أهل السنة والجماعة

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
(بالتحويل من الإسلام السني)
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
أهل السنة والجماعة
رسم تعبيري للفظ الجلالة ومن يجلهم أهل السنة والجماعة
رسم تعبيري للفظ الجلالة ومن يجلهم أهل السنة والجماعة

الدين الإسلام
الزعيم محمد رسول الله
الفروع عقائدياً: أشاعرة، ماتريدية، أهل الحديث (الأثرية).

فقهياً: حنفية، مالكية، شافعية، حنابلة.

الأماكن المقدسة المسجد الحرام، المسجد النبوي، المسجد الأقصى.
عدد المعتنقين 1،4 مليار (تقدير 2009)[1][2]

أهل السنة والجماعة هم المجتمعون على السُّنَّة المتفقون على قول واحد في أصول الاعتقاد، والسُّنة لغةً الطريقة والسيرة،[3] وتكون بمعنى المستحب أو بمعنى: الحديث النبوي، قال ابن منظور: «وإذا أطلقت في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي Mohamed peace be upon him.svg، ونهى عنه وندب إليه قولا وفعلا مما لم ينطق به الكتاب العزيز؛ ولهذا يقال: في أدلة الشرع: الكتاب والسنة أي: القرآن والحديث».[4] قال الشاطبي: «يطلق لفظ السنة على ما جاء منقولا عن النبي Mohamed peace be upon him.svg على الخصوص، مما لم ينص عليه في الكتاب العزيز، بل إنما نص عليه من جهته عليه الصلاة والسلام، كان بيانا لما في الكتاب أو لا»، أو في مقابل البدعة،[5] ويطلق أيضا لفظ السنة على سنة الخلفاء الراشدين وأئمة الصحابة؛ لكونه اتباعا لسنة ثبتت عندهم لم تنقل إلينا، أو اجتهادا مجتمعا عليه منهم أو من خلفائهم؛ فإن إجماعهم إجماع،[5] والمقصود في خصوص التسمية أشمل، قال ابن حجر: «قوله ‹هذه السنة‏›:‏ أشار إلى طريقة النبي Mohamed peace be upon him.svg إشارة نوعية لا شخصية».[6] قال العيني: السُّنَّة: «طريقة النبي Mohamed peace be upon him.svg»[7] وقال في عون المعبود: «السنة: أي: سنة النبي Mohamed peace be upon him.svg وطريقته».[8] أي: منهجه وهديه وبيانه للدين وحكمه بين الناس فيما اختلط عليهم من الأمور، وما سنه لأمته وعلمهم إياه وأرشدهم إليه فهو إمام الأمة وأولى الناس بأمته ومعلمهم الأول وهاديهم إلى الصراط المستقيم، وأئمة الصحابة أخذوا عنه علم الدين واستنوا بسنته واهتدوا بهديه، والسنة عند أئمة الصحابة هي علم الشريعة والفقه في الدين، وفي الحديث: «فعليكم بِسنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين..» أي: إلزموا طريقتي وطريقة الخلفاء الراشدين مِن بعدي، واتبعوا نهجهم واسمعوا لهم وأطيعوا فذلك من سُنَّتي، فهم قدوة الأمة المبلغون عنه والحاملون لسنته وهديه، ولا سبيل للوصول إلى الحق إلا باتباع طريقتهم، واتباع سنتهم هو اتباع للسنة النبوية، قال الله تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ..الآية وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ..الآية.

فالسنة هي الطريقة الموصلة إلى ملة الإسلام ونهجه القويم وصراطه المستقيم، وسبيل الاهتداء إلى الله ودليل المعرفة بنهج صراطه المستقيم، والجماعة هم المجتمعون على هذه السنة، في مقابل البدعة بمعناها الشرعي وهي البدعة في الدين المخالفة لقواعده وأصوله، وهي التي ورد في الشرع ذمها ووصفها بالضلال عن الصراط المستقيم والموعود عليها بالنار،[9] والتي هي استبداد بالرأي في مقابل النص، واتباع الهوى في معارضة الأمر، حتى تصير معتقدا مضادا للجماعة، ومضاهيا للسنة ومعارضا لها، مثل: بدعة إنكار القدر والتجسيم وقول السبئيه بتأليه علي بن أبي طالب، والمقصود بها على وجه التحديد ابتداع الفرق من الأمة الإسلامية التي ثبت وصفها في حديث تفرق الأمة، الذين تكلموا فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فية، وتحولت أهواؤهم إلى معتقدات كانوا بسببها شِيعا متفرقة لا ينتظم شملهم بالإسلام.

والجَماعة هم السواد الأعظم من الأمة المجتمعون على السُّنّة اتباعا واقتداء وتأسيا علما وعملا، وهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن تبعهم وسار على نهجهم، المجتمعون على إمام واحد، المتفقون على قول واحد في أصول الاعتقاد، وإن اختلفوا في فروع الأحكام فذلك لا يفسد للود قضية، وهم أئمة المسلمين أهل الإجماع. وقد أمر الله بلزوم الجماعة ونهى عن التنازع والاختلاف المؤدي إلى التفرق في الدين، وثبت في الحديث أنه سيكون في الأمة اختلاف وتفرق في الدين بسبب اتباع الأهواء المضلة، وأن من أدرك شيئا من ذلك فعليه بلزوم الجماعة وإمامهم، ولزوم السنة.

ولم تكن التسمية بـ«أهل السنة والجماعة» معروفة في بداية التاريخ الإسلامي، وإنما ظهرت هذه التسمية تدريجياً بسبب ظهور الفرق المنشقة عن جماعة المسلمين تحت مسميات مختلفة، وكانت أول بدعة ظهرت في الإسلام فتنة الخوارج الذين انشقوا عن جماعة المسلمين وأعلنوا خروجهم عن علي بن أبي طالب، وغالوا في الوعيد فقالوا بتكفير العصاة وتخليدهم في النار، واتخذوا من تكفير المسلمين مبررا للخروج على ولاة الأمر واستباحوا بذلك دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم بغير حق، وقصروا الإيمان على جماعتهم، وتشعبت منهم فرق كثيرة، ثم كانت التسمية تطلق على أهل السنة والجماعة تمييزا لهم عن الخوارج والمعتزلة وفرق التشيع وغيرها من الفرق المخالفة لهم في أصول الاعتقاد.

وأهل السنة والجماعة هم السواد الأعظم عبر التاريخ الإسلامي، وينتمي إليهم الغالبية العظمى من المسلمين، واستقر عمل الناس في مختلف الأقطار على الأخذ بواحد من المذاهب الأربعة، وكلهم مجتمعون على قول واحد في أصول الاعتقاد، ومتفقون على صحة خلافة الخلفاء الأربعة الأوائل: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ويؤمنون بعدالة كل الصحابة، وبوجوب السكوت عما جرى بين الصحابة، وإثبات أجر الاجتهاد لهم، ولا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه، واتفقوا على عدم جواز الخروج على الحاكم ولو عاصيا، ما لم يأمروكم بكفر بواح عندكم من الله فيه برهان.[10]

التسمية[عدل]

بسم الله الرحمن الرحيم
الله

هذه المقالة جزء من سلسلة الإسلام عن:

Ahlul Sunnah.png

لم يكن مصطلح أهل السنة والجماعة مشهورا في صدر الإسلام، حيث لم يكن هناك انقسام ولا تفرق، وكان يطلق على عموم المؤمنين بدين الإسلام باسم: «المسلمين» أو أهل الإسلام، وإنما بدأت التسمية تظهر تدريجيا بسبب ظهور الفرق المنشقة عن جماعة المسلمين، فالأمة الإسلامية أمة واحدة منذ نشأتها وهذا ما أكده الله في القرآن بقوله: ﴿وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون﴾،[11] وقوله: ﴿وأن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم﴾ وقوله: ﴿ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ وقوله: ﴿اهدنا الصراط المستقيم..﴾ وهو تعليم للمسلمين أن يطلبوا من الله الهداية باستمرار. ومعالم الإسلام واضحة ومكتملة قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ وكان الفارق بين الحق والباطل والهدى والضلال إنما هو بين العلم بالدين والجهل به، وفي نصوص القرآن دلالة على ما حدث في تاريخ الأمم من التفرق في الدين بسبب اتباع الأهواء والأغاليط والتضليل واتباع المتشابهات والخوض فيما نهى الله عن الخوض فيه، وتؤكد نصوص القرآن أن الدين كله لله وأن الناس لم يؤمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، وقد نهى الله المسلمين عن التفرق في الدين. ومفهوم لفظ: «أهل السنة والجماعة» مكون من ثلاث كلمات وكل منها له دلالته، فكلمة: أهل تدل النسبة فهي كقولنا مثلا أهل الحديث أهل اللغة وغير ذلك، وأما كلمتي السنة والجماعة؛ فهما المقصودان من التعريف، ولهما دلالات لغوية واصطلاحية. والتسمية مأخوذة من معنى الطريقة النبوية، والتي تحمل في نفس الوقت معنى كلمة: السنة في مقابل البدعة، فاستعمال هذا المصطلح كان بسبب ظهور أهل الأهواء والزيغ الذين ابتدعوا في الدين ما ليس منه من البدع المخالفة للدين الإسلامي بالغلو فيه والخروج عن الوسطية، فحيث دلت الأحاديث النبوية على الاتباع في حديث: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» فقد كان الابتداع بين الإفراط والتفريط، فهو بذلك يمثل خروجا عن منهج الوسطية، فمن المعلوم مثلا: أن احترام الأنبياء والعلماء والصالحين من الأمور المتفق عليها شرعا وعرفا، والذي يخرج عن هذا هو الذي يأخذ صفة المغالاة، فقد يكون على وجه الإطراء وهو: وصف الشخص بما لا يستحق، مثل: تأليه المخلوق وقد ذكر في القرآن: أن النصارى اتخذوا عيسى ابن مريم وأمه إلاهين من دون الله، وذلك أنهم بالغوا في تعظيمه فعبدوه مع اعتقاد أنه إلاه من دون الله. وقد ذكر ابن خلدون في تاريخه أن بعض غلاة الشيعة اعتقدوا في علي ابن أبي طالب مثل اعتقاد النصارى، وقد قاتلهم علي بن أبي طالب.[12] وكمثال آخر للمغالاة من وجه معاكس للمبالغة في صفة البدعة، فقد ذكر في القرآن: أن اليهود شددوا في دينهم حتى قتلوا الأنبياء. وفي تاريخ الفرق الإسلامية ظهرت فرق متشددة فالخوارج مثلا بالغوا في المحافظة على الدين والتمسك به، مما أدى إلى إنكار السنة وتكفير مخالفيهم، وتحقير العلماء والصالحين، كما أنهم اتخذوا من مبدأ التكفير وسيلة للخروج على حكام الدول الإسلامية، واستباحوا دماء مخالفيهم. ووجه المناسبة: أن الخوارج ومن وافقهم ابتدعوا في الدين طريقة الخروج على ولاة الأمر بناء على معتقد تكفير المسلمين واستباحة دمائهم وأعراضهم، كان يمثل صورة واضحة للخروج عن جماعة المسلمين وإمامهم، ومن جهة ثانية فإنهم كانوا يسمون أنفسهم: «أهل القرآن» بدلالة واضحة على إنكار الحديث النبوي وإن اختلفوا في كيفية إنكاره.

عن ابن سيرين قال: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم».[13] وفي كلامه: أنه جعل أهل السنة بمعنى: الطريقة النبوية في مقابل أهل البدع، فالتسمية تشمل أهل الحديث بصفة أساسية على وجه التلازم. وأهل البدع ليس مقصورا على فرقة محددة، بل يشمل جميع أهل الزيغ والأهواء الذين ابتدعوا في الدين ما ليس منه، وخرجوا بذلك عن أهل السنة والجماعة.

فأهل السُّنة هم المتبعون للسُّنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين وسلف الأمة الإسلامية الآخذين بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، فالسنة هي الطريقة الموصلة إلى الدين، و«الجماعة»: مجموعة المسلمين المجتمعين على هذه السنة وعلى إمام واحد، المتفقون على قول واحد في أصول الاعتقاد، على اختلاف مناهجهم ومذاهبهم الفقهية، والمعنى: أن الدين هو الطاعة والانقياد لله ولرسوله، قال تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، والسنة هي الطريق الموصل إلى الدين، والاتفاق على هذه السنة هي الجماعة، وأهل السنة هم الذين اتبعوا الطريقة النبوية والهدي النبوي، واعتصموا بالسنة النبوية والتزموا التأسي بما كان عليه رسول الله هو وأصحابه وما كان عليه الخلفاء الراشدون وما أجمع عليه الصحابة وأجمعت عليه الأمة، وسار على طريقتهم وطريقة الخلفاء الراشدين المشهود لهم بالهدى والرشاد، والذين اتبعوا سنة رسول الله وسنة الخلفاء من بعده هم أئمة الصحابة والتابعين ومن تبعهم وسار على طريقتهم واقتفى أثرهم بإحسان إلى يوم الدين، ولم يبتدع في الدين ما ليس منه.

وقد ثبت في صفة الفرقة الناجية: هم الذين كانوا على ما أنا عليه وأصحابي. ودلت الأحاديث الأخرى على أنهم المتبعون للسنة في مقابل أهل البدعة كالخوارج والقدرية وغيرهم، فإنهم أعرضوا عن السنة وطعنوا في الصحابة ولم يتعلموا منهم الشرع بل اتبعوا الأهواء، فكان أهل السنة يطلق على أهل الحديث والفقهاء من الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب الفقهية، وصار يطلق لفظ: أهل السنة على هؤلاء الأئمة من السلف، ومن سار على نهجهم من الخَلَف.

مفهوم كلمة السنة[عدل]

التعريف اللغوي[عدل]

Basmala White.png
Allah1.png

هذه المقالة جزء من سلسلة:
الإسلام

السُنَّة في اللغة الطريقة، وسَنَّة الله: أحكامه وأمره ونهيه كما ذكر عن اللحياني، وسننها الله للناس: بينها. وسن الله سنة أي: بين طريقا قويما، قال الله تعالى: ﴿سنة الله في الذين خلوا من قبل..﴾، نصب سنة الله على إرادة الفعل أي: سن الله ذلك في الذين نافقوا الأنبياء وأرجفوا بهم أن يقتلوا أين ثقفوا أي وجدوا.[4] والسُنَّة أيضا بمعنى: السيرة، حسنة كانت أو قبيحة، قال خالد بن عتبة الهذلي:

فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها فأول راض سنة من يسيرها

ويقال: سننتها سننَّا، وسننتها بمعنى: سرتها، وسنة الأولين سيرتهم وفي القرآن: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا.﴾ قال الزجاج: سنة الأولين أنهم عاينوا العذاب فطلب المشركون أن قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء. ويقال: سننت لكم سنة فاتبعوها أي: سيروا عليها، وفي الحديث: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ومن سن سنة سيئة..» يريد من عملها ليقتدى به فيها، وكل من ابتدأ أمرا عمل به قوم بعده، قيل: هو الذي سنه، قال نصيب:

كأني سننت الحب أول عاشق من الناس إذ أحببت من بينهم وحدي

وقد تكرر في الحديث ذكر كلمة: «السُنَّة» وما تصرف منها، والأصل فيه أنها بمعنى: الطريقة والسيرة، وقال ابن منظور: «وإذا أطلقت في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي Mohamed peace be upon him.svg، ونهى عنه وندب إليه قولا وفعلا مما لم ينطق به الكتاب العزيز؛ ولهذا يقال: في أدلة الشرع: الكتاب والسنة أي: القرآن والحديث».[4] ومما يدل على هذا حديث: «إنما أنسى لأسن» أي: إنما أدفع إلى النسيان لأسوق الناس بالهداية إلى الطريق المستقيم، وأبين لهم ما يحتاجون أن يفعلوا إذا عرض لهم النسيان، قال: ويجوز أن يكون من سننت الإبل إذا أحسنت رعيتها والقيام عليها، وفي الحديث: «أنه نزل المحصب ولم يسنه» أي: لم يجعله سنة يعمل بها، قال: وقد يفعل الشيء لسبب خاص فلا يعم غيره، وقد يفعل لمعنى فيزول ذلك المعنى ويبقى الفعل على حاله متبعا كقصر الصلاة في السفر للخوف، ثم استمر القصر مع عدم الخوف، ومنه حديث ابن عباس: «رمل رسول الله Mohamed peace be upon him.svg وليس بسنة» أي: أنه لم يسن فعله لكافة الأمة، ولكن لسبب خاص، وهو أن يري المشركين قوة أصحابه، وهذا مذهب ابن عباس، وأما غيره؛ فيرى أن الرمل في طواف القدوم سنة، وفي حديث محلم بن جثامة: «أسنن اليوم وغير غدا».[14] وفي الحديث: «إن أكبر الكبائر أن تقاتل أهل صفقتك وتبدل سنتك»: أراد بتبديل السنة: أن يرجع أعرابيا بعد هجرته، وفي الحديث: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» يعني: المجوس أي: خذوهم على طريقة أهل الكتاب وأجروهم في قبول الجزية مجراهم. وفي الحديث: «لا ينقض عهدهم عن سنة ماحل» أي: لا ينقض بسعي ساع بالنميمة والإفساد، كما يقال: لا أفسد ما بيني وبينك بمذاهب الأشرار وطرقهم في الفساد، والسنة الطريقة والسنن أيضا، وفي الحديث: «ألا رجل يرد عنا من سنن هؤلاء». قال في التهذيب: السنة الطريقة المحمودة المستقيمة، ولذلك قيل: فلان من أهل السنة، معناه: من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة، وهي مأخوذة من السنن وهو الطريق. قال أبو عبيد: سنن الطريق وسننه محجته، وتنح عن سنن الجبل أي عن وجهه، وقال الجوهري: السنن الطريقة يقال: استقام فلان على سنن واحد.[4]

قال الآمدي: السنة في اللغة: الطريقة، فسنة كل أحد ما عهدت منه المحافظة عليه والإكثار منه، سواء كان ذلك من الأمور الحميدة أو غيرها.[15] قال في شرح الكوكب المنير: «ومنه قوله Mohamed peace be upon him.svg: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها.. الحديث» وتسمى بها أيضا: العادة والسيرة، قال في البدر المنير: السنة السيرة حميدة كانت أو ذميمة، وقال في القاموس: السنة السيرة، ومن الله تعالى حكمه وأمره ونهيه.[16]

بالمعنى الشرعي[عدل]

تطلق «السُنَّة» في الشرع لمعان متعددة، فقد تطلق على: «ما كان من العبادات نافلة منقولة عن النبي عليه السلام»، وتطلق في اصطلاح أهل الشرع تارة على ما يقابل القرآن، ومنه حديث مسلم: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة». وتطلق تارة على المندوب أو المستحب الذي يقابل الفرض وغيره من الأحكام الخمسة. وتطلق تارة على ما يقابل البدعة. قال تقي الدين الفتوحي: «واحترز بقوله: «اصطلاحا» من السنة في العرف الشرعي العام، فإنها تطلق على ما هو أعم من المنقول عن النبي Mohamed peace be upon him.svg وعن الصحابة والتابعين؛ لأنها في اصطلاح علماء الأصول: «قول النبي Mohamed peace be upon him.svg غير الوحي» أي: غير القرآن».[16] وقد تطلق على ما صدر عن الرسول من الأدلة الشرعية مما ليس بمتلو، ولا هو معجز ولا داخل في المعجز، وهذا النوع هو المقصود بالبيان في علم أصول الفقه. قال سيف الدين الآمدي: «ويدخل في ذلك أقوال النبي عليه السلام، وأفعاله وتقاريره». والأقوال تشمل الأمر والنهي والتخيير والخبر وجهات دلالتها ضمن الأدلة المنقولة الشرعية.[15] قال تقي الدين الفتوحي: «والمراد من أقوال النبي Mohamed peace be upon him.svg وأفعاله: ما لم يكن على وجه الإعجاز». وقال أيضا: «السنة شرعا واصطلاحا: «قول النبي Mohamed peace be upon him.svg وفعله وإقراره على الشيء»، يقال أو يفعل، فإذا سمع النبي Mohamed peace be upon him.svg إنسانا يقول شيئا، أو رآه يفعل شيئا فأقره عليه فهو من السنة قطعا».[16]

تستعمل كلمة: «السنة» في العرف الشرعي العام بمعنى الطريقة، قال ابن حجر: «قوله ‹هذه السنة‏›:‏ أشار إلى طريقة النبي Mohamed peace be upon him.svg إشارة نوعية لا شخصية».[6][7] قال في عون المعبود على قوله: السنة: أي سنة النبي Mohamed peace be upon him.svg وطريقته. ولزوم السنة بإذن الله عصمة من الضلالة والمهلكات وعذاب الله تعالى ونقمته.[8] وقوله: «سنة النبي Mohamed peace be upon him.svg وطريقته» تعريف للسنة بمعناها الأعم الذي لا يقتصر على الحديث النبوي، فهو بمعنى: الطريقة النبوية والهدي النبوي بعمومه، وما يدخل ضمن ذلك من سنة الخلفاء الراشدين والأئمة المجتهدين، و«أهل السنة والجماعة» هم المجتمعون على هذه السنة نسبة للطريقة النبوية بوجة عام، فلا يقتصر على أهل الحديث في مقابل فقهاء أهل الرأي مثلا، ولا يقصد به علماء الحديث فقط في مقابل علماء التفسير مثلا، بل المعنى أشمل من ذلك في اتباع السنة أي: الطريقة النبوية الشاملة لكل ما جاء به الرسول من عند الله جملة وتفصيلا، فتكون كلمة: «السنة» شاملة لما جاء به رسول الله مما تلقاه بالوحي وهو القرآن والحديث الذي هو أقواله وأفعاله وتقريراته وما بينه لأمته وسنه لهم وعلهمهم إياه وأرشدهم إليه، فالسنة الهدي النبوي ومنهاج الطريق المستقيم لدين الإسلام الذي هو دين الله الذي ارتضاه لخلقه، فالدين كله لله وحده لا شريك له، والرسول إنما هو مبلغ لهذا الدين ومبين له، وهو الذي أرشد الخلق لدين الإسلام ووضح لهم به طريق الحق، والصحابة والتابعون ومن تبعهم هم الذين نقلوا هذا الدين وساروا على الطريقة النبوية فهم بذلك تابعون لهذه السنة هم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

والسنة عند أئمة السلف الصالح هي العلم في الدين، قال ابن حجر العسقلاني: قال الأوزاعي: «العلم ما جاء عن أصحاب رسول الله Mohamed peace be upon him.svg وما لم يجئ عنهم فليس بعلم». وأخرج أبو عبيد ويعقوب بن شيبة عن ابن مسعود قال: «لا يزال الناس مشتملين بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد Mohamed peace be upon him.svg وأكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم وتفرقت أهواؤهم هلكوا». وقال أبو عبيدة معناه أن كل ما جاء عن الصحابة وكبار التابعين لهم بإحسان هو العلم الموروث، وما أحدثه من جاء بعدهم هو المذموم، وكان السلف يفرقون بين العلم والرأي فيقولون للسنة علم ولما عداها رأي. وعن أحمد: «يؤخذ العلم عن النبي Mohamed peace be upon him.svg ثم عن الصحابة، فإن لم يكن فهو في التابعين مخير». وعنه: «ما جاء عن الخلفاء الراشدين فهو من السنة وما جاء عن غيرهم من الصحابة ممن قال إنه سنة لم أدفعه». وعن ابن المبارك: «ليكن المعتمد عليه الأثر وخذوا من الرأي ما يفسر لكم الخبر». قال ابن حجر: والحاصل أن الرأي إن كان مستندا للنقل من الكتاب أو السنة فهو محمود وإن تجرد عن علم فهو مذموم، وعليه يدل حديث عبد الله بن عمرو المذكور، فإنه ذكر بعد فقد العلم أن الجهال يفتون برأيهم.[17]

السنة النبوية[عدل]

أهميتها ومكانتها في الشرع[عدل]

السنة كما عرفها العلماء بأنها: "سنة رسول الله Mohamed peace be upon him.svg وطريقته"،[6][8] وهي في عرف الشرع لا تقتصر على الحديث، وفي علم أصول الفقه يراد بها غير القرآن، حيث تعد الأصل الثاني من أصول أدلة الفقه، فالقرآن كتاب الله، وسنة رسوله بيانه، والشرع: ما شرعه الله على لسان نبيه من أحكام، ومن الكتاب آيات الأحكام، ومن السنة أحاديث الأحكام، ومن الأحكام الشرعية ما ثبت بنص الكتاب، ومنها ما ثبت بنص السنة، وفي الحديث: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" أي: السنة، ومن الأحكام الشرعية ما ثبت بالسنة ولم يكن مذكورا في الكتاب، مثل: عدد ركعات الصلوات الخمس وكيفية الصلاة ومواقيتها وأحكامها، وزكاة الفطر وصلاة النفل وصوم التطوع، وغير ذلك مما لم يعلم إلا بطريق السنه. وقد أمر الله بطاعته وطاعة رسوله واتباعه السنة في كل ما جاء عنه على وجه الانقياد والسمع والطاعة والامتثال والإذعان، فقد أرسله الله هاديا ومبشرا ونذيرا، وألزم عباده بطاعة رسوله فطاعته من طاعة الله قال تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ..الآية وقال الله تعالى: ﴿وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ وقال تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ وقال تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ وقال تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾ وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ..الآية، وقال تعالى: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ..الآية، وقال تعالى: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا﴾، وقال الله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ..الآية، والآيات في هذا كثيرة. وفي الحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به».

