ابن تيمية

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
ابن تيمية
صورة معبرة عن ابن تيمية

الاسم بالكامل أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية
اللقب شيخ الإسلام
الحقبة القرن 7 هـ/القرن 13م
المولد 10 ربيع الأول 661 هـ/21 يناير 1263م
حران، الجزيرة الفراتية
الإقامة حران، دمشق، القاهرة، الإسكندرية
الوفاة 20 ذو القعدة 728 هـ/25 سبتمبر 1328م
دمشق، بلاد الشام
العقيدة الإسلام، أهل السنة والجماعة
المذهب المذهب الحنبلي
الاهتمامات اللغة العربية، الفقه، أصول الفقه، الحديث، التفسير
مؤلفاته مجموع الفتاوى، ومنهاج السنة النبوية، والعقيدة الواسطية
تأثر بـ أحمد بن حنبل، العز بن عبد السلام،[1] والده عبد الحليم ابن تيمية
تأثر به ابن قيم الجوزية، الذهبي، ابن مفلح، المزي، ابن عبد الهادي، ابن كثير، ابن أبي العز، ابن مفلح، علم الدين البرزالي، ابن الوردي، شاه ولي الله الدهلوي، محمد بن عبد الوهاب

تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام النميري الحراني (661-728هـ / 1263-1328م) فقيه وعالم مسلم مجتهد، ولد في مدينة حران في الجزيرة في 10 ربيع الأول سنة 661 هـ. وعند بلوغه السابعة من عمره في سنة 667 هـ انتقل مع عائلته من مسقط رأسه حران إلى مدينة دمشق وذلك بعد إغارة التتر عليها. نشأ ابن تيمية في دمشق نشأة علمية في وسط إحدى أشهر أسر مدينة حران العلمية، والتي تتبع المذهب الحنبلي. وبدأ اهتمامه بالدراسة والعلم منذ صغره فأخذ عن أكثر من مائتي شيخ، وكان أول سماع له من ابن عبد الدائم المقدسي وهو في السابعة من عمره، وتعلم الخط والحساب وحفظ القرآن الكريم في صغره، وأتقن عدداً من العلوم منها التفسير والحديث والفقه والعربية وغيرها من العلوم، ويذكر بعض المؤرخون أيضاً أنه أجاد ثلاثة لغات غير اللغة العربية وهي العبرية والتركية واللاتينية. وشرع في الإفتاء وهو في سن السابعة عشرة من عمره أي سنة 677 هـ وقد بدأ بالتأليف في هذا السن أيضاً، وبدأ في التدريس وهو في الحادية والعشرين من عمره في سنة 681 هـ بعد موت أبيه في المدرسة السكرية، وتولى مشيختها في يوم الاثنين 2 محرم 683 هـ، وبدأ بدرس التفسير بالجامع الأموي في 10 صفر 691 هـ وكان يبلغ من العمر ثلاثين سنة، واستمر فيه سنين طويلة. ودرس بالمدرسة الحنبلية في 17 شعبان 659 هـ.

خلفية

الحالة السياسية

إن العصر الذي ولد فيه ابن تيمية عصر يتسم بحواث خطيرة، وقلاقل كثيرة، وهو عصر ذو أهمية كبيرة من النواحي السياسية والاجتماعية الخُلقية والعلمية والدينية، واتسمت الحالة السياسية في عصر ابن تيمية بالاضطراب والتفكك، فقد كانت البلدان الإسلامية إلى عدة دويلات وممالك صغيرة، وكان من أشهر حوادث ذلك العصر خروج الفنرج من المغرب إلى الشام كما ذكر ابن الأثير، وكان خطر الفرنجة قد انتهى على يد الملك الأشرف خليل بن المنصور الذي انهى الوجود الصليبي من آخر الحصون حين فتح عكا وبقية الثغور التي كانت بأيديهم في سنة 690 هـ. وكان الخطر الثاني، هو أن التتر الخارجين من المشرق اجتاحوا البلدان الإسلامية، واسقطوا الخلافة الإسلامية وتم قتل الخليفة العباسي من قبلهم. وولد ابن تيمية بعد سقوط بغداد بخمس سنوات وبعد دخول التتر إلى مدينتي حلب ودمشق بثلاثة سنوات. وعندما كان عمره سبع سنوات شن التتر حملة على مسقط رأسه مدينة حَرَّان.[2] فخرجت أسرته منها فراراً من التتر الذين كانوا اذا دخلوا دمروها وأبادوا معظم سكانها، وتوجهت العائلة إلى مدينة دمشق.[3] وكان المماليك يحكمون مصر والشام من قبل مولد ابن تيمية بثلاث عشرة سنة، وقد كان المماليك أتراكاً أسكنهم الملك الصالح نجم الدين أيوب آخر ملوك الأيوبيين اعترافاً منه بشجاعتهم ووفائهم، وكان من بين الحكام رجل اسمه عز الدين أيبك التركماني الذي اغتال توران شاه خليفة الملك الصالح ينة 647 هـ واستولى على الحكم، وتلقب بلقب الملك المعز، واغتيل في سنة 655 هـ فخلفه ابنه نور الدين علي. وفي سنة 657 هـ استولى سيف الدين قطز على الحكم وهو الذي انتصر على التتر في واقعة عين جالوت، ولم تمض سنة واحدة على تربعة على عرش الحكم حتى قتله ركن الدين بيبرس واستولى على الحكم، واستمر فيه مدة ثمانية عشر عاماً. ولد ابن تيمية في أيام الملك الظاهر بيبرس، الذي كان يحكم آنذاك مصر والشام، وعند وفاة بيبرس كان ابن تيمية يبلغ من العمر 15 عاماً.[4] ومنذ نهاية حكومة الملك الظاهر الذي توفي في سنة 676 هـ إلى 709 هـ تربع على عرش مصر تسعة حكام من المماليك في خلال 33 عاماً فقط. وفي خلال هذه الفترة تمتعت دولة المماليك بحاكم قوي اسمه سيف الدين قلاوون عمل على تنظيم أمور الدولة، وقام بشن غارة على التتر في 678 هـ وهزمهم فيها، وقام أيضاً بفتح طرابلس الشام التي كانت بيد الصليبيين منذ 185 سنة. حكم بين سنة 678 هـ - 689 هـ مدة اثني عشر عاماً. وبعد وفاته اضطرب أمر الحكم حتى تقلد زمامه ابنه الملك الناصر محمد بن قلاوون للمرة الثالثة استمر في في فترة حكمه هذه مدة 32 سنة. وقد كان الملك الناصر هو المعاصر الأصيل لابن تيمية، ويشتهر هذا الملك بسمعته الجيدة وقد نالت الدولة في عصره ازدهار ووحدة وقوة.[5]

الحالة الاجتماعية

وكان الوضع الاجتماعي للبلاد انعكاساً للوضع السياسي، فقد إتصف بالاضطراب وعدم الاستقرار وامتلأت الحياة الاجتماعية للمسلمين في ذلك العصر بالفساد، وأدت غارات التتر والصليبيين إلى فقدان الأمن، واضطراب النظام وانتشار الفزع والخوف بين السكان المسلمين، وأدى هذا إلى نقص الأموال والزراعة نتيجة لعدم اهتمام الناس بها والعمل، مما أدى إلى كساد الحالة الاقتصادية، وانتشار الفقر والغلاء، واحتكار السلع لبيعها بأثمان باهظة. وأدى اختلاط أهل البلاد بعضهم بالبعض الآخر إلى تفكك في الروابط الاجتماعية والأسرية، وانتشار عادات وتقاليد وأفكار جديدة.[6] وبالنسبة لوضع الحكام فقد كانت البلاد نحكم من قبل أتراك، ويذكر المؤرخون أنهم كانوا يعيشن بشعر الأفضلية وتمتاز عن المجتمع العام في الدولة في كل شيء، وتتكلم بلغتها الأم التركية، عدا مناسبات العبادة أو الخطاب مع العلماء أو الحديث مع الجماهير، وكان بعض الملوك لا يتقنون العربية إلا بالقدر القليل الذي يؤدون به الواجب، وكانوا مع ذلك يقدرون العلماء والمشايخ ويحبونهم، ويقبلون على تأسيس المدارس وبناء المساجد، ولم يكونوا يتحيزن في تقسيم المناصب فئة دون فئة، إلا أن المناصب الإدارية والعسكرية كانت تتحول إلى الرؤساء الأتراك، وكان الأتراك والتتر هم أصحاب الحكم والإقطاعات الذين يستغلون المزارعين والعمال. وفي سنة 697 هـ حينما حاول حسام الدين لاجين في أيام حكمه توزيع الأراضي بطريقة تنفع المزارعين، وإصلاح أحوالهم، لم يرض به الحكام وثاروا عليه.[7]

