تاريخ المسيحية

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

تاريخ المسيحية، ويعنى بهذا دراسة تاريخ الديانة المسيحية والكنيسة، منذ يسوع ورسله الإثني عشر حتى أيامنا الحاضرة. والديانة المسيحية هي ديانة توحيدية أقيمت على أساس تعاليم وحياة يسوع. أما الكنيسة بمعناها اللاهوتي والمسيحي، فهي المؤسسة التي أقامها يسوع المسيح للتتابع من بعده مهمة نشر ثقافة الخلاص بين البشر.

بدأت المسيحية في القرن الأول الميلادي كجماعة يهودية صغيرة، سرعان ما انتشرت في القرون القليلة اللاحقة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط والإمبراطورية الرومانية و مستوطناتها بشمال أفريقيا الرومانية ومنها كنيسة قرطاج، وذلك رغم الإضطهادات التي كان يعلنها أباطرة روما ضد أتباع هذه الديانة، لكنها ومنذ القرن الرابع غدت دين الإمبراطورية واكتسبت ثقافة يونانية ورومانية. تعتبر أرمينيا آولى الدول التي تتخذ من المسيحية الديانة الرسمية في عام 301، تبعها جورجيا عام 319،[1][2] أثيوبيا عام 325[3][4] والإمبراطورية الرومانية عام 380.

خلال القرون الوسطى وفي أثنائها واصلت المسيحية انتشارها فبلغت شمال أوروبا وروسيا. ومع قدوم عصور الانفتاح والأستكشاف انتشرت هذه الديانة في جميع أنحاء الأرض، حتى أصبحت أكبر أديان العالم من حيث عدد أتباعها؛ إذ يبلغ عدد أتباعها 2.2 مليار أي حوالي ثلث سكان الكوكب من البشر.[5]

خلال تاريخها الطويل، تمكنت الصراعات والمنازعات الدينية والسياسية من قسم جسم المسيحية بين ثلاثة مذاهب رئيسية، وهي الأرثوذكسية (بفرعيها الشرقية والمشرقيةوالكاثوليكية والبروتستانتية.

النشأة والتأسيس[عدل]

يسوع المسيح[عدل]

نسخة أثرية للعهد الجديد باللغة الأرمنية: يعرف الإنجيل ذاته بأنه "آيات قد دونت لكم لتؤمنوا بأن يسوع هو المسيح وأنه ابن الله ولكي تكون لكم حياة باسمه إذ تؤمنون".(يوحنا 31/20)

تعتبر الأناجيل الأربعة المصدر الرئيسي لتتبع حياة يسوع، هناك بضعة مؤلفات أخرى تذكره يطلق عليها عامة اسم الأناجيل المنتحلة وقد ورد ذكره أيضًا بشكل عرضي في بعض مؤلفات الخطباء الرومان كشيشرون.[6] بحسب الأناجيل ولد يسوع في بيت لحم خلال حكم هيرودس الكبير، ولا يمكن تحديد تاريخ ميلاده بدقة، بيد أن أغلب الباحثين يحددونه بين عامي 4 إلى 8 قبل الميلاد.[7] يتفق متى ولوقا أنه ينحدر من سبط يهوذا، السبط الرئيس من أسباط بني إسرائيل الإثني عشر 3. كذلك يتفقان أن هذه الولادة قد تمت بشكل إعجازي دون تدخل رجل، ويعرف هذا الحدث في الكنيسة باسم "الولادة من عذراء".[8] ورغم أنه ولد في بيت لحم إلا أنه قد قضى أغلب سنين حياته في الناصرة.[متى 23/2]

نشأ يسوع في بيئة يهودية مغلقة تنتظر قدوم الماشيح، وقبيل البدء بنشاطه اعتمد على يد يوحنا المعمدان،[متى 13/3] حوالي عام 27 وكان عمره ثلاثين عامًا تقريبًا؛[لوقا 23/3] وقد انطلق في تبشيره من دعوة المعمدان ذاتها الداعية إلى التوبة،[9] بيد أنه ترك مناطق نهر الأردن واتجه شمالاً حتى استقر في كفر ناحوم، ثم أخذ يطوف قرى الجليل، واليهودية، وجنوب لبنان، ومناطق من الجولان، وشمال الأردن التي كان تعرف باسم المدن العشر، والخليل إضافة إلى أورشليم ومناطق أخرى.[10]

تركزت تعاليم يسوع بشكل أساسي في أهمية ترك أمور الجسد والاهتمام بأمور الروح، وشجب بنوع خاص مظاهر الكبرياء والتفاخر البشري، وحلل بعض محرمات الشريعة اليهودية وجعل بعضها الآخر أكثر قساوة كالطلاق، وركز أيضًا على دور الإيمان في نيل الخلاص، وعلى أهمية المحبة.[متى 43/5] وتذكر الأناجيل، بشكل مفصل للروايات أو بشكل عام، عددًا كبيرًا من الأعاجيب والمعجزات التي اجترحها:

   
تاريخ المسيحية
وكان يسوع ينادي ببشارة الملكوت، ويشفي كل ذي مرضٍ وعلّة في الشعب، فذاع صيته في سوريا كلها، وحمل إليه الناس مرضاهم المعانين من الأمراض والأوجاع على اختلافها والمسكونين بالشياطين والمصروعين والمشلولين فشافهم جميعًا، وتبعته جموع كبيرة من مناطق الجليل والمدن العشر وأورشليم اليهودية وما وراء الأردن.
   
تاريخ المسيحية

إنجيل متى، 4/ 23-25

الموعظة على الجبل، بريشة كارل بلوش، القرن التاسع عشر: تشملها الفصول الخامس حتى السابع من إنجيل متى.

وكان يكلم الشعب عادة بالأمثال والقصص الرمزية مبسطًا لهم أفكارًا معقدة،[11] كذلك تزخر الأناجيل بالمواقف والأحداث التي واجهته في حياته، لتشكل مصدر عبرة وتعليم لأتباعه؛ وبشكل عام فإن المعجزات التي ذكرت قصصها بشكل مفصل في الإنجيل هي خمس وثلاثين معجزة،[12] أما عدد الأمثال والقصص فأربع وثلاثون مثلاً،[13] في حين يبلغ مجموعة الحوادث مائتان وخمس وخمسون حادثًا؛[14] ويعلن الإنجيل صراحة أن هذا جزء بسيط من أعمال يسوع لأنه "لو دونت جميع أعماله واحدة فواجدة لما كان العالم يتسع ما دوّن من كتب".[يوحنا 25/21]

وعيّن يسوع أيضًا اثني عشر تلميذًا ليلازموه،[مرقس 13/3] وكان هؤلاء الاثني عشر مختارين من حلقة أكبر كانت تتبعه وتشمل نساءً والرسل السبعين،[لوقا 1/10] بحسب العقيدة المسيحية، فإن يسوع وإثر نشاط حافل دام ثلاث سنوات، وخلال تواجده في أورشليم ضمن احتفالات عيد الفصح، قرر مجلس اليهود قتله خوفًا من تحوّل حركته إلى ثورة سياسية تستفز السلطات الرومانية لتدمير الحكم الذاتي الذي يتمتعون به،[15] وتذكر الأناجيل بشيء من التفصيل أحداث محاكمة يسوع أمام مجلس اليهود ثم أمام بيلاطس البنطي ومنازعته على الصليب، حيث صلب المسيح خارج المدينة على تل الجلجثة وقد تبعه ليشهد عملية الصلب جمع كثيرا، وبعد نزاع دام ثلاث ساعات مات المسيح، وقد ترافق موته حوادث غير اعتيادية في الطبيعة.[لوقا 45/23] وقد ودفن على عجل لأن سبت الفصح كان قد اقترب، بحسب الأناجيل أيضًا، قامت بعض النساء من أتباعه فجر الأحد بزيارة القبر فوجدنه فارغًا،[لوقا 3/24] بيد أن ملاكًا من السماء أخبرهنّ أن يسوع قد قام من بين الأموات.[لوقا 6/24] فذهبن وأخبرن التلاميذ بذلك وما لبث أن ظهر لهم مرّات عدة واجترح عدة عجائب بعد قيامته أكد لهم خلالها قيامته.[يوحنا 25/20]

تعددت النظريات الأخرى حول يسوع، وطرق موته وأسبابها، لكن أغلبية الباحثين اعتقدوا فعلاً بتاريخية وجوده، والبعض أيضًا آمن بوقوع المعجزات ناسبًا إياها لطرق معينة من استخدام طاقات العقل البشري،[16] ويعتقد أن ليلة العشاء الأخير كانت ليلة 3 نيسان 30 وأن القيامة - بالتالي - تمت فجر 6 نيسان 30.

الكنيسة الأولى: بطرس وبولس[عدل]

كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان: بني هذا الصرح الديني والفني القيّم فوق المكان الذي شهد صلب بطرس الرسول ودفنه.

حياة التلاميذ الاثني عشر ومن معهم، أو حياة الكنيسة الأولى يمكن معرفة نشاطاتها عن طريق سفر أعمال الرسل، فبعد خمسين يومًا من قيامة يسوع حلّ الروح القدس على الكنيسة الأولى وفق السفر،[17] ويمثل الحدث للمسيحيين ميلاد الكنيسة في القدس. وكان أعضائها يداومون على تلقي المواعظ الدينية والصلاة وكسر الخبز4، والحضور إلى الهيكل[18][19] وتقاسم جميع ما يملكون:[20]

   
تاريخ المسيحية
وكانت جماعة المؤمنين قلبًا واحدًا ونفسًا واحدة ولم يكن أحد يقول أن شيئاً مما عنده هو له بل كان كل شيء عندهم مشتركًا، ولم يكن فيهم محتاج لأن جميع ما كان لهم من حقول أو بيوت كانوا يبيعونها ويأتون بثمنها فيضعونه عند أقدام الرسل وهم بدورهم يوزعونه على كل محتاج بقدر حاجته.[21]
   
تاريخ المسيحية

بحسب سفر الأعمال أيضًا فإن الرسل استطاعوا اجتراح عدد من العجائب والمعجزات،[22] وكانت تعاليمهم وعظاتهم خصوصًا عظتي بطرس الأولى[23] والثانية،[24] سببًا في تذمر مجلس اليهود، ما أدى إلى توقيف بطرس ويوحنا عدة مرات في السجن[25] وكذلك بولس فيما بعد.[26]

القديس بولس يكتب رسائله، لوحة الفنان الهولندي رمبرانت.

أخذت الجماعة المسيحية بالنمو،[27] وبنتيجة هذا النمو أخذت تراتبية السلطة في الكنيسة بالظهور، فعيّن سبعة شمامسة كمساعدين للرسل؛[28] لكن حدة الاضطهادات أخذت بالزيادة أيضًا ما اضطرهم للجوء إلى الجليل والسامرة،[29] ما ساعد في توسع أعداد معتنقي المسيحية من خارج القدس، فأخذ فيلبس بنشر التعاليم المسيحية في السامرة،[30] وحنانيا في دمشق5؛[31] وبعيد ذلك تحوّل شاول الطرسوسي إلى المسيحية متخذًا اسم بولس ويعتقد المسيحيون أن ذلك قد تم بعد ظهور يسوع له على طريق دمشق.[32]

ساهم بولس بنشر المسيحية خصوصًا لدى غير اليهود، إلى جانب الرسل السبعين خصوصًا في لبنان وقبرص وأنطاكية،[33] حيث اكتسبوا قاعدة شعبية وأطلق عليهم لأول مرة مصطلح مسيحيين؛[34] لقد غدت أنطاكية قاعدة بولس الأساسية في رحلاته التبشيرية نحو اليونان وآسيا الصغرى،[35] لكن مشكلة كبيرة وقعت بين المسيحيين من أصل يهودي والمسيحيين من أصل غير يهودي فيما يخص الالتزام بشريعة موسى عمومًا والختان بنوع خاص، فعقد إذاك المجمع الأول في أورشليم حوالي العام 50[36] وحسمت نتائجه بعدم التزام غير اليهود بالختان أو الشريعة.[37] (انظر الختان في المسيحية للاستزادة)

تلا مجمع أورشليم[38] عدة أسفار لبولس نحو اليونان ومقدونيا، وأراد السفر إلى روما وهو ما تحقق له لاحقًا حوالي عام 59، لكن تاريخ وجود المسيحيين في روما يسبق ذلك إذ وجه بولس نفسه رسالة لهم سنة 57،[39] وينقل التقليد المسيحي أن بطرس هو من أسس كنيسة روما بعد أن أسس كنيسة أنطاكية، وقضى هناك سنواته الأخيرة حتى مقتله عام 64 أو 67 خلال حريق روما الكبير واضطهاد نيرون للمسيحيين.[40]

أما بولس غادر روما عام 62 متوجهًا إلى إسبانيا لكنه عاد إليها مجددًا حيث سجن وكتب من سجنه حوالي عام 66 أو 67 آخر رسائله وهي الرسالة الثانية إلى تيموثاوس قبل أن يقتل خلال اضطهاد نيرون للمسيحيين؛[41][42] أما مرقس وهو تلميذ بطرس فقد انتقل إلى الإسكندرية وأسس كنيسة مصر قرابة العام 45؛[43] في حين توجه توما إلى الهند، وبشكل عام فقد كان حركة نشر المسيحية الأولى نشيطة للغاية؛[44] أسوة بسائر التلاميذ الاثني عشر فقد بشّر أيضا الرسل السبعين.[45] وكان آخر من توفي من التلاميذ الاثني عشر يوحنا بن زبدي الذي استقر في تركيا قبل أن ينفى إلى بطمس حيث قضى هناك سني حياته الأخيرة، وكان الوحيد من الرسل الذي مات بشكل طبيعي - أي أنه لم يقتل خلال أحد الاضطهادات - قرابة العام 101.[46]

بعد العصر الرسولي[عدل]

المسيحية المبكرة (101 إلى 312)[عدل]

الصلاة الأخيرة لمسيحين خلال أحد حفلات التعذيب في الكولسيوم، روما لوحة لجان ليون جيروم سنة 1834.