اتباع السنة يعني اتباع الرسول وطاعته واحترامه فذلك هو من الدين، وقد أمر الله الملائكة بالسجود لآدم سجود تحية واحترام؛ لأن سجود العبادة لا يكون إلا لله وحده لا شريك له، وهذه التحية تدل على امتثال الأمر لمن استخلفه الله. فالدين طاعة لله ولمن أمر الله بطاعته، وقد رفع الله شأن نبيه حيث صلى عليه هو وملائكته وأمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه، وجعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وقال تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾، وأثنى عليه بقوله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾، وكل ما هو من هذا القبيل إنما يدل على تأكيد محبة رسوله وحسن المتابعة له والتأسي به، كما أن الاتباع لا يكون إلا باحترام رسول الله والتأدب معه حيا وميتا، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾.[18]. قال الطبري في تفسير الآية: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت رسول الله تتجهمونه بالكلام وتغلظون له في الخطاب، ولا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضا، فذلك محبط للعمل، ولا تنادوه نداء، ولكن قولا لينا: يا رسول الله.[19] فالاحترام للرسول طاعة لله، وقد نهى الله عن مناداته بصوت مرتفع وضجيج، وهكذا يكون الحال بالتأدب وترك الضجيج عند سماع حديثه.

وقد أوجب الله اتباع الرسول فيما حكم به وفيما بينه لأمته من الأحكام والرضى والتسليم به، وفي الصحيحين وغيرهما قول ذي الخويصرة (رأس الخوارج): يا محمد اعدل، وهو اتهام صريح للرسول بأنه لا يعدل في القسمة، وقد استؤذن رسول الله بقتله فلم يفعل؛ تألفا لمن قرب عهده بالإسلام، ودفعا للشبهة فقد بين الرسول سبب الحكم بقوله: إنما أتألفهم، أي: أنه أعطى من أعطى من المال بصفتهم من المؤلفة قلوبهم، وقد أمر الله بإعطائهم، وهذا الاعتراض على حكم رسول الله يمثل نموذجا للخروج عن الحق، ففي الحديث أنه سيخرج من جنس هذا الرجل قوم صفتهم كذا وكذا وهم الخوارج.

وعن أم سلمة: أن الزبير بن العوام خاصم رجلا فقضى رسول الله Mohamed peace be upon him.svg للزبير، فقال الرجل: إنما قضى له أنه ابن عمته، فأنزل الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون ..الآية.[20] والمعنى: لا يصدقون بي وبك وبما أنزل إليك حتى يجعلوك حكما فيما اختلط بينهم من أمورهم، ولا يكون في أنفسهم شك مما حكمت به، ويسلموا لحكمك تسليما لا شك فيه.[21] اتفق أهل السنة والجماعة على حتمية الأخذ بكل ما أتى به الرسول والقبول به والتسليم، وأن الحديث النبوي دليل شرعي هو الأصل الثاني من أصول أدلة الشرع، واهتموا بنقل الحديث وروايته منذ بداية التاريخ الإسلامي، ودونوه في كتب الحديث، واعتبروا أن عدم الأخذ بالسنة أو الإعراض عنها هو الضلال بعينه، وبالمقابل فإن الخوارج والفرق المتفرعة منها أخذوا بظواهر نصوص القرآن وأعرضوا عن السنة، ومن ثم أطلقوا على أنفسهم أهل القرآن، ثم اختلفت أهواؤهم في إهمال السنة، فمنهم من أنكر السنة إجمالا وتكلفوا القول بأهوائهم فيما لم يدل عليه القرآن، ومنهم من لا يأخذ إلا بالمتواتر من السنة، أو يأخذ ببعض ويترك البعض، ومنهم من لا يصرح بإنكار السنة إلا أنه ينكر الأدلة الشرعية بطريق التدليس والمغالطة، وغالب هذا في فلسفة المعت زلة ومن وافقهم في تقديم العقل على نص الشرع، ومن أمثلة ذلك: أنكار حد الرجم بحجة أنه لا نص عليه في القرآن، أو بحجة أن العقل يأباه فقدموا العقل ونبذوا نصوص السنة ورآء ظهورهم، وأيضا مثل: الخروج على ولاة الأمر، فإن الخارجي أو المعت زلي يؤمن بطاعة ولاة الأمر ويقولون بعدم جواز الخروج على الحكام، وإذا ما رأت عقولهم أن يخرجوا على حكامهم عملوا بأهوائهم فاستباحوا الخروج وتركوا النصوص المتواترة في تحريم الخروج، وللتخلص مما فعلوه يتأولون النصوص بما يوافق أهوائهم، وعلى كل الأحوال فإن المقصود من السنة هنا هو ما يكون مقابل الأهواء المعارضة للسنة. وجاء في الحديث: «عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله Mohamed peace be upon him.svg أنه قال: ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه».[22] قوله: «رجل شبعان»: هو كناية عن البلادة وسوء الفهم الناشئ عن الشبع أو عن الحماقة اللازمة للتنعم والغرور بالمال والجاه. «على أريكته»: أي سريره المزين بالحلل والأثواب، وأراد بهذه الصفة أصحاب الترفه والدعة الذين لزموا البيوت ولم يطلبوا العلم من مظانه. قال الخطابي: «في الحديث دليل على أن لا حاجة بالحديث أن يعرض على الكتاب وأنه مهما ثبت عن رسول الله Mohamed peace be upon him.svg شيء كان حجة بنفسه، فأما ما رواه بعضهم أنه قال إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه فإنه حديث باطل لا أصل له». وقد حكى زكريا الساجي عن يحيى بن معين أنه قال هذا حديث وضعته الزنادقة.[23] وفي رواية: «عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه».[23]

ومخالفة السنة سبب للعقاب في الآخرة، روى البخاري في صحيحه: «عن أبي هريرة أن رسول الله Mohamed peace be upon him.svg قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا يا رسول الله ومن يأبى قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى"».[24] ومعنى: «كل أمتي»: جميع الأمة المحمدية، «يدخل الجنة إلا من أبى» أي: امتنع، فقالوا: ومن يأبى من دخول الجنة؟ قال ابن حجر: «فبين لهم أن إسناد الامتناع إليهم عن الدخول مجاز عن الامتناع عن سنته وهو عصيان الرسول Mohamed peace be upon him.svg». وفي رواية: «من أطاعني فقد أطاع الله»، وفي رواية: «لتدخلن الجنة إلا من أبى وشرد على الله شراد البعير».[25] قال ابن حجر: «والموصوف بالإباء وهو الامتناع إن كان كافرا فهو لا يدخل الجنة أصلا، وإن كان مسلما فالمراد منعه من دخولها مع أول داخل إلا من شاء الله تعالى». وإلى هذا المعنى أشار بدر الدين العيني فقال: «قوله: «إلا من أبى» أي: امتنع عن قبول الدعوة، أو عن امتثال الأمر، فإن قلت: العاصي يدخل الجنة أيضا إذ لا يبقى مخلدا في النار قلت: يعني لا يدخل في أول الحال أو المراد بالإباء الامتناع عن الإسلام».[26] فعصيان الرسول قد يكون بمعنى عدم قبول دعوته، وقد يكون بمعنى مخالفته وعصيان أمره، ودخول النار عقوبة فلا تستلزم الخروج عن الملة، وإنما تكون العقوبة في الآخرة لمن استبدوا بأهوائهم المضلة في معارضة النص، وتركوا السنة في مقابل اتباع الأهواء. عن ابن أبي مليكة قال: قالت أسماء: «عن النبي Mohamed peace be upon him.svg قال: "أنا على حوضي أنتظر من يرد علي فيؤخذ بناس من دوني فأقول أمتي فيقال لا تدري مشوا على القهقرى"» قال ابن أبي مليكة اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن.[27] والذي ورد في مثل هذا الحديث محمول على ترك السنة في مقابل اتباع الأهواء المضلة.[28]

«عن سعيد بن المسيب قال: قال أنس بن مالك: قال لي رسول الله Mohamed peace be upon him.svg: «يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل، ثم قال لي: يا بني وذلك من سنتي، ومن أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة». وفي الحديث قصة طويلة».[29] و«عن كثير بن عبد الله -هو ابن عمرو بن عوف المزني- عن أبيه عن جده أن النبي Mohamed peace be upon him.svg قال لبلال بن الحارث: اعلم، قال: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: اعلم يا بلال، قال: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: إنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي؛ فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئاً».[30]

اتباع السنة[عدل]

اتباع السنة هو المتابعة والاقتداء والتأسي بسنة رسول الله وطريقته ومنهجه بالمفهوم الأوسع الذي لا يقتصر على الحديث، بل اقتفاء أثره وسنته وكل ما هو داخل ضمن سنته مما أمر باتباعه، فسنة الخلفاء الراشدين من بعده وما اجتهدوا فيه هو من سنته، والاتباع هو الرجوع إلى سنة رسول الله التي فيها بيان جميع الأحكام، وهي المجحة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك. قال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ..الآية. أي: أن تتأسوا به وتكونوا معه حيث كان، ولا تتخلفوا عنه. قال ابن جرير: «وهذا عتاب من الله للمتخلفين عن رسول الله Mohamed peace be upon him.svg وعسكره بالمدينة من المؤمنين به، فإن من يرجو ثواب الله ورحمته في الآخرة لا يرغب بنفسه ولا عن مكان هو به، ولكنه تكون له به أسوة في أن يكون معه حيث يكون هو.[31] قال عمر بن عبد العزيز لما سئل عن القدر: "فعليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة" قال في عون المعبود: لزوم السنة: أي سنة النبي Mohamed peace be upon him.svg وطريقته، (فإنها): أي السنة أي لزومها (لك بإذن الله عصمة): من الضلالة والمهلكات وعذاب الله تعالى ونقمته.[8]

أخرج الترمذي في سننه: «عن العرباض بن سارية قال وعظنا رسول الله Mohamed peace be upon him.svg يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله! قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي فإنه من يعش منكم؛ يرى اختلافا كثيرا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ»».[32] وأخرجه الحاكم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي..».[33][34] وفي هذا الحديث دلالة على خصائص النبوة بما تضمن من جوامع الكلم، وفيه معجزة دالة على صدق النبوة في الإخبار بما سيكون من اختلاف الأهواء المضلة التي يكون الناس بسببها شيعا متفرقة لا ينتظم شملهم بالإسلام، وإخبار الصحابة بأن من يعش منهم؛ فسيرى اختلافا كثيرا في الدين بظهور المحدثات في الدين والتي هي ليست من الدين في شيء، وإنما هي اتباع للأهواء بسبب ترك السنة، واستبداد بالرأي في معارضة النص، وهذه المحدثات هي التي يحدث بسببها العداوة بين المسلمين والتفرق عن الجماعة والخروج على الحكام، وقد حدثت كل هذه البدع بدء بظهور فتنة الخوارج ثم الفرق الأخرى، وكلها تستأثر اتباع الهوى في معارضة الحق بالإعراض عن اتباع السنة. وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: «إن رسول الله Mohamed peace be upon him.svg كان يتخولنا بالموعظة كراهة السآمة علينا».[35]

وقد تضمن الحديث جملة من التعاليم الدينية منها: الوصية بتقوى الله، والسمع والطاعة لولاة الأمور وعدم الخروج عليهم، ويدل عليه أيضا حديث:«ما لم تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان». قال الخطابي: يريد به طاعة من ولاه الإمام عليكم وإن كان عبدا حبشيا. وقوله: «وإياكم ومحدثات الأمور...»، وفي رواية أبي داود: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»، والمقصود بالبدعة بمعناها الشرعي، والتي لا تكون إلا ضلالة، قال الحسن: «اتقوا هذه الأهواء فإن جماعها الضلالة وميعادها النار».[36] قال ابن رجب الحنبلي: فيه تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة وأكد ذلك بقوله: كل بدعة ضلالة، والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة. وما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع؛ فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه في التراويح: نعمت البدعة هذه، وروي عنه أنه قال: إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة، ومن ذلك أذان الجمعة الأول زاده عثمان لحاجة الناس إليه وأقره علي واستمر عمل المسلمين عليه، وروي عن ابن عمر أنه قال: هو بدعة، ولعله أراد ما أراد أبوه في التراويح، انتهى ملخصا. ومعنى الحديث: فمن أدرك ذلك أي: زمن الاختلاف الكثير؛ فعليه بسنتي أي: فليلزم سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فإنهم لم يعملوا إلا بسنتي فالإضافة إليهم إما لعملهم بها أو لاستنباطهم واختيارهم إياها، قاله القاري.

وقد ثبت في الحديث الأمر بلزوم السنة والجماعة وإمامهم والأمر بالسمع والطاعة لولاة الأمر، والأدلة الواردة في هذا الصدد كلها جاءت في معرض الإخبار بما سيكون من اختلاف وتفرق في الدين، وأن أهل الكتاب افترقوا وستفترق الأمة، وقد تحقق ذلك بظهور الفرق، وفي الحديث: من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا. وفي رواية: ستكون أمور تنكرونها،[37] أي: في الدين مما استحدثته الفرق الضالة، وفي الحديث: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم».[38] وقد جاء في الحديث الأمر بمتابعة الطريقة التي كان عليها رسول الله هو والصحابة، واتباعها والأخذ بها قولا وعملا، ويدل على ذلك حديث: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي..».[33]

وقال الشوكاني: «فالسنة هي الطريقة فكأنه قال: الزموا طريقتي وطريقة الخلفاء الراشدين، وقد كانت طريقتهم هي نفس طريقته، فإنهم أشد الناس حرصا عليها وعملا بها في كل شيء، وعلى كل حال كانوا يتوقون مخالفته في أصغر الأمور فضلا عن أكبرها، وكانوا إذا أعوزهم الدليل من كتاب الله وسنة رسوله Mohamed peace be upon him.svg؛ عملوا بما يظهر لهم من الرأي بعد الفحص والبحث والتشاور والتدبر، وهذا الرأي عند عدم الدليل هو أيضا من سنته لما دل عليه حديث معاذ لما قال له رسول الله Mohamed peace be upon him.svg: بم تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد قال: فبسنة رسول الله قال: فإن لم تجد قال: أجتهد رأيي قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله أو كما قال..».[39] فإن ما عملوا فيه بالرأي هو من سنته، وقد حث على اتباعهم؛ تأكيدا لمن بعدهم لئلا يتوهم أحد أنهم مخالفون لهديه، وسنة الخلفاء الراشدين هي نفس السنة النبوية ولا تخرج عنها.[40]

قال ابن حجر العسقلاني: والمحدثات بفتح الدال جمع محدثة والمراد بها ما أحدث، وليس له أصل في الشرع ويسمى في عرف الشرع: «بدعة» وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة سواء كان محمودا أو مذموما، وكذا القول في المحدثة وفي الأمر المحدث الذي ورد في حديث عائشة: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».[41] وحديث العرباض في المعنى قريب من حديث عائشة المشار إليه وهو من جوامع الكلم. يدل على أن المحدث يسمى بدعة، والمراد بقوله: «كل بدعة ضلالة» ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام.[41] وقال ابن حجر أيضا: وقسم بعض العلماء البدعة إلى الأحكام الخمسة وهو واضح، وثبت عن ابن مسعود أنه قال: «قد أصبحتم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول».[41] قال الشافعي: «البدعة بدعتان: محمودة ومذمومة، فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم».[41][42] وقال الشافعي أيضا: «المحدثات ضربان: ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة».[41][43] فمما حدث تدوين الحديث ثم تفسير القرآن ثم تدوين المسائل الفقهية المولدة عن الرأي المحض ثم تدوين ما يتعلق بأعمال القلوب. ومما حدث الخوض في المتشابهات والأغاليط في مسائل العقيدة، وقد اشتد إنكار السلف على ذلك، قال ابن حجر العسقلاني: «وثبت عن مالك: أنه لم يكن في عهد النبي Mohamed peace be upon him.svg وأبي بكر وعمر شيء من الأهواء -يعني بدع الخوارج والروافض والقدرية-» وقال أيضا: «واشتد إنكار السلف لذلك كأبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي، وكلامهم في ذم أهل الكلام مشهور، وسببه أنهم تكلموا فيما سكت عنه النبي Mohamed peace be upon him.svg وأصحابه».[41] وقسم العز بن عبد السلام البدعة خمسة أقسام: واجبة ومحرمة ومندوبة ومباحة ومكروهة.[41]

والبدعة التي توصف بكونها ضلالة هي التي تكون في الدين باستحداث ما ليس منه مثل: ابتداع النصارى القول بالتثليث، ومثل: ابتداع المجسمة فتنة التجسيم ومثل: بدع الباطنية وغيرها من البدع الموعود مبتدعها بالنار وإن لم يخرج ببدعته عن الملة إذ المقصود العقوبة على البدعة. أما ما كان له أصل من الدين أو ما هو قبيل السنة الحسنة؛ فلا يكون من البدع المنهي عنها فقد ورد في الحديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء».[44] وفي رواية أخرى لمسلم بلفظ: و«من دعا إلى الهدى..» و«من دعا إلى الضلالة..». قال النووي: هذان الحديثان صريحان في الحث على استحباب سن الأمور الحسنة، وتحريم سن الأمور السيئة. وقال النووي: «قوله Mohamed peace be upon him.svg: «فعمل بها بعده» معناه: إن سنها سواء كان العمل في حياته أو بعد موته. والله أعلم».[44]

اتباع سنة الخلفاء الراشدين[عدل]

الخلفاء الراشدون هم الذين اتبعوا الطريقة النبوية والهدي النبوي قولا وفعلا، وجاء الأمر باتباع هديهم وطريقتهم في حديث: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» ومعناه إلزموا طريقتي وطريقة الخلفاء الراشدين المشهود لهم بالهدى والرشاد وهم المقتفون لأثره المتبعون لسنتة المهتدون بهديه، وسبب ذلك أنه اختص بكونه رسول الله المبعوث للعالمين وخاتم الانبياء والرسل، فكان الخلفاء الراشدون من بعده حملة العلم المبلغون عنه مثلهم كمثل الأنبياء والمرسلين في الأمم السابقة في تبلغ دين الله للناس، قال تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا﴾ والمقصود بـالخلفاء في هذا الحديث الأئمة المجتهدون الفقهاء في الدين، الذين اختصوا بعلم الكتاب والسنة رواية ودراية، وهم الخلفاء الأربعة الأوائل أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، ويتضمن الأمر باتباع سنة الخلفاء اتباع أئمة الصحابة في الدين علماء الشريعة، فالعلماء ورثة الأنبياء والرسل، يخلفونهم من بعدهم في أخذ العلم عنهم، وفي الحديث: «كان بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبي قام بعده نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فيكثرون».[45] قال الأوزاعي: «العلم ما جاء عن أصحاب رسول الله Mohamed peace be upon him.svg وما لم يجئ عنهم فليس بعلم». وعن ابن مسعود قال: «لا يزال الناس مشتملين بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد Mohamed peace be upon him.svg وأكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم وتفرقت أهواؤهم هلكوا». وقال أبو عبيدة معناه: أن كل ما جاء عن الصحابة وكبار التابعين لهم بإحسان هو العلم الموروث، وما أحدثه من جاء بعدهم هو المذموم، وكان السلف يفرقون بين العلم والرأي فيقولون للسنة علم ولما عداها رأي. وعن أحمد: «يؤخذ العلم عن النبي Mohamed peace be upon him.svg ثم عن الصحابة، فإن لم يكن فهو في التابعين مخير». وعنه: «ما جاء عن الخلفاء الراشدين فهو من السنة وما جاء عن غيرهم من الصحابة ممن قال إنه سنة لم أدفعه». وعن ابن المبارك: «ليكن المعتمد عليه الأثر، وخذوا من الرأي ما يفسر لكم الخبر». قال ابن حجر العسقلاني: والحاصل: أن الرأي إن كان مستندا للنقل من الكتاب أو السنة فهو محمود، وإن تجرد عن علم فهو مذموم، وعليه يدل حديث عبد الله بن عمرو المذكور، فإنه ذكر بعد فقد العلم أن الجهال يفتون برأيهم.[17]

«عن يحيى بن أبي المطاع قال سمعت العرباض بن سارية يقول: قام فينا رسول الله Mohamed peace be upon him.svg ذات يوم فوعظنا موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقيل يا رسول الله وعظتنا موعظة مودع فاعهد إلينا بعهد فقال: «عليكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا، وسترون من بعدي اختلافا شديدا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات فإن كل بدعة ضلالة.»» في الحديث: الأمر بالسمع والطاعة لولاة الأمور وإن كان المولى عليهم عبد حبشي مبالغة في وجوب لزوم الطاعة، وعدم جواز الخروج على ولاة الأمر ما لم يأمروكم بكفر بواح عندكم فيه من الله برهان. وقوله: «وسترون من بعدي اختلافا..» بمنزلة التعليل للوصية بذلك أي: والسمع والطاعة مما يدفع الخلاف الشديد فهو خير وعند ذلك «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» قيل هم الخلفاء الأربعة، وقيل: هم أهل العلم بالكتاب والسنة ومما يدل عليه حديث: «وعن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال: قال رسول الله Mohamed peace be upon him.svg: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"». رواه البيهقي.[46] قال السندي: قوله: «وسنة الخلفاء إلخ» قيل: هم الأربعة رضي الله عنهم وقيل: بل هم ومن سار سيرتهم من أئمة الإسلام المجتهدين في الأحكام فإنهم خلفاء الرسول عليه الصلاة والسلام في إعلاء الحق وإحياء الدين وإرشاد الخلق إلى الصراط المستقيم. وقوله: «عضوا عليها بالنواجذ» بالذال المعجمة وهي الأضراس قيل: أراد به الجد في لزوم السنة كفعل من أمسك الشيء بين أضراسه وعض عليه منعا من أن ينتزع أو الصبر على ما يصيب من التعب في ذات الله كما يفعل المتألم بالوجع يصيبه قوله: «والأمور المحدثات» قيل: أريد بها ما ليس له أصل في الدين، قال السندي: «وأما الأمور الموافقة لأصول الدين فغير داخلة فيها، وإن أحدثت بعده Mohamed peace be upon him.svg قلت: هو الموافق لقوله وسنة الخلفاء فليتأمل».[47]

«عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي أنه سمع العرباض بن سارية يقول وعظنا رسول الله Mohamed peace be upon him.svg موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقلنا يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا قال: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد»».[48]

قال السندي: قوله: «على البيضاء» أي الملة والحجة الواضحة التي لا تقبل الشبه أصلا فصار حال إيراد الشبه عليها كحال كشف الشبه عنها ودفعها وإليه الإشارة بقوله: ليلها كنهارها قوله: «فإنما المؤمن» أي: شأن المؤمن ترك التكبر والتزام التواضع فيكون كالجمل الأنف ككنف أي بلا مد وكصاحب أي: بالمد والأول أصح وأفصح أي: الذي جعل الزمام في أنفه فيجره من يشاء من صغير وكبير إلى حيث يشاء حيثما قيد أي سيق والله أعلم.[49]

فالدين لله، وخلفاء الله في الأرض هم الأنبياء والرسل ثم خلفاؤهم من بعدهم علماء الدين الذين أخذوا عنهم ونقلوا طريقتهم، وقد استخلف الله ءادم في الأرض وجعل الخلافة في الأنبياء والرسل ثم علماء الدين من بعدهم، وفي الحديث: «اللهم ارحم خلفائي من بعدي» والمقصود بهم أئمة الدين وحملة العلم الذين اتبعوا سنته، وفي الحديث: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله...» ودلت الأحاديث على وجوب نقل العلم وسماع الحديث ومكانة حامليه، ووجوب اتباع سنة الخلفاء الراشدين؛ لأن الرسول مبلغ عن الله وطريقه هي التي توصل إلى الحق، ولا سبيل للوصول إلى الحق من بعده إلا باتباع علماء الدين من الصحابة الذين نقلوا عنه الدين واتبعوه في كل ما جاء به من عند الله، وهكذا لا يكون الوصول الحق من بعدهم إلا باتباع طريقة الخلفاء الراشدين ولزوم جماعتهم، فهم مجتمعون على السنة والخروج عن جماعتهم خروج عن السنة، وتفريق كلمة المسلمين، ويظهر هذا في أول بدعة ظهرت في الإسلام وهي فتنة الخوارج ومن سار على طريقتهم في الخروج عن الجماعة ومخالفة السنة وترك العمل بها، ومخالفة روايات الصحابة ونبذ اجتهاداتهم وإجماعهم والخروج عليهم والاستبداد بالرأي والخروج عن جماعة المسلمين واحتقار علماء المسلمين وأئمتهم ودعوة الناس لمنابذبتهم والتطاول عليهم والانتقاص من قدرهم والقدح والتشكيك فيهم، وهذه الأساليب تؤدي إلى إعراض الناس عن علمائهم فلا يأخذون عنهم العلم ويقودهم ذلك إلى اتباع الأهواء. قال ابن سيده: والجماع ما جمع عددا وقال الحسن: «اتقوا هذه الأهواء التي جماعها الضلالة وميعادها النار».[50]

مفهوم الجماعة[عدل]

معنى الجماعة[عدل]

الجَماعة في اللغة المجتمعون على الشيء، وجمع الشيء عن تفرقة،[51] والجَماعة هم جماعة المسلمين عموما، وظهرت هذه التسمية في تاريخ الإسلام بسبب ظهور الفِرق المنشقة عن جماعة المسلمين المخالفة لهم في أصول الاعتقاد، وأصل الكلمة لإفادة معنى الاجتماع في مقابل الافتراق، فلا تقتصر كلمة الجماعة على فرقة في مقابل أخرى، فالمسلمون كلهم كالجسد الواحد، ربهم واحد ونبيهم واحد ودينهم واحد، وإنما وقع الخلاف بسبب اتباع الأهواء والقول في الدين بغير علم، وظهور الفِرق الضالة التي من شأنها في الابتداع أنها تجهل الحق، وتتسمى بسمة أهل الحق، كما فعل الخوارج حيث زعموا أن جماعتهم هي جماعة المسلمين، وجعلوا أخوة الإسلام مقصورة على الأخوة فيما بين جماعتهم. وكلمة: «الجماعة» في لفظ: «أهل السُنَّة والجماعة» تعني: جماعة إئمة المسلمين من الصحابة ومن سار على نهجهم على اتباع السنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، وكلهم مجتمعون على قول واحد في أصول الاعتقاد، وعلى طاعة ولاة الأمور، فالسنة هي الطريق الموصل إلى الملة، والجماعة هم المجتمعون على هذه السنة. ومعنى الجماعة راجع إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة، والاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة المذكور في الأحاديث الدالة على لزوم الجماعة.[52] قال بدر الدين العيني في بيان المراد بـ«الجماعة» في لفظ الحديث: «الجماعة التي أمر الشارع بلزومها هي جماعة العلماء؛ لأن الله عزّ وجل جعلهم حجة على خلقه، وإليهم تفزع العامة في دينها، وهم تبع لها، وهم المعنيون بقوله: «إن الله لن يجمع أمتي على ضلالة»».[53] قال الملا علي القاري: «سبيل الله وسط، ليس فيه تفريط ولا إفراط، بل فيه التوحيد والاستقامة ومراعاة الجانبين في الجادة، وسبل أهل البدع مائلة إلى الجوانب، وفيها تقصير وغلوٌّ وميل وانحراف وتعدد واختلاف».[54][55]

أمر الله بلزوم الجماعة،[56] فقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تفرقوا ..الآية، قال ابن عباس: معناه تمسكوا بدين الله، وقال ابن مسعود: هو الجماعة، وقال: «عليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر الله به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة». وقال مجاهد وعطاء: بعهد الله، وقال قتادة والسدي: هو القرآن، وقال مقاتل بن حيان: بحبل الله: أي بأمر الله وطاعته. وقال العيني: الكتاب والسنة.[57] ﴿ولا تفرقوا﴾ أي: لا تتفرقوا كما تفرق اليهود والنصارى.[58] ونهى الله المسلمين عن الفُرقة والتنازع لما يترتب على ذلك من الخذلان وذهاب القوة، قال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.[59] فالتنازع والافتراق في الدين يُصيِّر الأمة شيعا وأحزابا متفرقين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾،[60] وقال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.[61] وهذا هو التنازع المذموم الذي يكون سببا في تفريق كلمة الأمة الإسلامية، وخلق الافتراق بين المسلمين، وقطع الصلة فيما بينهم، وهو غير الخلاف المعتبر الذي يقع بين العلماء والمجتهدين في مسائل الفقه؛ فهذا لا يفسد للودِّ قضية.