الحالة العلمية

شهد العصر الذي عاشه ابن تيمية نهضة علمية كبيرة بالرغم من الأحداث الحاصلة من انعدام للأمن واضطراب الأحوال. وخرج من ذلك العصر علماء وأئمة كبار.[8] ونهض في أوساط هذا القرن أئمة كبار كتقي الدين أبي عمرو ابن الصلاح (577 هـ - 643 هـ) ومحيي الدين النووي (631 هـ - 676 هـ). وظهر في أواخر هذا القرن علماء كبار تقي الدين ابن دقيق العيد (625 هـ - 702 هـ)، والأصولي المتكلم علاء الدين الباجي (631 هـ - 714 هـ). وكان من معاصريه كبار المحدثين والمؤرخين مثل جمال الدين أبي الحجاج المزي (654 هـ - 742 هـ) وعلم الدين البرزالي (665 هـ - 793 هـ) وشمس الدين الذهبي (673 هـ - 747 هـ) ويعد هؤلاء الأربعة أركان الحديث والرواية في عصرهم. ونبغ أيضاً علماء ذوو كفاءات علمية عالية وكانوا مراجعاً للناس، مثل كمال الدين ابن الزملكاني (667 هـ - 727 هـ) وجلال الدين القزويني (666 هـ - 739 هـ) والقاضي تقي الدين السبكي (683 هـ - 756 هـ) وأبي حيان النحوي (654 هـ - 745 هـ). وكان انتشار العلم في تقدم مطرد، فكانت مصر والشام تحتويان على مدارس كبيرة ودور للحديث، التي أسسها الأيوبيون والمماليك. وكانت هذه المدارس ملتقى للطلاب من أنحاء العالم. وكانت المكتبات منتشرة في كل مكان، وكانت المكتبة التابعة لمدرسة الكاملية التي أسسها الكامل محمد الأيوبي في سنة 621 هـ تحتوي وحدها على مئة ألف كتاب.وفي هذا القرن ألفت كتب أصبحت مرجعاً للعلماء المتأخرين مثل مقدمة تقي الدين ابن الصلاح، وكتاب القواعد الكبرى المُسمى بقواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز الدين بن عبد السلام، وشرح مسلم للنووي، وكتاب الإمام في معرفة أحاديث الأحكام، وإحكام الأحكام في شرحعمدة الأحكام لابن دقيق العيد، وكتاب تهذيب الكمال لأبي الحجاج المزي، وميزان الاعتدال وتاريخ الإسلام للذهبي.[9] ويقول أبو الحسن الندوي في وصف حال العلم والتأليف في هذا القرن: «كان يتسم العلم والتأليف في هذا القرن بالسَّعة وقلة التعمق، ويغلب طابع النقل والاقتباس على التفكير والدراسة والتعمق في العلم، باستثناء عدد من الشخصيات والمآثر العلمية. وتكونت للمذاهب الفقهية قوالب من حديد لا تتقبل المرونة والتسامح، وإن كان القول السائد أن الحق دائرٌ بين المذاهب الأربعة، ولكن أتباع كل مذهب يحصرون الحق في مذهبهم في الواقع، ولا يزيدون إذا توسعوا كثيراً على أن يقولوا: «رأي إمامنا صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب». لقد كان أتباع كل مذهب يرجحون مذهبهم الفقهي على سائر المذاهب الفقهية، ويعتبرونه مقبولاً ومؤيداً من الله، كانوا يبذلون كل ذكائهم وقوة بيانهم وتأليفهم في ترجيحه وتفضيله على غيره. أما النظرة التي كان أتباع المذاهب ينظرون بها إلى مذاهبهم، والعقلية التي تسودُ أهلها، فيمكن تقدير ذلك بأن الملك الظاهر بيبرس لما نصب لكل مذهب قاضي للقضاة خاصاً به، خلافاً للعادة المتبعة في زمنه، وهي ألا يكون قاضي القضاة إلى شافعياً، استنكر ذلك فُقهاء الشافعية، إذ كانوا لا يرضون إلا أن يروا مصر خاضعة للقاضي الشافعي، ظناً منهم أن مصر أحقُّ بالمذهب الشافعي لأنها مدفن الإمام الشافعي، ولما انتهى حكم الملك الظاهر، وانتقلت المملكة من أسرته إلى غيرها، رأى ذلك بعض الشافعية نقمة إلهية، وعقاباً لفعلته التي فعلها.»[10]

بداياته

نسبه

هو:«تقي الدين أبو العباس أحمد بن شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر [بن إبراهيم[11]] بن علي بن عبد الله الحراني.» ابن تيمية النميري الحراني، ثم الدمشقي الحنبلي.[12][13][14]

ونسبته "النميري"، نسبة إلى قبيلة "بني نمير" فهو عربي الأصل، وأثبت هذا النسب القاضي نور الدين محمود العدوي الصالحي المعروف "بالزوكاوي" المتوفي في سنة 1032 هـ في كتابه الزيارات، وابن ناصر الدين الدمشقي المتوفى في سنة 842 هـ في كتابه التبيان لبديعة البيان. وقال محمد أبو زهرة في كتابه "ابن تيمية" بأنه كردي فقال: «بأن شيخ الإسلام لم يكن عربي، وأنه كان كردياً، بدليل أو المؤرخين لم يذكروا قبيلته.» وقد رد على قوله هذا إبراهيم محمد العلي في كتابه "شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة" بالنفي واستدل بالكتابين السابقين لتأكيد أصله العربي.[15]

وسبب تسميته بابن تيمية، فقد جاء في سبب هذه التسمية عدة أقوال: فقيل أن جده محمد بن الخضر حج وله امرأة حامل، وعندما كان على درب تيماء، رأى جارية طفلة خرجت من خِباء، فلما رجع إلى حران وجد امرأته قد ولدت بنتاً، فلما رآها قال: يا تَيْمِيَّة يا تَيْمِيَّة، فلُقب بذلك.[12][16][17] والقول الآخر هو أن محمد بن الخضر هذا كانت أمه تسمى تيمية وكانت واعظة، فنُسب إليها، وعُرف بها.[15][18][19]

ألقابه

تلقيبه «شيخ الإسلام»: أثنى عدد كبير من العلماء على ابن تيمية وأشادوا به، وهؤلاء هم من الذين عاصروه أو جاؤوا بعده، وأطلقوا عليه لقب «شيخ الإسلام». وجاء في معنى هذا اللقب من قاله ابن ناصر الدين الدمشقي: «منها: أنه شيخ في الإسلام قد شاب ، وانفرد بذلك عمن مضى من الأتراب، وحصل على الوعد المبشر بالسلامة: "أنه من شاب شيبة في الإسلام فهي له نور يوم القيامة". ومنها: ما هو في عرف العوام أنه: العُدَّة، ومفزعهم إليه في كل شدة. ومنها: أنه شيخ الإسلام بسلوكه طريقة أهله، قد سلم من شر الشباب، وجهله؛ فهو على السنة في فرضه، ونفله. ومنها: شيخ الإسلام بالنسبة إلى درجة الولاية، وتبرك الناس بحياته، فوجوده فيهم الغاية. ومنها: أن معناه المعروف عند الجهابذة النقاد، المعلوم عند أئمة الإسناد: أن مشايخ الإسلام، والأئمة الأعلام، هم المتبعون لكتاب الله عز وجل، المقتفون لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين تقدموا بمعرفة أحكام القرآن، ووجوه قراآته، وأسباب نزوله، وناسخه ومنسوخه، والأخذ بالآيات المحكمات، والإيمان بالمتشابهات، قد أحكموا من لغة العرب ما أعانهم على علم ما تقدم، وعلموا السنة نقلاً، وإسناداً، وعملاً بما يجب العمل به، وإيماناً بما يلزم من ذلك، اعتقاداً، واستنباطاً للأصول، والفروع من الكتاب والسنة، قائمين بما فرض الله عليهم، متمسكين بما ساقه الله من ذلك إليهم، متواضعين لله العظيم الشان، خائفين من عثرة اللسان، لا يدعون العصمة، ولا يفرحون بالتبجيل، عالمين أن الذي أوتوا من العلم قليل، فمن كان بهذه المنزلة: حُكِمَ بأنه: إمام، واستحق أن يقال له: شيخ الإسلام.»[20][21] وقد اورد ابن ناصر الدين الدمشقي أيضاً في كتابه الرد الوافر على من زعم أن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر سبعة وثمانين ترجمة لأكابر العلماء في عصر ابن تيمية وبعد عصره ممن أطلقوا هذا اللقب عليه.[22] وسبب تأليفه لهذا الكتاب بسبب أن هناك من قال: «من سمّى ابن تيمية شيخ الإسلام كان كافراً، لا تصح الصلاة وراءه».[23]

