama (2013). "What Is Governance?". Center for Global Development. اطلع عليه بتاريخ Mar 17 2016. 
  63. ^ Armin von Bogdandy/ Stefan Häußler/ Felix Hanschmann/ Raphael Utz (2005). "State-Building, Nation-Building, and Constitutional Politics in Post-Conflict Situations: Conceptual Clarifications and an Appraisal of Different Approaches". Max-Planck-Institut für ausländisches öffentliches Recht und Völkerrecht. اطلع عليه بتاريخ Feb 28 2016. 
  64. ^ Francis Fukuayama (2015). "Is Democracy in Decline?". Journal of Democracy. اطلع عليه بتاريخ Feb 28 2016. 
  65. ^ Marina Ottaway, Julia Choucair-Vizoso (2008). "Beyond the Facade: Political Reform in the Arab World". Carnegie Endowment. صفحة 233. ISBN 9780870032776. 
  66. ^ Hilton Root and Emil Bolongaita (2008). "Enhancing Government Effectiveness In Yemen". United States Agency for International Development. اطلع عليه بتاريخ Mar 27 2016. 
  67. ^ Craig Calhoun (2007). "Nationalism and Cultures of Democracy". Public Culture. اطلع عليه بتاريخ Feb 28 2016. 
  68. ^ Montserrat Guibernau (2012). "Nationalism versus Cosmopolitanism: a comparative approach". Queen Mary University of London. اطلع عليه بتاريخ Feb 28 2016. 
  69. ^ Henry Bruton (1989). "Import substitution industrialization". Elsevier. اطلع عليه بتاريخ Apr 1 2016. 
  70. ^ V.I Lenin (1914). "Collected works, volume 21". Progress Publishers. 
  71. ^ أ ب ت ث Tom Lewis (2000). "Marxism and Nationalism". International Socialist Review. اطلع عليه بتاريخ Feb 29 2016. 
  72. ^ John Bellamy Foster (2000). "Marx and Internationalism". Monthly Review. اطلع عليه بتاريخ Feb 29 2016. 
  73. ^ "World Marx the millennium's 'greatest thinker'". BBC. 1999. اطلع عليه بتاريخ Mar 6 2016. 
  74. ^ Michael Löwy (1974). "Marxists and the National Question". Les Marxistes et la Question Nationale: 1848–1914. اطلع عليه بتاريخ Mar 7 2016. 
  75. ^ Joseph Stalin (1913). "Marxism and the National Question". Marxist.org. اطلع عليه بتاريخ Feb 29 2016. 
  76. ^ Bellamy, Richard (2003). The Cambridge History of Twentieth-Century Political Thought. Cambridge University Press. p. 60. ISBN 0-521-56354-2.
  77. ^ Derek Thompson (2012). "Who Killed American Unions?". The Atlantic. اطلع عليه بتاريخ Mar 8 2016. 
  78. ^ Francis Fukuyama. Political Order and Political Decay: From the Industrial Revolution to the Globalization of Democracy. Macmillan. صفحة 414. ISBN 9781429944328. 
  79. ^ Michael Löwy (1974). "Marxists and the National Question". Les Marxistes et la Question Nationale: 1848–1914. اطلع عليه بتاريخ Mar 7 2016. 
  80. ^ Jayshree Bajoria (2008). "Nationalism in China". Council on Foreign Relations. اطلع عليه بتاريخ Mar 7 2016. 
  81. ^ سيد القمني. الفاشيون والوطن. المركز المصري لبحوث الحضارة. صفحة 162. ISBN 9771998285. 
  82. ^ Tareq Y. Ismael. The Communist Movement in the Arab World. Routledge. صفحة 15. ISBN 9781134275359. 
  83. ^ Martin Evans. Algeria: France's Undeclared War. Oxford University Press. صفحة 14. ISBN 9780192803504. 
  84. ^ عبد الله العروي. العرب والفكر التاريخي. المركز الثقافي العربي. صفحة 171. ISBN 9953681627. 
  85. ^ Olivier Roy. The Failure of Political Islam. Harvard University Press. صفحة 42. ISBN 9780674291416. 
  86. ^ "Egypt's lesson for political Islam: politics comes first". Reuters. 2013. اطلع عليه بتاريخ Apr 10 2016. 
  87. ^ Adeed Dawisha. Arab Nationalism in the Twentieth Century: From Triumph to Despair. Princeton University Press. صفحة 20. ISBN 9781400880829. 