جاء في فتاوى الأردن: «وما زال السواد الأعظم من أمة محمد Mohamed peace be upon him.svg عبر التاريخ الإسلامي كله متمسكين بمنهج أهل السنة والجماعة، لم يحد منهم إلا فرق عقائدية كثيرة الأسماء، ولكنها قليلة الأعداد، لم تخرج من الملة، ولكنها مالت نحو الغلو أو الهوى في تفسير الإسلام وتناول قضاياه». وفي الحديث: «إن أهل الكتابينِ افترقوا فِي دينهم على ثنتينِ وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة -يعني الأهواء- كُلُّها فِي النَّارِ إلا واحدة، وهي الجماعة».[62] وفي لفظ عند البيهقي وغيره: «كلها في النار إلا السواد الأعظم». وفي لفظ آخر: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي». وجاء عن لجنة الإفتاء الأردنية أيضا: «فإن قوله: «كلها في النار» لا يعني تكفيرها، بدليل وصفه لها بأنها «من أمته»، وإنما دليل على خطئها ومخالفتها الإسلام الوسطي المعتدل؛ فلا يجوز تكفيرها ما لم تناقض عقائد الإسلام القطعية، بل تُحاوَر بالعلم والعقل، وتُعامَل بالحسنى التي أمر الله بها. كما أن كثرة عدد تلك الفرق لا يعني أغلبيتها في الأمة، بل الأغلبية -وهم السواد الأعظم من العلماء وعامة المسلمين- متمسكون بما كان عليه النبي Mohamed peace be upon him.svg وأصحابه في أصول الاعتقاد والعمل.»[54]

وأصحاب المذاهب المعتبرة في أصول الدين هم مَن خلت أقوالهم من مختلف صنوف البدع: كالقول بـ«قِدَم العالم»، ونفي المعاد الجسماني، والجَبْر وهو نفي اختيار العباد فيما يفعلون، والقَدَر وهو نفي علم الله تعالى بما يقع من حوادث، والقول بأن العباد يخلقون أفعالهم، والرَّفْض وهو بغض أبي بكر وعمر والصحابة رضي الله عنهم، والنَّصْب وهو بغض علي رضي الله عنه وآل بيت النبي Mohamed peace be upon him.svg، والتجسيم والتشبيه، ووصف الله تعالى بصفات المخلوقين ولوازم ذلك من المحالات والنقائص، والتعطيل وهو نفي صفات الله تعالى مما اتفق أهل السنة على وجوب إثباتها لله تعالى، والخروج وهو مفارقة جماعة المسلمين وتكفيرهم وقتلهم.[54] قال ابن نجيم: «أصول الهوى ستةٌ: الجبر والقدر، والرفض والخروج، والتشبيه والتعطيل».[63]

وأصحاب المذاهب الفقهية المعتبرة في فروع الدين هم الذين يلتزمون بأصول الاجتهاد والاستدلال المستند إلى الأدلة المعتبرة؛ كالكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستحسان والاستصحاب والمصالح المرسلة، وتخلو مذاهبهم من شذوذ ومناقضة للنصوص الشرعية، كالأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وأتباعهم من العلماء المشهود لهم بالعلم والتمسك بنصوص الكتاب والسنة وما أجمع عليه العلماء فهمًا وعملاً.[54] وبناء على ما سبق، فقد تبيّنت سبيل الله تعالى ورسوله والمؤمنين عن سائر السبل، بالاستقامة والاعتدال والوسطية، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.[64]

بالمعنى الشرعي[عدل]

والجماعة بمعناها المستفاد من نصوص الشرع لخصها الشاطبي في خمسة أقوال وكلها متقاربة للتوصل منها بمجموعها على المعنى المقصود فقال: أحدها: أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام، فما كانوا عليه من أمر دينهم فهو الحق، ومن خالفهم مات ميتة جاهلية، سواء خالفهم في شيء من الشريعة أو في إمامهم وسلطانهم، فهو مخالف للحق، وممن قال بهذا أبو مسعود الأنصاري وابن مسعود، فروى أنه لما قتل عثمان سئل أبو مسعود الأنصاري عن الفتنة فقال: «عليك بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد Mohamed peace be upon him.svg على ضلالة، واصبر حتى تستريح أو يستراح من فاجر». وقال: «إياك والفرقة فإن الفرقة هي الضلالة». وقال «ابن مسعود عليكم بالسمع والطاعة فإنها حبل الله الذي أمر به، ثم قبض يده وقال: إن الذي تكرهون في الجماعة خير من الذين تحبون في الفرقة»، وعن الحسين قيل له: أبو بكر خليفة رسول الله Mohamed peace be upon him.svg؟ فقال: «أي والذي لا إله إلا هو، ما كان الله ليجمع أمة محمد على ضلالة». فعلى هذا القول يدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة العاملون بها، ومن سواهم داخلون في حكمهم، لأنهم تابعون لهم ومقتدون بهم، فكل من خرج عن جماعتهم فهم الذين شذوا وهم نهبة الشيطان ويدخل في هؤلاء جميع أهل البدع لأنهم مخالفون لمن تقدم من الأمة، لم يدخلوا في سوادهم بحال.[52]

والثاني: أنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين، فمن خرج مما عليه علماء الأمة مات ميتة جاهلية، لأن جماعة الله العلماء، جعلهم الله حجة على العالمين، وهم المعنيون بقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله لن يجمع أمتي على ضلالة»، وذلك أن العامة عنها تأخذ دينها، وإليها تفزع من النوازل، وهي تبع لها. فمعنى قوله: لن تجتمع أمتي لن يجتمع علماء أمتي على ضلالة، وممن قال بهذا عبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وجماعة من السلف وهو رأي الأصوليين، فقيل لـ عبد الله بن المبارك: من الجماعة الذين ينبغي أن يقتدى بهم؟ قال: أبو بكر وعمر -فلم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسين ابن واقد- فقيل: هؤلاء ماتوا: فمِن الأحياء؟ قال: أبو حمزة السكري، وعن المسيب بن رافع قال: كانوا إذا جاءهم شيء من القضاء ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله سموه ‹صوافي الأمراء› فجمعوا له أهل العلم، فما أجمع رأيهم عليه فهو الحق، وعن إسحاق بن راهويه نحو مما قال ابن المبارك. فعلى هذا القول لا مدخل في السؤال لمن ليس بعالم مجتهد، لأنه داخل في أهل التقليد، فمن عمل منهم بما يخالفهم فهو صاحب الميتة الجاهلية.[52]

والثالث: أن الجماعة هي الصحابة على الخصوص، فإنهم الذين أقاموا عماد الدين وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلا، وقد يمكن فيمن سواهم ذلك، وممن قال بهذا القول عمر بن عبد العزيز، فروى ابن وهب عن مالك قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول: «سن رسول الله Mohamed peace be upon him.svg وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيها، من اهتدى بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خافها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا» فقال مالك: فأعجبني عزم عمر على ذلك. وهذا القول فلفظ الجماعة مطابق للرواية الأخرى في قوله عليه الصلاة والسلام: ما أنا عليه وأصحابي فكأنه راجع إلى ما قالوه وما سنوه، وما اجتهدوا فيه حجة على الإطلاق، وبشهادة رسول الله Mohamed peace be upon him.svg لهم بذلك خصوصا في قوله: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» وأشباهه، أو لأنهم المتقلدون لكلام النبوة، المهتدون للشريعة، الذين فهموا أمر دين الله بالتلقي من نبيه مشافهة، على علم وبصيرة بمواطن التشريع وقرائن الأحوال، بخلاف غيرهم فإذاً كل ما سنوه فهو سنة من غير نظير فيه، بخلاف غيرهم، فإن فيه لأهل الاجتهاد مجالا للنظر ردا وقبولا، فأهل البدع إذاً غير داخلين في الجماعة قطعا على هذا القول.

والرابع: أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام، إذا أجمعوا على أمر فواجب على غيرهم من أهل الملل اتباعهم، وهم الذين ضمن الله لنبيه عليه الصلاة والسلام أن لا يجمعهم على ضلالة، فإن وقع بينهم اختلاف فواجب تعرف الصواب فيما اختلفوا فيه، قال الشافعي: «الجماعة لا تكون فيها غفلة عن معنى كتاب الله، ولا سنة ولا قياس، وإنما تكون الغفلة في الفرقة». وكأن هذا القول يرجع إلى الثاني وهو يقتضي أيضا ما يقتضيه، أو يرجع إلى القول الأول وهو الأظهر، وفيه من المعنى ما في الأول من أنه لابد من كون المجتهدين فيهم، وعند ذلك لا يكون مع اجتماعهم على هذا القول بدعة أصلا، فهم إذاً الفرقة الناجية.[52]

والخامس: ما اختاره الطبري الإمام من أن الجماعة جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير، فأمر عليه الصلاة والسلام بلزومه ونهى عن فراق الأمة فيما اجتمعوا عليه من تقديمه عليهم، لأن فراقهم لا يعدو إحدى حالتين، إما للنكير عليهم في طاعة أميرهم والطعن عليه في سيرته المرضية لغير موجب، بل بالتأويل في إحداث بدعة في الدين، كالحرورية التي أمرت الأمة بقتالها وسماها النبي Mohamed peace be upon him.svg مارقة من الدين، وإما لطلب إمارة من انعقاد البيعة لأمير الجماعة، فإنه نكث عهد ونقض عهد بعد وجوبه. وقد قال Mohamed peace be upon him.svg: من جاء إلى أمتي ليفرق جماعتهم فاضربوا عنقه كائنا من كان. قال الطبري: فهذا معنى الأمر بلزوم الجماعة، قال: وأما الجماعة التي إذا اجتمعت على الرضى بتقديم أمير كان المفارق لها ميتا ميتة جاهلية، فهي الجماعة التي وصفها أبو مسعود الأنصاري، وهم معظم الناس وكافتهم من أهل العلم والدين وغيرهم، وهم السواد الأعظم. قال: وقد بين ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فروي عن عمر بن ميمون الأودي قال: قال عمر حين طعن لصهيب: «صل بالناس ثلاثا وليدخل علي عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، وليدخل ابن عمر في جانب البيت وليس له من الأمر شيء، فقم يا صهيب على رؤوسهم بالسيف فإن بايع خمسة ونكص واحد فاجلد رأسه بالسيف، وإن بايع أربعة ونكص رجلان فاجلد رأسيهما حتى يستوثقوا على رجل»، قال: فالجماعة التي أمر رسول الله Mohamed peace be upon him.svg بلزومها وسمى المنفرد عنها مفارقا لها نظير الجماعة التي أوجب عمر الخلافة لمن اجتمعت عليه، وأمر صهيبا بضرب رأس المنفرد عنهم بالسيف، فهم في معنى كثرة العدد المجتمع على بيعته وقلة العدد المنفرد عنهم، قال: وأما الخبر الذي ذكر فيه أن لا تجتمع الأمة على ضلالة فمعناه: أن لا يجمعهم على إضلال الحق فيما نابهم من أمر دينهم حتى يضل جميعهم عن العلم ويخطئوه، وذلك لا يكون في الأمة. هذا تمام كلامه وهو منقول بالمعنى وتحر في أكثر اللفظ. وحاصله: أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة المذكور في الأحاديث المذكورة، كالخوارج ومن جرى مجراهم. انتهى كلام الشاطبي.[52]

[65]

لزوم الجماعة[عدل]

دلت نصوص الكتاب والسنة على وجوب لزوم جماعة المسلمين وطاعة ولاة الأمر، واتباع ما اجتمع عليه الصحابة وأمر الخلفاء الراشدين، والتأكيد على لزوم جماعتهم، والتحذير من اتباع الأهواء المضلة التي تؤدي إلى الخروج عن الجماعة، وفي الحديث: «عن حذيفة بن اليمان يقول كان الناس يسألون رسول الله Mohamed peace be upon him.svg عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم وفيه دخن»، قلت وما دخنه؟ قال: «قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر» قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر قال: «نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها» قلت يا رسول الله صفهم لنا قال: «هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا» قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك قال «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال «فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك»».[66] والمراد بالدعاة على أبواب جهنم من قام في طلب الملك من الخوارج وغيرهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله: الزم جماعة المسلمين وإمامهم، يعني ولو جار، ويوضح ذلك رواية أبي الأسود: «ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك». ومعنى: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» أي: ولي الأمر، زاد في رواية أبي الأسود: «تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك»، وكذا في رواية خالد بن سبيع عند الطبراني: «فإن رأيت خليفة فالزمه وإن ضرب ظهرك، فإن لم يكن خليفة فالهرب». وقوله: «ولو أن تعض بأصل شجرة..» هو كناية عن لزوم جماعة المسلمين وطاعة سلاطينهم ولو عصوا، وفي رواية عبد الرحمن بن قرط عن حذيفة عند ابن ماجه: «فلأن تموت وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم» أي: لا تتبع أحدا من أهل الأهواء الخارجين عن جماعة المسلمين وإمامهم. والجذل بكسر الجيم وسكون المعجمة بعدها لام عود ينصب لتحتك به الإبل. قال البيضاوي: المعنى إذا لم يكن في الأرض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على تحمل شدة الزمان، وعض أصل الشجرة كناية عن مكابدة المشقة كقولهم فلان يعض الحجارة من شدة الألم، أو المراد اللزوم كقوله في الحديث الآخر: عضوا عليها بالنواجذ. ويؤيد الأول قوله في الحديث الآخر: «فإن مت وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم». وقال ابن بطال: فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمة الجور، لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنهم: «دعاة على أبواب جهنم» ولم يقل فيهم: تعرف وتنكر كما قال في الأولين، وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق، وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة. قال الطبري: اختلف في هذا الأمر وفي الجماعة، فقال قوم: هو للوجوب والجماعة السواد الأعظم، ثم ساق عن محمد بن سيرين عن أبي مسعود أنه وصى من سأله لما قتل عثمان: «عليك بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة». وقال قوم: المراد بالجماعة الصحابة دون من بعدهم، وقال قوم: المراد بهم أهل العلم لأن الله جعلهم حجة على الخلق والناس تبع لهم في أمر الدين. قال الطبري: والصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة، قال: وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابا فلا يتبع أحدا في الفرقة ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر، وعلى ذلك يتنزل ما جاء في سائر الأحاديث، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف منها، ويؤيده رواية عبد الرحمن بن قرط المتقدم ذكرها.[67]

تدل نصوص الكتاب والسنة على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر؛ لأن فيه اجتماع الكلمة وفي الحديث: «عن ابن عباس عن النبي Mohamed peace be upon him.svg قال: "من كره من أميره شيئا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية"». وفي رواية: «فليصبر عليه». وقوله: فإنه من خرج من السلطان أي: من طاعة السلطان وفي الرواية الثانية «من فارق الجماعة»، وقوله «شبرا»: كناية عن معصية السلطان ومحاربته. قال ابن أبي جمرة: المراد بالمفارقة السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء، فكني عنها بمقدار الشبر لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق. وفي الرواية الأخرى: «فمات إلا مات ميتة جاهلية» وفي رواية لمسلم: «فميتته ميتة جاهلية»، وعنده في حديث ابن عمر رفعه: «من خلع يدا من طاعة لقي الله ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» أي: حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع؛ لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافرا بل يموت عاصيا، والمقصود الزجر والتنفير وظاهره غير مراد، قال ابن بطال: في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء، وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها.[68] ويدل على هذا حديث: «عن جنادة بن أبي أمية قال دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض قلنا أصلحك الله حدث بحديث ينفعك الله به سمعته من النبي Mohamed peace be upon him.svg قال دعانا النبي Mohamed peace be upon him.svg فبايعناه فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان»[69]

والأدلة على لزوم الجماعة كثيرة ومنها: ما أخرج الترمذي: «عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود يحدث عن أبيه عن النبي Mohamed peace be upon him.svg قال: نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة أئمة المسلمين ولزوم جماعتهم فإن الدعوة تحيط من ورائهم».[70] ورواة الشافعي والبيهقي في المدخل.[71] وعن ابن أبي مليكة قال: قالت أسماء: «عن النبي Mohamed peace be upon him.svg قال: "أنا على حوضي أنتظر من يرد علي فيؤخذ بناس من دوني فأقول أمتي فيقال لا تدري مشوا على القهقرى"» قال ابن أبي مليكة اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن.[27][28]

الخروج عن الجماعة[عدل]

الخروج عن الجماعة صفة للفرق المضادة للجماعة، وفي الحديث الصحيح: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله Mohamed peace be upon him.svg قال: تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة.[72] وفي بعض الروايات لأبي داود: وأنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله

وحقيقة هذا الافتراق المعارض للجماعة هو الافتراق في الدين بسبب البدع المضلة واختلاف الأهواء، وبما يؤدي إلى نصب العداء للمسلمين والخوض في أعراضهم وتتبع سوءاتهم ونشر الفتن فيما بينهم، أما الاختلاف المعتبر في مسائل الفروع الاجتهادية؛ فهو غير داخل في هذا الافتراق الذي دل عليه الحديث إجماعا، وإنما يراد افتراق مقيد وهو تفريق الدين الذي يصير به في الأمة شيعا متفرقة كما جاء وصفه في القرآن، أي: جماعات بعضهم قد فارق البعض، ليسوا على تآلف ولا تعاضد ولا تناصر، بل على ضد ذلك، فإن الإسلام واحد وأمره واحد، فاقتضى أن يكون حكمه على الائتلاف التام لا على الاختلاف، وهذه الفرقة مشعرة بتفرق القلوب المشعر بالعداوة والبغضاء، ولذلك قال: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾، فبين أن التأليف إنما يحصل عند الائتلاف على التعلق بمعنى واحد، وأما إذا تعلقت كل شيعة بحبل غير ما تعلقت به الأخرى فلا بد من التفرق، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾.[73]

هذه الفرق افترقت بسبب موقع في العدواة والبغضاء، ولا يرجع التفرق إلى أمر هو معصية غير بدعة، بل يرجع إلى أمر هو بدعة، كما افترق الخوارج من الأمة ببدعهم التي بنوا عليها في الفرقة، وهذا هو الذي تشير إليه الآيات والأحاديث، لمطابقتها لمعنى الحديث. فالافتراق المذكور إنما يكون بسبب بدعة لا بسبب أمر دنيوي، وإن أمكن ذلك.[74] والتفرق عن الجماعة معارض للشرع الإسلامي وتعاليمه التي تدعو إلى التراحم والتآخي، وفي الحديث: عن شقيق قال: «قال عبد الله: قال النبي Mohamed peace be upon him.svg: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر».[75] و«عن ابن عمر أنه سمع النبي Mohamed peace be upon him.svg يقول: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض».[76] وإنما يكون قتل المسلمين بعضهم البعض بسبب الفتن والتضليل على عامة الناس، فكل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، وفي الحديث: «عن أبي بكرة أن رسول الله Mohamed peace be upon him.svg خطب الناس فقال: ألا تدرون أي يوم هذا قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: أليس بيوم النحر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: أي بلد هذا أليست بالبلدة الحرام؟ قلنا: بلى يا رسول الله قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت قلنا نعم قال اللهم اشهد فليبلغ الشاهد الغائب فإنه رب مبلغ يبلغه لمن هو أوعى له فكان كذلك قال: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. فلما كان يوم حرق ابن الحضرمي حين حرقه جارية بن قدامة قال أشرفوا على أبي بكرة فقالوا: هذا أبو بكرة يراك قال عبد الرحمن فحدثتني أمي عن أبي بكرة أنه قال لو دخلوا علي ما بهشت بقصبة».[77] و«عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله Mohamed peace be upon him.svg قال من حمل علينا السلاح فليس منا».[78]

سبب الخروج عن الجماعة هو تفريق في الدين الواحد باتباع الأهواء المضلة، وهو الابتداع في الدين بما ليس منه مما يخالف إجماع أئمة المسلمين، كالقول بـ قدم العالم، وكقول السبئية بتأليه علي بن أبي طالب، وكقول الخوارج والمجسمة وغيرهم، وما حصل من تفرق في الأمم السابقة فقد حصل مثل ذلك في الأمة الإسلامية، وقد حصر العلماء الفِرق ومقالاتهم التي التي ابتدعوها لمجرد اتباع الأهواء المعارضة للنص، ودلت على ذلك النصوص مثل حديث: «عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله Mohamed peace be upon him.svg: ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا ومن هي يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي».[79] ودلت النصوص على ذم البدعة في الدين، والتي ينشأ عنها الخروج عن جماعة المسلمين حتى يكونون بسببها شيعا متفرقة لا ينتظم شملهم بالإسلام وإن كانوا من أهله وحكم لهم بحكمه، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء﴾ وقوله تعالى: ﴿ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا﴾ الآية، وقوله: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وصف التفرق.[80] وافتراق فرق المبتدعة عن جماعة المسلمين، كافتراق اليهود والنصارى، وفي الحديث: الإِخبار بما سيكون من افتراق الأمة المحمدية على ثلاث وسبعين فرقة، والمقصود بالافتراق الناشئ عن البدعة في الدين المخالفة لقواعده وأحكامة، التي يكون مبدؤها الاستبداد بالرأي في مقابل النص، واتباع الهوى في معارضة الأمر، وسلوك مسالك الشيطان الرجيم والخروج عن جماعة المسلمين وإمامهم، حتى تصير معتقدا مخالفا لإجماع السواد الأعظم، وفتنة في الدين تُفرق جماعة المسلمين، ويُرى متبعها كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أُشرب في هواه. وجواب النبي عن الفرقة الناجية فيه انصراف القصد إلى تعيين الوصف الضابط للجميع وهو ما كان عليه هو وأصحابه.[81] والبدعة بمعناها الشرعي تتصف بكونها اتباع الهوى، والاستبداد بالرأي في مقابل النص، والجدل بالباطل، واتباع المتشابه، والقدح في أئمة المسلمين وحُكامهم، والافتراق في الدين.[82]

مسألة الإمامة[عدل]

تعد مسألة الإمامة من أهم المسائل التي استخدمتها الفرق المنشقة عن جماعة المسلمين، وكان أولها فتنة الخوارج الذين انشقوا عن جماعة المسلمين وأعلنوا خروجهم عن علي بن أبي طالب، قائلين لا حكم إلا لله، وقد رد عليهم علي بن أبي طالب بقوله: «كلمة حق يراد من ورائها باطل» أي: أنهم استخدموا اسم الإسلام ليكون مقصورا عليهم، لما استحدثوه في الدين مما ليس منه حتى جعلوه اعتقادا فاتخذوه تحت غطاء الدين وسيلة للحصول على المال والسلطة ومعارضة الحكام ومنازعتهم والتعرض لأئمة المسلمين بالقدح والذم والإيذاء، ووصف مخالفيهم بما اعتقدوه كفرا وفسادا، ولا تقوم لهم قائمة كما دلت عليه نصوص الأحاديث، وهم أول من ابتدع الخروج على الحكام، ثم ظهرت فرق التشيع الذين اعتقدوا أن الإمامة أصل من أصول الدين، وأنها بالوراثة على اختلافهم في تحديد مستحقها. واعتبر أهل السنة والجماعة أن الإمامة مسألة مصلحية إجماعية وليست من أصول العقيدة. والإمام هو الذي يقتدي به الناس في أقواله وأفعاله، وأئمة المسلمين علماء الدين وهم ورثة الأنبياء في حمل العلم وتأدية المهام الدينية تجاه عامة الناس، وتختلف هذه المهام باختلاف المراتب العلمية والصلاحيات المسندة إليهم، وأئمة المسلمين هم: الخلفاء فمن دونهم من أهل الولايات وعلماء الدين،[83] والأصل في الإمامة أنها إمامة الدين في الأئمة المجتهدين على اختلاف مراتب الاجتهاد، وعلماء الدين تبع لهم، باعتبار أن الأئمة في الدين حملة الشرع هم ورثة الأنبياء في نقل الدين وبيانه للناس، وقد قيل لأبي بكر الصديق: يا خليفة الله فقال: "لا بل أنا خليفة رسول الله Mohamed peace be upon him.svg"، وقد كان اختيار الخلفاء في الابتداء على أساس أن يكونوا أئمة في الدين، والخلفاء الراشدون كانوا كذلك، وكان كل واحد منهم إماما مجتهدا، والصحابة لا يختارون لمنصب الخلافة إلا إماما مجتهدا من أفضلهم وأعلمهم في الدين، حتى يتمكن من الحكم بشرع الله بما لديه من علم الشريعة، ويكون مرجعا للحكم في الناس فيما أشكل عليهم من مستجدات الأمور، والكثير من أئمة الصحابة والتابعين ومن بعدهم وكالأئمة الأربعة وغيرهم من أعلام الدين كانت مهمتهم علمية، ولم يكونوا يسعون بعلمهم للحصول على السلطة، وكان الصحابة يختارون للخلافة أفضلهم وأعلمهم في الدين ويلتزمون طاعته، ولم يتخذوا من علمهم سلما للوصول إلى مناصب سياسة ومعارضة الحكام ومنازعتهم.