وذكر ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب، قصيدة أبي حيان النحوي التي أنشدها لابن تيمية لما دخل مصر واجتمع به وأشار فيها أنه أحد المجددين[24][25]:

لمَّا رأيْنَا تَقِيَّ الدينِ لاحَ لنَا داعٍ إلى اللهِ فردٌ ما له وَزَرُ
على مُحَيَّاهُ مِنْ سِيْمَا الأُولَى صَحِبُوا خيرَ البَرِيَّةِ نُوْرٌ دُوْنَهُ القَمَرُ
حَبْرٌ تَسَرْبَلَ مِنْهُ دَهْرُهُ حِبرًا بَحرٌ تَقَاذَفُ مِنْ أمواجه الدُّرَرُ
قامَ ابنُ تَيميَّةٍ في نَصْرِ شِرعَتِنَا مَقَامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إذْ عَصَتْ مُضَرُ
فأَظْهَرَ الدِّينَ إذْ آثارُهُ دَرَسَتْ وأَخْمدَ الشِّرْكَ إذ طارَتْ لَهُ شَرَرُ
يامَنْ تَحَدَّثُ عن عِلْمِ الكتابِ أصِخْ هذا الإِمامُ الذي قَدْ كان يُنتظر

وقال أيضاً أنه ممن صرح بذلك عماد الدين الواسطي الذي قد توفي قبل ابن تيمية[26]

أسرته

شجرة لأعلام ومشاهير آل تيمية من القرن السادس إلى التاسع الهجري.

إن أسرة ابن تيمية كانت إحدى أسر مدينة حران المشتهرة بالعلم والدين وكانت هذه الأسرة منذ أن عرف تاريخها حنبلية المذهب وتتزعمه في تلك الديار، وعمل أكثر رجالها العلماء بالتدريس والإفتاء والتأليف.[27]

أبوه: (عبد الحليم ابن تيمية) هو شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني. كان عالماً ومحدثاً، وفقيهاً حنبلياً. ولد في مدينة حران في سنة 627 هـ، وتلقى العلم على يد والده وغيره من العلماء، ورحل في صغره إلى حلب وسمع من شيوخها وأهل العلم فيها، حتى أصبح مدرس ومفتي، ثم صار شيخ مدينته حران وخطيبها. وعند انتقاله إلى مدينة دمشق قام بالتدريس بصورة منتظمة في الجامع الأموي، وولي مع ذلك مشيخة دار الحديث السكرية بالقصاعين، وسكن بها حتى وفاته في سنة 682 هـ، ودفن في مقابر الصوفية.[28] قال الذهبي : «قرأ المذهب حتى أتقنه على والده، ودرس وأفتى وصنف وصار شيخ البلد بعد أبيه، وخطيبه وحاكمه، وكان إماماً محققاً كثير الفنون له يد طولى في الفرائض والحساب والهيئة، ديناً متواضعاً، حسن الأخلاق جواداً، من حسنات العصر، تفقه عليه ولداه أبو العباس وأبو محمد، وإن قدومه إلى دمشق بأهله وأقاربه مهاجراً سنة سبع وستين، وكان من أنجم الهدى، وإنما اختفى من نور القمر، وضوء الشمس. (إشارة إلى والده وابنه).» ويقول علم الدين البرزالي: «كان من أعيان الحنابلة، باشر بدمشق مشيخة دار الحديث السكرية، وكان له كرسي بالجامع يتكلم عليه أيام الجمع من حفظه.»[29]

أمه: هي ست النعم بنت عبد الرحمن بن علي بن عبدوس الحرانية، والدة تقي الدين ابن تيمية، عمرت فوق السبعين سنة (أو التسعين سنة[30]) يقول المؤرخون: «كان لها المكانة العظيمة في نفس شيخ الإسلام رحمه الله، يدل على هذه المكانة تلك الرسالة التي أرسلها إليها من سجنه في القاهرة، والتي امتلأت بالمشاعر الجياشة، والمحبة العظيمة التي كان يكنها لها رحمها الله تعالى.» وكانت أمه ست النعم على قيد الحياة عند عودته من مصر في سنة 712 هـ. وتوفيت في يوم الأربعاء 20 شوال سنة 716 هـ، ودفنت بالصوفية، ويقال أنه حضر جنازتها «خلق كثير، وجمع غفير».[31]

جده: عبد السلام مجد الدين أبو البركات، هو محدث ومقرئ ومفسر، وأحد فقهاء عصره. ولد بحران سنة 590 هـ، وحفظ القرآن بها وسمع من عمه الخطيب فخر الدين ومن غيره. ورحل إلى مدينة بغداد لطلب العلم وأقام بها ست سنين يشتغل في الفقه وغيره من العلوم، ثم رجع إليها بعد عودته إلى حران ومكث فيها بضع عشرة سنة. قال عنه حفيده تقي الدين ابن تيمية: «كان جدنا عجباً في حفظ الأحاديث وسردها، وحفظ مذاهب الناس وإيرادها بلا كلفة.» وقال الذهبي: «حكى لي شيخ الإسلام ابن تيمية بنفسه أن الشيخ ابن مالك كان يقول: لقد ألان الله الفقه لمجد الدين ابن تيمية كما ألان الحديد لداود عليه السلام.»[32] وقال الذهبي: «كان الشيخ مجد الدين معدوم النظير في زمانه، رأساً في الفقه وأصوله، بارعاً في الحديث ومعانيه، له اليد الطولى في معرفة القرآن والتفسير، صنف التصانيف، واشتهر وبعد صيته، كان فريد زمانه في معرفة المذهب، مفرط الذكاء، متين الديانة، كبير الشأن.» له من المصنفات كتاب الأحكام الكبرى، وكتاب المنتقى من أحاديث الأحكام. توفي يوم عيد الفطر بعد صلاة الجمعة من سنة 652 هـ بحران.[33]

مولده ونشأته

مولده

تتوزع بلاد ما بين النهرين بين جزأين، الجزء الجنوبي الذي يسمى العراق العربي وهو يتضمن بغداد والبصرة، وأما الجزء الشمالي فيسمى في الأدب العربي القديم ديار بكر وديار مضر، ويسميه الجغرافيون العرب باسم الجزيرة، ويقع في شرقها كردستان وفي غربها آسيا الصغرى وبادية الشام، وفي جنوبها العراق العربي، وفي شمالها أرمينية. وتقع في هذه المنطقة مدينة الموصل والرقة البيضاء، والرها وغيرها. وفي جنوب مدينة الرها (أورفة) تقع مدينة حران إحدى المدن الشهيرة وهي موطن ابن تيمية القديم حيث كانت أسرته تسكن فيها منذ قرون.[34] وهي المدينة التي ولد فيها ابن تيمية. وولد تقي الدين ابن تيمية في يوم الإثنين 10 ربيع الأول سنة 661 هـ، وقد اتفق جمهور من ترجم له على الشهر الذي ولد فيه والسنة التي ولد فيها، ولكن الاختلاف جاء في تحديد اليوم فذكر آخرون أنه ولد في يوم 12 ربيع الأول.[35] وسماه والده بأحمد تقي الدين، واكتني بأبي العباس وهو يافع، ولكنه اشتهر بابن تيمية، وغلب هذا اللقب على اسمه، وعرف بين الناس به.[28]