بداية القرن الثاني كانت المسيحية عبارة عن جماعات متفرقة صغيرة على هامش المجتمع ضمن الإمبراطورية الرومانية، وكانت قوة إيمان هذه الجماعات ونبذها الرسمي للثقافة الرومانية المتعارف عليها، فضلاً عن أصول المنتمين الأوائل إليها المتواضعة، مصدر إزعاج لدى مثقفي العالم الروماني كشيشرون وجالينوس،[47] بيد أن أعظم ما كان يقلق الإمبراطورية الرومانية رفض المسيحيين عبادة الإمبراطور عنصر تماسك الإمبراطورية؛ فضلاً عن رفضهم الكثير من الطقوس الرسمية، إلى جانب إعلانهم احتكار الحقيقة وتقبل الموت على الارتداد عن الدين، ما دفع الخطيب البليغ لوقيانوس للقول بأن بسطاء العقل هؤلاء لم يكونوا مجرمين لكن يسوع المنافق قد خدعهم وكهنتهم يتلاعبون بهم؛[47] سوى ذلك فقد كان المسيحيون الأوائل يرفضون بنوع خاص الاحتكاك بالعلوم الدنيوية لارتباطها بشكل وثيق بالأديان الوثنية،[48] ما دفع المؤرخ الروماني سلس حوالي العام 175 إلى لوم المسيحيين لأنهم يحرصون على جهلهم.[49]

أخذ الوضع بالتغير منذ النصف الثاني للقرن الثاني، فقد أدرك المسيحيون أن عودة يسوع المنتظرة ستأخذ وقتًا طويلاً وبالتالي فإن مكوثهم على الأرض سيطول، فأخذوا يحاولون تقديم إيمانهم بشكل له المزيد من النظام والعقلانية مستخدمين صفات ثقافة عصرهم؛ نبع ذلك من إدراك أنه إن لم ترد الكنيسة البقاء كشيعة على هامش المجتمع يترتب عليها التكلم بلغة معاصريها المثقفين؛[50] وكان أول المدافعين عن المسيحية هو جوستينوس الذي لقي مصرعه خلال الاضطهادات التي قامت سنة 156.[51] وتكاثرت من بعده مؤلفات الدفاع: هبرابوليس، أبوليناروس وميلتون وجهوا مؤلفاتهم للإمبراطور ماركوس أوريليوس، وأثيناغوراس ومليتاديس نشروا مؤلفات مشابهة حوالي العام 180؛[51] لقد ساهمت الشخصيات المثقفة التي اعتنقت المسيحية كجوليانوس وإغناطيوس في تسهيل دخول المسيحية ضمن المجتمع السائد، ومع نهاية القرن الثاني لم يكن هناك من مشكلة: فحتى الآباء المسيحيون كانوا يرسلون أولادهم إلى مدراس الوثنيين إذ لم تكن فكرة وجود تربية مسيحية خاصة تختلف سوى في مضمار المعتقدات الدينية والأخلاق،[52] ثم أخذت المدراس المسيحية بالنشوء والكتب المسيحية بالانتشار مع بداية القرن الثالث وتكاثر عدد المعلمين المسيحيين في المدراس اليونانية والرومانية؛ وأصبح سنة 264 أناكوليوس أسقف اللاذقية، أول عميد مسيحي لكلية الفلسفة في جامعة الإسكندرية، وأدار الكاهن مالخيون مدرسة الخطابة والبلاغة في أنطاكية.

يرى عدد من الباحثين أن المسيحية بقيت قريبة جدًا من الديانة اليهودية من حيث العادات والتقاليد حتى نهاية القرن الثاني، ولكن انطلاقًا من هذا التاريخ انضمت المسيحية إلى الحضارة الهيلينية التي ستتيح لها انطلاقة جديدة مع بداية القرن الثالث؛[53] أما على الصعيد الاجتماعي، يعلن إريك كاوفمان أن المسيحيين طوروا نظامًا اجتماعيًا فعالاً على ضوء الإنجيل، فعلى عكس الوثنيين فإن المسيحيين كانوا يعتنون بمرضاهم خلال فترات انتشار الأوبئة إلى جانب عنايتهم بالمعاقين والعجزة، فضلاً عن التشديد على أهمية إخلاص الذكور في الزواج ووحدانية هذا الزواج، ما خلق نوعًا من العائلة المستقرة التي افتقدها المجتمع الروماني وجعل المؤمنات الجدد في ظل هذا الاستقرار يلدن ويربين عددًا أكبر من الأطفال،[54] إضافة إلى وجود حياة اجتماعية مميزة فيما بين أعضاء الجماعة الواحدة ومساعداتهم الدائمة لبعضهم البعض.[55]

إن المشكلة الأساسية التي عانت منه كنيسة القرنين الثاني والثالث تمثلت في الاضطهادات الرومانية؛ فمنذ صدور مرسوم طرد المسيحيين من روما حوالي العام 58 وحتى العام 312 عانى المسيحيون من شتى أنواع الاضطهاد كان أقساها اضطهاد نيرون الذي شمل حريق روما، دومتيانوس الذي استمر سبعة وثلاثين عامًا واتخذت بداية هذا الاضطهاد أصل التقويم المعروف باسم التقويم القبطي أو المصري، وحسب مراجع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فقد قتل مئات الآلاف خلال هذا الاضطهاد،[56] تراجان، ماركوس أوريليوس، سبتيموس سيفيروس، ماكسيمين، ديكيوس، جالينوس، أوريليان، دقلديانوس وهي ما تعرف عمومًا في التاريخ المسيحي باسم الاضطهادات العشر الكبرى؛[57] لكن الأمور أخذت بالتحسن مع منشور غاليريوس التسامحي وخطوات الإمبراطور قسطنطين التي توجت بمرسوم ميلانو سنة 312 والذي اعترف بالمسيحية دينًا من أديان الامبراطورية، فرغم جميع الاضطهادات، كانت قوة المسيحية الديموغرافية تتنامى مع العلم أنها وحتى عام 312 كانت أقلية داخل الإمبراطورية ككل، لكنها قد تحولت إلى قوة لا تستطيع جهات الإمبراطورية الرسمية طمسها أو التغاضي عنها.[58]

المجامع والانشقاقات (312 إلى 1054)[عدل]

أيقونة بيزنطية تظهر قسطنطين الأول محاطًا بالبطاركة والأساقفة في مجمع نيقية الأول ويمسكون قانون الإيمان الذي صاغة المجمع.

أصبحت المسيحية في عام 380 الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، وفي عام 330 قام الإمبراطور قسطنطين بنقل العاصمة من روما إلى القسطنطينية، والتي أصبحت مركز المسيحية الشرقية ومركز حضاري عالمي، فأضحت أعظم مدن العالم في ذلك العصر.[59]

لكون المسيحية قد انفتحت على مختلف الحضارات والثقافات، كان لا بدّ لها من الانقسام، ليس فقط من ناحية الطقوس إنما من ناحية العقائد أيضًا، بنتيجة تنوع البيئات والمشارب لمعتنقيها،[60] لقد وجدت كنيسة القرن الرابع نفسها تواجه سيلاً من هذه الحركات التي دعيت في لغة الكنيسة الرسمية هرطقات؛[61] أغلب هذه الحركات كانت محدودة التأثير واضمحلت دون بذل جهد كبير.[62] لكن بعضها الآخر شكل قوة كالآريوسية، ما دفع لعقد مجمع مسكوني في نيقية عام 325 برئاسة الإمبراطور قسطنطين الأول والأسقف أوسيوس القرطبي.[63]

لا يعتبر مجمع نيقية المجمع الأول، إذ عقد قبله عدد كبير من المجامع الإقليمية غالبًا ما كان يرأسها أسقف المنطقة،[64] لكن مجمع نيقية هو المجمع المسكوني الأول أي أن أساقفة من جميع أنحاء العالم شاركوا به: حكم المجمع بهرطقة آريوس وحَرَمه بعد أن اعتقد بأن الابن كائن مخلوق غير مساوٍ للآب،[65] ووضع المجمع قانون الإيمان الذي لا يزال مستعملاً حتى اليوم؛[66] تأتي أهمية مجمع نيقية أيضًا لأنه وللمرة الأولى في تاريخ المسيحية تستخدم مصطلحات غير توراتية بشكل رسمي أمثال: نور من نور، إله حق منبثق من إله حق، مولود غير مخلوق؛ وهذه المصطلحات القادمة من فلسفة الرومان منحت الإيمان المسيحي تحديدات جديدة ووهبته مزيدًا من الدقة؛[62] كذلك فقد أقر المجمع نظام البطريركيات الخمس الكبرى ونظّم قواعد تعاملها مع بعضها البعض؛ وفي أعقاب المجمع أخذت الأديان الوثنية بالتقهقر والتراجع أمام المسيحية؛ وقد طبعت تلك المرحلة بطابع دموي من الحروب الأهلية والانقلابات خصوصًا في الإمبراطورية الرومانية الغربية، وأدى انعدام الأمن إلى انتشار الاضطهادات الدينية:[67] مارست المسيحية الاضطهاد تجاه الوثنية ويمكن الأخذ بتجربة البطريرك أثناسيوس الاسكندري في مصر مثالاً على ذلك،[68] ومورست على المسيحية الاضطهادات كما فعل الإمبراطور جوليان من خلال مرسوم حظر التعليم على المسيحيين سنة 362 والذي افتتح معه موسمًا جديدًا من الاضطهاد؛[69] لكن وعلى صعيد آخر فإن العمارة المسيحية وفن رسم الأيقونات وكذلك الموسيقى قد بلغوا شأنًا في كنيسة القرن الرابع؛ إضافة إلى أن من يسميهم جورج مينوا أساطين الكنيسة ظهروا في تلك الفترة: باسيليوس الكبير،[70] جيروم،[71] إمبروسيوس،[72] يوحنا الذهبي الفم،[73] مارون الكبير،[74] سمعان العمودي،[75] أفرام السرياني،[76] أوغسطينوس،[77] وأنطونيوس الكبير مؤسس الحركة الرهبانية في المسيحية وأغلب هذه الشخصيات حازت على لقب قديس في الكنيسة.

الطيف المسيحي بين القرنين الخامس والسابع، يظهر معتقدات كنيسة المشرق (أزرق فاتح) والكنائس الميافيزية (أحمر فاتح) والكنائس الغربية (بنفسجي فاتح.)

وفي سبيل استكمال تنظيم البنية الإدارية للكنيسة عقد مجمع القسطنطينية الأول سنة 381 والذي كان من أعماله أيضًا إدانة أبوليناروس أسقف اللاذقية الذي اعتقد بأن ألوهية المسيح قد حلت مكان روحه العاقلة،[78] وبعد أقل من نصف قرن انعقد مجمع مسكوني آخر في أفسس سنة 431 حرم نسطور الذي آمن بالثالوث الأقدس لكنه اعتقد أن الابن الموجود منذ الأزل هو غير يسوع، وأن هذا الابن الأزلي قد حلّ في شخص يسوع عند عماده وبالتالي فقد علّم نسطور وجود شخصين في المسيح ودعا العذراء والدة المسيح وليس والدة الله،[79] وقد تعرض أتباعه لاضطهادات شديدة؛ وبعد ثمان سنوات فقط في سنة 439 انعقد مجمع آخر في أفسس يدعوه الأرثوذكس المشرقيون مجمع أفسس الثاني في حين يرفض الكاثوليك والروم الأرثوذكس الاعتراف به،[80] انعقد هذا المجمع بشكل رئيسي لتحديد صيغة إيمان نهائية لطريقة اتحاد طبيعتي المسيح البشرية والإلهية في شخصه، وأقر نظرية البطريرك كيرلس الأول الاسكندري، التي وجدت أن النتيجة الطبيعية لاتحاد طبيعتين هي طبيعة واحدة دون الخلط بخصائص الطبيعتين.[81]

ولكن هذه العقيدة تمت معارضتها في روما والقسطنطينية، اللتين دعتا إلى مجمع آخر سنة 451 هو مجمع خلقيدونية الذي أعاد تنظيم علاقة البطريركيات ببعضها البعض وأقر صيغة البابا ليون الأول القائلة بأن طبيعتي المسيح رغم اتحداهما قد لبثتا طبيعتين بشكل يفوق الوصف كاتحاد النور والنار،[82] وألغى المجمع المذكور مقررات المجمع السابق وسحب شرعية الاعتراف به، فحصل الانقسام الثاني في الكنيسة وتشكلت عائلة الكنائس الأرثوذكسية المشرقية مع رفض أعضائها قبول مقررات المجمع الخلقيدوني، ورغم هذا فإن الانقسام النهائي الإدراي لم يتم حتى العام 518 عندما عزل بطريرك أنطاكية ساويريوس لكونه من أصحاب الطبيعة الواحدة،[83] في مجمع محلي عقد في القسطنطينية، أعقبه رفض البطريرك لهذا القرار وانتقاله إلى مصر حيث أدار جزءًا من الكنيسة في حين أدار بطريرك خليقدوني القسم الآخر منها، وما حصل في أنطاكية حصل أيضًا في الإسكندرية.[84]

شكّل أصحاب الطبيعة الواحدة أو المونوفيزيون قاعدة شعبية كبيرة في مصر، الحبشة، أرمينيا وبدرجة أقل في سوريا والهند، وعانوا من شتى أنواع الاضطهاد على يد الإمبراطورية البيزنطية لكن الاضطهاد لم يأت بالثمار المرجوة بل عمّق الشرخ الحاصل في الإمبراطورية بين الفئتين، ولم يحسم الأباطرة الرومان موقفهم من المجمع إذ توالى على العرش عدد من الأباطرة الذين وقفوا إلى جانب مجمع خلقيدونية وآخرون وقفوا ضده، وهؤلاء الأباطرة قادوا اضطهادات ضد الخليقدونيين في الإمبراطورية؛[85] حاول الامبراطور جستنيان الأول توحيد الطرفين وعقد مجمع القسطنطينية الثاني سنة 553 في سبيل ذلك،[86] لكنه فشل بل اتجهت الأمور نحو الأسوأ مع تدخل الإمبراطورية الفارسية التي استطاعت أوائل القرن السابع فتح سوريا والعراق،[87] وتبنت في مجمع قسطيفون الطبيعة الواحدة مذهبًا لها.[88]

البابا يتوج شارلمان، لوحة لرافائيل تعود للقرن السادس عشر.