الخلافة[عدل]

والخلافة أو الإمامة العظمى هي ولاية عامة، والإمام الأعظم القائم بخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، ومن ثم اشترط فيه ما شرط في القاضي وزيادة.[84] ويسمى الخليفة إماما؛ لأن اختيار الخلفاء الراشدين قام على أساس أن يكون الخليفة إماما مجتهدا في أعلى رتبة ممكنة من العلم في الدين يقتدي به الناس في العلم والدين ينقادون لحكمه ويصلون خلفه وتجب عليهم طاعته. قال الماوردي: «الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا».[85] وقال سعد الدين التفتازاني في المقاصد: «الإمامة: هي رياسة عامة في أمر الدين والدنيا خلافة عن النبي Mohamed peace be upon him.svg».[86][87] وقال إمام الحرمين: «الإمامة رياسة تامة، وزعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة، في مهمات الدين والدنيا. مهمتها حفظ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الخيف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين».[88] فيتولى أمور الرعية ويتفقد أحوالهم ويراعي مصالحهم ويقيم أحكام الدين وشعائره، ويلجأ إليه المظلوم فينصفه وينصره، ويأمن به الخائف، ويقطع تمادي الظالمين وقاطعي الطريق والمفسدين، وفي الحديث: «عن أبي هريرة عن النبي Mohamed peace be upon him.svg قال: إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به فإن أمر بتقوى الله عز وجل وعدل كان له بذلك أجر، وإن يأمر بغيره كان عليه منه». قال النووي: «قوله Mohamed peace be upon him.svg: «الإمام جنة» أي: كالستر؛ لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين، ويمنع الناس بعضهم من بعض، ويحمي بيضة الإسلام، ويتقيه الناس ويخافون سطوته، ومعنى: «يقاتل من ورائه» أي: يقاتل معه الكفار والبغاة والخوارج وسائر أهل الفساد والظلم مطلقا، والتاء في «يتقى» مبدلة من الواو لأن أصلها من الوقاية».[89]

قال ابن خلدون: «ثم إن نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين؛ لأن أصحاب رسول الله Mohamed peace be upon him.svg عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من بعد ذلك، ولم تترك الناس فوضى في عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعاً دالاً على وجوب نصب الإمام». قال: وإذا تقرر أن هذا النصب واجب بإجماع فهو من فروض الكفاية وراجع إلى اختيار أهل العقد والحل، فيتعين عليهم نصبه، ويجب على الخلق جميعاً طاعته، لقوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾.[90] ذكر سعد الدين التفتازاني أدلة الجمهور على وجوب تنصيب خليفة في متن المقاصد بقوله: «لنا وجوه: الأول: الإجماع وهو العمدة حتى قدموه على دفن النبي Mohamed peace be upon him.svg الثاني: أنه لا يتم إلا به ما وجب من إقامة الحدود وسد الثغور ونحو ذلك مما يتعلق بحفظ النظام، الثالث: أن فيه جلب منافع ودفع مضار لا تحصى وذلك واجب إجماعا، الرابع: وجوب طاعته ومعرفته بالكتاب والسنة، وهو يقتضي وجوب حصوله وذلك بنصبه». انتهى باختصار من كلام السعد. ووجوب نصب الإمام ثابت بالأحاديث الصحيحة الواردة فِي التزام جماعة المسلمين وإمامهم، مثل حديث: «من مات وليس فِي عُنُقه بيعَة مات ميتَة جاهلية».[91] و«عن حذيفة بن اليمان قال Mohamed peace be upon him.svg له: "تلْزم جماعة المسلمين وإمامهم"».[92][93]

والإجماع على تنصيب الخليفة حجة كافية، وعليه استقر حال الأمة على مدى التاريخ الإسلامي، وكانت الخلافة العثمانية آخر دولة للخلافة الإسلامية، حيث بذلت الدول المعادية للإسلام جهودا مكثفة لإضعافها ومحاربتها واحتلال معظم الولايات الإسلامية وتفكيكها، وانتشار المستشرقين لاستنهاض الأفكار المعارضة للحكام وإيقاض الفتن، فظهرت الأهواء والتخاصم والتقاتل وبسط النفوذ بالاستقواء، واستعان المتسلطون بأهل الأهواء، وتقسم الناس إلى دويلات مصغرة، وبعد غياب الخلافة العثمانية كانت الولايات قد تقسمت وأعلنت استقلالها عن دولة الخلافة الإسلامية، وكانت الدولة العثمانية خلافة إسلامية على منهج أهل السُّنَّة والجماعة، والخليفة إمام للمسلمين في الدين، وحاكم عام يُولِّي الولاة ولو على الأقل يُقِرهم أو يُصادق على ولايتهم ويحتكمون إليه، ويتولى أمر الجهاد وقتال البغاة والخوارج ونحوهم، وتجتمع عليه أمة الإسلام، فإذا ما فُقد منصب الخليفة تفرق أمر الولاة وظهر أهل الأهواء وتعطل باب الجهاد، ومن الأحكام المقررة عند أهل السنة والجماعة وجوب تنصيب خليفة ووجوب طاعته والدعاء له والصلاة خلفه، وإذا كان الناس في تفرق واختلاف ولا خليفة وجب تنصيب ولي أمر يتحاكم إليه الناس لئلا تتعطل الأحكام، وإذا اختلف الناس ولم تجتمع كلمتهم على إمام واحد واستقل كل سلطان بولاية كما هو حاصل في العصر الحالي وجب على كافة أهل كل بلد طاعة سلطانهم، فموضوع طاعة ولاة الأمر متفق عليه عند أهل السنة والجماعة سواء وُجد منصب الخليفة أم لا، ولا مندوحة في الخروج على كل الأحول. والدول الإسلامية التي تحولت من حال الاجتماع إلى التفرق على هذا النحو لم تخرج قوانينها وأنظمتها عن تحكيم الشرع الإسلامي وإن تفاوتت في مدى الالتزم والتطبيق.

أحكام الخلافة[عدل]

أجمع أهل السنة والجماعة سلفا وخلفا، وجمهور الطوائف الأخرى على أن نصب الإمام أي: توليته على الأمة واجب على المسلمين شرعا لا عقلا فقط؛ لأن الحاكم مأمور بوظائف دينية كما أن الرعية مأمورون ديانة بطاعة ولي الأمر. واتفق جمهور أهل السنة والجماعة على أن حكم تنصيب الخليفة أو الحاكم واجب شرعي؛ لحماية مصالح الناس، وأقوال الخوارج ومن وافقهم بخلاف ذلك لا يقوى على معارضة الإجماع. وقد تظافرت الأدلة الشرعية على وجوب طاعه ولاة الأمر بنصوص الكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾، وفي الحديث: «عليكم بالسمع والطاعة» أي: لولاة الأمور، قال أبو الحسن الأشعري: «وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين وعلى أن كل من ولي شيئا من أمورهم عن رضى أو غلبة وامتدت طاعته من بر وفاجر لا يلزم الخروج عليهم بالسيف جار أو عدل وعلى أن يغزوا معهم العدو ويحج معهم البيت وتدفع إليهم الصدقات إذا طلبوها ويصلى خلفهم الجمع والأعياد».[94]

طرق انعقاد الإمامة وتنصيب ولاة الأمر[عدل]

تنعقد الإمامة بطرق أحدها: بطريق البيعة أي: بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم حالة البيعة بلا كلفة عرفا، وأما بيعة غير أهل الحل والعقد من العوام فلا عبرة بها، وثانيها: باستخلاف الإمام واحدا بعده، أو باستخلاف عدد يختار أهل الحل والعقد واحدا منهم، قال النووي: «وتنعقد الإمامة بالبيعة، والأصح بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم، وباستخلاف الإمام، فلو جعل الأمر شورى بين جمع فكاستخلاف، فيرتضون أحدهم وباستيلاء جامع الشروط وكذا فاسق وجاهل في الأصح».[95]

شروط الإمام[عدل]

ذكر العلماء شروطا متعددة فيمن يتولى منصب الخلافة، ومنها ما هو متفق عليه ومنها مختلف فيه، وهذه الشروط في الابتداء، أي: في ابتداء تنصيب الخليفة، أما في الدوام ففيه تفصيل، قال النووي: «شرط الإمام كونه مسلما مكلفا حرا ذكرا قرشيا مجتهدا شجاعا ذا رأي وسمع وبصر ونطق وعدلا». فشرط الإمام كونه مسلما ليراعي مصلحة الإسلام وأهله، وهذا باتفاق جمهور أهل السنة والجماعة، أما من كان من غير المسلمين كاليهودي أو النصراني أو غيره فلا ولاية له على المسلمين، وكونه مكلفا؛ لأن غيره مولى عليه فلا يلي أمر غيره، وأن يكون حرا؛ لأن من فيه رق لا يهاب، وأن يكون ذكرا فلا ولاية للمرأة بالإجماع؛ لضعفها وعدم مخالطتها للرجال، وفي الحديث: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، وأن يكون قرشيا؛ وفي الحديث: «الأئمة من قريش»، ولا يشترط كونه هاشميا ولا علويا؛ لأن الخلفاء الثلاثة لم يكونوا كذلك وهم قرشيون، وقد اتفق الصحابة على خلافتهم. وأن يكون مجتهدا كالقاضي وأولى بل حكى فيه الإجماع، وقد كان الصحابة لا يختارون للخلافة إلا إماما مجتهدا من أعلمهم في الدين وأفضلهم، فإن لم يوجد مجتهدون أو استخلف واستتم له الأمر ولم يكن مجتهدا كما هو الحال في البعض بعد الخلفاء الراشدين؛ وجبت طاعته حيث يفوض للعلماء أمور الدين فيما يفتقر للاجتهاد، وأن يكون شجاعا ليغزو بنفسه ويعالج الجيوش ويقوى على فتح البلاد ويحمي البيضة ويعتبر سلامته من نقص يمنع استيفاء الحركة وسرعة النهوض كما دخل في الشجاعة وأن يكون ذا رأي ليسوس به الرعية ويدبر مصالحهم الدينية والدنيوية قال الهروي: وأدناه أن يعرف أقدار الناس وأن يكون ذا سمع وإن ثقل وذا بصر وإن ضعف بحيث لم يمنع التمييز بين الأشخاص أو كان أعور أو أعشى، وأن يكون ناطقا يفهم نطقه، وإن فقد الذوق والشم وذلك ليتأتى منه فصل الأمور، وأن يكون عدلا، فلو اضطر لولاية فاسق جاز، ولذا قال ابن عبد السلام: لو تعذرت العدالة في الأئمة قدمنا أقلهم فسقا، قال الأذرعي وهو متعين؛ إذ لا سبيل لجعل الناس فوضى، فإذا تعذرت العدالة في أهل قطر قدم أقلهم فسقا.[95]

قال ابن خلدون: وأما شروط هذا المنصب فهي أربعة: العلم والعدالة والكفاية وسلامة الحواس والأعضاء، مما يؤثر في الرأي والعمل، واختلف في شرط خامس وهو النسب القرشي.[96][° 1]

ذكر القرطبي أن شروط الإمامة أحد عشر شرطا،[97][° 2] قال ابن عابدين: وذكر العلامة البيري في أواخر شرحه على الأشباه أن من شروط الإمامة: أن يكون عدلا بالغا أمينا ورعا ذكرا موثوقا به في الدماء والفروج والأموال، زاهدا متواضعا مسايسا في موضع السياسة.[° 3][98]

المدارس الفقهية[عدل]

منظر قديم للمدينة المنورة.
صورة لمكة

التاريخ[عدل]

تعود نشأة المذاهب الفقهية السنية إلى بداية التاريخ الإسلامي، وخاصة في عصر الخلفاء الراشدين، وفقهاء الصحابة ثم فقهاء التابعين وتابعيهم، ويعد القرن الهجري الأول أفضل القرون الثلاثة الهجرية، حيث أنه يمثل الأصل الأصيل لعلوم الشريعة كلها، وكان رواده أعلام الصحابة الذين نقلوا الشرع، وأسسوا مذاهب الفقه الإسلامي، وكان كل من جاء بعدهم عالة عليهم في الأخذ عنهم، ويعد القرن الثاني والثالث من الهجرة النبوية بمثابة العصر الذهبي لصياغة المذاهب الفقهية وتدوين أصولها وقواعدها. واختص من بين أعلام الصحابة جماعة تخصصوا لحمل الدين وكانوا مرجعا للمسلمين، وهم حملة الشرع وأئمة الأمة الذين أخذ عنهم الفقه. قال أبو إسحاق الشيرازي: «اعلم أن أكثر أصحاب رسول الله Mohamed peace be upon him.svg الذين صحبوه ولازموه كانوا فقهاء..»،[99] وقال أيضا: «ولأن من نظر فيما نقلوه عن رسول الله Mohamed peace be upon him.svg من أقواله، وتأمل ما وصفوه من أفعاله في العبادات وغيرها؛ اضطر إلى العلم بفقههم وفضلهم، غير أن الذي اشتهر منهم بالفتاوى والأحكام وتكلم في الحلال والحرام جماعة مخصوصة».[99] ومنهم الخلفاء الراشدون الأربعة وهم: (أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب). وأشتهر من فقهاء الصحابة: عبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وأم المؤمنين عائشة. وانتقل فقه هؤلاء إلى طبقة أخرى من الصحابة وكان أشهرهم العبادلة الأربعة وهم: عبد الله بن العباس وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير بن العوام وعبد الله بن عمرو بن العاص، وانتقل فقه العبادلة إلى فقهاء التابعين، وبعد وفاة العبادلة كان فقه الصحابة قد انتقل إلى التابعين في جميع البلدان،[100] وكان من أشهرهم بحسب البلدان: فقيه مكة عطاء وفقيه المدينة سعيد بن المسيب وفقيه اليمن طاوس وفقيه اليمامة يحيى بن أبي كثير وفقيه البصرة الحسن وفقيه الكوفة إبراهيم النخعي وفقيه الشام مكحول وفقيه خراسان عطاء الخراساني.[99]

تأسست مدارس فقه أهل السنة والجماعة على يد فقهاء الصحابة الذين انتشروا في مختلف البلدان، ثم تابعييهم، وكان منهم الأئمة المجتهدون، وجميع الفقهاء كانوا من رواة الحديث، واشتهرت مدرسة فقه أهل الحجاز في المدينة المنورة، وأشتهر من أعلامها زيد بن ثابت، وأشهر من أخذ عنه عشرة من فقهاء المدينة: سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وعروة بن الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار وأبان بن عثمان وقبيصة بن ذؤيب والقاسم بن محمد. وأشهر من أخذ عنهم محمد بن مسلم الزهري وعنه أخذ الإمام مالك بن أنس.

ومدرسة الحجاز بمكة واشتهر فيها مذهب ابن عباس ومن أشهر تلامذته الفقهاء: عكرمة، وعطاء، وطاووس، وسعيد بن جبير. ثم انتقل الفقه إلى طبقة ثانية ومنهم: ابن جريج، ثم انتقل الفقه إلى طبقة ثالثة ومنهم: مسلم بن خالد الزنجي وعنه أخذ الشافعي الفقه. ثم انتقل الفقه إلى طبقة أخرى اشتهر منها: محمد بن إدريس الشافعي مؤسس المذهب الشافعي.

واشتهر من الطبقة الأولى من فقهاء الصحابة في اليمن: علي بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل، ثم فقهاء التابعين في باليمن واشتهر منهم:طاوس بن كيسان اليماني، وعطاء بن مركبوذ،[101][102] وأبو الأشعث شراحيل بن شرحبيل الصنعاني،[103] وحنش بن عبد الله الصنعاني، ووهب بن منبه.

واشتهر من فقهاء التابعين بالشام والجزيرة: أبو إدريس الخولاني وشهر بن حوشب الأشعري، ثم انتقل الفقه إلى طبقة ثانية ومنهم: عبد الله بن أبي زكريا،[101] وهاني بن كلثوم.[104] ورجاء بن حيوة ومكحول الشامي،[105] ومنهم أبو أيوب سليمان بن موسى أبو الربيع الأشدق،[101][106] ثم انتقلت الفتوى بالشام إلى: الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز التنوخي، ومنهم: يزيد بن يزيد بن جابر، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر،[101] وأبو الهذيل محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي، ويحيى بن يحيى الغساني وكان مفتي أهل دمشق. وثبتت الفتيا بالشام على مذهب الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز. ومن فقهاء التابعين بالجزيرة: ميمون بن مهران.

واشتهر من فقهاء التابعين بمصر: الصنابحي، والجيشاني، وهما من أصحاب عمر.[107] ثم انتقل إلى طبقة أخرى،[101] ومنهم: أبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني،[108] قاضي الإسكندرية، أخذ عنه أبو رجاء يزيد بن أبي حبيب. وكان ممن انتقل إليه الفقه: بكير بن عبد الله بن الأشج وأبو أمية عمرو بن الحارث، ثم انتهى علم هؤلاء إلى أبي الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن، مؤسس مذهب فقهي.[101]

فقهاء العراق والبلدان الأخرى[عدل]

مدرسة الكوفة بالعراق: واشتهرت بفقه ابن مسعود.[109] وأخذ عنه فقهاء العراق وغيرهم، وكان من أشهر التابعين الذين أخذوا مذهبه: علقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وعبيدة بن عمرو السلماني وشريح القاضي والحارث الهمداني،[110] وهؤلاء الستة المذكورون هم أصحاب عبد الله بن مسعود، ومنهم عمرو ابن شرحبيل الهمداني وغيره.[99] ثم انتقل الفقه إلى طبقة أخرى منهم: الشعبي، وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي، ثم انتقل الفقه بعد ذلك إلى طبقة أخرى منهم: الحكم بن عتيبة،[110] وحماد بن أبي سليمان تفقه بإبراهيم النخعي، وأخذ أبو حنيفة عنه الفقه. وحبيب بن أبي ثابت، والحارث بن يزيد العكلي،[111] والمغيرة بن مقسم الضبي وأبو معشر زياد بن كليب بن تميم الحنظلي،[112] والقعقاع بن يزيد، والأعمش، ومنصور بن المعتمر، أخذوا العلم عن الشعبي والنخعي،[110] وابن شبرمة وابن أبي ليلى ثم حصل الفقه والفتيا في: سفيان الثوري،[110] مؤسس مذهب فقهي ومنهم: الحسن بن صالح بن حي بن مسلم بن حيان الهمداني، وشريك بن عبد الله بن أبي شريك النخعي، وأبو حنيفة النعمان مؤسس المذهب الحنفي.[110]

واشتهر من فقهاء التابعين بالبصرة: الحسن البصري، وجابر بن زيد الأزدي، ومحمد بن سيرين، ورفيع بن مهران، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، ومسلم بن يسار،[110] أبو قلابة، وغيرهم.

واشتهر في عصر الأئمة المتقدمين من أصحاب المذاهب الفقهية بعد أبي حنيفة ومالك والشافعي فقهاء بغداد وأشهرهم: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني،[113] كان أحد رواة المذهب الشافعي، ثم استقل بوضع مذهب آخر يعد رابع المذاهب الفقهية الكبرى. وأبو ثور إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي، وهو من رواة المذهب الشافعي، بصفة مجتهد مطلق منتسب. وأبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي. وأبو سليمان داود بن علي بن خلف الأصفهاني.[113] وأبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري، أحد رواة المذهب الشافعي بصفة مجتهد مطلق منتسب.

واشتهر من فقهاء خراسان: عطاء بن أبي مسلم الخراساني. وأبو القاسم الضحاك بن مزاحم الهلالي. وأبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك المروزي. وأبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي المعروف بـ ابن راهويه.[113]

وبعد انتشار الإسلام في أفريقية ثم الأندلس والمغرب،[114] وكانت الحجاز أقرب إليهم من غيرها، حيث اشتهرت المدينة المنورة بفقه الإمام مالك بن أنس وكان أغلب فقهاء تلك البلاد يأخذون بفقه مالك، وبعد تدوين المذاهب الفقهية انتشر مذهب مالك في المغرب والأندلس.[115]

المذاهب الفقهية[عدل]

المذاهب الفقهية التي صارت تعرف بمذاهب أهل السنة والجماعة هي خلاصة فقه الصحابة والتابعين وتابعيهم، وفي بداية تاريخ نشأة هذه المذاهب كانت هناك طريقتان مشهورتان أحدهما: طريقة أهل الرأي والقياس وهي طريقة أهل العراق، وإمامهم أبو حنيفة وأصحابه من بعده، وثانيهما: طريقة أهل الحديث وهي طريقة أهل الحجاز، وإمامهم مالك بن أنس وكان يعرف بـإمام دار الهجرة، وقد اختص فقهه بعمل أهل المدينة على اعتبار أنهم متابعون لمن قبلهم ضرورة لدينهم واقتدائهم.[116] ثم كان من بعد مالك بن أنس محمد بن أدريس الشافعي، تفقه بفقه أهل الحجاز، ثم انتقل إلى العراق من بعد مالك وأخذ عن أصحاب أبي حنيفة وجمع بين طريقة أهل الحجاز وطريقة أهل العراق، وجاء من بعدهما أحمد بن حنبل وكان من عليه المحدثين، وأخذ عن الشافعي وروى عنه مذهبه، ثم استقل بمذهب آخر.[116] ويذكر ابن خلدون في تاريخه: أن المذاهب المشتهرة في العصور المتقدمة كانت ثلاثة: مذهب أهل الرأي والقياس وأشهر أئمتهم أبو حنيفة وأصحابه من بعده، ومذهب أهل الحديث وإمامهم مالك ثم الشافعي، ومذهب داود الظاهري. وكان إمام هذا المذهب داود ابن علي وابنه وأصحابهما وكانت هذه المذاهب الثلاثة هي مذاهب الجمهور المشتهرة بين الأمة.[116] وقد انقرض مذهب الظاهرية واندراس في العصور المتأخرة، ولم يبق منه سوى الرسوم في الكتب، بنقل العلم من الكتب من غير مفتاح المعلمين وهو ما قد يؤدي إلى مخالفة الجمهور. قال ابن خلدون: «ثم درس مذهب أهل الظاهر اليوم بدروس أئمته وإنكار الجمهور على منتحله ولم يبق إلا في الكتب المجلدة».[116]

وقد استقر العمل بهذه المذاهب الأربعة، ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة ودرس المقلدون لمن سواهم وسد الناس باب الخلاف وطرقه لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد، ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه، فصرحوا بالعجز والإعواز، وردوا الناس إلى تقليد هؤلاء كل من اختص به من المقلدين، وحظروا أن يتداول تقليدهم لما فيه من التلاعب، ولم يبق إلا نقل مذاهبهم، وعمل كل مقلد بمذهب من قلده منهم بعد تصحيح الأصول واتصال سندها بالرواية، لا مجرد النقل من الكتب. قال ابن خلدون: «ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه مهجور تقليده، وقد صار أهل الاسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة».[116] وأما أحمد بن حنبل فتأسس مذهبه في بغداد، وكان أكثر مقلديه بالشام والعراق من بغداد ونواحيها وهم أكثر الناس حفظا للسنة ورواية الحديث. وانتشر مذهب مالك في الأندلس والمغرب، وانتشر مذهب أبي حنيفة في العراق ومسلمة الهند والصين وما وراء النهر وبلاد العجم. وكثرت مؤلفات الحنفية ومناظراتهم ومباحثهم مع الشافعية، وجاءوا منها بعلم مستظرف وأنظار غريبة وهي بين أيدي الناس وبالمغرب منها شئ قليل نقله إليه القاضي بن العربي وأبو الوليد الباجي في رحلتهما.[116] وأما الشافعي فمقلدوه بمصر أكثر مما سواها وقد كان انتشر مذهبه بالعراق وخراسان وما وراء النهر وقاسموا الحنفية في الفتوى والتدريس في جميع الأمصار وعظمت مجالس المناظرات بينهم وملئت كتبهم بأنواع استدلالاتهم ثم درس ذلك كله بدروس المشرق وأقطاره وكان الإمام محمد بن أدريس الشافعي لما نزل على بني عبد الحكم بمصر أخذ عنه جماعة من بني عبد الحكم وأشهب وابن القاسم وابن المواز وغيرهم ثم الحارث بن مسكين وبنوه، ثم انقرض فقه أهل السنة من مصر بظهور دولة الرافضة وتداول بها فقه الإسماعيلية وتلاشى من سواهم إلى أن ذهبت دولة العبيديين من الرافضة على يد صلاح الدين يوسف بن أيوب ورجع إليهم فقه الشافعي وأصحابه من أهل العراق والشام فعاد إلى أحسن ما كان ونفقت سوقه واشتهر منهم محيي الدين النووي في ظل الدولة الأيوبية بالشام وعز الدين بن عبد السلام كذلك، ثم ابن الرفعة بمصر وتقي الدين ابن دقيق العيد ثم تقي الدين السبكي بعدهما إلى أن انتهى ذلك إلى شيخ الإسلام بمصر لهذا العهد وهو سراج الدين البلقيني فقد كان في ذلك اليوم أكبر الشافعية بمصر كبير العلماء بل أكبر العلماء من أهل العصر.[116]

علم الخلافيات[عدل]

أئمة المذاهب الفقهية متفقون في أصول الأحكام الشرعية الكلية وأصول الدين (العقيدة)، وإنما وقع الاختلاف في الفروع الفقهية. ولا يوجد بينهم اختلاف في العقيدة. ولم يحصل الاختلاف بين الأئمة من السلف في أمور الاعتقاد (أصول الدين) وإنما كان اختلافهم في الأحكام الفرعية، إما لعدم توفر دليل صريح من الكتاب والسنة، أو لضعف حديث بحيث لا تقوم به حجة، أو غيره من الأسباب. ومع انتشار الإسلام وتوسعه وتعرضه للكثير من القضايا الجديدة التي ليس لها نص من الكتاب والسنة يدل عليها بخصوصها كانت هناك حاجة ملحة للخروج باجتهادات لهذه القضايا الفقهية المستجدة وتلبية حاجات الناس والإجابة عن تساؤلاتهم ومن هنا نشأت جماعة من علماء الفقه في الدين تعلم الناس في كل إقليم شؤون دينهم ودنياهم. وكان التوسع الجغرافي للإسلام وتنوع البيئات التي انتشر فيها، وأيضا قابلية الكثير من النصوص الشرعية الإسلامية للاجتهاد فيها حسب الظروف والحالات كل ذلك أدى إلى نشأة المدارس الفقهية التي انتشرت في مختلف الأمصار الإسلامية. وأدلة الفقه عند أهل السنة والجماعة إما سمعية وهي: الكتاب والسنة والإجماع وإما عقلية وهي: القياس، بالإضافة إلى طرق أخرى للاستدلال مذكورة في كتب أصول الفقه.