نشأته

كان عصر ابن تيمية عصراً مليئاً بالقلاقل والفتن والاضطرابات. وكان العالم الإسلامي كله خائفاً من التتر، الذين كانوا إذا أغاروا على مدينة؛ خربوها ونهبوها، وقتلوا سكانها وسلبوا أموالها وسبوا نسائها كما يذكر المؤرخون. وما إن بلغ ابن تيمية السادسة أو السابعة من عمره، حتى أغار التتر على بلده حران، فالتجأت أسرتُه إلى الفرار منها بجميع ما كان لديها. وبما أن العراق كان مركز غارة التتر ونهبهم لم تفكر الأسرة في الهجرة إليه، وكانت بلاد الشام أقرب بلد لم يصل إليه الدمار، حيث كانت تحت حكم ملوك مصر المماليك، فاتجهت أسرته إليها، وقصدت مدينة دمشق. ويذكر المؤرخون قصة والد ابن تيمية عبد الحليم، أنه عندما خرج مع أسرته للطريق أخذ معه كتبه - يقصد المؤرخون ذكر هذه القصة لإثبات محبة الأسرة للعلم بالرغم من من ظروفهم الصعبة التي مروا بها - على عجلة يجرها لعدم توفر الدواب ويعينه على جرها أبناء بلدته الذين خرجوا معه، وكاد التتر أن يلحقوا بهم في أثناء الطريق لتوقف المركبة عن السير. إلا أنهم قاموا برفع أيديهم للدعاء حتى نجوا كما يذكر المؤرخون، وتمكنوا من الوصول إلى دمشق، واستقروا بها.[36][37]

وما أن استقرت الأسرة في دمشق حتى شاع خبرها في أوساط الناس، وقد كان أصحاب العلم يعرفون والد ابن تيمية أبي البركات مجد الدين عبد الحليم ابن تيمية وأعماله، ولم تمر إلا فترة قصيرة حتى بدأ في التدريس والوعظ في الجامع الأموي، وفي مدرسة الحديث السكرية، وصار مرجعاً للطلبة وعلماء المذهب الحنبلي. يقول شمس الدين الذهبي: «وكان قدومه إلى دمشق بأهله وأقاربه مهاجراً سنة سبع وستين (667 هـ)، وكان من أنجم الهدى، وإما اختفى من نور القمر، وضوء الشمس - يشير إلى أبيه وابنه -.» ويقول علم الدين البرزالي: «كان من أعيان الحنابلة باشر بدمشق دار الحديث السكرية بالقصاعين وبها سكن وكان له كرسي بدمشق يتكلم عليه أيام الجمع من حفظه.» ويقول ابن كثير: «كان له فضيلة حسنة، ولديه فضائل كثيرة. كان له كرسي بجامع دمشق يتكلم عليه من ظاهر قلبه، وولي مشيخة دار الحديث السكرية بالقصاعين، وبها كان سكنه، ثم درس ولده الشيخ تقي الدين بها بعده.»[38][39]

طلبه للعلم

يُجمع معظم المؤرخون على أن ابن تيمية نشأ في عفاف وتصون، وعود نفسه على الاقتصاد في الملبس والمأكل، وأيضاً كان باراً بوالديه، ومحباً للعلم والبحث. فيقول الحافظ الذهبي في ذلك: «نشأ في تصون تام وعفاف وتأله وتعبد، واقتصاد في الملبس والمأكل، وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره، فيتكلم ويناظر ويفحم الكبار، ويأتي بما يتحير منه أعيان البلد في العلم؛ فأفتى وله تسع عشرة سنة؛ بل أقل. وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت، وأكب على الاشتغال. ومات والده - وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم - فدرَّس بعده وقام بوظائفه وله إحدى وعشرون سنة، واشتهر، وبَعُدَ صيته في العالم، فطبق ذكره الآفاق.»[40]

اشتهاره بالحفظ

عرفت أسرة ابن تيمية بقوة الذاكرة وكثرة الحفظ وسرعته، فقد كان أبوه وجده أيضاً قويي الذاكرة، ولكن تقي الدين ابن تيمية سبق أسرته في هذا الأمر،[41] فكان من أكابر حفاظ عصره، وصاحب ذاكرة قوية، وسريع الحفظ. ويقول في ذلك محمد الصادق عرجون: «نشأ الإمام ابن تيمية - رحمه الله - يزينه عقل جمع الله له في المعارف قوي الفكر الإنساني، حفظاً وإدراكاً، ووعياً، فالتاريخ يضعه مع طليعة الأفذاذ الذين يضرب بهم المثل في الألمعية والذكاء المتفوق، وفي الحفظ الضابط، والذاكرة الواعية، الذين لا تغلطهم الأَغاليط، ويقول عنه معاصروه: أَنه ما حفظ شيئاً ونسيه، ولا نظر في مكتوب قل أو كثر إلا وحفظه، ولا سمع من العلم والمعارف شيئاً ونسيه، ولا نظر في مكتوب قل أو كثر إلا وحفظه، ولا سمع من العلم والمعارف شيئاً غاب بعد أن علمه، فإذا قرأنا عن مالك بن أنس إمام دار الهجرة أنه كان يسمع من شيخه إمام المحدثين ابن شهاب الزهري من الثلاثين إلى الأربعين حديثاً في مجلس واحد فيحفظها لا يخرم منها حرفاً إذا تلاها، وقد ذكر الرواة أنه سمع مرة هذا القدر وفيه حديث السقيفة على إتساعه وطوله وتنوع الكلام فيه، فأعاجها كلها لم تند عنه كلمه، وإذا قرأنا عن أبي عبد الله الشافعي أنه سمع من شيخه مالك بن أنس بضع عشر حديثاً في مجلس واحد، فأعادها حفظاً بأسانيدها لم يختلف فيها عن سماعه من الإمام في كلمة أو حرف، إلى كثير من أوتوا في الإسلام حوافظ ضابطة، ومدارك واعية - فإن ما أُثر عن ابن تيمية منذ طفولته - وهو الرجل المخاصم الذي يتربص به خصومه ليأخذوا عليه شيئاً يعيبونه به - ليضعه في الذروة مع أولئك الغر البهاليل من أئمة الإسلام دون نكير.»[42]

ونقل ابن الوردي وابن شاكر الكتبي عن الحافظ الذهبي أنه قال: «انبهر الفضلاء من فرط ذكانئه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته وسرعة إدراكه.» وقال أيضاً عمر بن علي البزار: «كانت مخايل النجابة عليه في صغره لائحة، ودلائل العناية فيه واضحة... كان الله قد خصه بسرعة الحفظ وإبطاء النسيان، لم يكن يقف على شيء، أو يستمع لشيء غالباً إلا ويبقى على خاطره، إما بلفظه أو معناه، وكان العلم كأنه اختلط بلحمه ودمه وسائره، فإنه لم يكن له مستعاراً، بل كان له شعاراً ودثاراً، لم يزل آباؤه أهل الدراية التامة، والقدم الراسخة في الفضل، لكن جمع الله له ما خرق بمثله العادة، ووفقه في جميع أمره لاعلام السعادة، وجعل مآثره لإمامته من أكبر شهادة.» وأورد ابن عبد الهادي في كتابه "العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية" قصة في سرعة حفظه فقال: «واتفق أن بعض مشايخ العلماء بحلب قدم إلى دمشق، وقال: سمعت في البلاد بصبي يقال له أحمد بن تيمية، وأنه سريع الحفظ. وقد جئت قاصداً لعلي أراه. فقال له خياط: هذه طريق كُتابه وهو إلى الآن ماء فاقعد عندنا، الساعة يجيء يعبر علينا ذاهباً إلى الكتاب. فجلس الشيخ الحلبي قليلاً، فمر صبيان، فقال الخياط للحلبي: ذلك الصبي الذي معه اللوح الكبير هو أحمد بن تيمية. فناداه الشيخ، فجاء إليه، فتناول الشيخ اللوح، فنظر فيه ثم قال: يا ولدي امسح حتى أملي عليك شيئاً تكتبه. ففعل، فأملى عليه من متون الأحاديث أحد عشر، أو ثلاثة عشر حديثاً. وقال له: إقرأ هذا فلم يزد علة أن تأمله مرة بعد كتابته إياه، ثم دفعه إليه وقال: اسمعه علي، فقرأه عليه عرضاً كأحسن ما أنت سامع. فقال له: يا ولدي امسح هذا، ففعل. فأنلى عليه عدة أسانيد انتخبها، ثم قال: اقرأ هذا، فنظر فيه، كما فعل أول مرة. فقام الشيخ، وهو يقول: إن عاش هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم، قإن هذا لم يُر مثله، أو كما قال.»[43][44]