استطاع الإمبراطور هرقل استعادة ما خسره سنة 622 وأقر عقيدة جديدة هي المونوثيلية: طبيعتين في مشيئة واحدة كحل وسط بين معتنقي عقيدة الطبيعتين ومعتنقي عقيدة الطبيعة؛[89] لكن أصحاب الطبيعة الواحدة رفضوا الصيغة الجديدة ما افتتح عهدًا جديدًا من الاضطهادات الشديدة، لكنها لم تطل بسبب دخول المنطقة بيد الجيوش الإسلامية القادمة من شبه الجزيرة العربية، ويرى عدد من الباحثين أن المسيحيين العرب دعموا عملية الفتح،[90] خصوصًا الغساسنة والمناذرة وكذلك فعل المسيحيون السريان، في حين أن سكان المدن السورية على نهر الفرات فتحوا أبواب المدن مهللين للفاتحين الجدد، وكذلك فعل مقاتلو الجيش البيزنطي في معركة اليرموك.[91][92]

في العام 681 انعقد مجمع القسطنطينية الثالث الذي حكم بهرطقة صيغة هرقل المونوثيلية[93] مثبتًا صيغة الطبيعتين والمشيئتين في المسيح؛ أما في الغرب المسيحي فقد كان الوضع أكثر هدوءًا، مع فعالية حركات التبشير في نشر المسيحية شمال فرنسا وألمانيا؛ كذلك فقد وصلت المسيحية إلى إنكلترا وإيرلندا على يد القديس باتريك،[94] ثم اعتنقت روسيا المسيحية في القرن التاسع؛ شهد تنصّر ستيفين الأول ملك المجر مرحلة تاريخيَّة هامة لدول أوروبا الوسطى، حيث يعتبر أول ملك للمجر (1000-1038). وقد عمل على نشر وترسيخ المسيحية بشكل كبير في المجر، سلوفاكيا، ترانسيلفانيا، كرواتيا وشمال صربيا. وطبعت تلك المرحلة بتأسيس الرهبنات الكبرى كالرهبنة البندكتية والرهبنة الأوغسطينية اللتين أثرتا عميق التأثير في المجتمع الغربي، ورعتا عملية التقدم العلمي إذ كانت الأديار جامعات ومدارس أوروبا الوحيدة،[95] كذلك برز دير كلوني في تنظيم السياسة الداخلية للكنيسة وتحديد دور العلمانيين فيها.[96] وطبعت تلك المرحلة الإعتراف بفرنسا كأول دولة حديثة تعترف بها الكنيسة، وأُطلق عليها لقب "الإبنة الكبرى للكنيسة"؛ وقد تم الإعتراف بكلوفيس الأول ملك الفرنجة، من قبل البابوية باعتباره حامي مصالح روما. وتبعًا لذلك، حمل ملوك فرنسا لقب ملك المسيحية (باللاتينية: Rex Christianissimus).

إن مشاكل المسيحية الغربية في تلك الفترة تمثلت بالكوارث الطبيعية والفقر المدقع الذي كان يعيش به السكان في ظل نظام إقطاعي شديد، إلى جانب انتشار الأمية،[97] كذلك النزاعات المستمرة التي تحولت إلى حروب بين الإمبراطورية الرومانية المقدسة والبابوات،[98] إلى جانب حرب الأيقونات التي اندلعت سنة 726 والتي انعقد في إثرها مجمع نيقية الثاني سنة 787،[99] بطلب من الإمبراطورة إيريني وأقر المجمع إعادة الأيقونات إلى الكنائس بعد أن كان الإمبراطور ليون الثالث قد أصدر مرسوم تحطيمها.[100] في حين عرفت الكنائس المسيحية الشرقية ازدهار فارتبطت بعض الكنائس المسيحية الشرقية في السياسية، فمثلًا حصلت كل من سلالة السليمانيون في إثيوبيا وأسرة بجرتيوني في جورجيا على الشرعية من كنيسة التوحيد الأرثوذكسية الإثيوبية والكنيسة الجورجية الرسولية الأرثوذكسية، باعتبارهم من سلالة الملك داود وسليمان،[101] أرتبطت الكنيسة والدولة ارتباطًا وثيقًا في كل من إثيوبيا وجورجيا.[102]

أيقونة كرسي الحكمة، في آيا صوفيا باسطنبول، الكاتدرائية السابقة كانت مركز الحياة الدينية في المدينة.

العصر الذهبي البيزنطي وتنصير الشعوب السلافية[عدل]

عاشت الإمبراطورية البيزنطية عصرها الذهبي خاصًة تحت حكم الأسرة المقدونية حيث دعي عصرهم بعصر النهضة المقدونية ففي عهدهم مرت الامبراطورية البيزنطية نهضة ثقافية وعلمية وكانت القسطنطينية في عهدهم المدينة الرائدة في العالم المسيحي من حيث الحجم والثراء والثقافة.[103] فقد كان هناك نمو كبير في مجال التعليم والتعلم ممثلة بجامعة القسطنطينية ومكتبة القسطنطينية وجرى الحفاظ على النصوص القديمة وإعادة نسخها. كما ازدهر الفن البيزنطي وانتشرت الفسيفساء الرائعة في تزيين العديد من الكنائس الجديدة، وفي عصر الكومنينيون تجدد الاهتمام بالفلسفة الإغريقية الكلاسيكية، بالإضافة إلى تزايد الناتج الأدبي باليونانية العامية.[104] احتل الأدب والفن البيزنطيان مكانة بارزة في أوروبا، حيث كان التأثير الثقافي للفن البيزنطي على الغرب خلال هذه الفترة هائلًا وذو أهمية طويلة الأمد.[105]

كيرلس وميثوديوس، بفضل تأثيرهما الكبير في التطور الديني والثقافي للشعوب السلافية عامة دعيا بلقب رسل السلافيين.

شمل العهد المقدوني أحداثًا ذات أهمية دينية. كان تنصير الشعوب السلافية مثل البلغار والصرب والروس إلى المسيحية الأرثوذكسية بصفة دائمة قد غير الخريطة الدينية لأوروبا ولا يزال صداه حتى يومنا هذا. قام كيرلس وميثوديوس وهما أخوان يونانيان بيزنطيان من ثيسالونيكي قد ساهما بشكل كبير جدًا في تنصير السلافيين والعملية التي طورت الأبجدية الغلاغوليتية، والتي هي سابقة كيريلية.[106] وصلت العلاقات بين التقاليد الغربية والشرقية ضمن الكنيسة المسيحية في 1054 أزمة نهائية، وعرفت باسم الانشقاق العظيم. رغم وجود إعلان رسمي بالفصل المؤسساتي، إلا أنه وفي 16 يوليو، عندما دخل ثلاثة مفوضين بابويين حاجيا صوفيا خلال طقس القربان المقدس الإلهي بعد ظهر يوم سبت ووضعوا ثور الحرمان على المذبح، [107] كان الانشقاق العظيم نتيجة عقود من الانفصال التدريجي.[108]

في عام 988 دخلت المسيحية بلاد روس وانتشرت وفق المذهب الأرثوذكسي، حيث اعتنق الأمير فلاديمير الأول المسيحية، وكان السلاف الشرقيون في ذلك الوقت يعبدون القوى الطبيعية. ولكن فلاديمير جعل المسيحية الدين الرسمي للدولة، ومن ثم اعتنقها الكثير من أهل دولته. وقد أصبح فلاديمير فيما بعد قديسًا للكنيسة الأرثوذكسية الروسية، وأصبحت الأخيرة والدولة مرتبطة دائمًا ارتباطًا وثيقًا.[109][110] اعتبر الروس الأرثوذكس موسكو بأنها روما الثالثة بعد القسطنطينية روما الثانية وبأنها آخر حصن للعقيدة الأرثوذكسية الحقة، وهكذا في عام 1589 نال رئيس الكنيسة الروسية لقب بطريرك واضعًا نفسه بمرتبة بطاركة القسطنطينية، الإسكندرية، أنطاكية وأورشليم.

الإنشقاق العظيم[عدل]

خارطة تُظهر انقسام الدول والأمم بين الكنيستين الشرقيَّة والغربيَّة سنة 1054، كما وتظهر فيها حدود تلك الدول السابقة.

تلا ذلك في العام 800 تتويج البابا ليون الثالث بتتويج شارلمان إمبراطورًا للإمبراطورية الرومانية المقدسة مفتتحًا بذلك عهدًا جديدًا من العلاقات بين الإمبراطورية والكرسي الرسولي؛ ولم تنته مرحلة الانشقاقات الكنسية إذ وقع عام 1054 الانشقاق العظيم عندما أعلنت بطريركية القسطنطينية انفصالها عن روما في أعقاب وفاة البابا ليون التاسع،[111] في عام 1054 وبعد قرون من العلاقات المتوترة، وقع الانشقاق العظيم وقسم العالم المسيحي بين الكنيسة الكاثوليكية وتركزت في روما وسادت في الغرب، والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، والتي تركزت في القسطنطينية، عاصمة الامبراطورية البيزنطية. وكان نظام الحكم في القسطنطينية مركز الأرثوذكسية الشرقية، نظام ثنائي في قيادة الكنيسة بين الاباطرة البيزنطيين وبين البطاركة، فوظيفة الإمبراطور البيزنطي حماية الكنيسة الشرقية وإدارة إدارتها بواسطة ترأس المجامع المسكونية وتعيين البطاركة وتحديد الحدود الإقليمية لولايتها.[112] ولا يستطيع بطريرك القسطنطينية أن تولي منصبه إذا لم يحصل على موافقة الامبراطور.[113] وقد عارض بشدة عدد من آباء الكنيسة الشرقيين مثل يوحنا ذهبي الفم بطريرك القسطنطينية وأثناسيوس بطريرك الاسكندرية، سيطرة الأباطرة البيزنطيين على الكنيسة الشرقية.

إن هذه الانقسامات وإن كانت ذات بعد ديني لكن لا تغيب عنها الدوافع السياسية والاقتصادية:

   
تاريخ المسيحية
إن الدعوات الفكرية التي انطلقت بدءًا من القرن الرابع، والتي اكتسبت طابعًا شعبيًا مريبًا، ليست مجرد أفكار مدرسية للترف الفكري، بل تحوي الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحركة لتلك الجماهير؛ لقد تفرد البيزنطيون بالسلطة وأرهقوا الشعب بالضرائب ولم يراعوا مشاعر سكان البلاد وتطلعاتهم، وكانوا أكثر تسامحًا مع الوثنيين من المسيحيين الآخرين، وفي جو كهذا يكون الجدل الديني هو المتنفس الوحيد والطبيعي للمثقفين في سبيل معارضة السلطة.

لقد كانت هذه الأفكار الفلسفية الماورائية حول طبيعة المسيح، وطرق تعامل الشعب معها، ردة فعل قومية ضد السيطرة البيزنطية وقد ارتدت قناعًا من أيدلوجية العصر أي الدين.[114]

   
تاريخ المسيحية

عصر الإيمان وعصر النهضة (1054 إلى 1492)؛ (1492 إلى 1633)[عدل]

المسيحية في العالم الإسلامي[عدل]

أنقاض كنيسة مار يعقوب في نصيبين، أصبحت نصيبين ومدرستها بعد مجمع أفسس ملجأ للمتعاطفين مع نسطور.