وكما تقرر فإنه لا اختلاف بين الأئمة كليات الشريعة، ولا في فروع الدين المتفق عليها مثل: فرض الصلاة والزكاة وغبرها مما هو معلوم من الدين بالضرورة، وإنما حصل الاختلاف في فروع الفقه التي هي محل الاجتهاد، ويكون الترجيح أو تقرير الحكم في المسألة عند المجتهد وفق أصول وقواعد مذهبه التي يستند إليها في الاستدلال. وبما أن المذاهب الأربعة هي التي استقر العمل عليها عند جمهور أهل السنة والجماعة فقد ظهرت ثمرة الخلاف في نشأة علم الخلافيات، الذي الذي كانت مؤلفات الحنفية والشافعية فيه أكثر من المالكية، وقد ذكره ابن خلدون ثم قال عنه: «وهو لعمري علم جليل الفائدة في معرفة مآخذ الائمة وأدلتهم ومران المطالعين له على الاستدلال عليه وتآليف الحنفية والشافعية فيه أكثر من تآليف المالكية؛ لأن القياس عند الحنفية أصل للكثير من فروع مذهبهم كما عرفت فهم لذلك أهل النظر والبحث، وأما المالكية فالأثر أكثر معتمدهم وليسوا بأهل نظر».[117]

عقيدة أهل السنة والجماعة[عدل]

بسم الله الرحمن الرحيم
الله

هذه المقالة جزء من سلسلة الإسلام عن:

Ahlul Sunnah.png

عقيدة أهل السنة والجماعة هي أصول الدين الإسلامي المتفق عليها، بناء على أن الإسلام هو دين الله الذي ارتضاه لجميع خلقه، قال تعالى: ﴿وأوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم﴾ وقال تعالى: ﴿ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل..﴾. وأهل السّنة والجماعة متفقون في أصول الاعتقاد المتمثلة في توحيد الله والإيمان به وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بكل ما جاء به الرسول من عند الله، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. والإيمان تصديق بكل ما علم من الضروريات أنه من الدين، والإيمان بالله هو العلم واليقين الجازم أن الله وحده هو إله الكون كله وهو الإله المبعود بحق لا إله غيره ولا تكون العبادة إلا له وحده لا شريك له ولا شبيه ولا نظير ولا ند ولا صاحبة له ولا ولد، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وأنه رب العالمين وخالق الخلق أجمعين ومالكهم ومدبر جميع شؤونهم، وأنه متصف بكل صفات الكمال المطلق، والمنزه عن كل نقص، وأنه أنشأ الخلق وأوجد كل المخلوقات من عدم، وكل ما سواه مفتقر إليه وهو مستغن عمن سواه، يدخل من يشاء في رحمته، يغفر لمن يشاء بفضله ويعاقب من يشاء بعدله، لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون، يعلم كل الأشياء ظاهرة وباطنة خفية كانت أو دقيقة ويعلم ما هو أدق وأخفى ويعلم السر وأخفى، وهو السميع البصير اللطيف الخبير، كل المخلوقات قهر عظمته، وأنه هو المبدئ والمعيد والمحيي والمميت والنافع الضار، له الأسماء الحسنى والصفات العلا. والإيمان بالله -«مقرونا بالباء»- تصديق بالقلب وإقرار، والإيمان لله -«مقرونا باللام»- هو العمل الصالح. والإيمان بالرسل وبالملائكة وبكل ما يجب في حقهم. والإيمان باليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، والإيمان بالغيب أي: بما غاب عن الأعين مما دلت النصوص الشرعية عليه كالإيمان بالجنة والنار والبعث والنشور والجزاء والحساب والصراط والميزان وغير ذلك.

وكل هذه الأمور يتلقاها الإنسان بفطرته السليمة، فإذا ما عجز عن فهم تفاصيل خارجة عن المقصود فلا سبيل له إلا التسليم، فمن المعلوم مثلا أن الإنسان مهما بلغ علمه وقدرته فلا بد أن يواجه ما يعجز عنه فهو لا يقدر على دفع الموت عن نفسه، ويعجز عن معرفة الكثير من الأشياء عجزا يتعذر معه الحصول على ما يريد، وعجز الإنسان عن ذلك يستلزم في الإيمان أن يقر بعجزه وفقره لله فذلك هو من الإيمان بالله، وهكذا في مسائل العقيدة عندما يجد الإنسان نفسه في حالة عجز عن معرفة المزيد من التفاصيل الخارجة عن المقصود فالأسلم له التسليم لله والإقرار بعجزه فذلك من الإيمان بالله، وحتى يتضح الأمر أكثر على وجه التحديد فإن في مسائل العقيدة من الأمور ما ليس له به شأن، وهي المتشابهات التي نهى الله عن الخوض فيها. وقد كان سلف الأمة (الصحابة والتابعون) يكتفون بما أخذوه ويفوضون الأمر لله فيما تشابه عليهم، وعلى هذا سار أهل السنة والجماعة من بعدهم، وإنما استخدم أهل السنة والجماعة البراهين العقلية للرد على أهل الأهواء والزيغ.

أصول الدين[عدل]

أصول الدين أو أصول العقيدة الإسلامية عند أهل السنة والجماعة كلها منقولة بالتلقي عن أئمة السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وكلهم متفقون سلفا وخلفا على قول واحد في أصول الاعتقاد، وما وقع بينهم من اختلاف فهو خلاف لفظي أو شكلي لا يستوجب تكفيرا ولا تبديعا ولا تفسيقا لبعضهم البعض، وهذه الأصول مقررة في كتب أئمتهم المعول على الأخذ بها، ويكفي معرفتها بطريقة ميسرة من غير التدخل فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه، وقد بين مراتب الدين في حديث جبريل وهي الإسلام والإيمان والإحسان. والإيمان في اللغة التصديق، والمقصود به الإقرار والتصديق بالله ورسوله وبكل ما يجب الإيمان به أنه من دين الإسلام، وفي القرآن: قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا.. الآية نزلت في وفد أقروا بالإسلام ظاهرا وعلم الله ما في قلوبهم فأخبر نبيه بذلك فتحقق الحكم عليهم بطريق الوحي، فالإيمان بالله تصديق وإقرار في القلب وهو بعلم الله المطلع على حقائق القلوب، وقد سمى الله الصلاة إيمانا؛ لأن العمل الصالح من الإيمان لله بمعنى تصديق ما في القلب بالعمل فالإيمان قول وعمل،[118] وأجمع أهل السنة والجماعة على أن الإيمان يزيد بعمل الطاعات وينقص بالمعصية، وعلى أن المؤمن بالله لا يخرجه عنه شيء من المعاصي، خلافا للخوارج ومن وافقهم؛ لأن العصاة لم يخرجوا من خطاب التكليف ولا يخرجون من الملة بسبب الذنوب. وأنه لا يقطع على أحد من عصاة أهل القبلة بدخول النار، ولا على أحد من أهل الطاعة بالجنة، إلا من ثبت فيه نص صريح قطعي من الكتاب أو السنة. وأجمع أهل السنة والجماعة على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه ووصفه به نبيه من غير اعتراض فيه ولا تكييف له وأن الإيمان به واجب وترك التكييف له لازم، وعلى أنه تعالى غير محتاج إلى شيء مما خلق، وأنه تعالى يضل من يشاء ويهدى من يشاء ويعذب من يشاء وينعم على من يشاء ويعز من يشاء ويغفر لمن يشاء ويغني من يشاء، ويؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، وأنه لا يسأل في شيء من ذلك عما يفعل، وأنه يفعل ما يشاء كما يريد، ويؤتي من يشاء ما يشاء لا اعتراض عليه كما قال: ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾ وقال: ﴿عذابي أصيب به من أشاء﴾ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وعلى جميع الخلق الرضا بأحكام الله التي أمرهم أن يرضوا بها، والتسليم في جميع ذلك لأمره، والصبر على قضائه، والانتهاء إلى طاعته فيما دعاهم إلى فعله أو تركه، وأنه متصف بالعدل في جميع أفعاله وأحكامه ساءنا ذلك أم سرنا نفعنا أو ضرنا. وأجمعوا على أن الله خالق لجميع الحوادث وحده لا خالق لشيء منها سواه، يعطي من يشاء ويوفق من يشاء ويهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهو المنعم المتفضل على عباده، وأنه ليس لأحد من الخلق الاعتراض على الله تعالى في شيء من تدبيره، وأن من يعترض عليه في أفعاله متبع لرأي الشيطان في ذلك حين امتنع من السجود لآدم عليه السلام وزعم أن ذلك فساد في التدبير وخروج من الحكمة حين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين.

وأجمع أهل السنة والجماعة على أن للعباد حفظة يكتبون أعمالهم، وعلى أنه تعالى قد قدر جميع أفعال الخلق وآجالهم وأرزاقهم قبل خلقه لهم وأثبت في اللوح المحفوظ جميع ما هو كائن منهم إلى يوم يبعثون، وقد دل على ذلك بقوله ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر، وكل صغير وكبير مستطر﴾. وعلى أن عذاب القبر حق وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الله يبعث من في القبور، وعلى أنه ينفخ في الصور قبل يوم القيامة ويصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وعلى أن الله تعالى يعيدهم كما بدأهم، وأن الله تعالى ينصب الموازين لوزن أعمال العباد، وأن الخلق يؤتون يوم القيامة بصحائف فيها أعمالهم فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حسابا يسيرا، ومن أوتي كتابه بشماله فأولئك يصلون سعيرا، وعلى الصراط والشفاعة والحوض، وعلى أن الله تعالى يخرج من النار من في قلبه شيء من الإيمان بعد الانتقام منه. وأجمعوا على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليهم بأيديهم وبألسنتهم إن استطاعوا ذلك وإلا فبقلوبهم. قال أبو الحسن الأشعري: «وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين وعلى أن كل من ولي شيئا من أمورهم عن رضى أو غلبة وامتدت طاعته من بر وفاجر لا يلزم الخروج عليهم بالسيف جار أو عدل وعلى أن يغزوا معهم العدو ويحج معهم البيت وتدفع إليهم الصدقات إذا طلبوها ويصلى خلفهم الجمع والأعياد».

فضل الصحابة[عدل]

اتفق جمهور أهل السنة والجماعة على أن خير القرون قرن الصحابة ثم الذين يلونهم على كما دل عليه حديث: «خيركم قرني» وعلى أن خير الصحابة الأئمة الخلفاء الأربعة وأولهم: أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب، ثم باقي العشرة المبشرين بالجنة ثم أهل بدر، وعلى أن الخيار بعد العشرة في أهل بدر من المهاجرين والأنصار على قدر الهجرة والسبق في الإسلام، وعلى أن كل من آمن بالله ورسوله وحصلت له الصحبة ولو ساعة أو اجتمع برسول الله أو رآه ولو مرة مع إيمانه به وبما دعا إليه أفضل من التابعين بذلك. وأن إمامة الخلفاء الراشدين كانت عن رضى من جماعتهم وأن الله ألف قلوبهم على ذلك لما أراده من استخلافهم جميعا بقوله: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كم استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم..﴾ وأجمعوا على الكف عن ذكر الصحابة عليهم السلام إلا بخير ما يذكرون به وعلى أنهم أحق أن ينشر محاسنهم ويلتمس لأفعالهم أفضل المخارج وأن نظن بهم أحسن الظن وأحسن المذاهب ممتثلين في ذلك لقول رسول الله: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» وقال أهل العلم معنى ذلك لا تذكروهم إلا بخير الذكر، وقوله «لا تؤذوني في أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» وعلى ما أثنى الله تعالى به عليهم بقوله ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل﴾. الآية وأجمعوا على أن ما كان بينهم من الأمور الدنيا لا يسقط حقوقهم كما لا يسقط ما كان بين أولاد يعقوب النبي عليه السلام من حقوقهم، وعلى أنه لا يجوز لأحد أن يخرج عن أقاويل السلف فيما أجمعوا عليه وعما اختلفوا فيه أو في تأويله لأن الحق لا يجوز أن يخرج عن أقاويلهم. وأجمعوا على النصيحة للمسلمين والتولي بجماعتهم وعلى التوادد في الله والدعاء لأئمة المسلمين والتبري ممن ذم أحدا من أصحاب رسول الله وأهل بيته وأزواجه وترك الاختلاط بهم والتبري منهم. فهذه الأصول التي مضى الأسلاف عليها واتبعوا حكم الكتاب والسنة بها واقتدى بهم الخلف الصالح في مناقبها.[119]

مفهوم الوسطية[عدل]

مفهوم الوسطية في الإسلام عدم الإفراط ولا التفريط، بل وسطا بين ذلك قواما، ودينا قيما، فالوسطية عدم المغالاة في الأمور بمعنى تجاوز الحد في الدين، وهو منهي عنه في الدين الإسلامي فقد ذكر الله في القرآن ابتداع الرهبانية في قوله تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها..﴾ وهناك فرق بين الالتزام والمحافظة، وبين المغالاة المنهي عنها التي هو بمعنى تجاوز الحد في الشيء، وهو من سمات فرق الضلال الذين غالوا في الدين حتى وقعوا في الضلال، وقد جاء في الحديث في صفة الخوارج: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ...» الحديث.. وذلك أنهم بالغوا في التعبد حتى وصفوا المقصرين والعصاة بالكفر، وهذا مخالف لوسطية الإسلام، ومن جهة أخرى فإنهم بالغوا في القول: أن المعصية كفر وغالوا في تفسير آيات الوعيد حتى كفروا كل من يرتكب إثما وقالوا: أن العاصي مخلد في النار، ومنعوا بذلك رحمة الله عن الناس، ولكن الأمور الأخروية بمشيئة الله ولا شأن للمخلوقين بتقرير ذلك. ومن أمثلة الغلو في الدين ما ذكر في القرآن من وصف النصارى لعيسى ابن مريم بصفات الألوهية، قال الله تعالى: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ فالأنبياء والعلماء والصالحون لهم مكانة واحترام وهم أولى بالتعظيم، والمنهي عنه في الإسلام إنما هو الإطراء بمعنى: المبالغة في تعظيم المخلوق ووصفه بما لا يستحق، فالألوهية لله وحده لا شريك له.

وقد جاء في القرآن التأكيد على أن الله جعل الأمة المحمدية أمة وسطا في قوله تعالى ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ أي: خيارا عدولا،[120] أي: جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم. والوسط: العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها. وروى الترمذي: «عن أبي سعيد الخدري عن النبي Mohamed peace be upon him.svg في قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ قال: عدلا». قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي التنزيل: ﴿قال أوسطهم﴾،[121] أي: أعدلهم وخيرهم. وقال زهير:

هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم

وقال آخر:

أنتم أوسط حي علموا بصغير الأمر أو إحدى الكبر

وقال آخر:

لا تذهبن في الأمور فرطا لا تسألن إن سألت شططا
-- وكن من الناس جميعا وسطا

ووسط الوادي: خير موضع فيه وأكثره كلأ وماء. ولما كان الوسط مجانبا للغلو والتقصير كان محمودا، أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم. وفي الحديث: «خير الأمور أوسطها»، وفيه عن علي رضي الله عنه: «عليكم بالنمط الأوسط، فإليه ينزل العالي، وإليه يرتفع النازل».[122]

والبدعة بمعناها الشرعي ورد في الشرع ذمها ووصفها بالضلالة التي ينشأ عنها التفرق والاختلاف في الدين، وكونها ضلالة؛ لكونها تمثل خروجا عن طريق الهداية، بالخروج عن المسار الصحيح بالتدخل فيما لا يعني والإعراض عن الهدف المقصود، والخروج عن الصراط المستقيم هو الضلال باختلاف أصنافه، وهو إما خروج عن الملة مثل تكذيب الرسل وعبادة الأحجار والنجوم وغيرها، وإما أن يكون مما لا يخرج بسببه عن الملة كالفرق الإسلامية التي لم تخرج ببدعتها عن الملة، فالخوض في المتشابهات خروج عن الحق وتجاوز الصراط المستقيم ووقوع في الضلالة، وفي الحديث: «عن أبي هريرة عن النبي Mohamed peace be upon him.svg قال: "دعوني ما تركتكم إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"».[123] ولمسلم بلفظ: «ذروني» وهي بمعنى دعوني وذكر مسلم سبب هذا الحديث من رواية محمد بن زياد فقال: «عن أبي هريرة خطبنا رسول الله Mohamed peace be upon him.svg فقال: يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال ذروني ما تركتكم..».[124] قال ابن حجر: والمراد بهذا الأمر ترك السؤال عن شيء لم يقع خشية أن ينزل به وجوبه أو تحريمه، والنهي عن كثرة السؤال لما فيه غالبا من التعنت، وخشية أن تقع الإجابة بأمر يستثقل، فقد يؤدي لترك الامتثال فتقع المخالفة. قال ابن فرج: معنى قوله ذروني ما تركتكم لا تكثروا من الاستفصال عن المواضع التي تكون مفيدة لوجه ما ظهر ولو كانت صالحة لغيره، والنهي عن التنقيب عن ذلك لأنه قد يفضي إلى مثل ما وقع لبني إسرائيل، إذ أمروا أن يذبحوا البقرة فلو ذبحوا أي بقرة كانت لامتثلوا ولكنهم شددوا فشدد عليهم.[123] وفيه دليل النهي عن كثرة المسائل والمغالاة في ذلك، قال البغوي في شرح السنة: المسائل على وجهين أحدهما: ما كان على وجه التعليم لما يحتاج إليه من أمر الدين فهو جائز بل مأمور به لقوله تعالى فاسألوا أهل الذكر الآية، وعلى ذلك تتنزل أسئلة الصحابة عن الأنفال والكلالة وغيرهما. ثانيهما: ما كان على وجه التعنت والتكلف، وهو المراد في هذا الحديث والله أعلم، ويؤيده ورود الزجر في الحديث عن ذلك وذم السلف، فعند أحمد من حديث معاوية أن النبي Mohamed peace be upon him.svg نهى عن الأغلوطات قال الأوزاعي: هي شداد المسائل، وقال الأوزاعي أيضا: «إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقل الناس علما» وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: «المراء في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل»[123] وقال ابن العربي: «كان النهي عن السؤال في العهد النبوي خشية أن ينزل ما يشق عليهم ، فأما بعد فقد أمن ذلك لكن أكثر النقل عن السلف بكراهة الكلام في المسائل التي لم تقع» قال: «وإنه لمكروه إن لم يكن حراما إلا للعلماء فإنهم فرعوا ومهدوا فنفع الله من بعدهم بذلك، ولا سيما مع ذهاب العلماء ودروس العلم» انتهى. ملخصا.[123]

الجدول التالي يعرض وجهة النظر السنية من ناحية أن أهل السنة والجماعة هم أهل الوسطية في المعتقدات.

القضاء والقدر الجبرية :غلوا في إثبات القدر، فنفوا فعل العبد أصلا، وجعلوا الإنسان مقسورا ومجبورا وليس له اختيارات أبدا. أهل السنة والجماعة : فتوسطوا وجعلوا له اختيارا، ولكن اختياره مربوط بمشيئة الله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وقالوا: إن العباد فاعلون والله خالقهم وخالق أفعالهم، كما ذكر القرآن: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ. فهذا توسطهم في باب القضاء والقدر. القدرية : فرطوا في القضاء والقدر، وقالوا إن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله وليس لله قدرة على هداية العبد أو على إضلاله.
مسالة الإيمان والدين الحرورية والمعتزلة : فالحرورية يسمون مرتكب الكبيرة كافرا ويستحلون دمه وماله، وأما المعتزلة فقالوا: إن مرتكب الكبيرة خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر فهو بمنزلة بين المنزلتين؟. أهل السنة والجماعة : جعلوا الإنسان مستحقا اسم الإيمان واسم الإسلام، ولو كان معه شيء من الذنوب وشيء من المعاصي، فمرتكب الكبيرة عندهم ناقص الإيمان، قد نقص إيمانه بقدر ما ارتكب من معصيته، فلا ينفون عنه الإيمان أصلا ولا يخرجونه من الإسلام بالكلية، ولم يجعلوا المذنب كامل الإيمان بل جعلوه مؤمنا ناقص الإيمان. المرجئة والجهمية : فالمرجئة قالوا: أن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان ولا يستحق دخول النار، وقالوا لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فعندهم أن من صدّق بقلبه ولو لم يعمل فهو مؤمن كامل الإيمان.
علي بن أبي طالب النواصب والخوارج : النواصب قالوا : بفسق علي بن أبي طالب، والخوارج قالوا : بكفر علي بن أبي طالب. أهل السنة والجماعة : قالوا أن علي بن أبي طالب خليفة راشد وأنه أفضل من عشرات الألوف من الصحابة إلا ثلاثة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وكلهم ذوي فضل، ولكنه ليس معصوما كعصمة الأنبياء. الشيعة : فالإثناعشرية قالوا: بأنه معصوم كعصمة الأنبياء وأنه أفضل من كل الأنبياء إلا النبي محمد.

التاريخ[عدل]

خلفية[عدل]

كان توجه الدعوة الإسلامية صوب الذين عبدوا الأصنام أو قالوا بتأليه عيسى ابن مريم عليه السلام وغيرهم، والدين كله لله، ومله الإسلام لله وحده هي ملة كل الأنبياء والرسل، وإنما كان تفرق الأمم في الدين واختلافهم فيه من بعد ما جاءهم الهدى بسبب تغليب الأهواء والخروج عن الطرق التي سنها لهم الأنبياء والمرسلين، وفي الحديث: «إنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم».[125] قال الشاطبي في معنى قول الله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾: فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه، وهو السنة، والسبل هي سبل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم وهم أهل البدع، وليس المراد سبل المعاصي؛ لأن المعاصي من حيث هي معاص لم يضعها أحد طريقا تسلك دائما على مضاهاة التشريع، وإنما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثات. وعن مجاهد في قوله: ﴿ولا تتبعوا السبل﴾، قال: البدع والشبهات. وسئل مالك عن السنة؟ فقال: هي ما لا اسم له غير السنة، وتلا: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾. فهذا التفسير يدل على شمول الآية لجميع طرق البدع، لا تختص ببدعة دون أخرى. ومن الآيات قول الله تعالى: ﴿وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين﴾. فالسبيل القصد هو طريق الحق، وما سواه جائر عن الحق أي: عادل عنه وهي طرق البدع والضلالات.[126]

والصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وهو سبيل الله الذي دعا إليه، ومهمة الأنبياء والرسل هداية الناس إلى صراط الله المستقيم هداية دلالة وإرشاد، والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد، والضلال والضلالة: ضد الهدي والهدى، وهو الخروج عن الطريق، فالضال يلتبس عليه الأمر حيث لم يكن له هاد يهديه، وهو الدليل، فصاحب البدعة لما غلب الهوى مع الجهل بطريق السنة توهم أن ما ظهر له بعقله هو الطريق القويم دون غيره، فمضى عليه، فحاد بسببه عن الطريق المستقيم، فهو ضال وإن كان بزعمه يتحرى قصدها. فالمبتدع من هذه الأمة، إنما ضل في أدلتها، حيث أخذها مأخذ الهوى والشهوة لا مأخذ الانقياد تحت أحكام الله، وهذا هو الفرق بين المبتدع وغيره؛ لأن المبتدع جعل الهوى أول مطالبه، وأخذ الأدلة بالتبع.[127]

فكل الأنبياء والرسل على اختلاف مناهجهم مجتمعون ملة واحدة في توحيد الله والإيمان به وعبادته، ومناهج الأنبياء والرسل هي دليل الاهتداء إلى الحق، وفي نصوص القرآن دلالة على ما حدث في الأمم السابقة من تفرق واختلاف سببه تحكيم العقول فيما لا شأن لهم به، حتى وقعوا في الضلال حيث لم يحتكموا إلى مناهج الأنبياء فيما التبس عليهم من الأمور، قال الشهرستاني: «اعلم أن أول شبهة وقعت في الخليقة شبهة إبليس لعنه الله، ومصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص، واختياره الهوى في معارضة الأمر، واستكباره بالمادة التي خلق منها وهي النار على مادة آدم عليه السلام وهي الطين، وانشعبت من هذه الشبهة سبع شبهات وسارت في الخليقة وسرت في أذهان الناس حتى صارت مذاهب بدعة وضلالة، وتلك الشبهات مسطورة في شرح الأناجيل الأربعة: إنجيل لوقا ومارقوس ويوحنا ومتى، ومذكورة في التوراة متفرقة على شكل مناظرات بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود والامتناع منه».[128] قال: ولا يجوز أن تعدو شبهات فرق الزيغ والكفر والضلال هذه الشبهات وإن اختلفت العبارات وتباينت الطرق فإنها بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذور وترجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالحق، وإلى الجنوح إلى الهوى في مقابلة النص. والذين عارضوا الرسل وجادلوهم كلهم نسجوا على منوال اللعين الأول في إظهار شبهاته، وحاصلها يرجع إلى دفع التكليف عن أنفسهم وجحد أصحاب الشرائع والتكاليف بأسرهم، والشبهات الواقعة في أمة كل نبي من بعده ناشئة من شبهات خصماء أول زمانه من الكفار والملحدين وأكثرها من المنافقين، والشبهات التي وقعت في آخر الزمان هي بعينها تلك الشبهات التي وقعت في أول الزمان، وكل الشبهات وما يحدث بسببها من الفتن والضلال والتفرق والاختلاف فهو من مسالك الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾.