  88. ^ Susan M. Walcott, Corey Johnson. Eurasian Corridors of Interconnection: From the South China to the Caspian Sea. Routledge. صفحة 141. ISBN 9781135078751. 
  89. ^ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. العروة الوثقى. مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. صفحة 439. ISBN 9789777681858.
  90. ^ Peter R. Demant. Islam Vs. Islamism: The Dilemma of the Muslim World. Greenwood Publishing Group. صفحة 24. ISBN 9780275990787. 
  91. ^ Adeed Dawisha. Arab Nationalism in the Twentieth Century: From Triumph to Despair. Princeton University Press. صفحة 19. ISBN 9781400880829. 
  92. ^ Joseph A. Massad. Desiring Arabs. University of Chicago Press. صفحة 13. ISBN 9780226509600. 
  93. ^ William al-Sharif. Christianity, Islam and Secular Criticism. Lulu Press, Inc. صفحة 90. ISBN 9781445780795. 
  94. ^ Adeed Dawisha. Arab Nationalism in the Twentieth Century: From Triumph to Despair. Princeton University Press. صفحة 20. ISBN 9781400880829. 
  95. ^ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. العروة الوثقى. مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. صفحة 67. ISBN 9789777681858.
  96. ^ John L. Esposito, Emad El-Din Shahin. The Oxford Handbook of Islam and Politics. Oxford University Press. صفحة 31. ISBN 9780199908950. 
  97. ^ أ ب Elizabeth Suzanne Kassab. Contemporary Arab Thought: Cultural Critique in Comparative Perspective. Columbia University Press. صفحة 265. ISBN 9780231144889. 
  98. ^ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. العروة الوثقى. مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. صفحة 42. ISBN 9789777681858. 
  99. ^ محمد عمارة. الجامعة الإسلامية وفكرة القومية. دار الشروق. صفحة 55. 
  100. ^ أ ب يوسف القرضاوي. من أجل صحوة راشدة تجدد الدين و تنهض بالدنيا. دار الشروق. صفحة 43. ISBN 9770906875. 
  101. ^ تامر متولي. منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة. دار ماجد عسيري. صفحة 87. 
  102. ^ محمد محمد حسين. الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر. مؤسسة الرسالة. صفحة 68. 
  103. ^ أ ب محمد رشيد رضا. الخلافة. مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. صفحة 62. ISBN 9789777195102. 
  104. ^ تامر متولي. منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة. دار ماجد عسيري. صفحة 785. 
  105. ^ محمد رشيد رضا. الخلافة. مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. صفحة 79. ISBN 9789777195102. 
  106. ^ Adeed Dawisha. Arab Nationalism in the Twentieth Century: From Triumph to Despair. Princeton University Press. صفحة 21. ISBN 9781400880829.
  107. ^ محمد محمد حسين. الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر. مؤسسة الرسالة. صفحة 68. 
  108. ^ تامر متولي. منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة. دار ماجد عسيري. صفحة 786. 
  109. ^ عبد الله الدميجي. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة. دار طيبة للنشر والتوزيع. صفحة 119. 
  110. ^ محمد رشيد رضا. الخلافة. مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. صفحة 25. ISBN 9789777195102. 
  111. ^ عبد الله الدميجي. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة. دار طيبة للنشر والتوزيع. صفحة 287. 
  112. ^ محمد رشيد رضا. الخلافة. مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. صفحة 72. ISBN 9789777195102. 
  113. ^ تامر متولي. منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة. دار ماجد عسيري. صفحة 790. 
  114. ^ Adeed Dawisha. Arab Nationalism in the Twentieth Century: From Triumph to Despair. Princeton University Press. صفحة 22. ISBN 9781400880829. 
  115. ^ Peter R. Demant. Islam Vs. Islamism: The Dilemma of the Muslim World. Greenwood Publishing Group. صفحة 23. ISBN 9780275990787. 
  116. ^ Olivier Roy. The Failure of Political Islam. Harvard University Press. صفحة 45. ISBN 9780674291416. 
  117. ^ شفيق شقير (2004). "منهج حركة الإخوان المسلمين ورؤاها الفكرية". الجزيرة نت (قطر). اطلع عليه بتاريخ Apr 21 2016. 
  118. ^ John L. Esposito, Emad El-Din Shahin. The Oxford Handbook of Islam and Politics. Oxford University Press. صفحة 133. ISBN 9780199908950. 