رغم الانشقاق بين روما والقسطنطينية إلا أن زعامة العالم المسيحي استقرت بيد روما، فالإمبراطورية البيزنطية كانت تكفيها المشاكل الدائمة مع الدولة العباسية،[115] والمسيحيون في سوريا ومصر كانوا يعانون من اضطهادات بعض الخلفاء الشديدة أمثال المتوكل على الله العباسي والحاكم بأمر الله الفاطمي،[116] كذلك فإن الركود الفكري الذي ترافق مع تراجع الوضع الاقتصادي ونمو التعصب الديني عقب عهد المأمون جعل أي تجديد علمي في الدولة العباسية سواء للمسيحيين أو للمسلمين صعبًا،[117] ومع ذلك فقد برز السريان والنساطرة في الترجمة، العلوم، الفلك والطب فاعتمد عليهم الخلفاء.[118] ومن أبرز العلماء والأطباء في تلك الفترة أسرة بختيشوع الذين خدموا كأطباء للخلفاء العباسيين، يوحنا بن ماسويه مدير مشفى دمشق خلال خلافة هارون الرشيد، حنين بن إسحاق المسؤول عن بيت الحكمة وديوان الترجمة وابنه إسحاق بن حنين، وحبيش بن الأعسم وغيرهم. وأصبحت بغداد عند إنشأها مركزاً لكنيسة المشرق وكان بطاركتها غالباً ما ينادمون الخلفاء العباسيون.[119][120] عرفت كنيسة المشرق أو كنيسة فارس والكنيسة النسطورية والتي نشأت ضمن الإمبراطورية الساسانية ازدهاراً وانتشاراً إذ انتشرت في معظم أنحاء آسيا. وصلت أوج قوتها بين القرنين التاسع والرابع عشر حيث كانت حينئذ أكبر كنيسة انتشاراً جغرافياً ممتدةً من مصر إلى البحر الأصفر شرقًا كما شملت بالإضافة إلى السريان المشارقة الذين احتفظوا بالبطريركية تقليدياً الملايين من الفرس والترك والمغول والهنود والصينيون. غير أن فترة الازدهار هذه بدأت بالانحسار بوهن الدولة العباسية وانتهت بسقوط بغداد سنة 1258 وسيطرة القبائل المنغولية والتركية على المنطقة.[121]

نزاع التنصيب[عدل]

خلال القرون الوسطى كانت القوى المؤثرة على الصعيد السياسي في المجتمع الغربي هي: النبلاء ورجال الدين والملوك، وقد نتج عن ذلك صراع في بعض الأحيان بينهم. وكانت سلطة الباباوت قوية بما يكفي لتحدي سلطة الملوك. ولعلّ نزاع التنصيب أهم صراع بين الكنيسة والدولة في أوروبا خلال القرون الوسطى. فقد شهدت تلك الفترة جدالاً مستمرًا بين البابوات المتعاقبين وأباطرة الإمبراطورية الرومانية المقدسة الألمان حول زعامة العالم المسيحي،[122] إذ تحدت مجموعة من الباباوات سلطة الملكيات في السيطرة على التعيينات لمسؤولين عن الكنائس مثل الأساقفة ورؤساء الأديرة. ظهر ذلك خصوصًا في عهد الإمبراطور أوتو، رغم أن البابوات قد توجوا شخصيًا عددًا من الأباطرة؛[123] غير أن هذه العلاقة الغير مستقرة لم تتأزم لتصل إلى حالة الحرب أو نزع الاعتراف المتبادل بين الكيانيين. يمكن القول أن ذروتها بلغت حين أقدم الإمبراطور أوتو على خلع البابا يوحنا الثاني عشر وخليفته بندكت الخامس، وتلاه خنق الإمبراطور كريستينوس للبابا بندكت السادس عام 974؛[124] تبعه خلاف الإمبراطور فريدريك الثاني، والذي كان مقره في جزيرة صقلية، مع البابوات فقد واجه توتر وخصومة ومنافسة مع البابوية وذلك من أجل السيطرة على شمال إيطاليا.[125] وكانت من بين أسباب فترة بابوية أفينيون خلال الأعوام 1305 حتى 1378 الصراع بين البابوية والتاج الفرنسي.[126]

الانقسام الغربي[عدل]

مقر إقامة البابا في أفنيغون بفرنسا، وقد أتبعت لاحقًا بالولايات البابوية.

بدءًا من العام 1305 وحتى عام 1417 اتخذ قسم من البابوات أفنيغون في جنوب فرنسا مقرًا لهم في حين ظل القسم الآخر في روما، وتعترف الكنيسة الكاثوليكية اليوم بشرعية كلا البابوين خلال تلك الفترة، بيد أن بابوات روما كانوا فعليًا تحت سيطرة الأباطرة الرومانيين، ما أدى إلى إضعاف موقعهم. كذلك الحال بالنسبة للولايات البابوية، فعلى الرغم من أن الكيان لم يتم احتلاله وإتباعه للإمبراطورية الرومانية المقدسة، إلا أنّه قد أصبح بحكم الأمر الواقع تابعًا لها. تزامن ذلك مع انتشار الفقر والفوضى واستبداد حكم الإقطاع المحلي. شهدت تلك الفترة عدة محاولات لتحسين الأوضاع، غير أنها عمومًا كانت ذات أثر محدود. أبرز المحاولات الإصلاحية صدور المدونة القانونية أو دستور الخاص بالولايات البابوية (باللاتينية: Sanctæ Constitutiones Matris Ecclesiæ) عام 1357، وظل العمل بهذا الدستور ساريًا حتى استبداله العام 1816. وبالتالي تكون الفاتيكان من أوائل دول العالم التي وضعت دستور منظم لحياتها السياسية والاجتماعية.

حاول بعض بابوات أفنيغون العودة إلى روما، منهم البابا أوربان الخامس عام 1367 لكن عملية إعادة الوحدة لم تكن قد نضجت بعد، فاضطر البابا إلى العودة إلى فرنسا عام 1370 واستقر مجددًا في أفنيغون التي كانت قد أعلنت جزءًا من الولايات البابوية، وقد ظلت تابعة لها حتى بعد عودة البابا إلى روما، ولم تعد لحكم الدولة الفرنسية إلا في أعقاب الثورة الفرنسية عام 1789.[127]

بدءًا من عام 1378 تعددت محاولات السيطرة على الكرسي البابوي بين الأباطرة والطامعين في الحصول على الكرسي الرسولي، يطلق على هذه الفترة من تاريخ الفاتيكان عمومًا اسم "الجدل الكبير" الذي حُلّ أخيرًا عام 1417، من خلال مجمع كونستانس والذي انتخب في أعقابه البابا مارتن الخامس حبرًا للكنيسة الكاثوليكية جمعاء، منهيًا بذلك حوالي قرن من الانشقاق.[128]

الحروب الصليبية[عدل]

رسم يعود للقرن الخامس عشر يمثل البابا أوربان الثاني وهو يخطب بالحشد المجتمع في كليرمونت.

ولم تكن سلطة كنيسة القرون الوسطى دينية فقط بل دنيوية أيضًا، تمثلت بالدولة البابوية التي ثبتت أركانها في القرن الحادي عشر؛ وتمثلت أيضًا بالدور القيادي في السياسة الذي لعبه البابا كوسيط بين مختلف ملوك أوروبا،[129] إن قوة الكنسية السياسية، فضلاً عن وضع المسيحيين المتردي في الشرق، ورغبة أمراء أوروبا توسيع أملاكهم وثراوتهم والكف عن الاقتتال الداخلي، جعل المناخ ملائمًا لنشوء الحملات الصليبية التي دعا إليها البابا أوربانوس الثاني سنة 1094 خلال مجمع كليرمونت جنوب فرنسا،[130] وانطلقت في إثره الحملة الصليبية الأولى التي استطاعت احتلال الساحل السوري إضافة إلى لبنان وفلسطين ومناطق من تركيا والأردن ومصر.

أما الحملة الصليبية الثانية كانت ردًا على سقوط الرها،[131] والحملة الصليبية الثالثة كانت ردًا على سقوط القدس،[132] أما الحملات التالية جميعًا فكانت ذات أثر محدود، فاحتلت الحملة الصليبية الرابعة القسطنطينية، واستطاعت الحملة الصليبية السادسة استعادة القدس زمنًا قليلاً،[133] في حين توجهت سائر الحملات إلى مصر، لكنها لم تستطع المكوث فيها طويلاً؛[134] ولم تكن الحقبة الصليبية حقبة صراع دائم، فقد كانت أيضًا مرحلة تمازج ثقافي وانفتاح حضاري بين الشرق والغرب.[135]

سقطت آخر أملاك الصليبين في المشرق بسقوط عكا سنة 1291 وبدأت حروب استعادة الأندلس،[136] ولم تنته إلا بسقوط غرناطة سنة 1492،[137] ولم تكن العلاقات مع الأندلس أيضًا علاقة حروب بشكل دائم، إذ تعرفت أوروبا ومثقفيها وهم جميعًا من الرهبان على الفلسفة اليونانية والرومانية ومؤلفات ابن رشد وابن خلدون وغيرهما عن طريق الأندلس، ما أدى إلى حركة تطور علمي نشطة قادتها الكنيسة:

   
تاريخ المسيحية
إن الأساقفة ورؤساء الأديرة والرهبان بل البابا عينه لم يتردووا في التماسهم من الإغريقيين الوثنيين، ومن اليهود الذين قتلوا الله، ومن المسلمين غير المؤمنين، قطعًا من العناصر المعقدة الهائلة للمعرفة؛ ويسعنا الحديث دون أن مبالغة عن ثورة عملية قادتها الذهنية الكاثوليكية في القرن الحادي عشر.[138]
   
تاريخ المسيحية

عصر النهضة[عدل]

افتتاح مجمع ترنت في كاتدرائية "ماريا ميجوري"، أي مريم الكبرى.

كما أن الثروات التي تدفقت على أوروبا من جراء نجاح الفتوح في إسبانيا ساهمت في تحسين الوضع الاقتصادي،[139] كذلك الحال بعيد اكتشاف العالم الجديد سنة 1492 الذي افتتح معه عصر النهضة في أوروبا وعصر التبشير في أمريكا؛ وغالبًا ما كانت الحملات الاستكشافية تتم بمباركة الفاتيكان ما أدى إلى تدفق الذهب نحو إيطاليا، وتحولت بالتالي روما، فلورنسا وجنوا والبندقية إلى عواصم النهضة الأولى،[140] التي سرعان ما عمّت أوروبا، وأخذت بشكل خاص طابع الجامعات والمدارس والمستشفيات والنوادي الثقافية؛ وتطورت تحت قيادة الكنيسة مختلف أنواع العلوم خصوصًا، الفلك،[140] والرياضيات،[141] والتأثيل،[142] والفلسفة،[140] والبلاغة،[142] والطب،[143] والتشريح،[144] والفيزياء خصوصًا الأرسطوية (أي المنسوبة إلى أرسطو[145] والفيزياء المكيانيكية خصوصًا أدوات الحرب،[142] والكيمياء، والجغرافيا، والفلسفة، وعلوم النبات والحيوان،[142] إلى جانب فن العمارة الذي بلغ شأوًا في عصر النهضة وتبدو كاتدرائيات تلك الحقبة وعلى رأسها كاتدرائية القديس بطرس وسائر مباني الفاتيكان خير مثال على ذلك، وقد بدء ببناء الفاتيكان سنة 1513،[142] أيضًا نشط فن الرسم والنحت واحتكر الفاتيكان أغلب الفنانين: ليوناردو دافنشي، ميكيلانجيلو، رافائيل وغيرهم.[146]

القاعة الرئيسية لمكتبة الفاتيكان، وهي إحدى أقدم وأكبر المكتبات في العالم وتحوي على مجموعة مخطوطات تاريخية مهمة.

أوائل الجامعات التي أرتبطت بالكنيسة الكاثوليكية بدأت كمدرسة كتدرائية أو مدرسة رهبانية ثم سرعان مإنفصلت مع زيادة عدد الطلاب ومن هذه الجامعات كانت[147] جامعة بولونيا، جامعة باريس، جامعة أوكسفورد، جامعة مودينا، جامعة بلنسية، جامعة كامبردج، جامعة سالامانكا، جامعة مونبلييه، جامعة بادوفا، جامعة تولوز، جامعة نيو أورليانز، جامعة سيينا، وبدأت جامعة كويمبرا، وجامعة روما سابينزا وشغل نسبة كبيرة من رجال الدين والرهبان المسيحيين مناصب كأساتذة في هذه الجامعات، كان يتم التدريس فيها كافة المواضيع كعلم اللاهوت والفلسفة والقانون والطب والعلوم الطبيعية.[148] وقد وضعت هذه الجامعات تحت رعاية الكنيسة الكاثوليكية عام 1229 على إثر وثيقة بابوية.[149] يذكر أنّ الجامعة كمؤسسة للتعليم العالي تعود أصولها إلى القرون الوسطى ويشير الباحثين إلى كون الجامعة ذات جذور مسيحية.[150][151] فقبل قيامها رسميًا، عملت العديد من الجامعات في العصور الوسطى لمئات السنين كمدارس المسيحية ومدارس رهبانية، وعلّم فيها الرهبان والراهبات، كذلك تعتبر منح الشهادة الجامعية بعد إنهاء التعليم نتاج مسيحي.[148] ويرى المؤرخ جيفري بلايني أن الجامعة أصبحت سمة مميزة للحضارة المسيحية.[152]

على صعيد الكنيسة العقائدي، تماشيًا مع التطور العلمي، تمت عقلنة الطقوس والعقائد المسيحية، وهكذا أصبحت نظرية أرسطو حول الجوهر والشكل أساس سر القربان الأقدس، وكان توما الإكويني، العالم اللاهوتي والفيلسوف، باب تنظيم العقائد المسيحية في ضوء الفلسفة، لذلك حتى المجمع الفاتيكاني الثاني في القرن العشرين قد استشهد به،[153] وعقدت في الكنيسة حتى القرن الخامس عشر خمسة مجامع، انعقد أربعة منها في لاتران ودعووا المجمع اللاتراني، في حين انعقد الخامس في كونستانس واضعًا نهاية للانشقاق البابوي،[154] وتابعت المنظمات الكبرى داخل الكنيسة في الظهور، فتأسست في القرن السادس عشر سائر الرهبنات الكبرى، الفرنسيسكانية والدومنيكانية،[155] واليسوعية[156] إضافة إلى رهبنة فرسان مالطة[157] والقديس يوحنا الأورشليمي؛ لقد سيطرت هذه الرهبنات على عملية التقدم والتطوير في الكنيسة كذلك سيطرت على النخبة في ذلك العصر.[145]

نماذج من العمارة والفنون المسيحية خلال عصر النهضة

سقوط القسطنطنية[عدل]

السلطان محمد الثاني مع البطريرك جورجيوس سكولاريوس بعد سقوط القسطنطينية.