والفرق التي ظهرت في الأمة الإسلامية وانشقت عن منهج أهل السنة والجماعة سلكوا في الضلال مسالك الأمم السابقة، وفي الحديث: «لتسلكن سبل الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه».[129] وثبت في الحديث: «وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» قال المباركفوري: المراد من أمتي أمة الإجابة وفي حديث عبد الله بن عمرو الآتي: كلهم في النار إلا ملة واحدة، وهذا من معجزاته Mohamed peace be upon him.svg لأنه أخبر عن غيب وقع. «قال العلقمي قال شيخنا: ألف الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي في شرح هذا الحديث كتابا قال فيه: قد علم أصحاب المقالات أنه Mohamed peace be upon him.svg لم يرد بالفرق المذمومة المختلفين في فروع الفقه من أبواب الحلال والحرام، وإنما قصد بالذم من خالف أهل الحق في أصول التوحيد وفي تقدير الخير والشر، وفي شروط النبوة والرسالة وفي موالاة الصحابة، وما جرى مجرى هذه الأبواب؛ لأن المختلفين فيها قد كفر بعضهم بعضا، بخلاف النوع الأول فإنهم اختلفوا فيه من غير تكفير ولا تفسيق للمخالف فيه، فيرجع تأويل الحديث في افتراق الأمة إلى هذا النوع من الاختلاف. وقد حدث في آخر أيام الصحابة خلاف القدرية من معبد الجهني وأتباعه، ثم حدث الخلاف بعد ذلك شيئا فشيئا إلى أن تكاملت الفرق الضالة اثنتين وسبعين فرقة والثالثة والسبعون هم أهل السنة والجماعة وهي الفرقة الناجية، انتهى باختصار يسير».[130]

ولما كانت ملة الأنبياء والرسل ملة واحدة يدينون لله بدين واحد، وتفرق الأمم السابقة يرجع إلى تغليب الأهواء في معارضة شرائع الأنبياء والرسل، فلا يختلف الأمر في فرق الضلال التي ثبت في صحيح الحديث الإخبار بظهورها في عصر السلف الصالح، وذلك فيما ابتدعوه من الكلام فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه، وفسروه وفق أهوائهم، فوقعوا في ضلال البدعة التي أجمعت الأدلة على ذمها والتحذير منها، فمن نصوص القرآن الدالة على ذم البدعة: قول الله تعالى: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله..الآية، فالمحكمات بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد من الناس،[131] والمتشابهات تحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد.[132] وفي رواية للبخاري بلفظ: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم». وفي رواية: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم». وفي رواية: «قد حذركم الله فإذا رأيتموهم فاعرفوهم».[133][134][135] روى ابن كثير عن الإمام أحمد: في قوله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه﴾ قال: "هم الخوارج"» وفي قوله: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾،[136] قال: «هم الخوارج».[132] ورجح الطبري أنه وإن كان نزول الآية في نصارى نجران إلا أنه يشمل جميع أصناف المبتدعة كان من النصرانية أو اليهودية أو المجوسية أو كان سبئيا أو حروريا أو قدريا أو جهميا وغيرهم ممن يجادلون فيه.[137] فمن سمات أهل الزيغ تتبع المتشابهات وتفسيرها وفق أهوائهم فيتكلمون فيما ليس لهم به علم، ويقولون على الله ما لا يعلمون، حتى تتحول تلك الأهواء والضلالات إلى معتقدات مخالفة للسنة والجماعة، يخرجون بها عن الحق، كالقدرية والمشبهة والسبئية وغيرها، وهؤلاء هم أصحاب البدع التي ذمها الشرع وحذر منها، وأجمع أهل السنة والجماعة من أئمة الصحابة والتابعين على أنها ضلالات مخالفة للحق؛ لأن أصحابها جعلوا العقل معارضا للنص ومقدما على الشرع، وهذا بخلاف استخدام العقل وسيلة للتفكر في المخلوقات المؤدي إلى الإيمان، حيث دلت نصوص الكتاب والسنة على استخدام البرهنة العقلية في إثبات العقائد،[° 4] قال ابن خلدون: «وأمهات العقائد الإيمانية معللة بأدلتها العقلية وأدلتها من الكتاب والسنة كثير وهي معلومة ومقررة، وما وقع من الخلاف في العقائد أكثره من اتباع المتشابه».[138]

أول بِدعة في الإسلام[عدل]

بعد انتشار الإسلام دخلت بين المسلمين أفكار ومعتقدات دينية من مختلف البلدان، وكانت هناك فئات من المسلمين بحاجة لتعلم شرائع الإسلام وأحكامه، فكانوا هم المستهدف من أصحاب تلك الأفكار والمعتقدات، وكان أصحاب الديانات الأخرى يحاولون تضليل المسلمين باتباع المتشابهات، ولكن انتشار الإسلام حال دون ذلك، فتحول الأمر في معارضة الإسلام ليكون المعارضون من المسلمين أنفسهم، وبدء ذلك عن طريق تضليل المسلمين في البلدان التي كانت تجهل الكثير من تعاليم الإسلام بسبب ظروف الحياة في بلدانهم النائية عن أماكن تواجد الصحابة، فكانت أول فتنة ظهرت في الإسلام بدعة الخوارج، وقد كان خروجهم عن الحق بدافع ديني، بالإضافة إلى الدوافع الاقتصادية والسياسية التي بدأت في ظاهرة الخروج على ولاة الأمر وشق عصا الطاعة. قال ابن كثير: فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم رسول الله Mohamed peace be upon him.svg غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجئوه بهذه المقالة، فقال قائلهم -وهو ذو الخويصرة -بقر الله خاصرته- اعدل فإنك لم تعدل، فقال له رسول الله Mohamed peace be upon him.svg: «لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني»، فلما قفا الرجل استأذن عمر بن الخطاب -وفي رواية: خالد بن الوليد- (ولا بعد في الجمع)- رسول الله في قتله، فقال: «دعه فإنه يخرج من ضئضئ هذا -أي: من جنسه- قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم»».[132] وهذا الحديث في الصحيحين وغيرهما بروايات صحيحة ومنها في صحيح مسلم: «عن جابر بن عبد الله قال أتى رجل رسول الله Mohamed peace be upon him.svg بالجعرانة -منصرفه من حنين- وفي ثوب بلال: فضة، ورسول الله Mohamed peace be upon him.svg يقبض منها يعطي الناس، فقال: يا محمد اعدل، قال: «ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل» فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: «معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية».[139] وظاهر كلام ابن كثير يدل على أن ذا الخويصرة رأس الخوارج وهو وإن لم يكن هناك ما يسمى بـالخوارج في ذلك الحين لكن دل عليه قوله: «يخرج من ضئضئ هذا..» أي: من جنسة، ومثل هذا حصول الفتنة في زمن عثمان بن عفان والخروج عليه وقتله، والفتن التي حصلت بعد ذلك، كله يدل على أن الخوارج هم الذين كانوا وراء كل ذلك، لكنهم لم يكونوا أعلنوا خروجهم تحت مسمى فرقة خاصة إلا في زمن علي بن أبي طالب، فقد انضموا في بداية الأمر إلى صف علي بن أبي طالب، فلما قبل بالتحكيم أعلنوا خروجهم وصاحوا قائلين: «لا حكم إلا لله»، فرد عليهم علي بن أبي طالب بقوله: «كلمة حق يراد من ورائها باطل»، وقد استشار الصحابة بشأنهم وحاورهم ابن عباس وغيره من الصحابة، ثم اتفقت أقوال الصحابة على وجوب قتالهم بما لديهم من نصوص الأحاديث الدالة على ذلك، وقتلهم علي بن أبي طالب بالنهروان. قال ابن كثير: ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب، وقتلهم بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونحل كثيرة منتشرة، ثم نبعت القدرية، ثم المعتزلة ثم الجهمية وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق في قوله: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «من كان على ما أنا عليه وأصحابي».[132][140] وفي رواية عن حذيفة: «إن في أمتي قوما يقرؤون القرآن ينثرونه نثر الدقل، يتأولونه على غير تأويله».[132] عن ابن العاص عن رسول الله Mohamed peace be upon him.svg قال: «إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه فآمنوا به».[132] قال النووي: «قوله Mohamed peace be upon him.svg: «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم» قال القاضي: فيه تأويلان: أحدهما: معناه: لا تفقهه قلوبهم ولا ينتفعون بما تلوا منه، ولا لهم حظ سوى تلاوة الفم والحنجرة والحلق إذ بهما تقطيع الحروف، الثاني: معناه: لا يصعد لهم عمل ولا تلاوة ولا يتقبل». وقد جاء في الحديث: «يمرقون من الدين» وفي رواية مسلم: «يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية» أي: من الدين، والمراد به هنا: دين الإسلام، كما في الرواية الأخرى بلفظ: «يمرقون من الإسلام»، كما يدل عليه قول الله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾. قال القاضي: معناه: يخرجون منه خروج السهم إذا نفذ الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق به شيء منه، والرمية هي الصيد المرمي. وقال الخطابي: هو الطاعة أي: من طاعة الإمام. انتهى ملخصا من كلام النووي. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما الكثير من الأحاديث الصحيحة في نعت الخوارج بأنهم: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان» بمعنى: أن فتنتهم تمتد صوب الإسلام والمسلمين بما اتخذوه من تكفير المسلمين الذي صوغ لهم الخروج على الحكام واستباحة دماء المسلمين وأعراضهم، وكان أول من يتضرر بهم هم حكام المسلمين وأئمتهم وعلماؤهم في الدين، بما لديهم من معتقدات التكفير التي يسعون من ورائها للفتنة بين المسلمين والتفريق بين الحاكم والمحكوم وتزهيد الناس في علمائهم وحكامهم، وجاء في وصفهم حديث: «يحسنون القيل ويسيؤون الفعل». فيبالغون في وصف مخالفيهم بالتكفير ويستحلون القدح في علماء الإسلام. وجاء في حديث ذي الخويصرة في صحيح مسلم بلفظ: «فقال رسول الله Mohamed peace be upon him.svg: إن من ضئضئ هذا قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».[141]

استحدث الخوارج أول بدعة في الإسلام تتضمن مقولات متشددة ومبالغ فيها، واتخذوا من مبدء التكفير سببا للخروج على ولاة الأمر، وبما أن علي بن أبي طالب كان صارما في التعامل معهم وبما لديه من الفقه في الدين، فقد حاورهم وحاول أن يستعيدهم للصواب فرجع منهم من رجع وبقي منهم من بقي، وبعد وقعة النهروان لم يبق منهم إلا عدد قليل تفرقوا في البلدان. ذكر ابن بطال في حديث عن علي بن أبي طالب أنه قال في أثناء خطبته: «مايمنع أشقاكم أن يخضبها بدم» وأشار إلى لحيته‏.‏[142][° 5] وقد توجه من الخوارج عبد الرحمن بن ملجم لقتل علي بن أبي طالب فقتله في المسجد يوم الجمعة قبل صلاة الفجر.

الكلام في الصفات ومسائل الاعتقاد[عدل]

بدء الكلام في مسائل العقيدة في عصر السلف، وأصول العقيدة الإسلامية أحكام قطعية معلومة بطريق الوحي، ولا سبيل للعلم بعد عصر النبوة إلا عن الصحابة فإنهم كانوا مجتمعين على السُّنة، وخالفهم أهل الأهواء الذين خاضوا في المتشابهات فتحولت شبهاتهم إلى معتقدات خرجوا بها عن الحق، وتفرقوا بسببها عن جماعة المسلمين، وكانت أول فتنة في الإسلام بدعة الخوارج، ثم تفرعت من مقولاتهم بدع شتى من صنوف الفتن في الدين، وكل هذه البدع المضلة تشترك في معنى الخروج عن الحق في أصول الاعتقاد والتفرق في الدين، ويكون مصدرها الاستبداد بالرأي في مقابلة النص، واختيار الهوى في معارضة الأمر، والاستكبار والإعجاب بالرأي، وكان أئمة السلف من أهل السنة والجماعة يكتفون بما علموه، ويفوضون فيما تشابه عليهم..

استُحدِث في عصر السلف بدعة الكلام في المتشابهات والقول فيها بالرأي حتى تحول ذلك اعتقادا مخالفا للحق، وظهرت بدعة القول بالقدر، وفتنة القول بخلق القرآن، وقد بالغت القدرية (المعت زلة) في التنزيه مما أدى إلى استحداث بدعة القول بإنكار صفات ثابتة بالنص، ومن ثم أطلقوا على المعتزلة معطلة، وبالمقابل فقد ظهر في عصر السلف مبتدعة بالغوا في إثبات الصفات، اتبعوا المتشابهات من النصوص وفسروها بحسب الظاهر، فوقعوا في التجسيم المناقض لآيات التنزيه الصريح، ومنها بدعة محمد بن كرام السجستاني،[143] في القول بالتجسيم وتنسب إليه الكرامية، وهم أقرب الفرق إلى الخوارج، وقد نصرهم محمود بن سبكتكين السلطان -وكان من الكرامية-، وصب البلاء على أصحاب الحديث والشيعة من جهتهم.[144] قال ابن خلدون: «ولم يبق في هذه الظواهر إلا اعتقادات السلف ومذاهبهم والإيمان بها كما هي لئلا يكون النفي على معانيها بنفيها مع أنها صحيحة ثابتة من القرآن».[145]

واتفق أهل السنة والجماعة سلفا وخلفا على أن النصوص الموهمة بظاهرها للتشبيه بالحوادث هي من المتشابهات التي لا يجوز الخوض فيها، فلا يجوز الأخذ بظاهر معناها الموهم للتشبيه، ويجب الإيمان بالنصوص الثابتة وتفويض العلم لله في معناها على ما كان عليه الصحابة من وجوب تنزيه الله، وعدم جواز الخوض في المتشابهات من النصوص، وطريقة أئمة السلف التفويض،[146] بمعنى أنهم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا، ويفوضون الأمر في ذلك لله، ويتوقفون عن الدخول في تفاصيل المعنى، مكتفين بقولهم: «الله أعلم بمراده بذلك»، ومن أئمة السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل ولا تهدفوا للتشبيه مالك بن أنس وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وداود بن علي الظاهري، ومن تابعهم، وثبت التأويل عن بعض أئمة السلف ومنهم علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس، في مواضع مثل: تأويل الأيدي بالقوة، في قوله تعالى: «والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون» الذاريات آية: (47). قال ابن عباس: بأيد أي: بقوة، قال أبو جعفر الطبري في تأويل الآية: «والسماء رفعناها سقفا بقوة، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل»، وروى هذا عن ابن عباس وغيره.[147] والمقصود بالتأويل صرف اللفظ عن ظاهره بما يتناسب مع التنزيه والتعظيم، وذلك أن اللفظ المؤول في كلام العرب يقصد به ما يقابل الظاهر، فيقال مثلا: بث الحاكم عيونه في المدينة، فالعيون هنا مؤولة بالجواسيس لتعذر الحقيقة. ومثل: ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين سورة آل عمران آية: 54، نسوا الله فنسيهم سورة التوبة آية: (67)، يؤول بمعنى المجازاة.[148]

هناك نصوص من الكتاب والسنة تدل على استخدام الاستدلات العقلية في إثبات مسائل الاعتقاد، وهذا لا خلاف فيه عند أهل السنة والجماعة، إلا أن الكلام في مسائل الاعتقاد الذي استحدثته الفرق المنشقة عن أهل السنة والجماعة أخذ منحىً آخر، حيث أنهم تكلموا فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه.

قال الشهرستاني: «اعلم أن السلف من أصحاب الحديث لما رأوا توغل المعتزلة في علم الكلام ومخالفة السنة التي عهدوها من الأئمة الراشدين ونصرهم جماعة من أمراء بني أمية على قولهم بالقدر وجماعة من خلفاء بني العباس على قولهم بنفي الصفات وخلق القرآن تحيروا في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في متشابهات آيات الكتاب الحكيم وأخبار النبي الأمين Mohamed peace be upon him.svg».[149]

«فأما أحمد بن حنبل وداود بن علي الأصفهاني وجماعة من أئمة السلف فجروا على منهاج السلف المتقدمين عليهم من أصحاب الحديث مثل: مالك بن أنس ومقاتل بن سليمان وسلكوا طريق السلامة فقالوا: نؤمن بما ورد به الكتاب والسنة ولا نتعرض للتأويل بعد أن نعلم قطعا أن الله عز وجل لا يشبه شيئا من المخلوقات وأن كل ما تمثل في الوهم فإنه خالقه ومقدره، وكانوا يحترزون عن التشبيه إلى غاية أن قالوا من حرك يده عند قراءته قوله تعالى: ﴿خلقت بيدي﴾ أو أشار بإصبعيه عند روايته: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» وجب قطع يده وقلع أصبعيه».

وسبب توقفهم في تفسير الآيات وتأويلها اجتناب الخوض في المتشابهات، للمنع الوارد في التنزيل في قوله تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾ قالوا: فنحن نحترز عن الزيغ، وقالوا: أن التأويل أمر مظنون بالاتفاق والقول في صفات الباري بالظن غير جائز فربما أولنا الآية على غير مراد الباري تعالى فوقعنا في الزيغ بل نقول كما قال الراسخون في العلم (﴿كل من عند ربنا﴾ آمنا بظاهره وصدقنا بباطنه ووكلنا علمه إلى الله تعالى ولسنا مكلفين بمعرفة ذلك إذ ليس ذلك من شرائط الإيمان وأركانه. فهذا هو طريق السلامة وليس هو من التشبيه في شيء. غير أن جماعة من الشيعة الغالية وجماعة من أصحاب الحديث الحشوية صرحوا بالتشبيه.[150]

وكان للإمام أحمد بن حنبل دور بارز في مناصرة السنة والدفاع عنها، والصبر في المحنة وواجه الاضطهاد من المعتزلة،[151] وتبعه في ذلك أئمة الحنابلة الذين تابعوا طريقته في الدفاع عن السنة وساروا على طريقته، وعمل أبو الحسن الأشعري في الرد على أهل الأهواء وصاغ منهجا يقوم على أساس إثبات العقائد الدينية بالأدلة السمعية والعقلية، ويعتمد على منهج الأئمة السابقين، على قاعدة أن النقل هو الأساس وأن العقل خادم للنقل ووسيلة لإثباته والبرهان على صحته. وجمع ما تفرق من كلام علماء أهل السنة والجماعة، وأيد النقل بالعقل، وأبطل مغالطات وأباطيل المعتزلة وغيرها، وقارن ذلك ظهور أبو منصور الماتريدي فيما وراء النهر، وقام بعمل مماثل لعمل لعمل أبي الحسن الأشعري، ولقي كلاهما قبولا واسعا واعترف لهما جمهور أهل السنة والجماعة بالإمامة.

قال الشهرستاني: وأما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل ولا تهدفوا للتشبيه فمنهم: مالك بن أنس رضي الله عنهما إذ قال: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، ومثل أحمد بن حنبل رحمه الله وسفيان الثوري وداود بن علي الأصفهاني ومن تابعهم حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي وأبي العباس القلانسي والحارث بن أسعد المحاسبي وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية، وصنف بعضهم ودرس بعض حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه مناظرة في مسألة من مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما، وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة فأيد مقالتهم بمناهج كلامية وصار ذلك مذهبا لأهل السنة والجماعة وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية.[152]

ذكر ابن خلدون في تاريخه: أنه لما كثر تدوين العلوم وألف المتكلمون في التنزيه حدثت بدعة المعتزلة، واستحدثوا فتنة القول بأن القرآن مخلوق، وهو بدعة صرح السلف بخلافها وعظم ضرر هذه البدعة ولقنها بعض الخلفاء عن أئمتهم فحمل الناس عليها وخالفهم أئمة السلف فاستحل لخلافهم إيسار كثير منهم ودماؤهم. ثم قال: «وكان ذلك سببا لانتهاض أهل السنة بالأدلة العقلية على هذه العقائد دفعا في صدور هذه البدع وقام بذلك الشيخ أبو الحسن الأشعري إمام المتكلمين فتوسط بين الطرق ونفى التشبيه وأثبت الصفات المعنوية وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف وشهدت له الأدلة المخصصة لعمومه فأثبت الصفات الأربع المعنوية والسمع والبصر والكلام القائم بالنفس بطريق النقل والعقل ورد على المبتدعة في ذلك كله وتكلم معهم فيما مهدوه لهذه البدع من القول بالصلاح والأصلح والتحسين والتقبيح وكمل العقائد في البعثة وأحوال الجنة والنار والثواب والعقاب».[138] وقال: «وألحق بذلك الكلام في الإمامة لما ظهر حينئذ من بدعة الإمامية من قولهم إنها من عقائد الإيمان وإنه يجب على النبي تعيينها والخروج عن العهدة في ذلك لمن هي له وكذلك على الأمة وقصارى أمر الإمامة أنها قضية مصلحية إجماعية ولا تلحق بالعقائد فلذلك ألحقوها بمسائل هذا الفن وسموا مجموعة علم الكلام».[138] وقال ابن خلدون: «وكثر أتباع الشيخ أبي الحسن الأشعري واقتفى طريقته من بعده تلاميذه كابن مجاهد وغيره وأخذ عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني فتصدر للإمامة في طريقتهم وهذبها ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار».[138] وقال: «وبالجملة فموضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد الايمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية فترفع البدع وتزول الشكوك والشبه عن تلك العقائد».[138]

التعريف بأهل السنة والجماعة[عدل]

أهل السنة والجماعة اشتهر هذا المصطلح بسبب ظهور الفرق، ولا تختص هذه التسمية بطائفة معينة في مقابل أخرى، فالمسلمون كلهم أمة واحدة، وإنما ظهرت التسمية بسبب استحداث الفرق المنشقة عن جماعة المسلمين في العصور الإسلامية الأولى، ثم صارت هذه التسمية تمييزا لهم عن الفرق المنشقة عنهم، ومبدء التسمية من مفهوم اتباع السنة الذي دلت عليه النصوص النقلية مثل حديث: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» والمعنى: إلزموا طريقتي وطريقة الخلفاء الراشدين المشهود لهم بالرشاد فهم متبعون للسنة النبوية، والخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون هم سلف الأمة الإسلامية ومنهم أئمة المسلمين وهم الذين اتبعوا السنة وكانوا قدوة لمن بعدهم من الخلف من أئمة المسلمين ورواة الحديث وأعلام التفسير والحديث والفقهاء والخلفاء وولاة الأمر وعلماء الدين وعلماء اللغة والعلماء في مختلف التخصصات في علوم الشريعة الإسلامية والقواد والعامة. وتختص التسمية بالأئمة في الدين الإسلامي وهم علماء الدين المجتهدون من أهل الحديث وأهل التفسير وأهل الفقه في الدين والأئمة المجتهدون الذين اختص منهم فقهاء الصحابة ثم الذين أخذوا عنهم ونقلوا طريقتهم من فقهاء التابعين وتابعيهم، وأخذ عنهم الفقهاء المجتهدون الذين كانت لهم مذاهب فقهية، واشتهر منها في المرحلة الأولى فقه أهل الرأي والقياس وإمامهم أبو حنيفة وأصحابه من بعده، ومدرسة أهل الحديث وإمامهم مالك بن أنس، وفي المرحلة الثانية اشتهرت ثلاث مدارس فقهية مدرسة أهل الرأي ومدرسة أهل الحديث وإمامهم مالك بن أنس ثم الشافعي من بعده ومدرسة الظاهرية، وفي المرحلة الثالثة استقر عمل الناس بالمذاهب الفقهية الكبرى وهي المذاهب الأربعة.

ومذهب أهل السنة والجماعة في العقيدة لم يخرج عن مدارس الفقه بمعنى أن أئمة أهل السنة والجماعة في العقيدة هم أئمة المذاهب الفقهية، وإنما يظهر الفرق في سبب تأسيس قواعد علم التوحيد ومنهج أئمته في الاستدلال. وعقيدة أهل السنة والجماعة مأخوذة أصلا من الصحابة باعتبار أنهم هم الذين تلقوا عقيدة الإسلام من مصدرها الأول، وتلقاها عنهم من بعدهم، وقد كان للثقافات الدخيلة على الإسلام أثر في نشأة الفرق المخالفة لمذهب الحق، وكانت هناك ضرورة للرد على الشبهات التي أثارها أهل الأهواء وأصحاب الفرق الضالة. ويتفق جمهور أهل السنة والجماعة على عدم جواز الخوض في المتشابهات من مسائل الاعتقاد إلا عند الضرورة لبيان الحق، وهذا هو مذهب سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب الفقهية والتي اشتهر منها المذاهب الأربعة ومن سار على نهجهم، وجمهور أهل السنة والجماعة من بعدهم متابعون لهم ومتفقون فيما بينهم في أصول الدين، وبسبب توسع البلاد الإسلامية وتجدد ظهور أهل البدع والأهواء تطلب الأمر فهم منابع هذه الفتن للتمكن من الرد عليها وإبطالها بطريقة علمية صحيحة، وكانت هناك طريقتان في الاستدلال أحدهما: طريقة أهل الحديث وتعتمد في الاستدلال على الأدلة السمعية أي: النقلية من الكتاب والسنة والإجماع فيما يكون منها دليلا تقوم به حجة لإثبات الحكم. وثانيهما: طريقة أهل النظر والصناعة النظرية، وتعتمد في الاستدلال على الأدلية السمعية والنظرية باعتبار أن الأدلة السمعية هي الأصل، والأدلة العقلية خادمة لها.