تعليمه

بدأ اهتمام ابن تيمية بدراسة العلوم منذ صغره، ويقول عنه معاصروه ومؤرخوه أنه كان بالرغم من صغر سنه لم يكن يتجه إلى الملاعب والملاهي كبقية الأطفال، فدرس العلوم المعروفة في عصره، وعُني باللغة العربية عناية كبيرة، فأجاد وبرع في اللغة والنحو، واعتنى بدراسة (الكتاب) لسيبويه بنظر ناقد، وبالرغم من أنه كتاب له أهمية كبرى في النحو، فقد خالف ابن تيمية سيبويه في بعض المسائل. ودرس أحوال الجاهلية، وتوسع في دراسة تاريخ العهد الإسلامي والدول الإسلامية. وعُني بدراسة الخط والحساب والعلوم الرياضية. ودرس العلوم الدينية من الفقه والأصول والفرائض والحديث والتفسير. وورث من آبائه الفقه الحنبلي، وقد درسه على يد والده. وكانت ما عادات عصره المتبعة سماع الحديث وحفظه وكتابته، فكان أول كتاب حفظه في الحديث الجمع بين الصحيحين للحميدي، ثم استفاد من علماء عصره وعلماء الشام، وأخذ عنهم الحديث ورواه. وقد بلغ كعدد شيوخه الذين سمع منهم أكثر من مئتي شيخ، كما ذكر ابن عبد الهادي وكان من خواص شيوخه ابن عبدالدائم المقدسي، ورجال طبقته وعصره، وسمع مسند أحمد مرات، وكذلك الصحاح الستة عدة مرات أيضاً.[45]

وكان التفسير أحب العلوم لدى ابن تيمية، وقال عن نفسه بأنه درس أكثر من مئة كتاب في تفسير القرآن، ويقول: «ربما طالعت على الآية الواحدة مئة تفسير، ثم أسأل الله الفهم، وأقول: يا معلم آدم وإبراهيم علمني. وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها وأمرغ وجهي في التراب، وأسأل الله تعالى وأقول يا معلم إبراهيم فهمني.»[46] ويقول أبو الحسن الندوي: «وكانت لعلم الكلام الذي حمل لواءه الأشاعرة كلمة نافذة في هذا العصر، ولا سيما في مصر والشام، فقد كان السلطان (صلاح الدين) نفسه أشعرياً، حافظاً لمتن قطب الدين أبي المعالي الأشعري (الذي كان قد ألفه في العقائد) منذ صغره، وكان يشرِف على تحفيظه لأولاد أسرته الصغار، وكان هو وخلفاؤه بنو أيوب قد جعلوا الناس ملتزمين بالعقيدة الأشعرية، فكانت (الأشعرية) تتمتع بحماية الحكومة إلى عصره وعصر خلفئه مماليك مصر. وكان الحنابلة يُعتبرون خصماً معارضاً للأشاعرة، تحدث بينهم بعض المناوشات الكلامية، ويشتغل كلا الفريقين بالجدل والكلام، فقد كان كلام الأشاعرة وطريق إثباتهم مبنياً على الاستدلال العقلي والبرهان المنطقي. أما الحنابلة فكانوا يبحثون عن المعاني الظاهرة للنصوص والآيات والأحاديث، وكان يبدو في بعض الأحيان أن كفتهم تطيشُ في الجدال العلمي، لعدم تعمقهم في علم الكلام، وانقطاعهم عن ممارسة العلوم العقلية، فكان يغلب على الظن، ويخيل إلى الناس أن خبرتهم بالعلوم العقلية قليلة، أو عديمة، وأنهم ليسوا متعمقين في العلم. ولعل ذلك ما حفز ابن تيمية، ذلك الشاب الغيور، والعالم الذكي على التوسع والتعمق في علم الكلام، والاطلاع على العلوم العقلية مباشرةً، فعكف على الدراسة العميقة لهذه العلوم، وتبخر فيها، حتى أدرك مواضع الضعف فيها، وأخطاء مؤلفيها وأئمتها من حكماء اليونان، وتصدى للرد على هذه العلوم وانتقادها، وألف كتباً عجزت الأوساط الفلسفية كلها عن الرد عليه...».[47]

كذلك يذكر أحد المؤرخين أن ابن تيمية أتقن لغات أخرى غير اللغة العربية، منها اللغة العبرية التي تعلمها لدراسة العهدين القديم والجديد ويستدل بذلك قوله في مجموع الفتاوى: «وقد سمعت ألفاظ التوراة بالعبرية من مسلمة أهل الكتاب، فوجدت اللغتين متقاربتين غاية التقارب، حتى صرت أفهم كثيراً كم كلامهم العبري بمجرد المعرفة بالعربية». وأيضاً يذكر المؤرخون أنه أجاد اللغة التركية واللغة اللاتينية ودل على ذلك نص ورد في مجموع الرسائل الكبرى.[48]

شيوخه

سمع ابن تيمية من أزيد من مئتي شيخ كما يذكر جل المؤرخون، ومنهم: ابن عبد الدائم المقدسي، وابن أبي اليسر، والكمال بن عبد، وشمس الدين ابن أبي عمر الحنبلي، وشمس الدين بن عطاء الحنفي، وجمال الدين يحيى ابن الصيرفي، ومجد الدين ابن عساكر، والنجيب المقداد، وأحمد ابن أبي الخير الحداد، والمسلم بن علان، وأبو بكر الهروي، والكمال عبد الرحيم، وفخر الدين ابن البخاري، وابن شيبان، والشرف بن القواس، وزينب بنت مكي، وست العرب الكندية، وأبو محمد بن عبد القوي في اللغة العربية، وتاج الدين الفزاري، وزين الدين ابن المنجى، والقاضي الخويي، وابن دقيق العيد، وابن النحَّاس، والقاسم الإربلي، وعبد الحليم بن عبد السلام (والده)، وشرف الدين أبو العباس أحمد بن أحمد المقدسي، وجمال الدين البغدادي، وإبراهيم بن الدرجي، وعلي بن بلبان، ويوسف بن أبي نصر الشقاوي، وعبد الرحمن بن أحمد العاقوسي، ورشيد الدين محمد بن أبي بكر العامري، وبدر الدين بن عبد اللطيف خطيب حماه، وتقي الدين مُزيز، وتاج الدين أحمد بن مزيز، وجمال الدين أحمد بن أبي بكر الحموي.[49]

توليه التدريس

الجامع الأموي، المكان الذي بدأ ابن تيمية فيه بإلقاء دروس التفسير.

شرع ابن تيمية في التدريس والفتوى وهو ابن سبع عشرة سنة، بالإضافة إلى أنه قد بدأ في هذا السن بالتأليف أيضاً. وكان العالم كمال الدين أحمد بن نعمة المقدسي ممن أذن لابن تيمية بالإفتاء ويذكر المؤرخون أنه كان يفتخر بذلك ويقول: أنا أذنت لابن تيمية بالإفتاء.[50] وما إن بلغ ابن تيمية من عمره 22 سنة حتى توفي والده عبد الحليم ابن تيمية في سنة 682 هـ، وحدث فراغ كبير في مشيخة التدريس بدار الحديث السكرية. فخلفه ابنه أحمد ابن تيمية فيها وكان ذلك في 2 محرم 683 هـ.[51] يذكر المؤرخون بأن علماء كثر قاموا بحضور الدرس الأول لابن تيمية وأنه نال أعجابهم، وكان من هؤلاء العلماء بهاء الدين بن الزكي الشافعي، وتاج الدين الفزاري، وزين الدين ابن المرحل، وزين الدين ابن المنجا الحنبلي، وبعض علماء الحنفية. وفي العاشر من صفر جلس ان تيمية بالجامع الأموي بعد صلاة الجمعة للتفسير.[52]

وأما طريقته في إلقاء دروسه فقد وصف بأنه كان يجلس بعد أن يصلي ركعتين، ويحمد الله ويصلي على النبي، فيبدأ بدرسه من حفظه، وكان يغمض عينيه عند الحديث. وكان يتكلم على طريقة المفسرين مع الفقه والحديث، ويورد أيضاً في حديثه من القرآن والسنة واللغة والنظر.[53]