على الرغم من هذا الازدهار فلم يكن العصر خاليًا مما يؤرق أوروبا: استطاعت الدولة العثمانية فتح القسطنطينية سنة 1453 وسقطت الإمبراطورية البيزنطية،[161] على يد محمد الفاتح، وقبل سقوط المدينة كان قد استنجد الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر بالدول الأوروبية فلم تنجده إلا بعض المدن الإيطالية، أما البابا نيقولا الخامس فقد أبدى استعداده لمساعدة الإمبراطور شرط أن تتحد الكنيستان الشرقية والغربية، ووافق قسطنطين الحادي عشر على المشروع، ولكنّ تعصّب الشعب حال دون تحقيق ذلك. وكان الإمبراطور البيزنطي واقعيًا عندما أقنعته المحنة أن الأخوّة والتعاون الكاثوليكي - الأرثوذكسي هو أحد الوسائل الأساسية لإنقاذ العاصمة من خاتمة مروعة، وأدرك أن الأسوار والسلسلة الحديدية الغليظة التي أغلقت مدخل القرن الذهبي، وعزيمة الرجال وحملة إنقاذ من أوروبا الغربية؛ هي التي يمكنها أن تدفع العثمانيين بعيدًا عن أسوار القسطنطينية، لذلك طلب النجدة من أوروبا على وجه السرعة، لكن الرد الأوروبي جاء متفاوتًا لصالح كل دولة. كما أن مشاركة أوروبا المسيحية في واجب الدفاع عن القسطنطينية كان لا يضارع على الإطلاق جيش العثمانيين المتفوق عددا وعدة في تلك المعركة.

عقب سقوط القسطنطينية تحول ثقل الكنيسة الأرثوذكسية إلى روسيا؛ سمح العثمانيون لليهود والمسيحيين أن يمارسوا شعائرهم الدينية بحرية تحت حماية الدولة، وفقًا لما تنص عليه الشريعة الإسلامية، وبهذا فإن أهل الكتاب من غير المسلمين كانوا يعتبرون رعايا عثمانيين لكن دون أن يُطبق عليهم قانون الدولة، أي أحكام الشريعة الإسلامية، وفرض العثمانيون، كجميع الدول الإسلامية من قبلهم، الجزية على الرعايا غير المسلمين مقابل إعفائهم من الخدمة في الجيش. كانت الملّة الأرثوذكسية أكبر الملل غير الإسلامية في الدولة العثمانية، وقد انقسم أتباعها إلى عدّة كنائس أبرزها كنيسة الروم، والأرمن، والأقباط، والبلغار، والصرب، والسريان، وكانت هذه الكنائس تُطبق قانون جستنيان في مسائل الأحوال الشخصية. خصّ العثمانيون المسيحيين الأرثوذكس بعدد من الامتيازات في مجاليّ السياسة والتجارة، وكانت هذه في بعض الأحيان بسبب ولاء الأرثوذكسيين للدولة العثمانية.[162][163]

ظهرت في القرن السابع عشر نفوذ يونان الفنار وهم أبناء عائلات يونانية أرستقراطية سكنت في حي الفنار في مدينة اسطنبول، وحي الفنار هو مركز بطريركية القسطنطينية المسكونية، اي مركز الأرثوذكسية الشرقية. كان لهذه العائلات نفوذ سياسي داخل الدولة العثمانية ونفوذ ديني في تعيين البطريرك، الزعيم المسيحي في الدولة العثمانية. عائلات حي الفنار كانت عائلات يونانية فارتبطت بالحضارة الهلنستية والحضارة الغربية فشكلت الطبقة المتعلمة والمثقفة في الدولة العثمانية مما افسح لها نقوذ سياسي وثقافي.[164] اشتغل افراد هذه العائلات في التجارة والصيرفة وفي السياسة والتعليم، وينتمي غالبيتهم إلى عائلات من اصول النبلاء البيزنطيين.

عصر الإصلاح وتبعاته[عدل]

باب كنيسة جميع القديسين في فيتنبرغ، والتي علق لوثر على بابها القضايا الخمس والتسعون، في 31 أكتوبر 1517، والتي شكلت بداية الإصلاح.

كذلك فإن الثروات المتدفقة على الغرب أدت إلى انتشار الرشوة والفساد الأخلاقي في الكنيسة وإلى سيطرة بعض العائلات مثل آل ميديشي على الكرسي الرسولي،[165] ما أدى إلى ظهور ما يشبه عوائل مالكة تحتفظ بالكرسي الرسولي، وغالبًا ما يشار إلى تلك الفترة بفساد ثلاثة بابوات: ألكسندر السادس وعشيقاته وفساد عائلته آل بورجيا،[166] يوليوس الثاني وشبقه للحروب وليون الخامس وولعه في البناء،[167] في سبيل ذلك استحدث صكوك الغفران1؛ ما أدى إلى نشوء، حركة مارتن لوثر في ألمانيا الذي إنشق عن الكنيسة الكاثوليكية مؤسسًا البروتستانتية،[168] في عام 1517 قام مارتن لوثر بوضع قائمة بالاعتراضات على ممارسات الكنيسة الكاثوليكية وقد شرحها في 95 بند، فكانت تلك نقطة انطلاق الإصلاح بروتستانتي في أوروبا فانتشرت البروتستانتية في أوروبا الشمالية ما أدى إلى ظهور عدد من المصلحين كان أبرزهم جان كالفن مؤسس الكالفينية، التي تعتمد النظام المشيخي، يان هوس وتوماس مونزر وجون سميث مؤسس حركة المعمدانية التي ظهرت بتأثير حركة تجديدية العماد،[169] في عام 1534 أعلن هنري الثامن ملك إنجلترا نفسه رئيس كنيسة إنجلترا وذلك بعدما رفض البابا ترخيص طلاقه من كاثرين أراغون، ما أدى إلى تأسيس الكنيسة الأنجليكانية التي تعتمد النظام الأسقفي.[170] وفي عشرينيات القرن السادس عشر شجّع زوينجلي على القيام بإصلاحات أكثر تطرفًا من إصلاحات لوثر. وقد أثرت تعاليمه، بدرجة كبيرة في كل من إنجلترا وفرنسا وهولندا وأسكتلندا، وعُرف أتباعه في إنجلترا باسم التطهيرية أو البيوريتانية وفي فرنسا باسم الهوغونوتيون. كما عمل جون نوكس على إدخال تعاليم كَالْفِن إلى أسكتلندا. يُذكر أنّ من الآثار المهمة للحركة الكالفينيّة والتطهرية ظهور برجوازية جديدة والرأسمالية، وبسبب تأكيدها على حرية الفرد، فالحرية الفردية وما رافقها من نجاح في مجال الصناعة، تُعرف هذه الأفكار باسم أخلاق العمل البروتستانتية. خلال عصر الإصلاح ظهرت حركة التوحيدية أو لاثالوثية في بولندا وترانسيلفانيا في أوروبا الوسطى من خلال تعاليم سرفيتوس وفاويستوس سوسينوس.

أدى انتشار البروتستانتية إلى انعقاد مجمع ترنت سنة 1545، وظهور بالإصلاح المضاد أو الإصلاح الكاثوليكي الذي شكل الرهبنة اليسوعية تلاه سيطرة المحافظين على الكرسي الرسولي منذ وفاة البابا جول الثالث سنة 1555،[171] ما أدى إلى تراجع دعم الكنيسة للعلوم، ومن ثم نشأت محاكم التفتيش (انظر الهامش)2 في إيطاليا وكانت قد سبقتها في إسبانيا؛ شملت أهدافها الموريسكيون واليهود والبروتستانت.[172][173][174] كما حاولت الكنيسة من خلالها فرض رقابة على الحركة العلمية، مما أدى إلى إدانة جاليليو جاليلي سنة 1633، الذي دافع عن نظرية مركزية الشمس، قائلاً أنها لا تعارض ما ورد في النصوص الدينية.[175] وهي قضية تصفها الكنيسة اليوم بالمؤسفة،[176] رغم أن الفكرة التي ادين جاليلي بسببها وهو مركزية الشمس كانت قد ظهرت أولاً على يد كوبرنيك واستقبلت بحفاوة في بلاط البابا بولس الثالث سنة 1543،[177] ما يعكس تأثير الوضع السياسي على الكنيسة.

الكنيسة حتى القرن العشرين (1633 إلى 1917)[عدل]

إحدى الكنائس الكاثوليكية في الصين: كان اليسوعيون أول من بشّر خلال العصور الحديثة في الصين بدءًا من أواخر القرن السادس عشر.

كان نشوء البروتستانتية السبب الرئيس لاندلاع عدة حروب أهلية في أوروبا: ففي إنجلترا اضطهد البروتستانت الكاثوليك، ولم يكن الحال بأحسن في فرنسا حين اندلعت حرب أهلية بين الطرفين سنة 1562 تلتها مذبحة البروتستانت عام 1572؛[178] وبصرف النظر عن العامل الديني، كانت هذه الحروب أيضًا صراع على السلطة بين بيت جيز الكاثوليكي وآل بوربون الداعمين للبروتستانت؛ ومع بداية القرن السابع عشر دمرت حرب الثلاثين عاما التي اندلعت سنة 1618 أوروبا وهي تنتقل من دولة إلى دولة حاملة أبعادها الدينية؛ وقد تحارب في ألمانيا الكالفينيون واللوثريون وكلاهما من البروتستانت بحرب طاحنة.[179] ومع منتصف القرن تم الدخول في مرحلة من السلام والاعتراف المتبادل.

في الوقت نفسه كانت الدولة العثمانية قد بلغت أوج قوتها بقيادة سليمان القانوني وأخذت أوروبا الشرقية بالتساقط بيد العثمانيين حتى توقف التمدد العثماني على أبواب فيينا سنة 1683؛[180] وبلغت حركات التبشير الكاثوليكية التي قادها يسوعيون أقاصي آسيا: فوصلت البعثات التبشيرية إلى الصين واليابان وأسست الكنيسة الكاثوليكية أولى معاقلها في الهند عام 1656،[181] فضلًا عن الأصقاع المكتشفة في أفريقيا الجنوبية كذلك فقد أخذت هذه البعثات تتجه نحو الإمبراطورية العثمانية في سبيل ضم الطوائف المسيحية الشرقية إلى الكنيسة الكاثوليكية، الأمر الذي مهد ظهور الكنائس الكاثوليكية الشرقية،[182] وأدت الحركة الديبلوماسية النشطة مع اسطنبول إلى نشوء نظام الامتيازات الأجنبية بدءًا من عام 1563 ثم ألحق به نظام حماية الأقليات الدينية بدءًا من عام 1649.[183]

كاتدرائية الوردية المقدسة في لورد، فرنسا حيث يعتقد الكاثوليك أن مريم العذراء ظهرت قائلة: أنا سيدة الحبل بلا دنس.[184]

أخذت النزعات القومية بالظهور في أوروبا خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر، ممثلة باستقلالية الملوك الكاثوليك عن البابوية وترافقت هذه الحركات بظهور عدد من المفكرين الملحدين خصوصًا في إنجلترا[185] وهولندا التي تبنت إثر استقلالها عن إسبانيا، الكالفينية كمذهب رسمي وتبنت نظامًا ليبراليًا ما جعلها بنوع خاص موئلاً لمختلف الأقليات المضطهدة خصوصًا اليهود.[186]

خلال القرن الثامن عشر نضجت الأفكار القومية والإلحادية في أوروبا، وتزامنت مع تجربتين لهما عميق التأثير في المسيحية: التجربة الأولى ممثلة بقيام الولايات المتحدة الإمريكية سنة 1789: كانت الولايات المتحدة مزيجًا من طوائف بروتستانتية عديدة لا تنظمها سلطة مركزية، لذلك فقد كان اعتماد إحدى هذه الطوائف دينًا للدولة أو لإحدى الولايات سيؤدي إلى مشاكل عديدة تؤثر على حالة الاتحاد الفدرالي لذلك كان لا بدّ من فصل الدين عن الدولة، وبالتالي كان الدين السبب الرئيس في خلق أول جمهورية علمانية،[187] لقد وجد المسيحيون الأمريكيون، خصوصًا الواسب،[188] النظام الجديد بما يتيحه من حرية إنجاز الله تمامًا كما حصل مع موسى وداوود وفق الكتاب المقدس، فرغم علمانيتهم ظل الإمريكيون مخلصين لمسيحيتهم؛[189] التجربة الثانية كانت الثورة الفرنسية سنة 1789 والتي قامت تحت شعار حقوق الإنسان وفصل الدين عن الدولة، لكن التجربة الفرنسية وعلى عكس التجربة الإمريكية كانت هجومية ومضادة للكنيسة: احتلّ نابليون الأول إيطاليا وعامل الفاتيكان بقسوة، وثبتت الاتفاقية الموقعة بينه وبين الكرسي الرسولي سنة 1801 ما قامت به الجمهورية الفرنسية الأولى من مصادرة أملاك الأوقاف بما فيها الكنائس والأديرة وإخضاعها لسلطة الدولة الفرنسية، كذلك فقد أصبح تعيين الأساقفة والكهنة وإدارة شؤونهم بيد السلطات الفرنسية وليس بيد الفاتيكان، بمعنى آخر قطعت جميع أواصر العلاقة بين الكنيسة في فرنسا وبين الكرسي الرسولي.[190]

أخذت الأمور بالتحسن عقب سقوط نابليون الأول وعودة الملكية، لكن المسيحية لن تسترجع ما كانت عليه حتى عام 1905؛[191] وقد رافق القرن التاسع عشر، انتشار الحركات والفلسفات الإلحادية العديدة، فظهر هيغل وكانط وكارل ماركس ثم داروين وجان جاك روسو ونيتشه الذي أعلن موت الله،[192] فبدا أن المسيحية في أوروبا ستنهار، لكنها استطاعت الصمود، وشهدت بداية القرن العشرين أفولاً لهذه الفلسفات.[193] قابله حركة التحديث المسيحية قد طفقت تنمو، وبرزت المسيحية الليبرالية في مقابل المسيحية الأصولية، والدراسات الكتابية الحديثة، وتطور العقيدة الاجتماعية ودور المجتمع في الحالات الخاصة، وتكاثر المنظمات العلمانية الكنسيّة وتقلص دور وحجم الإكليروس، إلى جانب حركة تحديث طقسي ومجمعي.