بعد ذهاب عصر السلف انتقل مذهب أهل السنة والجماعة إلى من بعدهم، واشتهر مذهب أهل السنة والجماعة على طريقة أبي الحسن الأشعري في العراق وخراسان والشام والمغرب والأندلس وغيرها، واشتهر مذهب أهل السنة والجماعة على طريقة أبي منصور الماتريدي في ما وراء النهر وغيرها، واختص جماعة من أهل الحديث بنقل معتقد أهل السنة والجماعة على طريقة الأثرية من أهل الحديث، ثم أصبح لقب أهل السنة والجماعة يطلق على الأشعرية والماتريدية والأثرية من أهل الحديث، باعتبار أن أهل السنة والجماعة من أصحاب الصناعة النظرية هم الأشعرية والماتريدية، حيث قرروا عقيدة أهل السنة والجماعة بطريقة الصناعة النظرية، وأما الأثرية فلم يكونوا أصحاب صناعة نظرية، بل اقتصروا في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة على الطريقة السمعية (الكتاب والسنة والإجماع)، وربما أخذ بعضهم بطريقة المتكلمين من أهل النظر، فأهل السنة والجماعة على اختلاف طرقهم في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة هم مكون واحد متفقون على قول واحد في أصول الدين، وما وقع من اختلاف فلا يؤثر في أصول الاعتقاد.

هناك تسميات متعددة ذكرها العلماء للتعريف بأهل السنة والجماعة، ومهما اختلفت صياغتها في استعمالات العلماء من أهل السنة والجماعة فمردها واحد، والاختلاف في صياغتها خلاف شكلي لا أكثر، ففي عصر السلف كان يعرف أهل السنة والجماعة بأنهم أهل الحديث، وفي حديث: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». قال الإمام أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. كما أن أئمة السلف كلهم أهل الحديث، وبعد ظهور أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي اشتهر لقب أهل السنة والجماعة على الأشعرية والماتريدية أكثر، قال ابن عابدين في تقرير اعتقاد أهل السنة والجماعة: مما يجب اعتقاده على كل مكلف بلا تقليد لأحد وهو ما عليه أهل السنة والجماعة وهم الأشاعرة والماتريدية، وهم متوافقون إلا في مسائل يسيرة أرجعها بعضهم إلى الخلاف اللفظي كما بين في محله.[153] وذكر غيره مثل هذا، ووجه ذلك: أن الأشعرية والماتريدية عملوا على إثبات عقيدة أئمة السلف، وهي أمور قطعية لا خلاف عليها بين أهل السنة والجماعة، وإنما كان اشتهار هذه التسمية باعتبار أن أصحاب الصناعة النظرية من أهل السنة والجماعة دونوا وحققوا أكثر من غيرهم، إذ أن الأثرية لم يكونوا أهل صناعة نظرية، وكان أول من وضع قواعد علم التوحيد على مذهب أهل السنة والجماعة أبو الحسن الأشعري ومن تبعه من بعده، وأبو منصور الماتريدي ومن تبعه من بعده. فلو قلنا مثلا: أجمع جمهور أهل السنة والجماعة على تقديم الشرع على العقل، ومقابل هذا أن المعتزلة بالغوا في تقديس العقل فقدموه على نصوص الشرع بدليل أن بعض المعتزلة كالخوارج أنكروا حد الرجم بحجة أنه مستقبح عقلا، وأنكروا نصوص السنة الثابتة في الرجم، وقام أبو الحسن الأشعري باستخدام البراهين العقلية والحجج الكلامية لإثبات قول أهل السنة والجماعة في مسألة تقديم أدلة الشرع على العقل، والماتريدية فعلوا كذلك، وعلى كل الأحوال فإن الأشعرية والماتريدية والأثرية كلهم متفقون على القول بتقديم الشرع على العقل. وأهل السنة والجماعة متفقون على قول واحد في أصول الاعتقاد؛ لأن أصول الدين ثابتة ومقررة بالنقل ولا مجال فيها للاجتهاد، ولأن الحق واحد لا يتعدد، كما أنهم ذكروا الفرق الإسلامية وجعلوا منها أهل السنة والجماعة فرقة واحدة، وإنما يكون الخلاف بين أهل السنة والجماعة في الفروع، ومهما كان اختلافهم في فروع الأحكام فلا يحكم بعضهم على بعض بالكفر ولا يصفه بالابتداع، وما قد يقع من خلاف في مسائل العقيدة فهو خلاف شكلي قد يلتبس على العوام، بسبب الحكم على الأشياء من غير استبيان، أو المبالغة في الحكم من غير علم، ومن انتسب إلى أهل السنة والجماعة وخالف إجماعهم فقوله منسوب إليه ومحسوب عليه وحده ومردود عليه، فأهل السنة والجماعة في أصول الاعتقاد مذهب واحد.

قال تاج الدين السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب: "اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل، وإن اختلفوا في الطرق والمبادي الموصلة لذلك، أو في لِمِّية ما هنالك. وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف الأول: أهل الحديث ومعتمد مباديهم: الأدلة السمعية أعني: الكتاب، والسنة، والإجماع. الثانية: أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية؛ وهم: الأشعرية، والحنفية. وشيخ الأشعرية: أبو الحسن الأشعري، وشيخ الحنفية: أبو منصور الماتريدي، وهم متفقون في المبادي العقلية في كل مطلب يتوقف السمع عليه، وفي المبادي السمعية فيما يدرك العقل جوازه فقط، والعقلية والسمعية في غيرها، واتفقوا في جميع المطالب الاعتقادية إلا في مسألة التكوين ومسألة التقليد. الثالثة: أهل الوجدان والكشف؛ وهم الصوفية، ومباديهم مبادي أهل النظر والحديث في البداية، والكشف والإلهام في النهاية".[154]

وقد قام الإمام عبد القاهر البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق بإحصاء الفرق والطوائف المخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة التي ظهرت في تاريخ المسلمين، والتي عاصرها وهي تشتمل على اثنتين وسبعين فرقة منها: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، والنجارية، والبكرية، والضرارية، والجهمية، والكرامية، ثم قال: "فأما الفرقة الثالثة والسبعون فهي أهل السنة والجماعة من فريقي الرأي والحديث دون من يشتري لهو الحديث، وفقهاء هذين الفريقين وقراؤهم ومحدثوهم ومتكلمو أهل الحديث منهم، كلهم متفقون على مقالة واحدة في توحيد الصانع وصفاته، وعدله وحكمته، وفي أسمائه وصفاته، وفي أبواب النبوة والإمامة، وفي أحكام العقبى، وفي سائر أصول الدين. وإنما يختلفون في الحلال والحرام من فروع الأحكام، وليس بينهم فيما اختلفوا فيه منها تضليل ولا تفسيق وهم الفرقة الناجية، ويجمعها الإقرار بتوحيد الصانع وقدم صفاته الأزلية، وإجازة رؤيته من غير تشبيه ولا تعطيل، مع الإقرار بكتب الله ورسله وبتأييد شريعة الإسلام، وإباحة ما أباحه القرآن وتحريم ما حرمه القرآن، مع قيود ما صح من سنة رسول الله، واعتقاد الحشر والنشر، وسؤال الملكين في القبر، والإقرار بالحوض والميزان. فمن قال بهذه الجهة التي ذكرناها ولم يخلط إيمانه بشيء من بدع الخوارج والروافض والقدرية وسائر أهل الأهواء فهو من جملة الفرقة الناجية -إن ختم الله له بها- ودخل في هذه الجملة جمهور الأمة وسوادها الأعظم من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي والثوري وأهل الظاهر..."[155]

وذكر السفاريني «أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية: وإمامهم أحمد بن حنبل، والأشعرية: وإمامهم أبو الحسن الأشعري. والماتريدية: وإمامهم أبو منصور الماتريدي، وأما فرق الضلال فكثيرة جدا».[156] وقال في كتاب العين والأثر: أهل السنة والجماعة ثلاث طوائف هم الأشاعرة والحنابلة والماتريدية.[157]

طريقة الأثرية في مسائل الاعتقاد[عدل]

الطريقة الأثرية هي التي تستند على الأثر، والأثر في اللغة بقية الشيء، والمأثور ما ينقله خلف عن سلف،[158] والأثرية من أهل الحديث عند علماء الكلام يطلق على العلماء الذين اعتمدوا في مسائل العقيدة على الأثر الذي يقوم على النقل والأخذ بالأدلة السمعية أي: الكتاب والسنة والإجماع، والأثر بمعنى المأثور قد يكون أعم من الحديث، إلا أن المقصود لا يختلف، وأهل السنة والجماعة سواء كانوا من أهل الأثر أو النظر كلهم من أهل الحديث، لكن الفرق في التسمية يظهر في طريقة الاستدلال، وهذا الفرق مهم في التسمية، وذلك أن الأدلة السمعية أساسية في الأحكام الشرعية سواء كانت علمية أو عملية، غير أن الأحكام العملية يكون فيها القياس عند فقد النص، بخلاف الأحكام العلمية (العقيدة) فهي تُؤخذ بالأدلة السمعية عن طريق النقل والنص، ولا مجال فيها للقياس، وقد كان أئمة أهل السنة والجماعة في عصر الصحابة والتابعين يهتمون بنقل الحديث وروايته واستنباط الأحكام الفرعية، وأما الأمور الاعتقادية فكانوا يتلقونها بالمشافهة ولم تكن هي موضع بحثهم واجتهادهم؛ لأنها أمور ثابتة ومقررة متفق عليها، وإنما تصدر بعضهم للرد على أهل الشبهات والزيغ والضلال الذين خالفوا سنة الخلفاء الراشدين وما كان عليه الصحابة، واستحدثوا في العقيدة مقولات مبنية على الرأي الذي هو من قبيل اتباع الهوى في مقابل النص، وتكلموا فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه من مسائل الاعتقاد وخصوصا في الصفات، في مقابل أهل السنة والجماعة الذين اتبعوا طريقة التفويض في المتشابهات، ومعنى التفويض في النصوص المتشابهة أنهم قالوا: آمنا بما جاء من عند الله، وفوضوا علم ذلك لله فإذا ما سُئلوا عن ءاية متشابهة قالوا: «الله أعلم بمراده بذلك»، إذ إن التفويض هو توقف عن تفسير معنى النص، والسكوت وعدم الخوض فيما فوضوا علمه لله. وظهر قولهم بالتفويض بسبب مقولات المعت زلة وأهل التجسيم وغيرهم من الفرق المخالفة للسنة والجماعة الذين ظهروا في عصر السلف وخاضوا فيما لا علم لهم به، وتكلموا فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه فوقعوا في ضلال بدعهم، واشتد انكار أئمة السلف على الخوض في هذا الكلام، قال الشهرستاني: «وأما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل ولا تهدفوا للتشبيه فمنهم: مالك بن أنس رضي الله عنهما إذ قال: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، ومثل أحمد بن حنبل رحمه الله وسفيان الثوري وداود بن علي الأصفهاني ومن تابعهم حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي وأبي العباس القلانسي والحارث بن أسعد المحاسبي وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية».[159] والسلف من أهل الحديث لما رأوا توغل المعتزلة في علم الكلام ومخالفة السنة التي عهدوها من الأئمة الراشدين؛ تحيروا في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في النصوص المتشابهات، قال الشهرستاني: «فأما أحمد بن حنبل وداود بن علي الأصفهاني وجماعة من أئمة السلف فجروا على منهاج السلف المتقدمين عليهم من أصحاب الحديث مثل: مالك بن أنس ومقاتل بن سليمان، وسلكوا طريق السلامة فقالوا: نؤمن بما ورد به الكتاب والسنة ولا نتعرض للتأويل بعد أن نعلم قطعا أن الله عز وجل لا يشبه شيئا من المخلوقات، وأن كل ما تمثل في الوهم فإنه خالقه ومقدره، وكانوا يحترزون عن التشبيه إلى غاية أن قالوا: من حرك يده عند قراءته قوله تعالى: ﴿خلقت بيدي﴾ أو أشار بإصبعيه عند روايته: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» وجب قطع يده وقلع أصبعيه»،[160] للمزيد...

طريقة أهل النظر[عدل]

الطريقة النظرية يقصد بها طريقة أصحاب الصناعة النظرية في الأحكام العلمية على وجه مخصوص، وأهل السنة والجماعة كلهم من أهل الحديث، وإنما اختص منهم أهل النظر بهذه التسمية لاشتهارهم بها أكثر من غيرهم، ومن ثم فقد عُرف أبو حنيفة وأصحابة بـ«أهل الرأي والقياس» حيث أنهم اشتهروا بهذه الطريقة وتوسعوا فيها أكثر من غيرهم، في مقابل أهل الحديث من الفقهاء وإمامهم مالك بن أنس ثم الشافعي من بعده ثم أحمد بن حنبل، وذكر ابن خلدون وغيره: أن الشافعي إول من دون في علم أصول الفقه في كتابه:«الرسالة»، وجمع بين طريقة أهل الرأي وطريقة أهل الحديث، ودون العلماء من بعده وكان ذلك علما قائما برأسه أُطلق عليه: «علم أصول الفقه»، وهو منهج بقوانين الاستدلال الفقهي، يتضمن قواعد استنباط فروع الفقه، وقد استفاد منه العلماء في أخذ الطرق المناسبة للاستدلال على صحة معتقدات أهل السنة والجماعة، وإنما فعلوا ذلك بسبب تمادي أهل الأهواء في التضليل على الناس في مسائل العقيدة، وقد كانت القدرية التي تفرعت من الخوارج وحملت بعد ذلك اسم المعت زلة أول من تكلم فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه من مسائل العقيدة، وتكلم بعد ذلك أصحاب الفِرق الأخرى، ثم أُطلق عليهم أصحاب الكلام، وأما البرهنة العقلية في مسائل العقيدة فقد ثبتت في نصوص الشرع، ففي مواضع كثيرة من القرآن يُذكر الاستدلال بالعقل، ومن ذلك خطاب عَبَدة الأوثان ومنكري البعث وغيرهم بعبارات ترشدهم للتفكر في بطلان ما اعتقدوه، والحال أنهم لما كانوا لا يؤمنون بنصوص الشرع ذكر لهم في أدلة عقلية في سياق النص الشرعي، ولا خلاف أئمة السلف استخدموا البرهنة العقلية بالطرق المتعارف عليها، ومن أمثلة ذلك ما ذكره أبو عبد الرحمن الأذرمي في مجلس الواثق، إلا أنهم لم يجعلوا ذلك بابا مفتوحا لما قد يؤدي إلى الخوض فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه، حتى ظهر في عصر السلف جماعة أيدوا عقائد أهل السنة والجماعة بحجج كلامية وبراهين أصولية ودونوا في ذلك، قال الشهرستاني: «حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي وأبي العباس القلانسي والحارث بن أسعد المحاسبي وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية».[161]

ثم تصدر أبو الحسن للدفاع عن عقائد أهل السنة والجماعة، والرد على المعت زلة والمجسمة وفرق التشيع، ومثله أبو منصور الماتريدي، وصارت سمة أهل النظر والصناعة النظرية عند أهل السنة والجماعة تُطلق على الأشاعرة نسبة إلى إمامهم أبي الحسن الأشعري، والماتريدية نسبة إلى إمامهم أبي منصور الماتريدي، وقد عمل هذان الإمامان وأصحابهما من بعدهما على صياغة منهج أصول الاعتقاد لإثبات عقائد السلف الصالح بالطرق السمعية والنظرية معا، أي: بالأدلة النقلية والعقلية. واستخدام الطرق الكلامية عند أهل السنة والجماعة لا يعد مذموما لذاته إذ أنه طريقة استدلالية، وإنما قد يكون مذموما لاعتبارات أخرى، وذلك أن ما يُؤْثَر عن السلف من ذم الكلام فيما سكت عنه الصحابة، وفيما يستخدم منه للجدل والمراء، فأهل السنة والجماعة إنما استخدموه عند انتشار أهل الأهواء من أجل إِبطال شُبههم وبيان الحق لا ليعد مهنة للجدل والتشويش على العامة، وقد انقرضت تلك الفرق فلا حاجة للكلام فيما هو غائب عن أذهان الناس، لكن أهل الأهواء يظهرون عند انتشار الجهل في الدين، كما أنه لا يلزم كل فرد تعلم علم الكلام بل هو مخصوص بأهل العلم في الدين، ويكفي ولو واحدا في كل زمان للرد على أهل الأهواء، شرط أن يكون له علم بالفقه والحديث والتفسير واللغة، فالمتكلم الذي لا علم له في الدين واقع في الخطأ لا محالة، ولو قرأنا تاريخ أهل السنة والجماعة لوجدنا المتكلمين منهم علماء في الدين من أهل الحديث والفقه، لأنهم أصلا كذلك، وأيضا نجد بعضهم اشتهر بالكلام وبعضهم لم يشتهر به، وسبب ذلك يرجع إلى قاعدة عندهم فسرها أبو حامد الغزالي بالقول: أن مثل علم الكلام مثل الدواء الخطر الذي يحتاج لطبيب ماهر، لا يُستخدم إلا عند الحاجة، أي: أن الصحيح لا حاجة له إلى الدواء، بل ربما يضره تناول الدواء، وشبَّهه في موضع آخر بالسلاح فلا يُستخدم إلا عند الحاجة.[162]

تصدر الأشاعرة والماتريدية للرد على الفرق الضالة والطوائف المنحرفة، ويعدون هم وأهل الطريقة الأثرية مكون واحد هم سواد علماء أهل السنة والجماعة الأعظم في علم التفسير وعلم الحديث وفي شتى تخصصات العلم الشرعي.[163]

قال بدر الدين الزركشي: «واعلم أن الشيخ أبا الحسن الأشعري كان يتبع الشافعي في الفروع والأصول وربما يخالفه في الأصول، كقوله بتصويب المجتهدين في الفروع، وليس ذلك مذهب الشافعي، وكقوله: "لا صيغة للعموم"». قال الشيخ أبو محمد الجويني: «ونقل مخالفته أصول الشافعي ونصوصه وربما ينسب المبتدعون إليه ما هو بريء منه كما نسبوا إليه أنه يقول: ليس في المصحف قرآن، ولا في القبور نبي، وكذلك الاستثناء في الإيمان ونفي قدرة الخالق في الأزل، وتكفير العوام، وإيجاب علم الدليل عليهم. وقد تصفحت ما تصحفت من كتبه، وتأملت نصوصه في هذه المسائل فوجدتها كلها خلاف ما نسب إليه». وقال ابن فورك في كتاب شرح كتاب المقالات للأشعري في مسألة تصويب المجتهدين: «اعلم أن شيخنا أبا الحسن الأشعري يذهب في الفقه ومسائل الفروع وأصول الفقه أيضا مذهب الشافعي ونص قوله في كتاب التفسير في باب إيجاب قراءة الفاتحة على المأموم: خلاف قول أبي حنيفة، والجهر بالبسملة: خلاف قول مالك، وفي إثبات آية البسملة في كل سورة آية منها قرآنا منزلا فيها، ولذلك قال في كتابه في أصول الفقه بموافقة أصوله».[164]

علم السلوك[عدل]

علم السلوك أو علم التصوف، من العلوم الشرعية، منهج أو طريق يسلكه العبد للوصول إلى المعرفة بالله والعلم به، والتحقق بمقام الإحسان، وذلك عن طريق الاجتهاد في العبادات واجتناب المنهيات، وتربية النفس وتطهير القلب من الأخلاق السيئة، وتحليته بالأخلاق الحسنة، والزهد في الدنيا وأصله أن هذه الطريقة لم تزل طريقة الحق والهداية عند كبار الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة، وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة.[165] طريقة التصوف منهج السلوك، والمريد هو السالك في الطريقة، ويحتاج في علمه بالطريقة إلى المربي وهو الذي يقود السالك ويرشده إلى السلوك القويم حتى يتمكن من سلوك الطريق، ويترقى في مراقي العبودية بازدياد الإيمان بفعل الطاعات وترك المنهيات، والترقي في مراتب الإحسان بالتقرب إلى الله بالنوافل بعد فعل الفروض والواجبات، والانفراد عن الخلق والإقبال على العبادة ومحاسبة النفس ومعالجة القصور ومجاهدة النفس، حتى ينشأ في كل مجاهدة وعبادة حال يترقى فيها من حال إلى حال، وأصلها كلها الطاعة والإخلاص ويتقدمها الإيمان ويصاحبها، وتنشأ عنها الأحوال، والصفات نتائج وثمرات، ثم تنشأ عنها أخرى وأخرى إلى مقام التوحيد والعرفان، ولا يزال المريد يترقى من مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى التوحيد والمعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة.[165] ولهم مع ذلك آداب مخصوصة بهم واصطلاحات في ألفاظ تدور بينهم، وقد صار علم الشريعة على صنفين صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا، وصنف مخصوص بأهل التصوف في القيام بهذه المجاهدة ومحاسبة النفس عليها والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في طريقها وكيفية الترقي منها من ذوق إلى ذوق وشرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك.[165]

وبعد تدوين العلوم كتب رجال من أهل هذه الطريقة في طريقهم فمنهم من كتب في الورع ومحاسبة النفس على الاقتداء في الأخذ والترك كما فعله القشيري في كتاب الرسالة، والسهروردي في كتاب عوارف المعارف وأمثالهم، وجمع الغزالي رحمه الله بين الأمرين في كتاب الإحياء فدون فيه أحكام الورع والاقتداء ثم بين آداب القوم وسننهم وشرح اصطلاحاتهم في عباراتهم وصار علم التصوف في الملة علما مدونا بعد أن كانت الطريقة عبادة فقط وكانت أحكامها إنما تتلقى من صدور الرجال كما وقع في سائر العلوم التي دونت بالكتاب من التفسير والحديث والفقه والأصول وغير ذلك.[165] وأهل التصوف بعد عصر السلف الصالح في أصول الاعتقاد يأخذون بمذهب أهل السنة والجماعة على طريقة الأشعرية والماتريدية، ويأخذون بأحد المذاهب الفقهية السنيّة الأربعة، ويأخذون بالكشف والإلهام الذين لا يعارضان القرآن والسنة، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها المربون في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ "الطرق الصوفية"، أشهرها عند أهل السنة:

انظر أيضًا[عدل]

الملاحظات[عدل]

  1. ^ قال ابن خلدون: فأما اشتراط العلم فظاهر، لأنه إنما يكون منفذاً لأحكام الله تعالى إذا كان عالماً بها، وما لم يعلمها لا يصح تقديمه لها. ولا يكفي من العلم إلا أن يكون مجتهداً، لأن التقليد نقص، والإمامة تستدعي الكمال في الأوصاف والأحوال. وأما العدالة فلأنه منصب ديني ينظر في سائر المناصب التي هي شرط فيها، فكان أولى باشتراطها فيه. ولا خلاف في انتفاء العدالة فيه بفسق الجوارح من ارتكاب المحظورات وأمثالها، وفي انتفائها بالبدع الاعتقادية خلاف.
  2. ^ ذكر القرطبي أن شروط الإمامة أحد عشر أولها: أن يكون من صميم قريش، وقد اختلف في هذا. الثاني: أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين مجتهدا لا يحتاج إلى غيره في الاستفتاء في الحوادث، وهذا متفق عليه. الثالث: أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسد الثغور وحماية البيضة وردع الأمة والانتقام من الظالم والأخذ للمظلوم. الرابع: أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود ولا فزع من ضرب الرقاب ولا قطع الأبشار والدليل على هذا كله إجماع الصحابة رضي الله عنهم، لأنه لا خلاف بينهم أنه لا بد من أن يكون ذلك كله مجتمعا فيه، ولأنه هو الذي يولي القضاة والحكام، وله أن يباشر الفصل والحكم، ويتفحص أمور خلفائه وقضاته، ولن يصلح لذلك كله إلا من كان عالما بذلك كله قيما به. الخامس: الحرية، والسادس أن يون مسلما، السابع: أن يكون ذكرا، قال: "وأجمعوا على أن المرأة لا يجوز أن تكون إماما وإن اختلفوا في جواز كونها قاضية فيما تجوز شهادتها فيه". الثامن: أن يكون سليم الأعضاء، التاسع والعاشر: أن يكون بالغا عاقلا، ولا خلاف في ذلك. الحادي عشر: أن يكون عدلا؛ لأنه لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق، ويجب أن يكون من أفضلهم في العلم؛ لقوله عليه السلام: "أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعون". وفي التنزيل في وصف طالوت: إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم فبدأ بالعلم ثم ذكر ما يدل على القوة وسلامة الأعضاء، وقوله: اصطفاه معناه اختاره، وهذا يدل على شرط النسب. وليس من شرطه أن يكون معصوما من الزلل والخطأ، ولا عالما بالغيب، ولا أفرس الأمة ولا أشجعهم، ولا أن يكون من بني هاشم فقط دون غيرهم من قريش، فإن الإجماع قد انعقد على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وليسوا من بني هاشم.
  3. ^ قال ابن عابدين: ثم إذا وقعت البيعة من أهل الحل والعقد مع من صفته ما ذكر صار إماما يفترض إطاعته كما في خزانة الأكمل. وفي شرح الجواهر: تجب إطاعته فيما أباحه الشرع، وهو ما يعود نفعه على العامة، وقد نصوا في الجهاد على امتثال أمره في غير معصية. وفي التتارخانية: إذا أمر الأمير العسكر بشيء فعصاه واحد لا يؤدبه في أول وهلة بل ينصحه، فإن عاد بلا عذر أدبه ا هـ ملخصا. وأخذ البيري من هذا أنه لو أمر بصوم أيام الطاعون ونحوه يجب امتثاله. أقول: وظاهر عبارة خزانة الفتاوى لزوم إطاعة من استوفى شروط الإمامة، وهذا يؤيد كلام العارف قدس سره لكن في حاشية الحموي ما يدل على أن هذه الشروط لرفع الإثم لا لصحة التولية فراجعه.
  4. ^ عقيدة التوحيد تقوم على أساس توحيد الله ونفي الشريك عنه والعلم أن مسبب الأسباب وموجدها المتصف بالكمال المطلق هو الله الواحد الذي لا شريك له، والذي دلنا على ذلك هو الشرع وليس العقل، أي: أن الله أرسل الرسل وأوحى إليهم بأنه هو الله الخالق وحده لا شريك له، فإذا تحقق العلم بوجود الله وحصل الإيمان به فذلك هو التوحيد، وكل ما يقع في النفس من تصورات أو تخيلات فهو الذي يجب الانصراف عنه؛ لأنه من دواعي الضلال، وعندما قال مشركوا مكة: يا محمد صف لنا ربك، قايسوا بما اعتادوا عليه من عبادة الأصنام المجسمة حسب أفهامهم فأنزل الله: ﴿إن في خلق السموات والأرض..﴾ الآية فبين الله أن حصول الإيمان بالله إنما يكون في النظر والتدبر في المخلوقات، وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، وترك الإدراك إدراك.
  5. ^ نص الحديث: عن معمر عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال‏:‏ سمعت عليًا يخطب فقال‏:‏ ‏(‏اللهم إنى قد سئمتهم وسئمونى فارحمنى منهم وارحمهم منى، «مايمنع أشقاكم أن يخضبها بدم» وأشار إلى لحيته‏)‏‏.