بالإضافة إلى تدريسه في دار الحديث السكرية وتفسيره القرآن الكريم في المسجد الأموي، فقد تولى التدريس بالمدرسة الحنبلية خلفاً للعالم زين الدين بن المنجا الحنبلي، ثم تنازل عن التدريس فيها بعد فترة طويلة لعدم تفرغه وكثرة أسفاره بين الشام ومصر، وانشغاله بمحاربة التتار، وإعداد الناس لمجابهتهم، وكان أول يوم في تدريسه بالمدرسة الحنبلية في 17 شعبان، وقد تركها بعد تنازله عنها لشمس الدين ابن الفخر البعلبكي.[54] وكان يورد الدرس بلا توقف ولا تلعثم وبصوت جهوري فصيح، ويجمع المؤرخون أن شروط الاجتهاد اجتمعت فيه، وكان أيضاً قد أقام عدة سنين إذا افتى، لم يلتزم بمذهب معين بل بما يقوم عليه الدليل، وأيضاً إذا ذكرت مسألة، يذكر فيها مذاهب الأئمة،[55] وبعد قدومه إلى دمشق سنة 712 هـ بعد أن غاب عنها فوق سبع سنين، أكمل تدريسه بمدرسة السكرية والحنبلية.[56]

محنه

محنته سنة 698 هـ بسبب تأليفه الحموية

بعث بعض أهل مدينة حماة من الشام استفتاءً في سنة 698 هـ إلى ابن تيمية يسألونه فيه عن تحقيق العلماء في الصفات التي وصف الله بها نفسه في الآية Ra bracket.png الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى Aya-5.png La bracket.png(سورة طه: آية 5) وفي الآية ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾(سورة فصلت: آية 11)، وما أشبههما، وعن تحقيق الحديث النبوي «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ» وقول الرسول: «يضع الجبار قدمه في النار»، وسألوه عما يقول العلماء في ذلك، وما يذهب إليه أهل السنة من العلماء في باب صفات الله؛ فأجاب ابن تيمية عن هذه الأسئلة بتفصيل وتوضيح كبير (عُرف هذا الجواب باسم "العقيدة الحموية الكبرى"، في رسالة تقع في 50 صفحة، ويقع ضمن "مجموعة الرسائل الكبرى")، ويذكر المؤرخون أنه تحدث في رسالته هذه عن مذهب الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، والمتكلمين المتقدمين مثل أبي الحسن الأشعري، والقاضي أبي بكر الباقلاني والجويني، وأنه قد استدل بأقوالهم وتأليفاتهم، ومن بعض كتبهم أنهم كانوا يرون الإيمان بصفات الله من واجبات الدين، ويذكر المؤرخون أنه ذكر أنهم يعترفون بحقيقتها مع جلال الله، وتجدر بذاته، مع التنزيه الكامل من كل تشبيه وتجسيم، ومن كل نفي وتعطيل.[57]

وإن هذه الفتوى رسالة علمية مستقلة يذكر الباحثون أن خصائص ابن تيمية العلمية والتأليفية تجلت فيها، وكان الأسلوب الذي احتوت عليه هذه الفتوى كان من نتائجها؛ استقبلا جيد من الأوساط الحنبلية، وسخط واستنكار عام في وسط الأشاعرة والمتكلمين، الذين كانوا يتمتعون بتأييد الحكومة والجماهير، وكان رجاله متبوئين منصب القضاء والإفتاء الرسمية.[58]

ذكر ابن كثير ضمن الأحداث التي وقعت في سنة 698 هـ، أن جماعة من الفقهاء قاموا عليه، وأرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي جلال الدين الحنفي فلم يحضر، فنودي في البلد في العقيدة التي كان قد سأله عنها أهل حماة المسماة "الحموية" فاتنصر له الأمير سيف الدين جاغان، وأرسل يطلب الذين قاموا عنده، فاختفى كثير منهم، وضرب جماعة ممن نادى على العقيدة، فسكت الباقون. واجتمع لاحقاً بالقاضي إمام الدين مع جماعة من الفقهاء، وبحثوا في "الفتوى الحموية"، وناقشوه في أماكن فيها، فأجاب عنها بعد كلام كثير، ثم ذهب ابن تيمية وسكنت الأحوال.[59]

ويُذكر أنه كان من المتوقع أن تكون هذه القصة قد امتدت، وثارت ضجة أخرى، ولكن حدث في نفس الوقت من الأحوال ما لم يسمح بالخوض في الخلافات والمناقشات العقائدية، وكان ذلك بعد غارة التتر، التي برز فيها ابن تيمية كقائد ومجاهد.[60]

محنته سنة 705 هـ

محنته سنة 707 هـ

محنته سنة 718-719 هـ

محنته سنة 726 هـ

مشاركاته العسكرية

حروب المغول

بدأ سلطان مغول الإلخانات محمود غازان بالمسير مع جيوشه إلى الشام في محرم 699 هـ / أكتوبر 1299 م. وتمكن جيشه من الاستيلاء على حلب، وقد هزم المغول وحلفاؤهم المماليك في معركة وادي الخزندار بتاريخ 27 ربيع الأول 699 هـ / 23 أو 24 كانون الأول/ديسمبر من عام 1299، وتقدمت جيوش غازان ودخلت دمشق في الفترة ما بين 30 ديسمبر 1299 و6 يناير 1300 ونهبوها، ولكن صمدت امامهم قلعتها، ورفض الأمير علم الدين سنجر المنصوري نائب قلعة دمشق المعروف بأرجواش الخضوع لغازان وتحصن في القلعة. واصل المغول تقدمهم ونهبوا الأغوار في طريقهم حتى بلغوا القدس، ووصلوا إلى غزة حيث قتلوا بعض الرجال في جامعها[61].

لقاء ابن تيمية مع غازان

بعد انتصار جيش غازان عاث جنوده في البلاد، فدبت الفوضى فيها خاصة بعد أن فر والي دمشق ومحتسبها إلى مصر، لذا فقد اجتمع ابن تيمية بأعيان دمشق يوم الإثنين 3 ربيع الآخر 699 هـ / 28 ديسمبر 1299 م واتفقوا على السير إلى السلطان غازان الموجود في بلدة النبك المجاورة والتحدث إليه[62]. فلما وصلوا إلى غازان ودخلوا عليه أخذ ابن تيمية يحث السلطان بقول الله ورسوله بالعدل ويرفع صوته ويقرب منه في أثناء حديثه حتى قرب ان تلاصق ركبته ركبة السلطان، والسلطان مع ذلك مقبل عليه ومصغ لما يقوله. وقال ابن تيمية للترجمان: "قل لغازان أنك تزعم أنك مسلم ومعك قاض وإمام وشيخ ومؤذنون على ما بدا لنا فغزوتنا وأبوك وجدك كانا كافرين وماعملا الذي عملت، عاهدا فوفيا وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت وجرت"[62]. ومع أن ابن تيمية حصل على وثيقة أمان من غازان إلا أنهم نقضوها واستمروا في نهب المدينة عدا القلعة التي أرسل قبجق إلى نائبها ليسلمها إلى التتار فرفض أرجواش تسليمها وامتنع أشد الامتناع، فجمع له قبجق أعيان البلد فكلموه أيضا فلم يجبهم إلى ذلك، وصمم على عدم تسليمها إليهم وبها عين تطرف. وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية قد أرسل إلى نائب القلعة يقول له ذلك: لو لم يبق فيها إلا حجر واحد، فلا تسلمهم ذلك إن استطعت[63].

ولما نكب دير الحنابلة في ثاني جمادى الأولى قتلوا خلقاً من الرجال وأسروا من النساء كثيراً، ونال قاضي القضاة تقي الدين أذى كثيرا، ويقال إنهم قتلوا من أهل الصالحية قريباً من أربعمائة، وأسروا نحواً من أربعة آلاف أسير، ونهبت كتب كثيرة من الرباط الناصري والضيائية، وخزانة ابن البزوري، وكانت تباع وهي مكتوب عليها الوقفية، وفعلوا بالمزة مثل ما فعلوا بالصالحية، مما حدا بابن تيمية ومعه جماعة من أصحابه يوم الخميس، 20 ربيع الآخر لمقابلة محمود غازان ليشكو إليه ما جرى من المغول بعد زمان الأمان الذي منحه لأهل الشام، غير أنه لم يتمكن من مقابلة غازان، فاجتمع بوزيره سعد الدين محمد الساوجي ورشيد الدين الهمذاني فذكروا له: "أن جماعة من المقدمين الأكابر -أي المغول- لم يصل إليهم من مال دمشق شيء، ولا بد من إرضائهم"[63].