في الشرق وخلال القرن التاسع عشر، كان لبنان ومسيحييه يقودون النهضة القومية العربية،[194][195] وقد انتقل بعض هؤلاء المفكرين ذوي الأغلبية المسيحية من سوريا ولبنان إلى القاهرة والإسكندرية التي كانت في ظل الخديوي إسماعيل المكان الأكثر انفتاحًا في الدولة العثمانية؛[196] كذلك فقد استقر بعض هؤلاء في المهجر،[197] لقد أطلق هؤلاء المسيحيون بصحفهم وجمعياتهم الأدبية والسياسية النهضة العربية في القرن التاسع عشر والتي سرعان ما اتسعت لتشمل أطياف المجتمع برمته.[198][199] وقد سطع أيضًا نجم عدد وافر من الشخصيات المسيحية العربية في الوطن العربي والمهجر في مناصب سياسية واقتصادية بارزة، كما ولا يزال للطوائف المسيحية، دور بارز في المجتمع العربي، لم ينقطع، لعلّ أبرز مراحله النهضة العربية في القرن التاسع عشر، كما لهم اليوم دور فاعل في مختلف النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.[200]

في روسيا كانت الكنيسة الأرثوذكسية مؤسسة قوية، فقد أعاد الأباطرة الروس من أسرة رومانوف، حماة المذهب الأرثوذكسي، الثنائية التقليدية في قيادة الكنيسة بينهم وبين البطاركة،[201] واستطاعت الإمبراطورية الروسية عن طريق تحالفاتها مع سائر الدول الأوروبية استعادة اليونان ومنحها الاستقلال عام 1838؛ ثم أخذت سائر الدول المسيحية في أوروبا الشرقية بنيل استقلالها عن الدولة العثمانية الواحدة تلو الأخرى بين عامي 1812 و1881؛[202] واستحدثت متصرفية جبل لبنان سنة 1861 بعيد المذابح بين الموارنة والدروز في الجبل والتي سرعان ما انتشرت حتى وصلت دمشق بين المسلمين والمسيحيين؛[203] وكان كاثوليك الدولة العثمانية قد وضعوا تحت حماية فرنسا والنمسا، إذ أعتبر آل هابسبورغ حكام الإمبراطورية النمساوية حماة الكاثوليكية، في حين وضع الأرثوذكس تحت حماية روسيا وقامت إنجلترا بحماية البروتستانت.[203]

على الصعيد العقائدي، فقد أعلنت الكنيسة الكاثوليكية سنة 1856 عقيدة الحـُبل بها بلا دنس تلاها تثبيت ظهور مريم العذراء في بلدة لورد الفرنسية، حسب المعتقدات الكاثوليكية؛ ثم انعقد المجمع الفاتيكاني الأول سنة 1868 خلال حبرية البابا بيوس التاسع؛[204] والذي شهدت حبريته أيضًا زوال الدولة البابوية وانضمامها إلى مملكة إيطاليا سنة 1870.[205]

تميزت تلك الفترة أيضًا بميلاد الكنائس القومية المستقلة كما هو الحال في السويد والنرويج وهولندا وإنكلترا حيث يكون الملك رأس الكنيسة، وتسمى هذه الكنائس بالكنائس البروتستانتية الأسقفية:[206] إذ إنها تقر بالقداس الإلهي والأسرار السبعة المقدسة وسائر عقائد الكنيسة الكاثوليكية بوجه الخصوص، بيد أنها تجعل من الملك رئيسًا لهذه الكنيسة بدلاً من البابا، وغالبًا ما تكون سلطة الملك فخرية في حين يتولى رئيس أساقفة معين من قبل الملك شؤون الإدارة الفعلية.[207]

حركة الصحوة الإنجيلية[عدل]

تجمّع ديني لأتباع المذهب المثيودي خلال الصحوى الكبرى.

عرف القرن 18 موجة من الحماس الديني في العالم البروتستانتي وقد استمر وفقًا لعلماء الدين حتى أوائل القرن 20. سميّت هذه الفترة بفترة الإحياء الديني والتي بدأت في أوروبا داخل الكنائس البروتستانتية ثم سرعان ما انتشرت في الولايات المتحدة الإمريكية وقد دعيت بالصحوة الكبرى. ودعت حركة الصحوة على أهمية الورع والتقوى الشخصية والأخلاق بوصفها تعبيرًا حقيقيًا عن العقيدة،[208] ومن أبرز الحركات التي نشأت من الصحوة الميثودية التي تأسست على يد الأخوين تشارلز وجون ويزلي، المورمونية، الإنجيلية والخمسينية.[209] وفي بداية القرن العشرين أصبح المعمدانيون أكبر طائفة بروتستانتية في الولايات المتحدة الأمريكية.

ظهرت في القرن الثامن عشر حركة الإنجيل الشعبي والتي تهدف لقيام بأعمال خيريه لمساعدة الفقراء أبرز المؤسسات التي نتجت عن هذه الحركة كانت جيش الخلاص وهي جمعيّة تدير مؤسسات متعددة تشمل مستشفيات ومراكز تأهيل لمدمني الكحول والمخدرات، ومعسكرات وأندية للصبية والفتيات، وأماكن إقامة للمسنين وأندية ومراكز للعناية اليومية، كما تقدم برامج تعليمية للأمهات غير المتزوجات، ودعمًا للمسجونين وعائلاتهم.[210] وكان لها دور بارز في نشر والتوعية عن النظافة الشخصية فقد تبنت العقيدة الانجيلية النظافة من الإيمان،[211] وجمعية الشبان المسيحيين التي هدفت إلى نشر الوعى والثقافة والأخلاق والقيم المسيحية في أوساط الشباب، ووتقيم برامج عدة منها الرياضيه ومعسكرات صيفيه، كما دعا الإتحاد العالمي للطلاب المسيحيين الجامعيين عام 1895 بعض الطلاب للبحث عن طرق نشر المسيحية بين الطلاب الجامعيين.

حققت الإرساليات البروتستانتية انتشارًا واسعًا في أفريقيا وأوقيانوسيا وآسيا خاصًة الكنيسة المشيخية والأبرشانيون توّج ذلك في بتأسيس جمعية لندن التبشيرية التي كان لها أثر هام في وصول البروتستانية إلى الشرق الاقصى وأوقيانوسيا، وكان للإرساليات البروتستانتية الأثر الأكبر في ادخال الطب الحديث للصين خاصًة من خلال المبشرين أمثال الجراح روبرت موريسون والقس جون ليفينغستون.

واقع الكنيسة في عالم اليوم[عدل]

كاتدرائية أرثوذكسية في بلغاريا: عانى المسيحيون في أوروبا الشرقية من تعسف الاتحاد السوفيتي والشيوعية.

أثرّت الحرب العالمية الأولى وقيام الشيوعية سنة 1917 تأثيرًا سلبيًا على الكنيسة الروسية الأرثوذكسية، وأدت إلى استقلال عدد من الكنائس التابعة لها،[212] ولم يكن تأثير الشيوعية السلبي منحصرًا عليها بل شمل الكنيسة الكاثوليكية أيضًا، بنتيجة تبني عدد من الدول ذات الغالبية الكاثوليكية للنظام الشيوعي ردحًا من الزمن. قادت الكنيسة الكاثوليكية، بنوع خاص خلال حبرية يوحنا بولس الثاني معارضة عالمية ضد الشيوعية انتهت بانهيار الاتحاد السوفيتي،[213] عانت الكنيسة الكاثوليكية أيضًا من مضايقات النظام الفاشي في إيطاليا، بيد أن توقيع اتفاقيات لاتران الثلاثة بين الكرسي الرسولي وإيطاليا الفاشية سنة 1929 خطوة هامة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، فقد أنهى المرحلة التي دعي خلالها البابوات سجناء روما وأوجدت الفاتيكان بالشكل المتعارف عليه اليوم.[214]

تبنت الكنيسة الكاثوليكية في أعقاب الحرب العالمية الثانية ظهورات العذراء في بلدة فاطمة البرتغالية،[215] وكانت الكنيسة قد أعلنت قبل ذلك عقيدة الوردية المقدسة[216] ومن ثم سنة 1950 عقيدة الانتقال،[217] ثم انعقد المجمع الفاتيكاني الثاني سنة 1963 لمواكبة قضايا العالم المعاصر، وقد أصدر المجمع عدة دساتير تنظم دور البابا والأساقفة،[218] وتعيد رسم قواعد الحياة الرهبانية،[219] والحركات التبشيرية خصوصًا في آسيا وإفريقيا،[220] كذلك نظم المجمع مؤسسات العلمانيين الكنسيّة وسمح باستخدام اللغات المحلية بدلاً من اللغة اللاتينية في الطقوس، وأمر بإعادة دراسة هذه الطقوس وإجراء التعديلات اللازمة على بنيتها،[221] وأشار إلى أهمية الحوار مع الطوائف المسيحية الأخرى والأديان المختلفة.[222]

افتتاح أعمال المجمع الفاتيكاني الثاني سنة 1963.

على صعيد الكنائس الشرقية، فإنّ مذابحًا قد طالت الأرمن وسائر الطوائف المسيحية خصوصًا السريانية في شرق الأناضول وجنوبه وفي شمال العراق، وقد فاق عدد ضحاياها المليون ونصف مليون إنسان على يد الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى،[223][224] بيد أن تركيا تنفي وقوع المجازر التي تؤكدها الأمم المتحدة؛[225] سوى ذلك فقد مرت الكنائس الشرقية بمرحلة مستقرة خلال القرن العشرين، مع الإشارة إلى مآسي الحرب الأهلية اللبنانية،[226] والخلاف بين الحكومة المصرية بقيادة السادات والكنيسة القبطية برئاسة البابا شنودة الثالث،[227] فضلاً عن ما يتعرض له المسيحيون في العراق[228] وإيران،[229][230] وهجرتهم من فلسطين،[231] ومنعهم من أداء طقوسهم في بعض الدول كالمملكة العربية السعودية إلى جانب المشاكل الثلاث التقليدية: قوانين منع تجنيس غير المسلمين في دول الخليج العربي،[232] حد الردة على من يتحول من الإسلام في جميع بلدان الشرق الأوسط العربية عدا لبنان، ومنع زواج المسيحي من مسلمة؛[233] لكن ومن ناحية ثانية فإن المسيحيون يحكمون وفق قوانين أحوال شخصية موافقة لشرائعهم في عديد من البلدان، كسوريا والعراق والأردن ولبنان، ولا يوجد مشاكل في استحداث كنائس جديدة أو جمعيات ومؤسسات مسيحية في عدد كبير من هذه الدول، وحتى الدول التي كان يمنع فيها سابقًا بناء كنائس كقطر؛ الإمارات أو الكويت؛[234] كما أن العلاقات بين مختلف القيادات الكنسية والحكومات تعتبر جيدة جدًا، ما يعكس بدوره العلاقات في القاعدة الشعبية.[233]

مسيحيين أفارقة يؤدون الطقوس الدينية : تشهد مناطق جنوب الكرة الأرضية ازدياد في معدل نمو المسيحية.

أما في إفريقيا والعالم الإسلامي[235] وآسيا خاصًة في الصين،[236] الهند، [236] كوريا الجنوبية،[236] اليابان [236] وسنغافورة[236] فإن وضع الكنيسة في نمو، فالحركات التبشيرية تكتسب مزيدًا من المتحولين إلى المسيحية سنويًا،[236][237][238][239] وتعتبر المشاكل القائمة بين الصين والفاتيكان من خلال قطع الصين لعلاقات الكنيسة داخلها مع الفاتيكان وتعيينها للأساقفة وإدارتها للكنائس من أكبر مشاكل الكنيسة في آسيا حاليًا.[240]

أما في أمريكا اللاتينية، القارة ذات الغالبية الكاثوليكية، فقد ظهرت داخل الكنيسة الكاثوليكية حركة إصلاح دعيت بلاهوت التحرير، والتي ناضلت من أجل العدالة الاجتماعية والقضاء على الفقر والديكتاتورية والدفاع عن المظلومين.