  119. ^ Richard Paul Mitchell. The Society of the Muslim Brothers. Oxford University Press. صفحة 266. ISBN 9780195084375. 
  120. ^ Andrea Mura. The Symbolic Scenarios of Islamism: A Study in Islamic Political Thought. Routledge. صفحة 116. ISBN 9781317014492. 
  121. ^ عبد الله الوشلي. النهج المبين لشرح الأصول العشرين. دار المجتمع للنشر والتوزيع. صفحة 13. 
  122. ^ عبد الله الوشلي. النهج المبين لشرح الأصول العشرين. دار المجتمع للنشر والتوزيع. صفحة 25. 
  123. ^ عبد الله حلاق (2012). "الإخوان المسلمون.. تجربة وتقويم". إسلام ديلي. اطلع عليه بتاريخ Apr 26 2016. 
  124. ^ أحمد عبد الحفيظ (Mar 2 2016). "نهج الإمامين وترقيع القيادة اليوم". أمة بوست. اطلع عليه بتاريخ Apr 28 2016. 
  125. ^ حسن البنا. "نظرات في كتاب الله". المكتبة الإسلامية. اطلع عليه بتاريخ Apr 26 2016. 
  126. ^ Timur Kuran (1996). "The Discontents of Islamic Economic Morality". Duke University. اطلع عليه بتاريخ Apr 26 2016. 
  127. ^ Liu Zhongmin (2013). "Commentary on “Islamic State” Thoughts of Islamism". Shanghai International Studies University. اطلع عليه بتاريخ May 2 2016. 
  128. ^ Kevin McDonald (Sep 8 2014). "Islamic State’ ‘medieval’ ideology owes a lot to revolutionary France". The Conversation. اطلع عليه بتاريخ Apr 30 2016. 
  129. ^ Bilveer Singh. The Talibanization of Southeast Asia: Losing the War on Terror to Islamist Extremists. Greenwood Publishing Group. صفحة 18. ISBN 9780275999957. 
  130. ^ Ahmad, Irfan. “Genealogy of the Islamic State: Reflections on Maududi's Political Thought and Islamism”.(2009) The Journal of the Royal Anthropological Institute 15.
  131. ^ أ ب ت William Dalrymple (Jun 29 2015). "The Great Divide". The New Yorker. اطلع عليه بتاريخ Apr 30 2016. 
  132. ^ Ahmad, Irfan. “Genealogy of the Islamic State: Reflections on Maududi's Political Thought and Islamism”.(2009) The Journal of the Royal Anthropological Institute 15.
  133. ^ "The search for Jinnah's vision of Pakistan". BBC. 2013. اطلع عليه بتاريخ Apr 30 2016. 
  134. ^ Martin E. Marty, R. Scott Appleby. Accounting for Fundamentalisms: The Dynamic Character of Movements. University of Chicago Press. صفحة 675. ISBN 9780226508863. 
  135. ^ "Abul A’la Maududi". Harvard Divinity School. اطلع عليه بتاريخ May 2 2016. 
  136. ^ Usama Butt, N. Elahi. Pakistan's Quagmire: Security, Strategy, and the Future of the Islamic-nuclear Nation. Bloomsbury Publishing USA. صفحة 241. ISBN 9781441191748. 
  137. ^ أبو الأعلى المودودي. منهاج الانقلاب الإسلامي. الدار السعودية للنشر والتوزيع. صفحة 12 - 18. 
  138. ^ أبو الأعلى المودودي. تجديد الدين وإحيائه: واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم. دار الفكر. صفحة 173. 
  139. ^ أبو الأعلى المودودي. المسلمون والصراع السياسي الراهن. دار الأنصار. صفحة 33. 
  140. ^ أبو الأعلى المودودي. نظرية الإسلام السياسية. دار الفكر. صفحة 30. 
  141. ^ Husain Haqqani. Pakistan: Between Mosque and Military. Carnegie Endowment. صفحة 171. ISBN 9780870032851. 
  142. ^ أبو الأعلى المودودي. نظرية الإسلام السياسية. دار الفكر. صفحة 35. 
  143. ^ أبو الأعلى المودودي. نظرية الإسلام السياسية. دار الفكر. صفحة 43. 
  144. ^ أبو الأعلى المودودي. الخلافة والملك. دار القلم. صفحة 52. 
  145. ^ أ ب أبو الأعلى المودودي. حقوق أهل الذمة. مكتبة المختار. صفحة 10. 