ابن تيمية في الجهاد

مع اقتراب المغول لغزو دمشق من جديد عام 1303 خلال عهد المماليك بدأ ابن تيمية بتحريض أهل الشام في دمشق وحلب وانتدبه الناس للسفر إلى مصر لملاقاة سلطانها الناصر محمد بن قلاوون، وحثه على الجهاد، فأعاد نشر فتاويه في حكم جهاد الدفع ورد الصائل ثم سافر إلى أمير العرب مهنا بن عيسى الطائي فلبى دعوة ابن تيمية لملاقاة التتار.

وبعد استكمال الاستعدادات اجتمعت جيوش المسلمين من الشام ومصر وبادية العرب في شقحب أو مرج الصفر جنوبي دمشق في شهر رمضان فأفتى ابن تيمية بالإفطار وأنه خير من الصيام وأخذ يلف على الجند يأكل من طعام في يده يشجعهم على الأكل، واندلعت الحرب بقيادة السلطان الناصر والخليفة المستكفي بالله الذي كان يقيم في القاهرة فدامت يومين انتهت بانتصار المسلمين وبانتهاء معركة شقحب لم يدخل التتار الشام والعراق ومصر والحجاز. وتعتبر معركة شقحب من المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي ضد المغول بعد عين جالوت، وهي الوحيدة التي شارك فيها ابن تيمية وكان له الفضل في تشجيع الناس والشد على عزيمة الحكام وجمع الأموال من تجار دمشق لتمويل جيش الدفاع عن دمشق وكان على رأس جيش دمشق الذي حارب وهزم المغول وطاردهم شرقاً في داخل سورية حتى نهر الفرات. كان ابن تيمية أول الواصلين إلى دمشق يبشر الناس بنصر المسلمين ولما أحس بخوف السلطان من أن يستغل ابن تيمية حب الناس له فيثور عليه قال: "أنا رجل ملة لا رجل دولة".

وفاته

دخل السجن في شهر شعبان سنة 726 هـ.بسبب مسألة المنع من السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين.[64]. ومكث فيه حتى مرض ابن تيمية قبل وفاته بعشرين يوما. وقد مات في ليلة يوم الإثنين لـ20 من ذي القعدة سنة 728 هـ.[65]. ولم يعلم أكثر الناس بمرضه حتى فوجئوا بموته. ذكر خبر وفاته مؤذن القلعة على منارة الجامع وتكلم به الحرس على الأبراج فتسامع الناس بذالك واجتمعوا حول القلعة حتى أهل الغوطة والمرج وفتح باب القلعة فامتلأت بالرجال والنساء وصلي عليه بعد صلاة الظهر وكانت جنازته عظيمة جدا وأقل ما قيل في عددهم خمسون ألفا والأكثر أنهم يزيدون على خمسمائة ألف ثم دفن في مقبرة الصوفية قبل العصر بقليل.[66]

بعض تلامذته

مؤلفاته وآراؤه

لابن تيمية موروث كبير من المؤلفات كما قال الذهبي:"لعل فتاويه في الفنون تبلغ ثلاث مائة مجلد، لابل أكثر".[68] وكان يكتب من حفظه وليس عنده مايحتاج إليه ويراجعه من الكتب.[69] وكان سريع الاستحضار للآيات كما قال تلميذه ابن عبد الهادي:"أملى شيخنا المسألة المعروفة بالحموية بين الظهر والعصر".[70] وكان يكتب بخط سريع في غاية التعليق والإغلاق.[71] ذكر ابن القيم الجوزية في نونيته طائفة من أسماء مؤلفات ابن تيمية ومدحها.[72] وبلغت عدد المؤلفات المذكورة في كتاب (أسماء مؤلفات ابن تيمية) حوالي 330 مؤلفا.[73][74][75] وجمعت كثير منها في مجموع الفتاوى وطبعت في 37 مجلدا.

وهو القائل بأن العلوم الطبيعية أفضل من العلوم الرياضية وذلك ردًّا على فلسفة المشائين والذين تبنّوا رأي أرسطو القائل بأن أجلّ الفلسفة هي الفلسفة الإلهية ثم الفلسفة الرياضية ثم الفلسفة الطبيعية.[76] كما أنّه نقض الفلسفة الإلهية واستحسن الفلسفة الطبيعية (كالفيزياء وغيرها) و الفلسفة الرياضية وكل هذه الأمور تتجلّى معرفتها من خلال قراءة كتبه: الرد على المنطقيين ودرء تعارض العقل والنقل و الرسالة العرشية [77].

انتقادات

كما كان لابن تيميه مُحبين ومُناصرين ففي الطرف المُقابل كان لبعض العلماء والمُفكرين المُسلمين سواءً من العصر الحديث أو القديم موقفاً مُضاداً لابن تيميه، وذلك على خلفيّة الكثير من الفتاوى التي أطلقها في كُتبه والتي تقتصر ما بين التكفير والقتل والردة والزندقة والاستتابة وإباحة الدماء،[78][79] مُعتبرين ذلك تشويهاً للصورة الإسلاميّة القائمة على العدل والرحمة والتعايش والسلام ودفع الضرر بالتي هي أحسن، من علماء عصره الذين خالفوه العلاء البخاري أحد عُلماء المذهب الحنفي، وابن حجر الهيتمي أحد فُقهاء الشافعيّة، وتقي الدين السبكي والإمام الذهبي، ذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة بأن علماء عصر ابن تيمية اختلفوا فيه على قسمين أحد القسميّن نسبه إلى النفاق لما ذُكر من تهكّمات على رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب،[80] تستند مُعظم المُنظمات والجماعات الإرهابية إلى فتاوي ابن تيميه لتبرير جرائمهم، دون الرجوع إلى سندٍ شرعي من القرآن والسنة النبوية، منها قتال من يُخالفهم في الفكر والعقيدة والقتل بطُرقٍ تعذيبية كالحرق وتشويه الجُثث،[81][82] ومن الفتاوى والآراء التي لاقت موقفاً مُعادياً:

  • جواز قتل الإبن أباه المُشرك إذا أصرّ على شركه ودعاه إلى ذلك.[83]
  • الداعي إلى البدعة مُستحق العقوبة باتفاق المُسلمين، وعقوبته تكون تارةً بالقتل وتارةً بما دونه.
  • من ادعى أن أكل الحشيشه حلال فإنه كافرٌ، يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل كافراً مُرتداً، لا يُغسل، ولا يُصلى عليه، ولا يُدفن في مقابر المُسلمين.[84]
  • من ادعى أن الجهر بلفظ النيّة مشروعاً في الإسلام، يجب تعريفه في الشريعة واستتابته من هذا القول، فإن أصر على ذلك يُقتل.[85]
  • أن من أنكر أن الله استوى فوق سبع سمواته فهو كافر به حلال الدم، يستتاب، فان تاب وإلا ضربت عنقه وألقى على بعض المزابل (نقلاً عن ابن خزيمة).[86]
  • لن يقوم الدين إلا بالكتاب والميزان والحديد، كتاب يُهدى به وحديد ينصره.