الكنائس البروتستانتية كانت تعيش بهدوء بشكل عام خلال القرن العشرين في أوروبا، أما في الولايات المتحدة الإمريكية فقد كان الوضع مختلفًا، فقد ظهر شهود يهوه وأدفنتست الذين أنكروا ألوهية يسوع،[241] وأما اليمين الإنجيلي بشكل عام، فقد استطاع منذ سبعينات القرن الماضي السيطرة على الحزب الجمهوري وكان مسؤولاً عن تحديد رئيس الجمهورية منذ جيمي كارتر عام 1976، حتى جورج بوش الابن سنة 2000، رغم تعرضه لانتكاسة إثر فضيحة جيري فالويل.[242]

في 28 فبراير 2013 استقال البابا بندكت السادس عشر نتيجة تقدّمه بالسن، ليكون أول بابا يستقيل منذ ستة قرون،[243] وقال بأن خطوته جاءت "لخير الكنيسة" معلنًا عنها في بداية فبراير مع بداية الصوم الكبير في المسيحية. وخلفه البابا فرنسيس بدءًا من 13 مارس 2013. ويعتبر البابا فرنسيس، أول بابا من العالم الجديد وأمريكا الجنوبية والأرجنتين، كما أنه أول بابا من خارج أوروبا منذ عهد البابا غريغوري الثالث (731 - 741).[244][245][246] وعُرف عنه على الصعيد الشخصي وكذلك كقائد ديني، التواضع ودعم الحركات الإنسانية والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية وتشجيع الحوار والتواصل بين مختلف الخلفيات والثقافات ويحظى بشعبيّة في الأوساط المسيحيَّة والعلمانيَّة.[247]

على صعيد العلاقات بين الطوائف المسيحية فقد خاض الصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك في البلقان حرب أهلية طاحنة سنة 1992،[248] كما اندلعت أعمال عنف بين الكاثوليك والبروتستانت في أيرلندا الشمالية التي استمرت إلى أكثر من 25 سنة، حتى وضعت اتفاقية الجمعة الحزينة لإحلال السلام حدًا لها سنة1998.[249]

في مطلع القرن العشرين بدأت حركة تقارب بين الكنائس والطوائف المسيحية، حيث دعيت هذه الحركة باسم الحركة المسكونية، في سنة 1948 تأسس مجلس الكنائس العالميّ، وهي منظمة تعمل من أجل تقليل الاختلافات حول العقائد وتطوير الوحدة المسيحية، ويضم الآن الكنائس الأرثوذكسية والبروتستانتية كما انضمت الكنيسة الكاثوليكية بصفة مراقب.[250]

تقف المسيحية بشكل عام اليوم، بوجه الإجهاض، الموت الرحيم وزواج المثليين جنسيًا، ما يجعلها من أكبر المؤسسات المدافعة عن الثقافة التقليدية والأخلاق التقليدية في المجتمع،[251] أما عن أبرز مشاكلها فإن تراجع عدد المنخرطين في سلك الكهنوت ونسبة المداومين على حضور الطقوس يعتبران من أكبر المشاكل؛[252] رغم ذلك فإن هذه المشاكل تنحصر في مناطق معينة، كفرنسا، ألمانيا وأستونيا أما في مناطق أخرى كإيرلندا، إسبانيا، إيطاليا، اليونان والبرتغال فضلاً عن أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة الإمريكية لا تزال هذه النسب مرتفعة.[253] يذكر أّن عدد من دول أوروبا الشرقية شهدت مع سقوط الإتحاد السوفياتي والأنظمة الشيوعية صحوة دينية كبرى منها روسيا ممثلة بالعلاقة الوثيقة بين الكنيسة الروسية الأرثوذكسية وفلاديمير بوتين، أوكرانيا، بولندا، صربيا، كرواتيا، رومانيا وبلغاريا.[253]

حواش[عدل]

  • 1 صكوك الغفران من المعروف أن يسوع قد منح تلاميذه سلطة غفران الخطايا (أنظر يوحنا 23/20) وقد استعملت هذه السلطة طوال قرون عديدة ضمن سر التوبة، بيد أنه قد استعملت أيضًا للمساهمة في بناء كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان ودعيت بصكوك الغفران، ولم يكن للصكوك قيمة نقدية محددة إنما هي لقاء التبرع للمساهمة في بناء الكاتدرائية، غير أن الإقطاعيين في بعض المناطق كألمانيا أخذوا بشراء كميات كبيرة من الصكوك وليعيدوا بيعها للشعب بأسعار مرتفعة؛ وقد شكلت هذه القضية الأساس الأول للانشقاق البروتستانتي.
  • 2 محاكم التفتيش أنشأت أول الأمر في إسبانيا عام 1483 بطلب من الملك فريناند والملكة إيزابيلا ومباركة الكنيسة، وذلك للقضاء على الأقليات اليهودية والإسلامية في إسبانيا، وتنامى دورها عقب سقوط غرناطة عام 1492؛ وأصل المصطلح يعود لوظيفة رجال المحاكم في مراقبة المعتنقين الجدد للمسيحية، بهدف التأكد من عدم ارتدادهم إلى دينهم القديم؛ خصوصًا اليهودية من خلال الامتناع عن تناول لحم الخنزير أو العمل في يوم السبت، وكان من صلاحيات المحكمة إنزال عقوبات الإعدام بحق المدانين. تقدم كارين آرمسترونغ تفسيرًا لمحاكم التفتيش، فقد كان فريناند وإيزابيلا يمران في عملية خلق إحدى أقوى الدول المركزية الحديثة في أوروبا، ولم يكن بوسع دولة كهذه أن تتسامح مع مؤسسات حكم ذاتي داخلي كالنقابات أو المؤسسات الدينية كالتجمعات اليهودية أو المسلمة، خصوصًا في عصر لم تنضج به فكرة القومية والمواطنة الحديثة،[254] لاحقًا أنشئت محاكم التفتيش في إيطاليا لفرض رقابة على الكتب والحركة الفكرية خلال القرن السابع عشر، ومعاقبة ناشري هذه الكتب، علمًا أن محاكم التفتيش قد ألغيت في القرن التاسع عشر واستبدلت بالمجمع المقدس لشؤون العقيدة والإيمان في الفاتيكان، وتعتبر محاكم التفتيش من أكثر مؤسسات البشرية السيئة الصيت، وقد تمت المبالغة في نقل فعالياتها حتى قيل أنه راح ضحيتها خمسة ملايين إنسان، في حين توضح كارين آرمسترونغ، أن ضحايا محاكم التفتيش لا يتجاوز 13 ألفًا.[255]

انظر أيضـًا[عدل]

المراجع[عدل]