وصلات خارجية[عدل]

المراجع[عدل]

  1. ^ BBC study
  2. ^ CNN report
  3. ^ مختار الصحاح حرف السين (سنن). 
  4. ^ أ ب ت ث أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور (2003م). لسان العرب، ج7 حرف السين (سنن). دار صادر. صفحة 280 و281. 
  5. ^ أ ب الشاطبي (1412 هـ/ 1992م). الموافقات، الدليل الثاني: (السنة)، ج4. صفحات 289 وما بعدها. 
  6. ^ أ ب ت أحمد بن حجر العسقلاني. فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم: ٦٨٤٧. صفحة ٢٦٣ وما بعدها. 
  7. ^ أ ب بدر الدين العيني. عمدة القاري شرح صحيح البخاري. 
  8. ^ أ ب ت ث محمد شمس الحق العظيم آبادي (١٤١٥ هـ/ ١٩٩٥م). عون المعبود، كتاب السنة، باب لزوم السنة حديث رقم: (٤٦12). دار الفكر. صفحة 286. 
  9. ^ سنن الترمذي كتاب العلم باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، ج5 حديث رقم: (2676)
  10. ^ صحيح البخاري، كتاب الفتن، حديث رقم: (6647)
  11. ^ تفسير القرطبي سورة المؤمنون آية: (52)
  12. ^ تاريخ ابن خلدون ج1 ص198
  13. ^ شرح النووي على مسلم، يحيي بن شرف أبو زكريا النووي، مقدمة الكتاب، دار الخير، سنة: 1416 هـ/ 1996م.
  14. ^ الذهبي. سير أعلام النبلاء ج27. صفحة 101. 
  15. ^ أ ب سيف الدين الآمدي. كتاب الإحكام في أصول الأحكام القاعدة الثانية في بيان الدليل الشرعي وأقسامه وما يتعلق به من أحكامه القسم الأول فيما يجب العمل به مما يسمى دليلا شرعيا، الأصل الثاني في السنة، الجزء الأول. صفحة 169. 
  16. ^ أ ب ت تقي الدين أبو البقاء الفتوحي. شرح الكوكب المنير، باب في السنة (الطبعة د.ط د.ت). مطبعة السنة المحمدية. صفحة 210 إلى 212. 
  17. ^ أ ب أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (1407 هـ/ 1986م). فتح الباري شرح صحيح البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما كان النبي Mohamed peace be upon him.svg يسأل مما لم ينزل عليه الوحي فيقول لا أدري. حديث رقم: (6879). دارالريان للتراث. 
  18. ^ سورة الحجرات آية: (2)
  19. ^ تفسير الطبري، تفسير سورة الحجرات، القول في تأويل قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي" ج22 ص277
  20. ^ الأحزاب 65 والحديث بتمامه في الصحيحين.
  21. ^ تفسير الطبري محمد بن جرير الطبري، تفسير سورة الأحزاب الآية: (65)، ج8 ص518
  22. ^ محمد شمس الحق العظيم آبادي (١٤١٥ هـ/ ١٩٩٥م). عون المعبود، كتاب السنة، باب لزوم السنة حديث رقم: (٤٦٠٤). دار الفكر. صفحات ٢٧٧ وما بعدها. 
  23. ^ أ ب محمد شمس الحق العظيم آبادي (١٤١٥ هـ/ ١٩٩٥م). عون المعبود، كتاب السنة، باب لزوم السنة حديث رقم: (٤٦٠٥). دار الفكر. صفحات ٢٧٨ وما بعدها. 
  24. ^ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (1407 هـ/ 1986م). فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث رقم: (6851) [فتح الباري شرح صحيح البخاري]. دار الريان للتراث. 
  25. ^ أخرجه أحمد والحاكم من طريق صالح بن كيسان عن الأعرج عن أبي هريرة رفعه. انظر فتح الباري لابن حجر حديث رقم: (6851)
  26. ^ عمدة القاري شرح صحيح البخاري، المؤلف: بدر الدين العيني الحنفي، ج35 ص383
  27. ^ أ ب صحيح البخاري حديث رقم: (6641) نص الترجمة: «بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الفتن باب ما جاء في قول الله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة وما كان النبي Mohamed peace be upon him.svg يحذر من الفتن».
  28. ^ أ ب أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (1407 هـ/ 1986م). فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب ما جاء في قول الله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة حديث رقم: (6641). دارالريان للتراث. صفحة 5. 
  29. ^ محمد بن عيسى بن سورة الترمذي. سنن الترمذي كتاب العلم باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، الجزء الخامس حديث رقم: (2678). دار الكتب العلمية. صفحة 44 و45. 
  30. ^ محمد بن عيسى بن سورة الترمذي. سنن الترمذي كتاب العلم باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، الجزء الخامس حديث رقم: (2677). دار الكتب العلمية. صفحة 44. 
  31. ^ محمد بن جرير الطبري. تفسير الطبري تفسير سورة الأحزاب، آية: (21) القول في تأويل قوله تعالى: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة» الجزء العشرون (الطبعة دار المعارف). صفحة 235 و236. 
  32. ^ محمد بن عيسى بن سورة الترمذي. سنن الترمذي كتاب العلم باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، الجزء الخامس حديث رقم: (2676). دار الكتب العلمية. صفحة 43، 44. 
  33. ^ أ ب المستدرك على الصحيحين كتاب العلم ج1 ص288 حديث رقم: (334)
  34. ^ ورواه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح، وخرجه الإمام أحمد وابن ماجه، وزاد في حديثه: «فقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك».
  35. ^ ابن رجب الحنبلي (1422 هـ/ 2001م). جامع العلوم والحكم ج2 الحديث رقم: (28). مؤسسة الرسالة. صفحة 109 إلى 112. 
  36. ^ الملل والنحل
  37. ^ صحيح البخاري، كتاب الفتن، حديث رقم: (6644)
  38. ^ فتح الباري شرح صحيح البخاري حديث رقم: (6673)
  39. ^ قال الشوكاني: وهذا الحديث وإن تكلم فيه بعض أهل العلم بما هو معروف فالحق أنه من قسم الحسن لغيره وهو معمول به وقد أوضحت هذا في بحث مستقل.
  40. ^ محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري. تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي كتاب العلم باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، حديث رقم: (2676). دار الكتب العلمية. صفحة 366 وما بعدها. 
  41. ^ أ ب ت ث ج ح خ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (1407 هـ/ 1986م). فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث رقم: (6849). دار الريان للتراث. صفحة 266 وما بعدها. 
  42. ^ أخرجه أبو نعيم بمعناه من طريق إبراهيم بن الجنيد عن الشافعي، انظر فتح الباري حديث رقم: (6849).
  43. ^ أخرجه البيهقي في مناقب الشافعي نقلا عن الشافعي، انظر فتح الباري حديث رقم: (6849).
  44. ^ أ ب يحيى بن شرف أبو زكريا النووي (1416هـ/ 1996م). شرح النووي على صحيح مسلم، كتاب العلم باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة حديث رقم: (1017). دار الخير. صفحة 172. 
  45. ^ فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، كتاب الفتن، حديث رقم: (6644)
  46. ^ علي بن سلطان محمد القاري (1422 هـ/ 2002م). مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح كتاب العلم حديث رقم: (248). دار الفكر. صفحة 322 وما بعدها. 
  47. ^ أبو الحسن الحنفي الشهير بالسندي. حاشية السندي على سنن ابن ماجه كتاب المقدمة باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، باب من حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا وهو يرى أنه كذب. رقم الحديث: (42). دار الجيل. صفحات 19 وما بعدها. 
  48. ^ أبو الحسن الحنفي الشهير بالسندي. حاشية السندي على سنن ابن ماجه كتاب المقدمة باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين حديث رقم: (44). دار الجيل. صفحات 19 وما بعدها. 
  49. ^ أبو الحسن الحنفي الشهير بالسندي. حاشية السندي على سنن ابن ماجه كتاب المقدمة باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين حديث رقم: (44). دار الجيل. صفحات 20 وما بعدها. 
  50. ^ المحكم لابن سيده ج1 ص349
  51. ^ لسان العرب لابن منظور، ج٣ ص١٩٦
  52. ^ أ ب ت ث ج أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي (1412 هـ/ 1992م). كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي، ج2، الباب التاسع في السبب الذي لأجله افترقت فرق المبتدعة عن جماعة المسلمين المسألة السادسة عشرة. دار ابن عفان. صفحات ٧٦٨ وما بعدها. 
  53. ^ عمدة القاري شرح صحيح البخاري، لبدر الدين العيني، (35/ 147).
  54. ^ أ ب ت ث لجنة الإفتاء الأردنية (30/ 04/ 2013م). أهل السنة والجماعة هم السواد الأعظم من الأمة، رقم الفتوى : 2801، التصنيف: الفرق والأديان، نوع الفتوى: بحثية، السؤال: ما المراد بـ(الفرقة الناجية) الوارد ذِكْرُها في حديث الافتراق المشهور، وكيف يتعرف المسلم على مواصفات تلك الفرقة؟. اطلع عليه بتاريخ 3/ ربيع الثاني/ 1438 هـ. 
  55. ^ مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا علي القاري (2/ 50).
  56. ^ إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (1422 هـ/ 2002م). تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة آل عمران، تفسير قوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته» الجزء الثاني [تفسير ابن كثير]. دار طيبة. صفحات 86 وما بعدها. 
  57. ^ بدر الدين العيني. عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج23. بيروت- لبنان: دار إحياء التراث العربي. صفحة 25. 
  58. ^ الحسين بن مسعود البغوي. تفسير البغوي، سورة آل عمران، تفسير قوله تعالى: «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا»، الجزء الثاني. صفحة 78 وما بعدها. 
  59. ^ سورة الأنفال آية: 46.
  60. ^ سورة الأنعام آية: 159.
  61. ^ سورة الروم آية: 32.
  62. ^ رواه أحمد والحاكم وابن ماجه وغيرهم.
  63. ^ البحر الرائق شرح كنز الدقائق (18/ 307).
  64. ^ سورة الأنعام آية: 153.
  65. ^ [1]
  66. ^ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (1407 هـ/ 1986م). فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، حديث رقم: (6673). دارالريان للتراث. صفحة 39. 
  67. ^ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (1407 هـ/ 1986م). فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، حديث رقم: (6673). دارالريان للتراث. صفحات 39 وما بعدها. 
  68. ^ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (1407 هـ/ 1986م). فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، حديث رقم: (6645). دارالريان للتراث. صفحة 9. 
  69. ^ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (1407 هـ/ 1986م). فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم سترون بعدي أمورا تنكرونها، حديث رقم: (6647). دارالريان للتراث. صفحة 10. 
  70. ^ محمد بن عيسى بن سورة الترمذي. سنن الترمذي كتاب العلم باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، الجزء الخامس حديث رقم: (2658). دار الكتب العلمية. صفحة 34. 
  71. ^ علي بن سلطان محمد القاري (1422 هـ/ 2002م). مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح كتاب العلم حديث رقم: (208). دار الفكر. صفحة 306 و307. 
  72. ^ خرجه الترمذي هكذا.
  73. ^ أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي (1412 هـ/ 1992م). الاعتصام للإمام الشاطبي، الباب الثاني في ذم البدع وسوء منقلب أصحابها، فصل الأدلة من النقل على ذم البدع ، ما جاء في القرآن في ذم البدع وأهلها، حديث تفرق الأمة، المسألة الأولى، ج2. دار ابن عفان. صفحات 697 وما بعدها. 
  74. ^ أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي (1412 هـ/ 1992م). الاعتصام للإمام الشاطبي، الباب الثاني في ذم البدع وسوء منقلب أصحابها، فصل الأدلة من النقل على ذم البدع ، ما جاء في القرآن في ذم البدع وأهلها، حديث تفرق الأمة، المسألة الثانية، ج2. دار ابن عفان. صفحات 702 وما بعدها. 
  75. ^ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (1407 هـ/ 1986م). فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي Mohamed peace be upon him.svg لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، حديث رقم: (6665). دارالريان للتراث. صفحة 29 وما بعدها. 
  76. ^ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (1407 هـ/ 1986م). فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي Mohamed peace be upon him.svg لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، حديث رقم: (6666). دارالريان للتراث. صفحة 30 وما بعدها. 
  77. ^ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (1407 هـ/ 1986م). فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي Mohamed peace be upon him.svg لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، حديث رقم: (6667). دارالريان للتراث. صفحة 30 وما بعدها. 
  78. ^ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (1407 هـ/ 1986م). فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي Mohamed peace be upon him.svg من حمل علينا السلاح فليس منا، حديث رقم: (6659). دارالريان للتراث. صفحة 27 وما بعدها. 
  79. ^ محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري. تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، (كتاب الإيمان) ما جاء في افتراق هذه الأمة حديث رقم: (2641). دار الكتب العلمية. صفحات 333 وما بعدها. 
  80. ^ أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي (1412 هـ/ 1992م). كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي، ج2، الباب التاسع في السبب الذي لأجله افترقت فرق المبتدعة عن جماعة المسلمين. دار ابن عفان. صفحات 669 وما بعدها. 
  81. ^ الاعتصام للشاطبي ج2 ص698
  82. ^ كتاب الاعتصام للشاطبي ج2 ص732 وما بعدها
  83. ^ شرح النووي على مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، حديث رقم: (55)، ص229
  84. ^ محمد بن شهاب الدين الرملي (1404 هـ/ 1984م). نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، كتاب البغاة، فصل في شروط الإمام الأعظم وبيان طرق الإمامة، الجزء السابع (الطبعة الأخيرة). دار الفكر. صفحات 409 وما بعدها. 
  85. ^ الأحكام السلطانية للماوردي ص3
  86. ^ نقلا عن شرح المقاصد للتفتازاني
  87. ^ وهبة الزحيلي. الفقه الإسلامي وأدلته ج8. صفحة 6361. 
  88. ^ إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني (1401هـ). الغياثي (غياث الأمم في التياث الظلم)، الركن الأول كتاب الإمامة، الباب الأول في معنى الإمامة ووجوب نصب الأئمة وقادة الأمة. مكتبة إمام الحرمين. صفحة 22. 
  89. ^ يحيي بن شرف أبو زكريا النووي (1416 هـ/ 1996م). شرح النووي على صحيح مسلم كتاب الإمارة باب الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به، حديث رقم: (1841). دار الخير. صفحة 542. 
  90. ^ ابن خلدون. مقدمة ابن خلدون ج1. صفحة 98. 
  91. ^ رواه مسلم من حديث لابن عمر مرفوعا.
  92. ^ متفق عليه
  93. ^ محمد رشيد رضا. كتاب: «الخلافة» حكم الإمامة أو نصب الخليفة ج1. الزهراء للإعلام العربي القاهرة. صفحة 18. 
  94. ^ أبو الحسن الأشعري، رسالة إلى أهل الثغر
  95. ^ أ ب محمد بن شهاب الدين الرملي (١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤م). نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، كتاب البغاة، فصل في شروط الإمام الأعظم وبيان طرق الإمامة، الجزء السابع (الطبعة الأخيرة). دار الفكر. صفحات ٤٠٩ وما بعدها. 
  96. ^ ابن خلدون. تاريخ ابن خلدون ج1. صفحة 98. 
  97. ^ محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي. تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن، سورة البقرة، قوله تعالى: «وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة» الجزء الأول. دار الفكر. صفحة 257 و258. 
  98. ^ ابن عابدين. حاشية رد المحتار على الدر المختار ج6 كتاب الأشربة. صفحة 460. 
  99. ^ أ ب ت ث أبو إسحاق الشيرازي. طبقات الفقهاء لأبي إسحاق الشيرازي، ج1. صفحة 35 وما بعدها. 
  100. ^ معرفة أنواع علم الحديث لابن الصلاح، ص504 دار الكتب العلمية، بيروت لبنان.
  101. ^ أ ب ت ث ج ح أبو إسحاق الشيرازي. طبقات الفقهاء ج1. صفحات 73وما بعدها. 
  102. ^ الثقات ج5 ص206
  103. ^ إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لابن مغلطاي، ج6 ص226 من اسمه شراحيل وشرحبيل.
  104. ^ إكمال تهذيب الكمال
  105. ^ مرقاة المفاتيح ص104
  106. ^ تاريخ دمشق لابن عساكر، ج22 ص377 إلى 391 دار الفكر
  107. ^ طبقات ابن سعد 7: 509 - 510
  108. ^ طبقات ابن سعد ج7 ص511
  109. ^ شرح سنن الترمذي المناقب.
  110. ^ أ ب ت ث ج ح أبو إسحاق الشيرازي. طبقات الفقهاء ج1. صفحات 80 وما بعدها. 
  111. ^ تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني، ج2 ص163
  112. ^ تهذيب الكمال للمزي ج3 ص382
  113. ^ أ ب ت أبو إسحاق الشيرازي. طبقات الفقهاء للشيرازي ج1. صفحات 90 وما بعدها. 
  114. ^ الرابطة المحمدية العليا بالمغرب مجلة الأحياء. الصحابة الكرام في التراث المغربي الأندلسي
  115. ^ تاريخ ابن خلدون ج1 ص449 و450
  116. ^ أ ب ت ث ج ح خ ابن خلدون. تاريخ ابن خلدون ج1. صفحة 446 وما بعدها. 
  117. ^ ابن خلدون. تاريخ ابن خلدون ج1. صفحة 456 و457. 
  118. ^ صحيح البخاري كتاب الإيمان
  119. ^ مختصر من رسالة إلى أهل الثغر لأبي الحسن الأشعري
  120. ^ فخر الدين الرازي. تفسير الرازي سورة البقرة قول الله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا.. العلمية. صفحة 88. 
  121. ^ سورة القلم آية: 28
  122. ^ تفسير القرطبي ويكي مصدر
  123. ^ أ ب ت ث أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (1407 هـ/ 1986م). فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الإقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث رقم: (6858) [فتح الباري شرح صحيح البخاري]. دار الريان للتراث. صفحة 256 وما بعدها. 
  124. ^ الحديث وأخرجه الدارقطني مختصرا وزاد فيه فنزلت: ﴿يا أيها الذين ءآمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ وله شاهد عن ابن عباس عند الطبري في التفسير وفيه: لو قلت نعم، لوجبت ولو وجبت لما استطعتم فاتركوني ما تركتكم الحديث وفيه فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم..﴾الآية.
  125. ^ أخرجه البخاري في باب الاعتصام حديث رقم:( 6858) ومسلم حديث رقم: (1337)، انظر أيضا: جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي ج1 ص238، الحديث التاسع.
  126. ^ أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي (1412 هـ/ 1992م). الاعتصام للإمام الشاطبي، الباب الثاني في ذم البدع وسوء منقلب أصحابها، فصل الأدلة من النقل على ذم البدع، ما جاء في القرآن في ذم البدع وأهلها، ج1. دار ابن عفان. صفحات 71 وما بعدها. 
  127. ^ الاعتصام للشاطبي، الفرق بين البدعة والمعصية، ص175
  128. ^ الملل والنحل للشهرستاني ج1 ص16 وما بعدها
  129. ^ الملل والنحل للشهرستاني ج1 ص17 وما بعدها
  130. ^ محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري. تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، (كتاب الإيمان) ما جاء في افتراق هذه الأمة حديث رقم: (2640). دار الكتب العلمية. صفحات 332 وما بعدها. 
  131. ^ محمد بن جرير الطبري. تفسير سورة آل عمران. صفحات 147 وما بعدها. 
  132. ^ أ ب ت ث ج ح إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (1422 هـ/ 2002م). تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة آل عمران، تفسير قوله تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات الجزء الثاني [تفسير ابن كثير]. دار طيبة. صفحات 7 وما بعدها. 
  133. ^ ورواه ابن مردويه من طريق أخرى عن القاسم عن عائشة به.
  134. ^ الحسين بن مسعود البغوي. تفسير البغوي، سورة آل عمران، تفسير قوله تعالى: «هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب» الجزء الثاني. دار طيبة. صفحة 8 و9. 
  135. ^ محمد بن جرير الطبري. تفسير سورة آل عمران القول في تأويل قوله تعالى: «فأما الذين في قلوبهم زيغ...». صفحات 195 و196. 
  136. ^ سورة آل عمران آية: (106)
  137. ^ محمد بن جرير الطبري. تفسير الطبري، تفسير سورة آل عمران، القول في تأويل قوله تعالى: «ابتغاء الفتنة»، الجزء السادس، حديث رقم: (6622). دار المعارف. صفحات 196 وما بعدها. 
  138. ^ أ ب ت ث ج ابن خلدون. تاريخ ابن خلدون الفصل العاشر في «علم الكلام هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة، وسر هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد». ج1. صفحة 458 وما بعدها. 
  139. ^ يحيي بن شرف أبو زكريا النووي (1416 هـ/ 1996م). شرح النووي على صحيح مسلم، كتاب الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم حديث رقم: (1063) (الطبعة دار الخير). صفحة 130 و131. 
  140. ^ أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة.
  141. ^ يحيي بن شرف أبو زكريا النووي (1416 هـ/ 1996م). شرح النووي على صحيح مسلم، كتاب الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم حديث رقم: (1064) (الطبعة دار الخير). صفحة 131 وما بعدها. 
  142. ^ شرح صحيح البخاري لابن بطال كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت
  143. ^ الذهبي. سير أعلام النبلاء ج11. صفحة 523 و524. 
  144. ^ الملل والنحل للشهرستاني ج1 ص20
  145. ^ ابن خلدون. تاريخ ابن خلدون ج1. صفحة 463 و464. 
  146. ^ فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، كتاب التوحيد ص427
  147. ^ محمد ابن جرير الطبري. تفسير الطبري، تفسير سورة الذاريات، القول في تأويل قوله تعالى: "والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون" آية: (47)، الجزء الثاني والعشرون. دار المعارف. صفحة 438. 
  148. ^ محمد ابن جرير الطبري. تفسير الطبري، تفسير سورة البقرة، الجزء الأول. دار المعارف. صفحة ٣٠٢. 
  149. ^ محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني (1404هـ). الملل والنحل، ج1. بيروت: دار المعرفة. صفحة ١٠٠ وما بعدها. 
  150. ^ محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني (1404هـ). الملل والنحل، ج1. بيروت: دار المعرفة. صفحة ١٠٢ وما بعدها. 
  151. ^ الذهبي. سير أعلام النبلاء الطبقة ١٢ ج11. صفحة ٢٤٧ وما بعدها. 
  152. ^ الملل والنحل للشهرستاني ج1 ص93
  153. ^ محمد أمين بن عمر المعروف بـ«ابن عابدين» (1412 هـ/ 1992م). حاشية ابن عابدين المسمى بـ«رد المحتار على الدر المختار» المقدمة، ج1 (الطبعة د.ط). دار الكتب العلمية. صفحة 48 وما بعدها. 
  154. ^ نقلا عن: إتحاف السادة المتقين للزبيدي 2/ 6-7.
  155. ^ كتاب الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية، ص: 19.
  156. ^ لوامع الأنوار البهية للسفاريني ج1 ص73
  157. ^ العين والأثر في عقائد أهل الأثر، ج1 ص53 المؤلف: عبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر بن عبد الباقي بن إبراهيم، الناشر: دار المأمون للتراث، دمشق، الطبعة الأولى، 1987. تحقيق: عصام رواس قلعجي.
  158. ^ لسان العرب لابن منظور (أثر) ج1 ص52 وما بعدها
  159. ^ الملل والنحل للشهرستاني، ج1 ص: (93)
  160. ^ محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني، الملل والنحل، ج1، الصفحة: ١٠٢ وما بعدها
  161. ^ الملل والنحل للشهرستاني، مقدمة الكتاب
  162. ^ إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزَّالي كتاب قواعد العقائد الفصل الثاني ويكي مصدر
  163. ^ الطوائف التي تمثل مذهب أهل الحق في باب التقديس والتوحيد.
  164. ^ البحر المحيط للزركشي، المقدمة فصل أول من صنف في الأصول ج1 ص18 و19 و20، دار الكتبي ط1، سنة 1414/ 1994م.
  165. ^ أ ب ت ث ابن خلدون. تاريخ ابن خلدون ج1. صفحة 467 وما بعدها.