كتب وأبحاث عن ابن تيمية

مراجع

هوامش

باللغة العربية

  1. ^ رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني، مرجع سابق. صفحة 35. 
  2. ^ أبو الحسن علي الحسني الندوي. تقديم: مصطفى السباعي - مصطفى الخن. (1428 هـ - 2007م). رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني. دار ابن كثير. صفحة 34. 
  3. ^ إبراهيم محمد العلي (1421 هـ- 2000م). شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة. دمشق: دار القلم. صفحة 21-28. 
  4. ^ رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني، مرجع سابق. صفحة 35-36. 
  5. ^ رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني، مرجع سابق. صفحة 37-38. 
  6. ^ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة، مرجع سابق. صفحة 28-29. 
  7. ^ رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني، مرجع سابق. صفحة 39-40. 
  8. ^ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة، مرجع سابق. صفحة 29-30. 
  9. ^ رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني، مرجع سابق. صفحة 42-43. 
  10. ^ رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني، مرجع سابق. صفحة 43-44. 
  11. ^ التبيان لبديعة البيان لمحمد بن ناصر الدين الدمشقي، الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون، مرجع سابق. صفحة 492. 
  12. ^ أ ب الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون، مرجع سابق. صفحة 248. 
  13. ^ محمد بن أحمد أبو زهرة (1898م - 1974م). ابن تيمية حياته وعصره - آراؤه وفقهه. القاهرة: دار الفكر العربي. صفحة 18. 
  14. ^ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي (المتوفى: 744 هـ). تحقيق: أكرم البوشي - إبراهيم الزيبق (1417 هـ - 1996م). طبقات علماء الحديث، الجزء الرابع (الطبعة الثانية). بيروت: مؤسسة الرسالة. صفحة 280. 
  15. ^ أ ب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة، مرجع سابق. صفحة 36. 
  16. ^ نعمان بن محمود بن عبد الله، أبو البركات خير الدين، الآلوسي. تحقيق: الداني بن منير آل زهوي (1427 هـ - 2006م). جلاء العينين في محاكمة الأحمدين (الطبعة الأولى). صيدا - بيروت: المكتبة العصرية. صفحة 23. ISBN 9953-34-575-9. 
  17. ^ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة، مرجع سابق. صفحة 35. 
  18. ^ الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون، مرجع سابق. صفحة 249. 
  19. ^ سميرة بنت عبد الله بكريناني (1412 هـ - 1992م). رسالة ماجستير: جهود الإمامين ابن تيمية وابن قيم الجوزية في دحض مفتريات اليهود. جامعة أم القرى-مكة المكرمة. صفحة 280. 
  20. ^ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة، مرجع سابق. صفحة 39-40. 
  21. ^ ابن ناصر الدين الدمشقي، تحقيق: زهير الشاويش (1400 هـ - 1980م). كتاب الرد الوافر على من زعم أن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر (الطبعة الأولى). بيروت - دمشق: المكتب الإسلامي. صفحة 50 إلى 55. 
  22. ^ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة، مرجع سابق. صفحة 42-43. 
  23. ^ كتاب الرد الوافر على من زعم أن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر، مرجع سابق. صفحة 49. 
  24. ^ الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون، مرجع سابق. صفحة 632. 
  25. ^ ابن العماد الحنبلي، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط - محمود الأرناؤوط (1413 هـ - 1992م). كتاب شذرات الذهب في أخبار من ذهب، المجلد الثامن (الطبعة الأولى). بيروت - دمشق: دار ابن كثير. صفحة 145-146. 
  26. ^ الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون، مرجع سابق. صفحة 633. 
  27. ^ رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني، مرجع سابق. صفحة 45-46. 
  28. ^ أ ب رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني، مرجع سابق. صفحة 47. 
  29. ^ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة، مرجع سابق. صفحة 46. 
  30. ^ الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون، مرجع سابق. صفحة 436. 
  31. ^ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة، مرجع سابق. صفحة 47. 
  32. ^ ابن تيمية تقي الدين أبو العباس. تحقيق:السيد الجميلي (1408 هـ - 1988م). كتاب استشهاد الحسين للطبري ويليه رأس الحسين لابن تيمية، مقدمة التحقيق. القاهرة: دار الريان للتراث. صفحة 176. 
  33. ^ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة، مرجع سابق. صفحة 47-48-49. 
  34. ^ رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني، مرجع سابق. صفحة 45. 
  35. ^ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة، مرجع سابق. صفحة 37. 
  36. ^ رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني، مرجع سابق. صفحة 47-48. 
  37. ^ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة، مرجع سابق. صفحة 62-63. 
  38. ^ رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني، مرجع سابق. صفحة 48-49. 
  39. ^ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة، مرجع سابق. صفحة 63-64. 
  40. ^ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة، مرجع سابق. صفحة 64-65. 
  41. ^ رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني، مرجع سابق. صفحة 49. 
  42. ^ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة، مرجع سابق. صفحة 66-67. 
  43. ^ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة، مرجع سابق. صفحة 67 إلى 75. 
  44. ^ رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني، مرجع سابق. صفحة 49. 
  45. ^ رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني، مرجع سابق. صفحة 50-51. 
  46. ^ رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني، مرجع سابق. صفحة 51. 
  47. ^ رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني، مرجع سابق. صفحة 52-53. 
  48. ^ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة، مرجع سابق. صفحة 81-82. 
  49. ^ الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون، مرجع سابق. صفحة 752-753-754. 
  50. ^ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة، مرجع سابق. صفحة 91-92. 
  51. ^ رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني، مرجع سابق. صفحة 53. 
  52. ^ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة، مرجع سابق. صفحة 95. 
  53. ^ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة، مرجع سابق. صفحة 95-99. 
  54. ^ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة، مرجع سابق. صفحة 103-104. 
  55. ^ الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون، مرجع سابق. صفحة 547. 
  56. ^ الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون، مرجع سابق. صفحة 479. 
  57. ^ رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني، مرجع سابق. صفحة 55-56. 
  58. ^ رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني، مرجع سابق. صفحة 59. 
  59. ^ رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني، مرجع سابق. صفحة 59-60. 
  60. ^ رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء الثاني، مرجع سابق. صفحة 60. 
  61. ^ المقريزي،2/326
  62. ^ أ ب اكتب عنوان المرجع بين علامتي الفتح <ref> والإغلاق </ref> للمرجع .D9.82.D8.B7.D8.A7.D9.86
  63. ^ أ ب البداية والنهاية. سنة 699 لإبن كثير
  64. ^ البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع.العلامة محمد بن علي الشوكاني.مكتبة ابن تيمية.القاهرة.(1/ 63-73).
  65. ^ معجم الشيوخ.الإمام الذهبي.تحقيق محمد الهيلة.نشر مكتبة الصديق بالطائف.الطبعةالأولى 1408.(1/ 56-57)
  66. ^ البداية والنهاية.ابن كثيرالمرجع السابق.(14/ 141-145).
  67. ^ الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون.جمع محمد عزيز شمس وعلي بن محمد العمران.دار عالم الفوائد.الطبعة الثانية.1422 هـ (755-757).
  68. ^ الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة.ابن حجر العسقلاني.طبعة المستشرق كرنكو.(1 / 144 - 160).
  69. ^ طبقات علماء الحديث.محمد بن عبد الهادي المقدسي.المرجع السابق.(4 / 290)
  70. ^ طبقات علماء الحديث.محمد بن عبد الهادي المقدسي.المرجع السابق.(4 / 292)(بتصرف).
  71. ^ تتمة المختصر في أخبار البشر.للعلامة عمر بن المظفر ابن الوردي.نشر دار المعرفة.بيروت.1389 هـ.(2/ 406-413).
  72. ^ النونية لابن القيم.شرح ابن عيسى.طبعة المكتب الإسلامي بدمشق سنة 1382 هـ.(2/ 297).
  73. ^ أسماء مؤلفات ابن تيمية.تحقيق صلاح الدين المنجد.مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق.الطبعة الثانية سنة 1372 هـ.
  74. ^ ابن قيم الجوزية حياته آثاره موارده.تأليف بكر بن عبد الله أبوزيد.دار العاصمة.الطبعة الثانية 1423 هـ.(ص 62)
  75. ^ انظر حول نسبة الكتاب لابن القيم في الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون.جمع محمد عزيز شمس وعلي بن محمد العمران.دار عالم الفوائد.الطبعة الثانية.1422 هـ.(56-63).
  76. ^ كتاب الرد على المنطقيين.
  77. ^ .كتاب موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من أراء الفلاسفة ومنهجه في عرضها.
  78. ^ جدل فقهي بعد استعانة داعش بفتوى لابن تيمية لتبرير إحراق الكساسبة اطلع عليه 4 فبراير 2015
  79. ^ ابن تيمية و428 فتوى بعنوان: (يستتاب وإلا قتل) اطلع عليه 1 يناير 2016
  80. ^ الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة - ابن حجر العسقلاني - المجلد الأول
  81. ^ "داعش" أحرق الكساسبة بفتوى "ابن تيمية" وعلماء المسلمين يستنكرون اطلع عليه 4 فبراير 2015
  82. ^ أس الإرهاب.. فتاوى ابن تيمية في إبادة المخالفين اطلع عليه 11 يوليو 2015
  83. ^ مجموع الفتاوى الكبرى المجلد الرابع عشر، ص478
  84. ^ مجموع الفتاوى الكبرى المجلد الرابع والثلاثون، ص213
  85. ^ مجموع الفتاوى الكبرى المجلد الثاني والعشرون، ص236
  86. ^ مجموع الفتاوى الكبرى المجلد السادس، ص391

بلغاتٍ أجنبيَّة

ملاحظات

وصلات خارجية