  1. ^ The Church Triumphant: A History of Christianity Up to 1300, E. Glenn Hinson, p 223
  2. ^ Georgian Reader, George Hewitt, p. xii
  3. ^ Ethiopia, the Unknown Land: A Cultural and Historical Guide, by Stuart Munro-Hay, p. 234
  4. ^ Prayers from the East: Traditions of Eastern Christianity, Richard Marsh, p. 3
  5. ^ Major Religions of the World Ranked by Number of Adherents
  6. ^ نحن لم نتبع أساطير مختلقة بمهارة، كلمة الحياة، 21 تشرين الثاني 2010.
  7. ^ متى ولد المسيح تاريخيًا؟، الأنبا تكلا، 21 تشرين الثاني 2010.
  8. ^ التفسير التطبيقي للعهد الجديد، لجنة من اللاهوتيين، دار تايدل للنشر، بريطانيا العظمى، طبعة ثانية 1996، ص.7
  9. ^ إنجيل يوحنا، إنجيل الآيات، الأب بولس فغالي، 21 تشرين الثاني 2010.
  10. ^ the footsteps of jesus، sacred-destinations، 21 nov. 2010.
  11. ^ لماذا تكلم يسوع بالأمثال؟، جمعية التعليم المسيحي بحلب، 21 تشرين الثاني 2010.
  12. ^ التفسير التطبيقي، مرجع سابق، ص.400
  13. ^ التفسير التطبيقي، مرجع سابق، ص. 398
  14. ^ التفسير التطبيقي، مرجع سابق، ص. 390- 397
  15. ^ لماذا أراد اليهود قتل السيد المسيح؟، منتديات الكنيسة، 21 تشرين الثاني 2010.
  16. ^ انظر قصة الحضارة ويل ديورانت، المجلد الثالث، الكتاب الخامس، الباب السادس والعشرون، الفصل الأول
  17. ^ أعمال الرسل 3/2
  18. ^ أعمال الرسل 42/2
  19. ^ أعمال الرسل 3/ 1-10
  20. ^ أعمال الرسل 45/2
  21. ^ أعمال الرسل 4/ 32-35
  22. ^ أعمال الرسل 11/3
  23. ^ بدءًا من أعمال الرسل 14/2
  24. ^ بدءًا من أعمال الرسل 11/3
  25. ^ أعمال الرسل 3/4
  26. ^ أعمال الرسل 23/16
  27. ^ أعمال الرسل 14/5
  28. ^ أعمال الرسل 6/6
  29. ^ أعمال الرسل 1/8
  30. ^ أعمال الرسل 8/ 12-14
  31. ^ أعمال الرسل 10/9
  32. ^ أعمال الرسل 4/9
  33. ^ أعمال الرسل 19/11
  34. ^ أعمال الرسل 26/11
  35. ^ أعمال الرسل 13/13
  36. ^ أعمال الرسل 6/15
  37. ^ راجع مقررات المجمع في أعمال الرسل 15/ 23-30
  38. ^ مذكرات في تاريخ الكنيسة المسيحية، القمص ميخائيل جريس ميخائيل
  39. ^ التفسير التطبيقي، مرجع سابق، ص.512
  40. ^ مذكرات في تاريخ الكنيسة المسيحية - القمص ميخائيل جريس ميخائيل
  41. ^ راجع، التفسير التطبيقي، مرجع سابق، ص. 750
  42. ^ القدّيس بولس- استشهاد القدّيس بولس وإرثه - تعليم 4 فبراير (شباط) 2009
  43. ^ الرسول الأنجيلى رئيس أساقفة المدينة العظمى الأسكندرية
  44. ^ أريد أن أعرف الأماكن التي بشر بها التلاميذ بعد قيامة السيد المسيح؟
  45. ^ ما هي أسماء الرسل ال 70 (السبعون رسول)؟ نريد بيانات بسيطة عن كل منهم..
  46. ^ شرح الكلمة: القديس يوحنا الرسول
  47. ^ أ ب الكنيسة والعلم، جورج مينوا، ترجمة موريس جلال، دار الأهالي، طبعة أولى، دمشق 2005، ص.77
  48. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.78
  49. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.82
  50. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.81
  51. ^ أ ب الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.83
  52. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.84
  53. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص. 86
  54. ^ نيوزويك العربية، عدد 16 تشرين ثاني 2006، تقرير عودة الإيمان، إريك كاوفمان، ص.44
  55. ^ انظر تاريخ الحضارة المجلد الثالث، الكتاب الخامس، الفصل الثامن والعشرون، الفصل الأول
  56. ^ مقدمة عن التقويم القبطي
  57. ^ الاستشهاد في المسيحية
  58. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.109
  59. ^ الحضارة البيزنطية
  60. ^ أنظر تاريخ الحضارة المجلد الثالث، الكتاب الخامس، الباب الثامن والعشرون، الفصل الثاني.
  61. ^ فهرس البدع والهرطقات في الكنيسة، تاريخ الأقباط، 4 تشرين أول 2010.
  62. ^ أ ب الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.111
  63. ^ مجمع نيقية الأول 325
  64. ^ مصطلحات كنسية: المجامع المحلية، الأنبا تكلا، 4 تشرين أول 2010.
  65. ^ آريوس وهرطقته
  66. ^ بعض قرارات مجمع نيقية المسكوني الأول 19 حزيران 325، الموسوعة العربية المسيحية، 4 تشرين أول 2010.
  67. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.115
  68. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.116
  69. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.114
  70. ^ القديس باسيليوس الكبير
  71. ^ القديس إيرونيموس والقديس جيروم
  72. ^ إمبروسيوس أسقف ميلانو
  73. ^ يوحنا الذهبي الفم
  74. ^ القديس مار مارون
  75. ^ قاموس آباء الكنيسة وقديسها: سمعان العمودي
  76. ^ مار أفرام السرياني
  77. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص. 144 وما تلاها.
  78. ^ مجمع القسطنطينية الأول 381
  79. ^ النسطورية وتعاليم نسطور بطريرك القسطنطينية
  80. ^ مجمع أفسس الثاني المقدس
  81. ^ دراسات آبائية: البابا كيرلس الأول
  82. ^ المجمع المسكوني الرابع خلقيدونية 451 م
  83. ^ ساويرس البطريرك القديس
  84. ^ القديس ساويرس البطريرك الأنطاكي
  85. ^ مارون والموارنة
  86. ^ مجمع القسطنطينية الثاني
  87. ^ الحروب الفارسية البيزنطية
  88. ^ الإمبراطورية الفارسية ومجمع قسطيفون
  89. ^ هرقل وصيغة الإيمان المونوثيلية
  90. ^ سوريا صنع دولة وولادة أمة، وديع بشور، دار اليازجي، طبعة أولى، دمشق 1994، ص.144
  91. ^ سوريا صنع دولة، مرجع سابق، ص.146
  92. ^ عروبة المسيحيين ودورهم في النهضة
  93. ^ مجمع القسطنطينية الثالث
  94. ^ Catholic Encyclopedia St. Patrick
  95. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص. 8
  96. ^ حركات الإصلاح في الكنيسة الرومانية
  97. ^ قراءة في تاريخ وحضارة أوروبا في العصور المظلمة
  98. ^ بداية النزاع بين البابوية والإمبراطورية
  99. ^ مجمع نيقية الثاني: المجمع المسكوني السابع
  100. ^ سوريا صنع دولة، مرجع سابق، ص.136
  101. ^ A. K. Irvine, "Review: The Different Collections of Nägś Hymns in Ethiopic Literature and Their Contributions." Bulletin of the School of Oriental and African Studies, University of London. School of Oriental and African Studies, 1985.
  102. ^ "Georgia.". Encyclopædia Britannica Premium Service. اطلع عليه بتاريخ 2006-05-25. 
  103. ^ Cameron 2009, pp. 47.
  104. ^ Browning 1992, pp. 198–208.
  105. ^ Browning 1992, p. 218.
  106. ^ Timberlake 2004, p. 14
  107. ^ Patterson 1995, p. 15.
  108. ^ Cameron 2009, p. 83.
  109. ^ {{cite web url = http://arabic.rt.com/news_all_news/info_print/41803/ | title = الأمير القديس فلاديمير معمد روسيا | publisher = روسيا اليوم | work = | accessdate = 2011-9-3 }}
  110. ^ {{cite web url = http://arabic.rt.com/news_all_news/news/17325 | title = 1020 عاماً على تنصير روسيا | publisher = روسيا اليوم | work = | accessdate = 2011-9-3 }}
  111. ^ النزاع بين الكرسي في القسطنطينية والكرسي في روما
  112. ^ Encyclopædia Britannica II، 1985، صفحات 718–719 
  113. ^ Latourette، Kenneth Scott (1975)، A History of Christianity to A.D. 1500 I (الطبعة revised)، San Francisco: Harper & Row، صفحات 283; 312 
  114. ^ سوريا صنع دولة، مرجع سابق، ص. 137
  115. ^ سوريا صنع دولة، مرجع سابق، ص.154
  116. ^ اضطهاد الحاكم بأمر الله للأقباط
  117. ^ سوريا صنع دولة، مرجع سابق، ص.157
  118. ^ دور الحضارة السريانية في تفاعل دور العرب والمسلمين الحضاري
  119. ^ Joseph Needham, Wang Ling, Ho Ping-yü, Gwei-djen Lu (1980). Spagyrical discovery and invention: Apparatus, theories and gifts, Volume 5. Cambridge University Press. ISBN 9780521085731. 
  120. ^ (p 239-45) The Age of Faith by Will Durant 1950
  121. ^ Age of achievement: A.D. 750 to the end of the fifteenth century, UNESCO
  122. ^ The Relationship between Church and State before the Reformation، christ.org، 28 تشرين أول 2010.
  123. ^ hsitory of the holy roman empire، historyworld.net، 28 تشرين أول 2010.
  124. ^ Pope Benedict V، الموسوعة الكاثوليكية، 28 تشرين أول 2010.
  125. ^ "Catholic Encyclopedia: Frederick Ii". Newadvent.org. 1909-09-01. اطلع عليه بتاريخ 2011-07-16. 
  126. ^ Morris, Colin, The papal monarchy: the Western church from 1050 to 1250 , (Oxford University Press, 2001), 271.
  127. ^ Papal State and Papacy, 1789-1799 ، World history of hkmla، 28 تشرين أول 2010.
  128. ^ تاريخ الحضارة، وول ديورانت، المجلد الخامس، الكتاب الخامس، الفصل الثاني، 6949 وما يتلوها.
  129. ^ سوريا صنع دولة، مرجع سابق، ص.164
  130. ^ الحملات الصليبية
  131. ^ نقطة تحول: الحملة الصليبية الثانية
  132. ^ تاريخ الحروب الصليبية: الحملة الصليبية الثالثة
  133. ^ الحملة الصليبية السادسة
  134. ^ الحروب الصليبية
  135. ^ سوريا صنع دولة، مرجع سابق، ص.168
  136. ^ سقوط الأندلس، سلسلة تاريخ الأندلس في الفتح حتى السقوط
  137. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.211
  138. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.200
  139. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.167
  140. ^ أ ب ت الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.298
  141. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.267
  142. ^ أ ب ت ث ج الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.294
  143. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.257
  144. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.220
  145. ^ أ ب الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.263
  146. ^ عصر النهضة وتأثيراته الفنية والسياسية
  147. ^ Johnson, P. (2000). The Renaissance : a short history. Modern Library chronicles (Modern Library ed.). New York: Modern Library, p. 9.
  148. ^ أ ب Rüegg 1992, pp. XIX–XX
  149. ^ Kemal Gürüz, Quality Assurance in a Globalized Higher Education Environment: An Historical Perspective, Istanbul, 2007, p. 5
  150. ^ Rüegg, Walter: "Foreword. The University as a European Institution", in: A History of the University in Europe. Vol. 1: Universities in the Middle Ages, Cambridge University Press, 1992, ISBN 0-521-36105-2, pp. XIX–XX
  151. ^ Verger 1999
  152. ^ Geoffrey Blainey; A Short History of Christianity; Penguin Viking; 2011
  153. ^ حياة ولاهوت القديس توما الإكويني
  154. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص. 373
  155. ^ بعض المحاولات الإصلاحية والمصلحون: دومنيك
  156. ^ Home Catholic Encyclopedia The Society of Jesus
  157. ^ الجزيرة الفضائية، تحت المجهر، فرسان مالطة
  158. ^ National Geographic, 254.
  159. ^ Jensen, De Lamar (1992), Renaissance Europe, ISBN 0-395-88947-2
  160. ^ Levey، Michael (1967). Early Renaissance. Penguin Books. 
  161. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص. 379
  162. ^ "The Divinely-Protected, Well-Flourishing Domain: The Establishment of the Ottoman System in the Balkan Peninsula", Sean Krummerich, Loyola University New Orleans, The Student Historical Journal, volume 30 (1998–99
  163. ^ Turkish Toleration, The American Forum for Global Education
  164. ^ "يونانيو إسطنبول: البطريركية المسكونية على عتبة القرن الـ 21، جماعة تبحث عن مُستقبل"
  165. ^ نشأة آل ميديتشي
  166. ^ آل بورجيا
  167. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.379
  168. ^ صيد الفوائد: البروتستانت
  169. ^ المذهب البروتستانتي
  170. ^ الملك هنري الثامن والكنيسة
  171. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.381
  172. ^ Ben-Sasson, H.H., editor. A History of the Jewish People. Harvard University Press, 1976, p.588-590
  173. ^ S.P. Scott: History;Vol II, op cit;p.259
  174. ^ These trials, specifically those of Valladolid, form the basis of the plot of The Heretic: A novel of the Inquisition by Miguel Delibes (Overlook: 2006)
  175. ^ Brodrick (1965, c1964, p.95) quoting Cardinal Bellarmine's letter to Foscarini, dated 12 April 1615. Translated from Favaro (1902, 12:171–172) (إيطالية).
  176. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.513
  177. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.547
  178. ^ ليلة الرعب في باريس، مذبحة عيد القديس برثلماوس
  179. ^ النزعات الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام، كارين آرمسترونغ، ترجمة محمد الجورا، دار الكلمة، طبعة أولى، دمشق 2005، ص.92
  180. ^ معركة فيينا
  181. ^ النزعات الأصولية، مرجع سابق، ص.20
  182. ^ THE EASTERN CATHOLIC CHURCHES
  183. ^ عوامل سقوط الدولة العثمانية، قيس العزاوي، الدار العربية للعلوم، طبعة ثانية، بيروت 2003، ص.25
  184. ^ ظهورات العذراء في لورد
  185. ^ النزعات الأصولية، مرجع سابق، ص. 93
  186. ^ النزعات الأصولية، مرجع سابق، ص. 34 - 35
  187. ^ النزعات الأصولية، مرجع سابق، ص.102
  188. ^ الواسب:الطبقة البروتستانتية الثرية المتعلمة (بالإنجليزية)
  189. ^ النزعات الأصولية، مرجع سابق، ص.103
  190. ^ انظر تاريخ الحضارة المجلد الحادي عشر، الكتاب الأول، الفصل الأول.
  191. ^ العلمانية في فرنسا وقانون 1905
  192. ^ النزعات الأصولية، مرجع سابق، ص. 115
  193. ^ مستقبل الإلحاد مجلة أوان، 28 أيلول 2010
  194. ^ دور الموارنة أحد ضرورات مستقبل المنطقة، موقع أصول، 28 أيلول 2010.
  195. ^ دور العرب المسيحيين المشارقة فــي تحديث العالم العربي
  196. ^ الشوام في مصر...وجود متميز خـــــــــلال القـرنين التاسع عشر والعشرين
  197. ^ النزعات الأصولية، مرجع سابق، ص. 175
  198. ^ سوريا صنع دولة، مرجع سابق، ص. 212
  199. ^ دور المسيحيين العرب في النهضة العربية
  200. ^ المسيحيون العرب.. طليعة النهضة وهمزة وصل التقدّم
  201. ^ تاريخ الكنيسة الروسية الأرثوذكسية
  202. ^ تاريخ الدولة العلية العثمانية، محمد فريد بك المحامي، تحقيق إحسان حقي، دار النفائس، الطبعة العاشرة، بيروت 2006، ص.522
  203. ^ أ ب تاريخ الدولة العلية العثمانية، مرجع سابق، ص.526
  204. ^ المجمع الفاتيكاني الأول
  205. ^ تقرير الوحدة الإيطالية
  206. ^ الخلافات بين الكنائس البروتستانتية بعضها ببعض
  207. ^ تعتبر الكنيسة الإنجليكانية واحدة من هذه الكنائس، انظر ماذا تعرف عن الكنيسة الانجليكانية؟
  208. ^ من هم البروتستانت المحافظون؟
  209. ^ عولمة المسيحية واختراق العالم الإسلامي
  210. ^ جيش الخلاص
  211. ^ كيف تنظرون إلى النظافة؟
  212. ^ الكنيسة الروسية خارج الحدود، شبكة القديس سيرافيم، 24 كانون الأول 2010.
  213. ^ البابا يوحنا بولس الثاني: أدوار ومهمات، موقع الأسر، 24 كانون الأول 2010.
  214. ^ انظر نص معاهدة لاتران باللغة الإنكليزية خصوصًا المواد 13، 14،15 و16
  215. ^ ظهور مريم العذراء في مدينة فاطمة في البرتغال، موقع كلاديا، 24 كانون الأول 2010.
  216. ^ الوردية المقدسة، مار شربل للحياة، 24 كانون الأول 2010.
  217. ^ عقيدة انتقال العذراء، جمعية التعليم المسيحي بحلب، 24 كانون الأول 2010.
  218. ^ أصدر المجمع دستور نور الأمم في سبيل ذلك، الموسوعة العربية المسيحية، 24 كانون الأول 2010.
  219. ^ أصدر المجمع دستور المحبة الكاملة في سبيل تنظيم ذلك، الموسوعة العربية المسيحية، 24 كانون الأول 2010.
  220. ^ أصدر المجمع دستور إلى الأمم في سبيل تنظيم ذلك، الموسوعة العربية المسيحية، 24 كانون الأول 2010.
  221. ^ أصدر المجمع دستور الليترجيا المقدسة في سبيل تنظيم ذلك، راجع على وجه الخصوص المواد، 11، 20، و112، الموسوعة العربية المسيحية، 24 كانون الأول 2010.
  222. ^ أصدر المجمع دستور استعادة الوحدة في سبيل ذلك، انظر بشكل خاص، المواد عدد 3 و13.
  223. ^ المسيحية في تركيا (بالإنجليزية)
  224. ^ المذابح الارمنية (بالإنكليزية)
  225. ^ لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والإبادة الأرمنية
  226. ^ انظر الكنيسة المارونية والسياسة وهو النص التاسع عشر للمجمع البطريركي الماروني سنة 2005.
  227. ^ وثائق البابا شنودة في سنوات المنفى
  228. ^ مسيحيو إيران جزء من تكوينها منذ المسيح إلى الثورة
  229. ^ العراق: يجب حماية المسيحيين من العنف
  230. ^ الكثير من العوائل المسيحية تختار الهرب من إيران
  231. ^ هجرة المسيحيين تثير قلقًا في فلسطين
  232. ^ المواطنة في الكويت، موقع وسط، 28 أيلول 2010، انظر مداخلة الدكتور محمد ناصر المصري.
  233. ^ أ ب انظر حضور الكنيسة المارونية في النطاق البطريركي وهو النص الثالث للمجمع البطريركي الماروني.
  234. ^ هجوم "كنائس" على الخليج
  235. ^ المسلمون يتحولون للمسيح(إنجليزية)
  236. ^ أ ب ت ث ج ح Christianity finds a fulcrum in Asia
  237. ^ التنصير في آسيا الوسطى
  238. ^ التنصير وخطره على آسيا
  239. ^ Fastest Growth of Christianity in Africa
  240. ^ رسالة البابا بيندكتوس السادس عشر إلى المؤمنين في الصين
  241. ^ برج المراقبة: الموقع الرسمي لشهود يهوه
  242. ^ مجلة نيوزويك، 16 تشرين ثاني 2006، أزمة هوية انجيلية، ليزا ملير، ص.36
  243. ^ البابا بينيديكتوس يستقيل...والبابا الجديد قبل نهاية آذار (بالعربية). المؤسسة اللبنانية للارسال (11 فبراير 2013). وصل لهذا المسار في 12 فبراير 2013.
  244. ^ أول بابا من خارج أوروبا، المصري اليوم، 14 مارس 2013.
  245. ^ اختيار أرجنتيني لمنصب بابا الكنيسة الكاثوليكية، بي بي سي، 14 مارس 2013.
  246. ^ الكنيسة تنفتح على العالم، الزمان، 14 مارس 2013.
  247. ^ البابا فرنسيس يثير إعجاب غير المؤمنين ويعيد مسيحيين إلى الكنيسة، ايلاف، 29 نوفمبر 2013.
  248. ^ شعوب البلقان الصغيرة والمنسية
  249. ^ الخلفية التاريخية لقضية إيرلندا الشمالية
  250. ^ الحركة المسكونية.. محطّات وتأملات
  251. ^ النزعات الأصولية، مرجع سابق، ص. 367
  252. ^ انسحار عدد الكهنة أهم المشاكل التي سيواجهها البابا الجديد
  253. ^ أ ب عودة الإيمان وتحولات الإيمان في الغرب الجزيرة نت، 28 أيلول 2010
  254. ^ النزعات الأصولية، مرجع سابق، ص.18
  255. ^ النزعات الأصولية، مرجع سابق، ص. 22-23

مصادر ووصلات خارجية[عدل]