  146. ^ أبو الأعلى المودودي. موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه؛ واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم. دار الفكر. صفحة 179. 
  147. ^ أبو الأعلى المودودي. الإسلام ومعضلات الاقتصاد. دار الرسالة. صفحة 52. 
  148. ^ سيد قطب. معالم في الطريق. دار الشروق. صفحة 8. 
  149. ^ سيد قطب. معالم في الطريق. دار الشروق. صفحة 60. 
  150. ^ سيد قطب. معالم في الطريق. دار الشروق. صفحة 70-82. 
  151. ^ سيد قطب. معالم في الطريق. دار الشروق. صفحة 76. 
  152. ^ سيد قطب. معالم في الطريق. دار الشروق. صفحة 136. 
  153. ^ سيد قطب. معالم في الطريق. دار الشروق. صفحة 147. 
  154. ^ محمد قطب. مذاهب فكرية معاصرة. دار الشروق. صفحة 480. 
  155. ^ محمد قطب. مذاهب فكرية معاصرة. دار الشروق. صفحة 481-83. 
  156. ^ محمد قطب. مذاهب فكرية معاصرة. دار الشروق. صفحة 485. 
  157. ^ محمد قطب. مذاهب فكرية معاصرة. دار الشروق. صفحة 486. 
  158. ^ محمد قطب. مذاهب فكرية معاصرة. دار الشروق. صفحة 511. 
  159. ^ محمد قطب. مذاهب فكرية معاصرة. دار الشروق. صفحة 499. 
  160. ^ محمد قطب. مذاهب فكرية معاصرة. دار الشروق. صفحة 502. 
  161. ^ محمد قطب. مذاهب فكرية معاصرة. دار الشروق. صفحة 509. 
  162. ^ Christopher Phillips. Everyday Arab Identity: The Daily Reproduction of the Arab World. Routledge. صفحة 21. ISBN 9780415684880. 
  163. ^ أ ب "Arab Public Opinion Surveys". Anwar Sadat Chair for Peace and Development. اطلع عليه بتاريخ Feb 24 2016. 
  164. ^ "Kwame Anthony Appiah". Cosmopolitan Patriots. 1997. اطلع عليه بتاريخ Mar 10 2016. 
  165. ^ "Kwame Anthony Appiah". Cosmopolitan Patriots. 1997. اطلع عليه بتاريخ Mar 10 2016. 
  166. ^ James Jankowski, Israel Gershoni. Rethinking Nationalism in the Arab Middle East. Columbia University Press. صفحة 81. ISBN 9780231106955. 
  167. ^ Conrad Brunstorm. Thomas Sheridan's Career and Influence: An Actor in Earnest. Bucknell University Press. صفحة 101. 
  168. ^ George Orwell (1945). "Notes on Nationalism". اطلع عليه بتاريخ Mar 22 2016. 
  169. ^ Paul Hofmann, Anne-Sophie Balzer (Jun 24 2014). "Der schmale Grat zwischen Patriotismus und Nationalismus" (باللغة الألمانية). اطلع عليه بتاريخ Mar 22 2016. 
  170. ^ Louis Leo Snyder. Varieties of Nationalism: A Comparative Study. The University of Michigan. صفحة 42. ISBN 9780030182068. 
  171. ^ Dr Aleksandar Pavkovic, Professor Igor Primoratz (2013). "Patriotism: Philosophical and Political Perspectives". Ashgate Publishing, Ltd. صفحة 19. ISBN 9781409498629. 
  172. ^ "25 years since Ceausescu downfall: Communist leader gone in blood". Russia Today. Dec 25 2012. اطلع عليه بتاريخ May 14 2016. 
  173. ^ Paul R. Pillar. "Patriotism versus Nationalism in America". National Interest. اطلع عليه بتاريخ Mar 22 2016. 
  174. ^ Christophe Jafferlot (2003). "For a Theory of Nationalism". Sciences Po. اطلع عليه بتاريخ Mar 10 2016. 
  175. ^ "Francis Fukuyama: What is Development?". Stanford's Center on Democracy, Development, and the Rule of Law (Youtube). 2013. اطلع عليه بتاريخ Mar 17 2016. 
  176. ^ Patricia Wruuck (2006). "Economic Patriotism". Deutsche Bank Research. اطلع عليه بتاريخ Mar 19 2016. 
  177. ^ Alia Wong. "Why Civics Is About More Than Citizenship". The Atlantic. اطلع عليه بتاريخ Mar 26 2016.